من 31 يوليو حتى 15 اغسطس 2017[1]

أو من يوم 7 اغسطس حتى 22 اغسطس 2017

 

 

اليوم الأول: الله يدعو مريم للعودة الي البيت السماوي

جاء في سفر أعمال الرسل:”حينئذ رجعوا الى أورشليم من الجبل المدعو جبل الزيتون الذى هو بقرب أورشليم على مسافة سفر سبت. ولـمّا دخلوا صعدوا إلـى العلّيـة التى كانوا مقيمين فيها بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس وفيلبس وتوما ومتى ويعقوب بن حلفى وسمعان الغيور ويهوذا أخو يعقوب. هؤلاء كلهم كانوا مواظبين على الصلاة بنفس واحدة مع النساء ومريم أم يسوع ومع إخوتـه”((اعمال الرسل12:1-14)

ويقول القديس الفونس دي ليجوري ان مريم العذراء بعد صعود ابنها للسماء وحتى انتقالها عاشت في شوق شديد للاتحاد به وطبقا لبعض الكتابات القديمة كانت تتعزى بزيارة الأماكن المقدسة في فلسطين حيث عاشت مع يسوع طوال حياته الأرضية. فزارت مغارة الميلاد في بيت لحم حيث وُلد ابنها وحانوت الناصرة حيث عاش ابنها وعمل عدة سنوات ومرّت على بستان جثسيماني حيث بدأ ابنها رحلة الآلام، ثم قصر بيلاطس حيث حُكم على ابنها وضُرب بالسياط والموضع الذي وضع على رأسه اكليل الشوك. وزارت عدة مرات جبل الجلجثة حيث مات ابنها وموضع القبر حيث وُضع فيه وتركته لأخر مرة. بتلك الطريقة هدئت الأم الحزينة بعض من حزنها والفراق القاسي عن وحيدها، ولكن كل هذا لم يكن كاف لإرضاء قلبها حيث لم تجد راحة تامة في هذا العالم بعيدا عن يسوع. كانت دائما تصرخ مع داود النبي: ” فَقُلْتُ: «لَيْتَ لِي جَنَاحًا كَالْحَمَامَةِ، فَأَطِيرَ وَأَسْتَرِيحَ!”(مزمور6:55) و” كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ”(مزمور1:42). امام هذا الشوق للقاء، سمع الله لهذا الحنين ودعاها للعودة لبيت الأب السماوي.   

تأمل: هل لديّ الشوق لوجود يسوع في حياتي كما كان لمريم؟ هل اتأمل في كل الأحداث التي مرّت في حياة يسوع كما فعلت مريم وكيف ينعكس ذلك على حياتي؟

صلاة: يا امي المباركة مريم اجعلي قلبي مثل قلبك وساعدني لكي يكون فيه نفس الشوق والحنين لإبنك الإلهي ورجائي ان أكون معكما في السماء الي ابد الأبدين. آمين.

ابانا والسلام الملائكي والمجد

اليوم الثاني: مريم تستعد للرحيل

جاء في بعض الكتابات القديمة انه قبل عدة ايام من إنتقال مريم العذراء من هذا العالم ان الرب يسوع ارسل لها رئيس الملائكة جبرائيل وهو نفس الملاك الذي اعلن لها البشارة وقال لها:”سيدتي ومليكتي، لقد سمع الله لرغباتك المقدسة ولقد ارسلني لأقول لكِ ان تعدّي نفسك لترك الأرض لأنه يريدك معه في السماء فتعالِ لتأخذي نصيبك في مملكتك لأنني وكل الساكنين في السماء ينتظرون بشوق لقدومِك”.  عندئذ لم تتمالك مريم العذراء المتواضعة من فرحتها فأجابت الملاك بنفس تلك الكلمات التى سبق وان قالتها من قبل: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ»(لوقا38:1)”. لقد اجابت مرة اخرى آمة الرب: “انه من عظمة الله وصلاحه قد اختارني وجعلني أما له وها هو الآن يدعوني للملكوت. انا لا استحق هذا الشرف ولا استحق كل هذا المجد ولكنه حيث ان مشيئته سُرّ ان يرى في شخصي سخاؤه اللامحدود فأنا مستعدة لأن أذهب حسبما يشاء وكما يُسرّ. هو ذا انا آمة الرب، فلتكن مشيئة ربي وإلهي فيّ ان تتم حسب قوله”. وبعد ان سمعت تلك البشارة المفرحة اعلنتها للقديس يوحنا. لنا ان نتخيل كيف كان وقع هذا الخبر على القديس يوحنا فهو الذي كان لعدة سنوات معتني بالقديسة مريم وكم سعد بالأحاديث السماوية وكلمات الحب الإلهي مع أم يسوع وها قد أتت ساعة الرحيل.

تأمل: لماذا رحبّت مريم بالموت بدلا من الخوف كما يفعل معظمنا؟ وكيف يمكنني ان أتمثل بإيمانها تجاه الموت والرحيل من هذا العالم؟

صلاة: يا مريم لقد ساعدتي المشرفين على الموت وحفظتيهم من زئير الشيطان وساعدتيهم ايضا بعد الموت مستقبلة نفوسهم وتقوديهم الي ملكوت ابنك الإلهي، فساعديني يا أمي وكوني معي في ساعة انتقالي للسماء. آمين. ابانا والسلام الملائكي والمجد.

اليوم الثالث: حزن الرسل عندما علموا ان مريم ستتركهم

 
 

كثير من الكتاب الأولين في الكنيسة الأولى اكدوا انه قبل رقاد مريم وكان الرسل منتشرين في أجزاء كثيرة من العالم للتبشير قد أتوا بطريقة عجيبة عندما سمعوا بقرب رحيل ام يسوع. وعندما رأت أولادها من حولها نظرت اليهم في حنان وقالت:” ابنائي الأحباء، انطلاقا من حبي لكم ولمساعدتكم بعد ان فارقني ابني وتركني هنا على الأرض وها انا اري ان الايمان المقدس انتشر في انحاء كثيرة من العالم وان ثمار بذرة الايمان السماوية بدأ ينمو فلقد راى ربي ان مساعدتي لكم هنا على الأرض أصبحت غير ضرورية وتعطفا منه نحو احزاني ببعدي عنه فلقد اصغى بكل حب لشوقي ان اترك هذه الحياة وان اذهب لأراه في السماء. يجب ان تبقوا وتحفظوا تعاليمه وتعملوا لمجده تعالى واذا ما تركتكم فقلبي سيبقى معكم. حبي الكبير الذي احمله لكم ساحمله معي للأبد. سأذهب للسماء وسأصلي من أجلكم”.

لنا ان نتخيل الدموع والحزن الذي ألّم بالرسل القديسين عند تلك اللحظة الحزينة وذلك الإعلان المؤلم. في بكاء حزين صرخوا قائلين:” انه في الحقيقة ان هذا العالم ليس مكانا مستحقا لكِ وبالنسبة لنا فنحن لا نتستحق التمتع بأن نكون في صحبة أم الإله ولكن تذكري انكِ امنا وحتى الآن فلقد أنرتِ الشك من قلوبنا وواسيتينا في احزاننا ومشقاتنا  فأنِك قوتنا في وقت اضهادنا فكيف تتركينا وحدنا وتهجرينا وسط العديد من الأعداء والمقاومين لنا ونُحرم من عزاؤكِ. لقد فقدنا قبلاً يسوع سيدنا ومعلمنا والذي نزل من السماءوعاش بيننا ثم صعد وتركنا على الأرض وكنت انتِ العزاء لنا يا أمنا فكيف تتركين يتامى بلا أب او أم، فيا أمنا الحبيبة إما ان تبقي معنا او تأخذينا معكِ للسماء”.

وهنا اجابتهم مريم:” لا يا أولادي فهذا ليس من مشيئة الله فأرضوا واقبلوا العمل الذي كلفنا جميعا به وعليه فعليكم البقاء لنشر رسالة المخلص ولتنالوا أكليل المجد”.

