img_6160pios

المونسنيور د. بيوس قاشا

ما أجملها مسيرة الحياة، وما أغناها حياة الحقيقة، انها سِمة المحبة والخير والبركة، سِمة التواضع والوداعة، وتلك شهادةٌ لحياة الالم التي أُعطينا فداءً بها، ومحطاتها رسالة وانبعاث، وإن كانت مؤلمة، ومكللة بشوك الزمن، وهذا ما دعاني أن أقف في تلك المحطات، لأعاين رسالتي، وهمومي وآهاتي ومآسي الزمن، وكبرياء الكائن الذي طُرد من فردوس العلي، بسبب شهوته وفساده، فاليكم ما أدركته وما تعلَّمته، إنها محطات لحقيقة الحياة، ليس إلا.

– أين نحن من الذي يحصل، يقتلون منا ويذبحوننا ونحن نُصدر بيانات ونسكت، وأصوات الكبار والصغار والجمعيات واللجان وما شاكلها تعلو وفي اليوم التالي تَبُحّْ. وهنا يكون التساؤل: أين كبار زمننا، وقادة أحزابنا، وأمراؤنا، ومندوبو لجان خلاصنا، هل تركوا ساحة الشرف كي لا تُكتَب لهم الشهادة؟

– الكفاءة نعمة من رب السماء، والذكاء رسالة يحمل فيها الإنسان نِعَمها، ولكن أنْ تُدفَن الكفاءة والذكاء بحديث أشخاص فاسدين وحاقدين فذلك تشويه للسماء ولنِعَمِها. إنها حرب شعواء بين الشياطين السود والملائكة البيض، فضاعت المسؤولية وتاهت القوانين، وفي ذلك يقول أفلاطون: “الشخص الصالح لا يحتاج القوانين لتُخبره كيف يتصرف بمسؤولية، أما الشخص الفاسد فسيجد دائماً طريقة ما للإلتفاف على القوانين”.

– إنه زمن فيه نبيع حقيقتنا كي نربح أيامنا وأمكنتنا وأزلامنا، فنرسم لنا ملامح مستقبل ونهاية لمعارضينا، ونميت الكفوئين كي لا نبقى نحن في خانة المدراء الفاسدين فنُبعد عنا كل حقيقةِ وطنٍ وإخلاصِ شعبٍ. فهل سمعتم بوطن يبيع شعبه، وبرئيس يبيع أعداده؟، أليس ذلك زمن الضياع والفساد وشهادة زور؟، ومع هذا كله سيبقى الله على كل شيء شهيد وقدير.

– حتى ما يكون النفاق سبيلاً إلى الأعالي، وتكون الوجوه آيةً للتسامي، نعرف الحقيقة ونزيّفها، ونعرف الكذب وأحباله ونقدّسه، ونعرف الزور وشهوده فنزكّيه إلى الصلاح والبِرّ، ونشير إلى الفاسد ونباركه، وله يليق الإحترام والخضوع. ولا زلنا نخاف أن نقول الحقيقة، من أجل عدم ضياع مناصبنا ومآربنا واحتراماً لها كي لا نفقدها، فهي لنا آلهة ونحن لها عبيد، والحقيقة هي “إن العبد لا يعلم ما يصنع سيده” ( يو 15:15).

        – حتى ما نبقى في حالة إتّهام الأبرياء ونحن مدركون براءتهم، ونُنسب إليهم أباطيلَ وأحاديثَ شيطانيةً فنجعل منهم مجرمين ونحن نعلم أنهم أبرياء، لا جريمة تشوب مسار حياتهم، ونعمل هذا كله كي نُبعدهم عن سبيل الحياة من أجل الدنيا وحلاوتها والمصلحة ومكوناتها… ألسنا نحن الشياطين، بل شياطين سود ليس إلا!!.

– حتى ما نبقى نتاجر بخرزات سبحتنا وطولها ولونها وصنفها وقيمتها وقينات عباداتنا، ونجعل السامعين والرائين والمطيعين أن يُدركوا أن هذه دنيانا وهذه مآربنا في تمجيد اسم الله (جلّ جلاله) وننسى إننا في ذلك لا نمجّد إلا أنفسنا ولا نعبد إلا كبرياءنا، وطريق السماء ومآرب تمجيد الإله تكون في السيرة والمسيرة، في الطهارة والبرارة، في الشهادة والحقيقة، وليس بوقوفنا أمام أنظار مَن لهم العيون كي نُحسَب عندهم قديسين ونحن قد ملكنا كبرياءً ورياءً وغشّاً ليس إلا!!!.