تأمل:  عندما افقد عزيز او حبيب فهل اقدر بالرغم من حزني ان اضع ثقتي في محبة الله وان اترك من أحب في يد رب الحنان وان اواصل رسالتي تلك التي كلفّني بها الله على الأرض؟

صلاة: ايتها الأم القديسة انت تعلمين كيف ان أمواج الحزن تجتاح قلب من يفقد عزيز او حبيب فلقد اختبرت كل هذا عند موت القديس يوسف وابنك يسوع فأبقي معي وعزيني في أوقات حزني وضعفي. آمين. ابانا والسلام الملائكي والمجد

اليوم الرابع: قصة الإنتقال

لا نجد شيئا عن هذا السر في الأناجيل أو الرسائل غير أنه سجلت لنا تقاليد قديمة وقصص

وروايات شعبية عن انتقال مريم العذراء منذ القرن الخامس وقد يكون أقدم تقليد حفظ لنا لقصة

الإنتقال في اللغة القبطية ، هو ذلك التقليد المعروف في الصعيدية والبحرية.

ومن بعده جاء التقليد اليوناني الذي حفظ لنا في خطبة منسوبة الى يوحنا الإنجيلي من القرن السادس ، وكذلك في خطبة ليوحنا التسالونيكي نحو سنة 620.

إن أقدم مخطوطة للتقليد السرياني للإنتقال ترجع الى القرن الخامس ، وضمن هذا التقليد في اللغة السريانية القديمة.

والى جانب هذه التقاليد الثلاثة وصلت الينا ترجمات قديمة مهمة في اللغة اللآتينية (ميليطون نحو سنة 550) والأرمنية والجيورجية والعربية والحبشية . ومن الخطباء والواعظين الذين فسروا معنى سر الإنتقال يمكننا أن نذكر يعقوب السروجي (521) في اللغة السريانية ، وعند البيزنطيين قسماس الخياط (القرن الثامن) وجرمانوس بطريرك القسطنطينية (733) وأندراوس الكرتوني 740 الذي القى خطبة في كنيسة قبر العذراء في القدس نحو سنة 718 ، ويوحنا الدمشقي الذي خطب في نفس المكان سنة 740 ويوحنا المسّاح (القرن الحادي عشر) الذي ربط رؤيا التجلي بالإنتقال السماوي..

تقاليد القصص الشعبية

1 – التقليد القبطي

لقد جاء فى كتاب سنكسار الكنيسة القبطية والمستعمل فى كنائس الكرازة المرقسية وهو الكتاب الجامع لسير الأنبياء والرسل والشهداء والقديسين لكل يوم من ايام السنة وايضا قراءات الأعياد السيدية والمجامع واعياد الملائكة والرسل والبطاركة والقديسين عامة فى الكنيسة ومشاهير القديسين فى العالم المسيجي قبل الإنشقاق عن قصة الإنتقال مايلي:

حسب روايـة القديس يوسف الأريوباغى مـا يلي: انـه بعد رقاد وموت مريم العذراء وكان جميع الرسل مجتمعين فى ذاك الوقت ماعدا تومـا الرسول الذى كان غائبا فى الهند عند نياحة العذراء، وعند عودتـه سأل عنهـا فأخبروه بكل ما حدث. وتظاهر القديس توما أنه لن يؤمن ان لم يرى الجسد بعينيه فى القبر، لكن عند القبر أخبرهم ان الجسد ليس بداخله، وبالفعل إذ دحرجوا الحجر لم يجدوا الجسد، فلم يعرفوا ماذا يقولون. عندئذ أخبرهم القديس توما أنه رأى جسدها يرتفع الى السماء، وقد أعطته القديسة مريم “طرحتهـا” وأراهم إياهـا، ففرحوا وسألوا الرب أن يروا العذراء. وفى فجر السادس عشر من مسرى حدثت رعود عظيمة وظهرت جوقة من الملائكة وجاء الرب يسوع محمولا من الشاروبيم، ومعه السيدة العذراء وأعطاهـم السلام  وقاموا برؤيتها وهي جالسة عن يمين ابنها وإلهها وحولها طغمات الملائكة وتمت بذلك نبوة داود القائلة: “قامت الملكة عن يمين الملك”. وهناك بعض الروايات تذكر أن جسد العذراء لم يصعد حتى السادس عشر من مسرى من يوم نياحتهـا فى 21 طوبـة قبل ذاك اليوم بسبعة أشهر، حيث جاء الرب ومعه نفس أمـه وسأل الجسد أن يصحبهـما فأخذها معه على مركبة تتقدمهما الملائكة.

تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى 16 مسرى من كل عام(22 أغسطس) بهذا العيد الـمبارك على حسب التقويم اليوليانـى، أمـا حسب التقويم الغريغورى “الـمصحح” فيقع فى 15 أغسطس وهذا ما تعيد بـه غالبية كنائس العالـم. ولقد بدأ فـى الإحتفال بهذا العيد فـى الشرق منذ

القرن الخامس الـميلادي.

والكنيسة القبطية الأرثوذكسية إذ تحتفل بعيد “رقاد العذراء” يوم 21 طوبـة فى كل عام قبطى والذى يوافق عادة يوم 29 يناير، وتحتفل بعيد ظهور جسدها الـموجود فى السماء للتلاميذ والذى يُطلق عليه عيد صعود جسدهـا للسماء فى يوم 16 مسرى الموافق 22 أغسطس، فيظهر هنا أن هناك فرق بين يوم رقادهـا ويوم إنتقال جسدهـا للسماء، بينما فى الكنيسة  الأثيوبيـة الأرثوذكسية فيُحتفل بدفن الجسد يوم 8 أغسطس وصعوده فى 9 أغسطس.

لقد تجنبت الكنيسة الكاثوليكية فى إحتفالاتهـا هذا الفرق فيتم الإحتفال للنياحة والصعود معاً فى 15 أغسطس.

أما في التقليد السرياني، فيقول هذا التقليد أن مريم العذراء كانت تصلي عند قبر المسيح في اورشليم عندما ظهر لها الملاك جبرائيل ليخبرها بموتها القريب. فتذهب مريم الى بيت لحم لتصلي من أجل مجيء الرسل ، فيتحقق هذا المجيء حيث يأتي الرسل ويحيطون بفراش مريم حيث يظهر المسيح مع الملائكة ، ليأخذ نفس مريم معه ، وسط نور عجيب . وعندما تتم مراسيم الدفن يأتي المسيح مع الملائكة ، ليحمل جسده أمه مريم الى الفردوس ، تحت شجرة الحياة ، وهناك يتحد جسد مريم بنفسها مرة أخرى.

تأمل: هل كنت متواجد عند مفارقة احد احبائي للنفس الأخير؟ ما هي الدروس التى تعلمتها في تلك اللحظة؟

صلاة: ايتها الأم المباركة مريم، انتِ حاميتنا وفرحنا فاجعليني مستحقا ومشاركا لكِ تلك السعادة والتى تتمتعين بها الآن في السماء. آمين. ابانا – والسلام الملائكي والمجد

اليوم الخامس- اجتماع الرسل:

مثلما اسلفنا ان الرسل الكرام قد اجتمعوا بالهام من الروح القدس إذ عند انتقال مريم العذراء كانوا متفرقين إلى اربع جهات الارض ليبشروا العالم كله بكلمة معلمهم الذي اوصاهم بان يبشروا الارض كلها. وكتب الاباء القديسين يسرد لنا بان الرسل الكرام وعلى لسان كل واحد منهم يقول لنا كيف اجتمعوا امام البتول مريم عند رحيلها من هذا العالم.

  • يوحنا الحبيب: وهو يوحنا صاحب الانجيل ورؤية. وهو الذي لقبه الرب بالحبيب، وهو
  • الذي أوصاه الرب بـ “هذه أمُك” فأخذها التلميذ إلى بيته من تلك الساعة. كان يوحنا في افسس في ذلك اليوم، فأعلمه الروح القدس قائلاً له “ها قد دنا رحيل ام سيدك من هذا العالم، قم وإذهب عندها في بيت لحم، لأنها بشوق شديد لرؤيتك. ها أنا أخبر ايضاً رفاقك ليذهبوا ايضاً لديها، من البلدان التي هم فيها، وحتى المائتون في قبورهم سيقومون ويذهبون للسلام عليها قبل ان ترحل وتذهب إلى ابنها الحبيب” ولما سمع يوحنا، استغرب وتأسف جداً، وطلب من تلاميذه الذين يخدمون الكنيسة بالخبر واوصاهم ان يرفعوا الصلاة للرب في وقتها. وانحنى هو باكياً ورافعاً صلاته للرب يسوع “الا امنحني يا ربنا يسوع المسيح القوة لأذهب وأرى والدتك قبل مماتها. فهي امي وام الكنيسة كلها، ارجوك يا سيدي اعطني الفرصة لأرى وجه امي الحبيبة” ولم يكد ان ينهي صلاته حتى حل الروح القدس عليه واوصله إلى باب العلية التي كانت مضطجعة فيها البتول، وفتح باب العلية، فوجدها مضطجعة على سريرها، فدنا منها وقبلها وقال لها “السلام عليك يا والدة المسيح، السلام على المسيح الذي ولد منكِ. لا تحزني ايتها المؤمنة لانك ستخرجين من هذا العالم بمجد عظيم”. عندما سمعت البتول هذا سرت سروراً عظيماً بمجيء يوحنا الحبيب عندها قائلا له: “قد هاجوا اليهود علي وأقسموا حالفين ان يحرقوا جسدي بعد موتي” اجابها يوحنا: الرب معكِ. مريم: صلِّ وضع البخور وقل “يا ربنا يسوع المسيح اسمع صوت والدتك وتعال عندها وهي تغادر هذا العالم”. وإذ صلى يوحنا سمع صوت من السماء يقول آمين.

بطرس: عندما اعلم الروح القدس القديس بطرس كان يقرب قربان الغرباء في روما. إذ كان منحنيا يصلي امام المذبح. فالهمه الروح القدس ان يذهب إلى بيت لحم عند البتول مريم.

بولس: القديس بولس ليس من التلاميذ الـ 12 إلا أن الروح القدس الهمه، إذ كان في مدينة تبر في روما قائلاً له “قد حان وقت رحيل ام ربك من هذا العالم”. فانذهل بولس من هذا الكلام وقام مسرعاً وشعل البخور وصل للرب ان يحضر عندها.

توما: اخبر الروح القدس توما الذي كان في الهند. بينما كان يزور ابن اخت لودان ملك الهند، وهو جالس على سريره يحدثه. نزل الروح القدس عليه كالبرق قائلاً له: “قم اذهب إلى بيت لحم فقد اقترب زمن ام ربك لتنتقل من هذه الدنيا”. ولما سمع القديس توما هذا خاف وذهب مسرعاً إلى الكنيسة ووضع بخوراً وصلى.

متى: اعلم الروح القدس متى وهو مسافر في البحر، وينقل الرسول متى لنا الخبر قائلاً “انا كنتُ في البحر فهاجت الامواج وغطت السفينة، وجاء بي الروح القدس إلى هنا عندك

يعقوب بن زبدي: يقول القديس يعقوب “انا كنت في اورشليم اقوم بخدمة الرب، اوحى لي الروح القدس قائلاً قد حان أوان انتقال ام ربك من هذا العالم” وخطفتني سحابة نوارنية واتت بي إلى هنا.

برتولماوس: يقول القديس برتولماوس: “انا كنتُ أبشر بأسم الرب في ثيبه ورأيت الروح القدس آتياً من السماء كبرق وقالاً لي قد حان زمن رحيل ام ربك من هذا العالم، فلنذهب عندها إلى بيت لحم، ووضعني حالاً في غمام النور ووصلتُ عندكم

فيلبس: يقول القديس فيلبس “انا عند رحيل البتول ام ربي من هذا العالم كنتُ ميتاً في القبر (اي جسدي تحت التراب اما روحي في السماء) فسمتُ صوتاً يدعوني: قم يا فيلبس فخطفني الروح وأتى بي إلى هنا”

سمعان الغيور: يقول القديس سمعان “انا ايضاً كنتُ ميتاً لكني رأيتُ يداً ترفعني وتقيمني من بين الاموات، فحملني الغمام واتى بي عندكم”

اندرواس: يقول القديس اندرواس: “انا قمتُ من القبر عندما صرخ صوت في أذني قائلاً: قم اذهب لدى رفاقك في بيت لحم، لان ام ربك قد حان وقت رحيلها من هذا العالم. ووصلتُ حالاً عندكم”

لوقا: القديس لوقا هو ايضاً لم يكن من التلاميذ الـ 12 إلا انه من التلاميذ الـ 70. وهب الرب له هذه النعمة لكي يشترك في هذه المناسبة العظيمة. يقول القديس لوقا: “انا قمت من بين الاموات عندما صرخ صوت كصوت بوق السرافيم واضاء النور قبري حيث كنت مضطجعاً وظننت ان يوم القيامة قد بلغ. وبغتة خطفني الروح القدس عندكم فجئت.

تداوس ومرقس: يقول التقليد ان التليمذ تداوس والقديس مرقس صاحب انجيل مرقس وهو من التلاميذ الـ 70. بانهم هم ايضاً كانوا مجتمعين مع التلاميذ ساعة انتقال البتول مريم.

تأمل: ما الذي يمكن ان أقول اذا ما كنت متواجدا امام جسد مريم البتول في ساعة انتقالها؟ او اذا زرت قبرها ذات يوم؟

صلاة: يا الله، ونحن نتذكر عطيتك العظمى لنا وهي مريم امك القديسة وسبب فرحنا وباب سماؤنا فلا نملك إلا ان نتوسل اليك ضارعين ان تبقى هي دائما معنا حتى تقودنا اليك يوما ما في السماء. آمين.

اليوم السادس مكان الإنتقال

اختلف تقليدان حول مكان انتقال والدة الإله إلى الأمجاد السماوية، هل حصلَ في المدينة المقدسة أم في أفسس (اليوم في تركيا). ولكن الاتفاق تام على العقيدة أي أن جسدها الطاهر الذي حمل مخلّص العالم، الكلمة المتجسد، ما ذاق بلاء الجثث الذي يُبتلى به البشر كإحدى عواقب الخطيئة وحدود الخليقة. وان اختلف التعبير عن هذه العقيدة – أو اعترض قوم على الكنيسة الكاثوليكية لأنها أعلنتها سنة 1954، غير أن الكنائس العريقة متّفقة على نقل الجسد العذري لام السيد المسيح إلى جوار ابنها الإلهي.

ونحن في القدس وسائر فلسطين -وان كنّا نحترم التقليد الذي يشير إلى أفسس- نعود إلى الحجارة المقدسة التي ليست أطلالاً نبكي عليها بل إشارات لمرور الرب وشهود صامتة ثابتة كالصخر في الصخر! وفي القرن الثاني الميلادي وثيقة عنوانها “نقل الطوباوية مريم البتول”. وان لم تكن قانونية ملهمة موحى بها غير أنها توحي بالعقيدة السائدة، ويثبّتها قبر للسيدة العذراء فارغ، في كنيسة “سيدتنا مريم”. في النص السرياني حول “نياحة السيدة” البتول يقرأ المرء وصفاً للمكان مطابقاً للموقع بقرب بستان الزيتون: “خذوا جثمان السيدة مريم واخرجوا خارج أورشالم إلى أول الوادي بعد جبل الزيتون. هنالك ثلاث مغائر…”. وفي القرن السابع يشير مار صفرونيوس (+ 638) بطريرك القدس إلى “الصخرة التي استراحت عليها والدة الفادي قُبَيل وفاتها”.