– كنائسنا تحمل رسالة الإنجيل للبشارة بالمسيح الحي، فهي أماكن عبادة وصلاة، وفيها يرتفع الدعاء ببخور المصلّين إلى حيث الأعالي، وما ذلك إلا خبر مفرح لبشرى الحياة. أتمنى أن لا تكون كنائسنا مذياعاً للحفلات والسهرات من أجل الدنيا ومحاسنها، بل أن تكون ورقة بيضاء. فالأنشودة تقول “يا إله الخير أيها الرحمن، إقبل منا هذه الصلاة، واجعل منها يا ربنا للخطأة غفراناً”، فلا يمكن أن تكون الكنيسة قناة فضائية دنيوية.

– كنائسنا معابد صلاة، فيها نرفع دعاءنا إلى ربنا العليّ العظيم، وأيادينا ضارعة إلى ملك الكون، ولكن أن تكون صلاتنا وأن يكون دعاؤنا ورفع ايادينا بقلوب فاسدة ونيّات قذرة، في القتل والسرقة، فما ذلك إلا ” فرّيسية الروح ” (لوقا: 18) ” وصدّوقية الشريعة وكتّابها ” (متى: 23)، ونجعل من رب الكون عبداً (أستغفر ربي)، وعليه أن يعمل ما أشاء وليس ما يشاءه… ألسنا في ذلك مطيعون، وربّ السماء يقول لا ييليق السجود إلا لربّ الكون ليس إلا!!!.

– عجيب الإنسان في أمره، يعمل على طول بقاء حياته وهو يدرك جيداً أنه في قبضة الباري وإرادته، يربح جوازاً للخلاص والهروب كي لا تفنى دنياه وينسى أن يربح جوازاً للعبور نحو العلياء والمحبوب، ينادي بإنه باقٍ حتى دهر الدهور وينسى أنه في لحظة يُعلَن مجرى الأمور… فما أتعس الحياة حينما لا نفهم إرادة باريها، ولا نحب خالقها، ولا نقدس ساعتها.

– كانون كباراً ودون استحقاق، فلا علم ولا علماء، ولا شهادة ولا امتياز، بل تابعون أمناء وعبيد أوفياء وإنْ كانت الحقيقة تنادي بأنهم لا يستحقون، فلا آذان تسمع ولا عيون تؤمن، والسامعون لهم مراؤون، والناظرون إليهم مصلحيون، وهكذا شاءت إرادتهم. فعبيد اليوم مهانون خاضعون خانعون، وكبار الزمن _ وإنْ كانوا سرّاقاً _ فهم قديسون معلَنون.

– قالوا عنا إننا سرّاق وعلى القضاء إكمال إجراءاته، فسرقتهم لا يغفرها لا إله الحياة ولا إله الزمن، فيكتبون السماء بأسمائهم فهي مُلْكٌ لهم، هكذا أرادت آلهتهم وهذا الذي يجب أن يكون، فالحقيقة لا تكمن في القول والتهمات بل الحقيقة تحمل شهادة الحياة، وفي ذلك يدركون جيدا من هم السراق وكيف يلتفون على الحقيقة لغاية في قلوبهم، ليس إلا!!!.

– شاءت إرادة السماء أنْ حلّ ما حلّ فينا، وتلك إرادته سبحانه وتعالى. كما شاءت الدنيا أنْ تسيّرنا حسب هواها وأهدافها ولكن علينا أن نمتلئ من نِعَم السماء فتتلاحم أيادينا وتتعزز إرادتنا، فثقل الحياة ليس بإمكاننا حمله إلا إنْ كنا أوفياء لتربتنا ولأجيالنا وأحفادنا، ونطلب عون الله، وإنْ كان الإرهاب قد منح حياة لا يملكها، وتوصل الدنيا إلينا رسالة الدمار والتهميش والتهجير فيكتب لنا الزمن تاريخاً مزيَّفاً بالتهنئة وكباره… فتلك مصيبة المصائب وحقيقة النوائب.

– ألا يكفي زمن الحروب المميتة والطائفية المقيتة والعشائرية الهزيلة والقومية القبلية كي ننادي بالمواطنة الصالحة والعمل المشترك، وأنْ نضع الحقيقة والشهادة من اجلها وفي مكانها من أجل الوطن كي لا يبقى محتَلاًّ، فتُسلَب إرادته وإرادتنا، ويبقى مشتَّتاً بأبنائه وانتماءاتهم. والله بكل شيء عليم، نعم وآمين.