أسس هذه العقيدة الراسخة التي لم يذكرها العهد الجديد – موجودة في الوصية الرابعة: “أكرم أباك وأمّك”: نقل الوالدة إلى الأمجاد السماوية نفساً وجسداً احترام من الابن يسوع لأمّه المحبّة المحبوبة وإكرام منه – له المجد – للجسد الطاهر الذي حمله جنيناً. ومع أن نص المزمور السادس عشر (15) الآية 10 – يعلن أن الرب “لا يدع قدّوسه أو وليّه يرى فساداً” – والقدّوس المقصود هو يسوع، يمكن لتقوانا، بشكل خشوعي غير علمي، أن توسّع الإنعام فيشمل السيدة البتول كاملة القداسة المنزهة عن كل عيب، بحيث أن المباركة في النساء – المتألقة بينهن تألق “السوسن بين الشوك” – التي ما عرفت فساد الخطيئة – ما عرفت فساد الضريح. فهي السيدة الجميلة الاثيلة “الملتحفة بالشمس وتحت قدميها القمر” (عن رؤيا 12: 1)، إنها “أم النور” – كما تسمّيها تقوانا العربية – التي لا يُمكن أن تقبع في ظلمة القبور.

انتقال السيدة العذراء إكرام للأمومة، إكرام للمرأة التي تتمجّد في مريم كما يتمجد الرجُل في يسوع القائم من بين الأموات، مع أن يسوع هو “آدم الجديد” الذي يمثّل كل الناس رجالا ونساء. السيد المسيح صعد بقوّته الذاتية ومريم البتول نُقلت بقوّة المسيح ابنها ومحبته ونعمته. ولعلّ في انتقالها درسا للبشرية كي تُنصف المرأة وألام – بعد طويل ظلم وإجحاف وتهميش. وإكرام الرب يسوع لوالدته بنقله لجسدها الطاهر إلى جواره هو عين الصواب ونعم الإكبار. انتقال السيدة تكريم للمرأة التي أخطأت البشرية الوثنية في تأليه جسدها وأخطأت بعض البدع – ومنها المانوية والغنوصية – في احتقارها ووصفها بالنجاسة، وتخطئ العقلية الدنيوية ولاسيما الاستهلاكية في استغلال جسد المرأة سلعة ولهوا.

صرخ سفر الأمثال: “من يجد المرأة الفاضلة؟ إن قيمتها فوق اللآليء!” هذه الجوهرة الفريدة هي أم المسيح التي – كما نترنم كل سنة خصوصاً في كنيسة المهد وفي كل عيد ميلاد – “نالت فرح الأمومة وحافظت على شرف البتولية”. ونسأل الرب بشفاعة والدة الإله أن يساعدنا كي نحفظ الطهر والعفة نفساً وجسداً وأن “نضيء كالنيرات” مدركين أن أجسادنا هياكل لروح القدس” (عن الأولى الى الكورنثيين 3: 16 ، ثم 6: 19).

عليك السلام بلا ملل، وكما تكتنفك أيتها السيدة الوالدة مريم جحافل الملائكة والقديسين مشيدة بك مسبّحة للرب خالقك وفاديك – “أيتها البتول الأم، يا بنت ابنك” (دانته) – نحن أيضاً نكرمك وكما تنبأت في زيارتك لنسيبتك أليصابات في عين كارم “تطوّبك جميع الأجيال” (عن لوقا 1: 48).

تأمل:اذا ما احتفلت الملائكة بإنتقال سلطانة الملائكة للسماء، أفلا يجدر بنا أن نحتفل نحن

أيضا بذاك الإنتقال والذي هو رجاء لكل المؤمنين؟ ويجب ان افرح لأن أمي تملك الآن في السماء؟

صلاة: السلام عليكِ يا سلطانة السموات والأرض، افرحي ايتها العذراء المجيدة لأنكِ بالمجد تمجدتِ، فتشفعي من أجلنا لكي نستحق مواعيد ابنك يسوع المسيح. آمين.

اليوم السابع- لماذا الانتقال؟ – عظة للقديس يوحنا الدمشقي

في الواقع، إنّ هذا المسكن اللائق بالله، والينبوع غير المنقوب بيدٍ الّذي يتدفق منه الماء الغافر الخطايا، والأرض غير المحروثة المثمرة الخبز السماوي، والكرمة التي أعطت خمر الخلود دونما سقاية، وزيتونةَ رحمةِ الآب الدائمة الاخضرار ذات الثمار البهيّة، كان يجب ألا تقاسي اعتقال لجج الأرض لها. بل كما أن الجسد المقدس الطاهر الذي بواسطتها وحّده الكلمة الإلهي بأقنومه قد قام من القبر في اليوم الثالث، هي أيضاً كان يجب أن تُنتزع من اللحد وتنضمَّ الأمُّ إلى ابنها. وكما نزل هو إليها، هكذا هي نفسها محطُّ حبّه كان يجب أن تُنقَلَ إلى “المسكن الأعظم والأكمل” إلى السماء بعينها”.  كان يجب أن تأتي لتسكن في مظالّ ابنها، تلك التي قدّمت ملاذاً للكلمة الإلهي في حشاها. وكما قال الرب إنه سيكون في مسكن أبيه الخاصّ (بالضرورة)، 0هكذا كان يجب أن تسكن الأمّ في بلاط ابنها، “في بيت الرب وفي ديار بيت إلهنا” (مز134: 1، 135: 2). لأنّه إذا كان ها هنا مسكنُ جميع الفرحين” (مز7:78)، فأين ستسكن إذاً من هي علّة الفرح؟

كان يجب أن تحفظ جسدها بلا فساد، وحتّى بعد موتها، تلك التي حفظت بتوليتها كاملةً في الولادة. كان يجب أن تسكن في المظالّ السماوية تلك التي حملت خالقها طفلاً في حشاها.

كان يجب أن تأتي لتسكن في خدر الزواج السماوي، العروس التي اختارها الآب لنفسه. كان

يجب أن تشاهد ابنها جالساً بقرب الآب، من قد شاهدته على الصليب متقبلةً بذلك في قلبها

سيف الألم الذي تركها في ولادتها.

كان يجب أن تتسلّم والدة الإله خيرات ابنها وأن تكرّمها كلّ الخليقة كأمّ لله وأَمَةٍ له. فالميراث

يمرّ دوماً من الوالدين إلى الأولاد؛ وأما ها هنا، واقتباساً لعبارة أحد الحكماء، فينابيع النهر

المقدس ترتقي ثانيةً إلى أصلها، وذلك لأنّ الإبن قد أخضع لوالدته الخليقة بأسرها.

تأمل: هل اذا ما تأملت حياتي وكل ما مررت من سقطات وخطايا وما قدمت من ندامة حقيقية وتوبة صادقة يعطيني الثقة بانني سأنال الحياة الأبدية؟ واذا لم تكن في تلك الثقة وذاك الإيمان ماذا علي ان اصنع فيما تبقى لي من ساعات او أيام او سنون؟

صلاة: يا امي المحبوبة مريم، عندما تأتي ساعة موتي كوني حاضرة كإبن لكِ وقدميني لإبنك يسوع وتكلمي ودافعي وحامي عني واطلبي منه ان أكون معكِ في السماء. آمين.

ابانا والسلام الملائكي والمجد

اليوم الثامن: أبعاد انتقال مريم العذراء الى السماء

ما آمنت به الكنيسة منذ القرون الأولى وعبرّت عنه بطرق متنوّعة في الصلوات الليترجيّة ومواعظ الآباء، وتحديد العقيدة في الكنيسة الكاثوليكيّة في موضوع انتقال مريم العذراء بجسدها ونفسها الى المجد السماوي، هو إعلان للعظائم التي صنعها الله في مريم العذراء، بحسب قولها: “ها منذ الآن تغبّطني جميع الأجيال، لأنّ القدير صنع بي عظائم، واسمه قدّوس، ورحمته الى جيل وجيل للّذين يتّقونه” (لوقا1: 48- 50). إنّ عظائم الله قد رافقت مريم العذراء طوال حياتها، وبما أنّ الله هو إله الحياة التي لا نهاية لها، تؤمن الكنيسة أنّ ما صنعه الله من عظائم لا يتوقّف عند حدود هذه الحياة بل يمتدّ الى ما بعد الموت. ويستطيع كلّ مؤمن أن يقرأ في مسيرة حياة مريم العذراء مسيرة إيمانه، وفي مصير مريم العذراء بعد الموت مصير كيانه ومصير شخصه في نهاية الزمن.

الروح القدس أحيا جسد العذراء: يقول بولس الرسول: “إذا كان روح الذي أقام يسوع من بين

الأموات ساكنًا فيكم، فالذي أقام المسيح يسوع من بين الأموات يحيي أيضًا أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم” (رومية 8: 11).

انتقال مريم العذراء بجسدها ونفسها الى السماء هو نتيجة لعمل الروح القدس فيها. فالروح القدس الذي حلّ عليها وأحيا جسدها لتصير أمًّا لابن الله هو نفسه يكمّل عمله فيها ويحيي جسدها المائت وينقله الى المجد السماوي. الروح القدس هو قدرة الله المحيية، وهذه القدرة لا يوقفها شيء: إنّها حركة دائمة، وديناميّتها تفوق ما يستطيع عقلنا البشري تصوّره. بهذه القدرة كان يسوع يشفي المرضى ويخرج الشياطين ويقيم الموتى (راجع لوقا 4: 18- 19؛ مرقس18:12-28). وبهذه القدرة قام هو نفسه من الموت. وبهذه القدرة سيقيم الأموات في الدينونة العامة. ولأنّ مريم العذراء كانت في جسدها ونفسها مستسلمة استسلامًا تامًّا لعمل الروح القدس، آمن المسيحيّون منذ القرون الأولى أنّها حصلت حالاً بعد موتها على قيامة الجسد التي هي مصير كلّ المؤمنين في نهاية الزمن.

تأمل: ترى اي غنى روحي قد حصلت عليه نتيجة تكريمي لمريم العذراء؟ واي كنز سماوي احضرته مريم الي قلبي وحياتي؟

صلاة: عرّفينا يا أمّنا حقارة الأرض وبهاء السماء، لندرك مدى السعادة التي تنتظرنا. فيكون هذا العالم فقط مسرح جهاد يوصلنا للملكوت حيث السعادة الحقيقيّة بقرب خالقنا. فنستحقّ أن نشاهد مجده وعظمته، ويكون لنا شرف تسبيحه وتمجيده برفقة الملائكة والقدّيسين إلى دهر الدهور. آمين. ابانا والسلام الملائكي والمجد

اليوم التاسع: بهاء القيامة

الخلاص في الديانة المسيحيّة ليس إنقاذ الإنسان من الخطايا بقدر ما هو إعادته الى بها الصورة الإلهيّة التي خُلق عليها.. الديانة المسيحيّة هي ديانة البهاء والمجد، وتلك السمة هي التي تبرّر وجودها وتثّبت صحتّها. فإذا كان لله وجود، وإذا كان الله قد ظهر لنا في شخص ابنه وكلمته وصورة مجده يسوع المسيح، فلا بدّ من أن يكون الله إله المجد والبهاء. وهذا ما تعبّر عنه الكنيسة في اعتقادها بانتقال مريم العذراء. تقول الكنيسة البيزنطية في إحدى صلوات عيد رقاد السيّدة: “ما أعجب أسرارك أيّتها السيّدة النقيّة، لأنّك ظهرت عرشًا للعليّ، واليوم قد انتقلت من الأرض الى السماء. فمجدك وافر البهاء، ويعكس أشعّة المواهب الإلهيّة” (صلاة المساء الكبرى). إنّ أشعّة المواهب الإلهيّة التي حصلت عليها مريم العذراء تنعكس في حياتها. فهي السيّدة النقيّة لأنّها “ممتلئة نعمة”، وقد “ظهرت عرشًا للعليّ”، لأنّ ابن الله سكن فيها، وتكلّلت تلك المواهب “بانتقالها من الأرض الى السماء”، وظهر فيها مجد الله الوافر البهاء.
لا يمكننا التنكّر للواقع والتغاضي عن الخطيئة في العالم. ولكنّ قيامة المسيح هي أيضًا جزء من هذا الواقع. من قبر المسيح انبعث نور الله، ومع المسيح القائم من بين الأموات دخل مجد الله العالم، ويعمل كالخمير على تجديده من الداخل. تاريخ العالم ليس تاريخ معركة مجهولة المصير بين الحقّ والباطل، بل تاريخ ولادة جديدة. يقول بولس الرسول: “إنّ الخليقة قد أُخضعت للباطل .. إنّما على رجاء أنّ الخليقة ستُعتَق، هي أيضًا، من عبوديّة الفساد الى حريّة مجد أبناء الله. فنحن نعلم أنّ الخليقة كلّها معًا تئنّ حتى الآن وتتمخَّض، وليس هي فقط، بل نحن أيضًا الذين لهم باكورة الروح، نحن أيضًا نئنّ في أنفسنا منتظرين التبنّي افتداء أجسادنا” (رومية 8: 20-23). نحن من الآن أبناء الله، ولنا باكورة الروح، ولكنَّ ما نحن عليه سيتجلّى على أتمّ وجه في المجد الخالد، فيكون عندئذ للجسد المفتدى، القائم، قسط من السعادة كبير، حسب قول بولس الرسول:” الإنسان الأوّل من الأرض، من التراب، والإنسان الثاني من السماء. فعلى مثال الترابي يكون الترابيّون، وعلى مثال السماوي يكون السماويّون، وكما لبسنا صورة الترابي نلبس أيضًا صورة السماوي” (1 كورنثوس 15: 47- 49). في وسط عالمنا لبس المسيح السماوي جسدنا الترابي، وبهذا الجسد ارتبط بعالمنا. وقيامته الجسديّة لم تفقده ارتباطه بنا، بل بدخوله مجد الآب، صار ارتباطه بنا أكثر اتّساعًا. ارتفع عن الأرض ليجتذب اليه الجميع (يوحنا 12: 32)، ارتفع الى السماوات ليملأ مجده جميع الأرض، بحسب قول المزمور: “ارتفع اللهمّ على السماوات، وليكن مجدك على جميع الأرض” (مزمور 57: 12؛ راجع أيضًا أفسس 4: 8- 10). المسيح لم يتمجّد وحده. “فبعد إذ أميت بالجسد، استردّ الحياة بالروح، وبهذا الروح عينه مضى وبشّر الأرواح المضبوطة في السجن” (1 بطرس 3: 19)، أي إنّه نزل الى “الجحيم” مقرّ الأموات حيث كانت نفوس الصدّيقين تنتظر، كفي سجن، مجيئه الخلاصي وصعودها معه الى السماء، وبشّرها بأنّ عمل الفداء قد تحقّق، وتمّ الانتصار على الموت. وفي الموضوع عينه يتكلّم إنجيل متّى عن عامه كسيرين من الأموات مع المسيح: “القبور تفتّحت، وكثيرون من القدّيسين الراقدة أجسادهم فيها قاموا، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدّسة، وتراءوا لكثيرين” (متّى 27: 52-53).

إنّ ابن الله الذي “له مجد الآب من قبل كون العالم” (يوحنا 17: 5) قد تجسّد في أحشاء مريم العذراء. وبسبب تلك الشركة الروحيّة في المجد والبهاء بين السيّد المسيح وأمّه، آمنت الكنيسة أنّ مريم العذراء، بعد موتها، شاركت ابنها مجد قيامته كما شاركته، في تجسده، مجد ظهوره.

تأمل: هل فكرت يوما وداخلني الخوف من ان خطاياي العديدة لن تُغفر من الله وساورني الشك في امكانية غفرانها ونسيانها؟ وهل شككت يوما في ان مريم امي لن يمكنها مساعدتي امام حجم الخطايا التى اقترفها؟

صلاة: مريم العذراء يا أمي الحنونة كم من مرةٍ اخطأتُ وسامحتيني، وكم من مرةٍ ابتعدتُ عنكِ وعندما عدت استقبلتيني، وكم من مرةٍ جئتُ إليكِ مُثقلاًً بالهموم وأرحتيني، وكم من مرةٍ طلبتُ وتمنيتُ منكِ أمنياتٍ وأبداً لم ترُديني. فحقاً أنتِ أم عجيبة أعطاها الرب لنا ليحمينا ويقف بجانبنا ويقوينا. آمين. ابانا والسلام والمجد.

اليوم العاشر:  قيامة الأجساد:

جسد الإنسان، في نظر الكتاب المقدّس، ليس سجنًا يجب التخلّص منه للوصول الى العالم الحقيقي، عالم الأرواح. نظرة الكتاب المقدّس الى الإنسان لا تقوم على التناقض بين الجسد والروح، بل على التناقض بين الفرد المنعزل المتقوقع على ذاته والشخص المنفتح في علاقاته على الكون وعلى الآخرين وعلى الله. والجسد هو ما يتيح للإنسان الحيّ أن يرتبط بعلاقات بنّاءة بالكون والآخرين والله. فالجسد هو إذن الإنسان ذاته من حيث ارتباطه بالعالم الخارجي. لذلك أيضًا رأى معظم آباء الكنيسة، ولا سيّمَا في الشرق، أنّ التجسّد كان لا بدّ منه، ولو لم يخطأ الإنسان، وذلك ليكتمل ارتباط الله بالإنسان وارتباط الإنسان بالله، ونعمة الله التي تعمل في الإنسان تعمل فيه حيث يبني ذاته ويحقّق كيانه وعلاقاته، فتجعله في روحه وفي جسده أكثر انفتاحًا على الله وعلى الآخرين. للنعمة قوّة تغيير وانفتاح، وعملها هو عمل الحياة الإلهيّة نفسها. كلّ اتصال بالله لا بدّ له من أن يغيّر الإنسان، وإلاّ كان الله مجرّد وهم ابتكره خيال الإنسان ليكوّن لنفسه ما يتعلّق به في هذه الحياة المتقلّبة. إلهنا شخص حيّ يحوّل كلّ من يتّصل به، يدخل أعماق الإنسان ليملأه بحياته الإلهيّة. وقيامة الأجساد هي امتلاء الإنسان من تلك الحياة الإلهية في كل أبعاد كيانه وفي كل ارتباطاته بالله وبالكون وبالآخرين.
إيمان الكنيسة بانتقال مريم العذراء بجسدها ونفسها الى السماء هو اعتراف بأنّ اتّحادها الصميم بالله بجسدها ونفسها، هذا الاتحاد الذي تحقّق لها بتجسّد ابن الله في أحشائها، كما تحقّق لها أيضًا بأمانتها لمحبّة الله واستسلامها لعلم الله فيها طوال حياتها، هذا الاتّحاد يستمرّ بعد موتها باشتراكها في مجد القيامة. فكما تمجّد ابنها وصار مرتبطًا بدخوله مجد الله بالعالم كلّه، هكذا أيضًا تمجّدت مريم العذراء وصارت مرتبطة بالعالم كلّه. وما سيحدث لجميع المؤمنين في القيامة العامة، أي ارتباطهم الكامل الممجّد بالعالم وبالله، قد حدث لمريم العذراء كما حدث لابنها يسوع المسيح لدى قيامته من بين الأموات.
ثمّ إنّنا في انتقال مريم العذراء الى المجد السماوي نقرأ عمل الروح القدس في الإنسان. وكل مؤمن يعرف أنّ مسيرة حياته هي مسيرة عمل الروح القدس فيه. ومريم هي في الكنيسة رمز عمل الله في كل مؤمن.

تأمل: هل أقوم بدوري وبإرشاد ومعونة الروح القدس أن أعرّف الأخرين بمريم العذراء وبذلك يقتربون اكثر نحو يسوع فيحبونه ويخدمونه ويمجدونه؟

صلاة: اجعلينا يا مريم أن نسلك طرق الربّ القويمة وكوني شفيعتنا رغم تناسينا لك، لأنّنا ضعفاء، قوّينا بقوّة الروح القدس الذي حلّ عليك، فنكون رسلاً وشهودًا لكلمة الله القدّوس نحملها في قلوبنا وتكون الوحيدة على ألسنتنا لأنّ لا شيء أرفع وأسمى وأقدس منها.

ابانا والسلام الملائكي والمجد للآب

اليوم الحادي عشر: الإنتقال الى السماء

لقد ذُكر فى الكتاب المقدس امثلة لرحيل غير عادي لبعض القديسين فنجد اولا اخنوخ البار

الذى جاء عنه:”وسلك اخنوخ مع الله ولم يُوجد بعد لأن الله اخذه”(تكوين24:5)، ولقد عرّفنا القديس بولس انه”بالإيمان نُقل اخنوخ لئلا يرى الموت ولم يوجد بعد لأن الله نقله لأنه من قبل نقله شُهد له بأنه أرضى الله”(عبرانيين5:11) .

وهناك ايضا احداث غير عادية صاحبت موت موسى”ودفنه فى الوادى فى ارض موآب تجاه بيت فغور ولم يُعرف احد قبره الى يومنا هذا”(تثنية 6:34) وهذا السر الغامض جاء عنه فى رسالة يهوذا حيث جاء:”إن ميكائيل رئيس الملائكة لمّا خاصم إبليس وجادله من جهة جُثة موسى لم يجسر ان يحكم عليه حُكم لعنة بل قال له ليزجرك الرّب”(يهوذا9) واخيرا فى اثناء تجلّي يسوع على جبل التجلي”إذا موسى وإيليا ترآيا لهم يخاطبانه”(متى3:17) وهنا ظهرا نبيان من العهد القديم احدهما يمثل الشريعة و الآخر يمثل الأنبياء  فى هيئة جسدية.

والمثل الثالث هو رحيل ايليا النبي والذى كان ايضا غير عادي”وفيما كانا سائين وهما يتحدثان إذا بمركبة ناريّة وخيل ناريّة قد فصلت بينهما وطلع إيليّا فى العاصفة نحو السماء” (4ملوك11:2). هذه الأحداث الخاصة بأخنوخ وموسى وإيليا تضع الأساس الكتابي لقبول حقيقة “الرحيل” او “الإنتقال”rapture. فكلمة rapture تأتى من الكلمة اللاتينية raptusوالتى تعنى “يُحمل بعيداً”. فى علم اللاهوت المسيحي نجد معنى اكثر وضوحا فى رسائل القديس بولس الرسول:”فنقول لكم بكلمة الرب إنّا نحن الأحياء الباقين الى مجيئ الرب لا نيبق الراقدين لأن الربّ نفسه عند الهتاف عند صوت رئيس الملائكة وبُوق الله سينزل من السماء ويقوم الأموات فى المسيح اولا ثم نحن الأحياء الباقين نُختطف جميعا معهم فى السحب لنُلاقي المسيح فى الجو وهكذا نكون مع الرب دائما”(1تسالونيكي14:4-16)، “فى لحظة و طرفة عين عند البوق الأخير فإنه سيهتف فيقوم الأموات عديمي الفساد ونحن نتغير” (1كورنثوس52:15).

على هذا الأساس من النصوص الواردة فى الكتاب الـمقدس والتى تعضد إنتقال مريم العذراء للسماء،تلك التى لم تُمس بالخطيئة، فلابد لها ان تُعاين ثمار قيامة ابنها يسوع المسيح وذلك بإنتقالها للسماء بعد إنتهاء حياتها على الأرض.

تأمل: ما الذي يعيقني في الثبات في المسيح يسوع؟ وهل طلبت معونة الروح القدس؟ وهل طلبت معونة مريم العذراء لكي تساعدني على التمسك والعمل بكل ما يطلبه مني ابنها؟

صلاة: السلام عليك، أيتها الملكة أم الرحمة والرأفة، السلام عليك يا حياتنا ولذّتنا ورجانا إليكِ نصرخ نحن المنفيّين أولاد حواء، ونتنهّد نحوك نائحين وباكين في هذا الوادي وادي الدموع، فأصغي إلينا يا شفيعتنا، وانعطفي بنظرك الرؤوف نحونا، وأرينا بعد هذا المنفى يسوع ثمرة بطنك المباركة، يا شفوقة، يا رؤوفة، يا مريم البتول الحلوة اللذيذة. آمين.

ابانا والسلام الملائكي والمجد

اليوم الثاني عشر-عيد انتقال مريم العذراء للسماء بالنفس والجسد

الأعياد تنشأ في زمان معين فعيد الفصح نفسه قد ظهر بعد عصر الرسل. تكون الفكرة أولا ثم يأتي ظرف لتجسدها بصورة احتفالية. من المعروف أن كل الأعياد المريمية مبنية على التقليد الكنسي،فالإنجيل لا يذكر شيئا عن موتها، ولكن ما من شك أنها لم تخرج من فلسطين وأن الرسل أو معظمهم لم يكونوا قد ذهبوا إلى البشارة.

على الأرجح ظهر عيد الرقاد في أواسط القرن الخامس بمناسبة تكريس كنيسة بين أورشليم وبيت لحم بعد هذا بنيت كنيسة في الجثسمانية حيث دفنت والدة الإله.

1- كان مار أفرام أول من أثار مسألة وفاة مريـم في الأرض. لم يقل شيئاً، لا إنها ماتت ولا إنها بقيت خالدة. لا يبدو أنه يعرف أي تقليد على هذا الموضوع.

2- عيـد الرُّقـاد.

غير أن إعلان مريـم أم الله في مجمع أفسس، بقوله إن جسد العذراء المجيدة وَلَد الله، مهّد الطريق لتفهّم وفاتها المجيدة. ونحن نعلم أن كنيسة أورشليم، في نحو السنة 425، قبل هذا المجمع إذاً، أقامت عيد ذكرى السيدة مريم «التي صارت منذ نحو 550 عيد الرُّقـاد».

غير أنه لمّا صار هذا العيد عيد « الرُّقـاد »، وأخذ المسيحيون يتكلّمون على «رقـاد في الموت» أو على «موت في الرُّقـاد »، اختيرت كلمة « الرُّقـاد » للإشارة على وفاة مريم العجيبة المجيدة، لأن وفاة أم الله لا يمكن أن تكون وفاة عادية، مثل وفاة سائر الناس.

ان أقدم الأعياد المريمية ،هو عيد تكريم لمريم العذراء “والدة الله” ومنذ القرن الرابع ارتبط هذا

العيد بتذكار “راحة مريم” المصادف 15 اغسطس الذى جرى احتفاله في قرية صغيرة تقع بين اورشليم وبين بيت لحم ، حيث يقال ان مريم استراحت فيها قبل أن تضع وليدها ، أو عندما هربت الى مصر. 0ولكن بعد أن تم اكتشاف قبر مريم في اورشليم (قبل سنة 431) ارتبط هذا العيد بالكنيسة التي بنيت فوق هذا القبر وهي “كنيسة قبر مريم العذراء” في وادي جتسماني ، فارتبطت فكرة “راحة مريم ” بفكرة ” “انتقال مريم”.

وفي القرن السادس اصدر الأمبراطور موريطبوس (582-602) أمرا بقبول العيد في المشرق البيزنطي. وانتقل إلى الغرب في عهد البابا ثيودورس الأول (647-649).

عظات شهيرة تشهد لهذا العيد، ألقيت في القرن الثامن، وقد ألقاها القديس جرمانوس بطريرك القسطنطينية (توفي 733)، والقديس أندراوس الكريتي (توفي سنة 740) والقديس يوحنا الدمشقي (توفي سنة 753)، وغيرهم من الواعظين المشهورين في القرن السابع. وقد استعمل لهذا العيد عدة تسميات منها “عيد رقاد والدة الإله” أو “انتقال” أو “صعود” العذراء.

بعدئذ أضيفت اليه فكرة “وفاة مريم” ، فكرس الأمبراطور اندرونيقوس الثاني (1282-1328) شهر اغسطس كله لهذا العيد. أن أكثرية الكنائس تحتفل بهذا العيد في الخامس عشر من شهر اغسطس.

 عيد انتقال مريم العذراء في الغرب: في القرن السابع قام البابا سركيس (السرياني الأصل) في روما بتخصيص مسيرة احتفالية بمناسبة عيد الأنتقال. ومن خلال المسيرة حملت ايقونة المسيح الى حيث حفظت ايقونة مريم العذراء ، تعبيرا عن مجيىء المسيح الى أمه ليأخذها معه في المجد ، ومن مكان هذا اللقاء استكملت المسيرة الى كنيسة مريم العذراء الكبرى ، حيث وضعت الأيقونتان على المذبح ، الأولى بجانب الثانية ليتم تكريمها معا من قبل المؤمنين.

ولقد كان لهذا الإحتفال أثر كبير على تشكيل صورة مشهورة للإنتقال وهي فسيفساء من القرن الثاني عشر في كنيسة مريم العذراء ، “عبر نهر تيبر” في روما، وتظهر فيها مريم العذراء وهي جالسة الى جانب إبنها المسيح ، على عرش المجد الواحد ، بثياب ملكية والتاج على رأسها ، والمسيح يحتضنها ويلف ذراعه حول كتفيها.  وبعد القرن الثامن انتشر العيد من روما وعم الغرب كله ، ويهتم التقليد الغربي بالإنتقال (الصعود الجسدي) أكثر مما يهتم بالوفاة والدفن.

  تأمل: هناك العديد من المناسبات والأعياد الدنياوية نبتهج ونفرح فيها، فهل ادرك عظمة الإحتفالات الكنسية بأعياد السيد المسيح ومريم العذراء؟

صلاة: أيها الآب الازلي، يا من اخترت مريم لتكون أمًّاً لابنك الوحيد، أعطنا أن نعيش فضائلها في التواضع والالتزام والصلاة والخدمة والاهتمام بالآخرين، فنكون على مثالها تقودنا إلى ابنك بالرّوح والحق، فنسمعها تقول: “إفعلوا ما يأمركم به”، للثالوث الأقدس، المجد إلى الأبد، آمين.

أبانا والسلام والمجد

اليوم الثالث عشر: عقيدة انتقال مريم العذراء في الكنيسة الكاثوليكيّة

في اول مايو من عام 1946 سأل البابا بيوس الثاني عشر أساقفة الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم كلّه: هل يؤمن المسيحيّون في الأبرشيات التي يرعونها بانتقال مريم العذراء إلى السماء بجسدها ونفسها؟ فكان شبه إجماع حول وجود مثل هذا الإيمان لدى الأساقفة واللاهوتيّين وسائر المؤمنين من الشعب المسيحي. وفي أوّل ديسمبر عام 1950، أعلن البابا هذا الانتقال كعقيدة إيـمانيّة فى رسالة عنوانها:”Munificentissimus Deus.  وفى هذه الرسالة يرسم أوّلاً لوحة لتاريخ هذا الاعتقاد منذ القرن السادس، ثمّ يبيّن كيف وعت الكنيسة إيمانها بهذا الموضوع، وكيف استخلصت هذا الإيمان من معطيات الكتاب المقدّس، ويقول: “إنّ هذه البراهين كلّها والاعتبارات التي نقرأها لدى الآباء القدّيسين واللاهوتيّين تستند إلى الكتاب المقدّس كأساس أخير لها. فالكتاب المقدّس يرينا والدة الإله متّحدة اتحادًا وثيقًا بابنها الإلهي ومشاركة إيّاه على الدوام مصيره. فيبدو من ثمّ من المحال أنّ التي حبلت بالسيّد المسيح وولدته وغذّته بلبنها وحملته على ذراعيها وضمّته إلى صدرها قد انفصلت عنه بعد حياتها على هذه الأرض، إن لم نقل بنفسها، فبجسدها. فبما أنّ فادينا هو ابن مريم، لما يكن باستطاعته، هو الخاضع خضوعًا تامًّا للشريعة الإلهيّة، ألاّ يؤدّي الإكرام ليس فقط إلي الآب الأزلي بل أيضاً إلى أمّه المحبوّبـة. وبما أنّه كان يقدر أن يصنع لها هذا الإكرام فيحفظها من فساد الموت، فيجب الإيمان بأنّه صّنعه لها.
“ويجب بنوع خاص أن نتذكّر أنّ آباء الكنيسة، منذ القرن الثاني، رأوا في مريم العذراء حوّاء الجديدة، خاضعة دون شكّ لآدم الجديد، لكن متّحدة به اتّحادًا وثيقًا، في العراك ضد العدوّ الجهنّمي، هذا العراك الذي سبق سفر التكوين (تكوين 3: 15) فبشّر بأنّه سوف ينتهي بالنصر الكامل على الخطيئة والموت اللّذين يذكرهما دومًا رسول الأمم متّحدين (رومية5: 6)؛ (1كورنثوس15: 21-26)،فكما أنّ قيامة المسيح المجيدة كانت جزءًا أساسيًّا من هذا الانتصار، كذلك كان يجب أن ينتهي العراك الذي قامت به مريم العذراء بالاتّحاد مع ابنها بتمجيد جسدها العذري، حسب قول الرسول نفسه: “ومتى لبس هذا الجسد الفاسد عدم الفساد، ولبس هذا الجسد المائت عدم الموت، فحينئذ يتمّ القول الذي كتب: لقد ابتُلع الموت في الغلبة” (1كورنثوس 54:15)، “إن والدة الإله السامية المقام، المتّحدة اتّحادًا سريًّا بيسوع المسيح “في قرار الاختيار الواحد عينه الذي مسبق الله فاتّخذه”، المنزّهة عن العيب في حبلها، العذراء الكلّية الطهارة في أمومتها الإلهيّة، الرفيقة السخيّة للفادي الإلهي الذي أحرز انتصارًا شاملاً على الخطيئة ونتائجها، قد حصلت أخيرًا على هذا التتويج الفائق لإمتيازاتها، فحُفظت من فساد القبر، وعلى غرار ابنها، بعد أن غلبت الموت، رُفعت بالجسد والنفس إلى المجد في أعلى السماوات، لتتألّق فيها كملكة على يمين ابنها، ملك الدهور الأزلي (2 تيموثاوس17:1). “إنّ الكنيسة الجامعة التي فيها يحيا روح الحقّ الذي يقودها لتصل إلى معرفة الحقائق الموحاة، قد أعلنت إيمانها بطرق متنوّعة على مدى الأجيال. وأساقفة العالم يطلبون باتّفاق شبه تامّ أن تُعلَن كعقيدة إيمان إلهي وكاثوليكي حقيقةُ انتقال الطوباويّة مريم العذراء إلى السماء بجسدها، تلك الحقيقة التي تستند إلى الكتاب المقدس، المغروسة في قلوب المؤمنين، والمعلَنة منذ القرون الأولى في عبادة الكنيسة، والمفسَّرة والمعروضة بشكل رائع في أعمال اللاهوتيّين وعلمهم وحكمتهم. لهذه الأسباب نعتقد أنّه قد أتى الزمن الذي حدّدته مقاصد العناية الإلهيّة لأن نعلن رسميًّا هذا الامتياز الفائق الذي تتمتّع به الطوباويّة مريم العذراء…
“فبعد أن وجّهنا إلى الله صلوات ملحّة، والتمسنا نور روح الحقّ، لمجد الله ألقدير الذي أغدق بسخاء عطفه الخاص على مريم العذراء، وإكرامًا لابنه، ملك الدهور الحيّ قاهر الخطيئة والموت، وزيادة في مجد والدته السامية المقام، وفي سبيل الفرح والابتهاج في الكنيسة جمعاء، بسلطان ربّنا يسوع المسيح، والرسولين بطرس وبولس، وبسلطاننا الخاصّ نصرّح ونعلن ونحدّد كعقيدة أوحاها الله أنّ مريم والدة الإله المنزّهة عن العيب والدائمة البتوليّة، بعد أن أنهت مسيرة حياتها على الأرض، رُفعت بالنفس والجسد الى المجد السماوي”.
بهذه التعابير أعلن البابا عقيدة انتقال مريم العذراء إلى السماء بنفسها وجسدها، مؤكّدًا أنّه لا يضيف شيئًا، في إعلانه هذه العقيدة، إلى إيمان الكنيسة، بل يعبّر بشكل واضح عن هذا الإيمان الذي يعود إلى القرون الأولى للمسيحيّة.

تحتـفـل الكنيـسة الكاثوليكيــة فى أنحـاء العـالـم فى الخامـس عشر من أغسطس من كل عـام بهـذا العيـــد. 

إن إنتقال مريم العذراء بجسدها ونفسها الى السماء هو نتيجة لعمل الروح القدس فيها. فالروح

الذى حـل عليها وأحيا جسدها لتصير أمـاً لابن الله, هو نفسه يكمـل عمله فيها ويحيي جسدها المائت وينقله الى المجد السماوي لآن مريم العذراء كانت فى جسدها ونفسها مستسلمة إستسلامـا تــامـا لعمل الروح القدس . فإنـتـقـال مريم حدث سـبـاق لتحرير البشر أجمعين من سلطان الموت وعودتهم الى وضعهـم الفردوسي الآول و هـذا الإنتقال كما يقول المجمع الفاتيكانى الثانى هو “علامة رجاء وطيد”, رجاء فى أن قيامة الأموات بفضل يسوع المسيح ستتم وتحدث, وإنتقال مريم الى السماء بجسدها وروحها علامة لقيامة البشر. أنـه يبدو من المحال إن مريم العذراء التى حبلت بالسيد المسيح وولدتـه وغـذتـه بلبنها وحملته على ذراعيها وضمتـه إلى صدرهـا قد إنفصلت عنه بعد حياتها على هذه الآرض, إن لم نقل بنفسها, فبجسدها. فبما أن فادينا هو إبن مريم, لم يكن بإستطاعته , هو الخاضع خضوعا تاما للشريعة الإلهية, ألاُ يؤدى الإكرام ليس فقط الى الآب الآزلي بل أيضا الى أمـه المحبوبة فحفظها من فساد القبر فرفعت بالجسد والنفس الى المجـد فى أعلى السماوات, لتــتألـق فيهـا كملكـة على يمين ابنها ملك الدهور الآزلي.

تأمل: اذا ما اطاع الرب يسوع وصية اكرام الوالدين واعطانا يسوع امه مريم لتصبح اما لنا فهل لا نقدم نحن لها الإكرام الواجب؟ كيف يمكنني ان اقدم الإكرام لمريم ام يسوع اليوم؟

صلاة: يا ابنة الآب الأزلي وام الإبن الأزلي وعروس الروح القدس وهيكل الثالوث الأقدس ويا ملجأ المحتاجين ورجاء الخطاة والمملوء بالحب والتقدير والشكر اكرس نفسي لخدمتك دائما واقدم لكِ قلبي وكل ما هو لي وما امتلك. اقبلي يا سلطانة السموات والأرض تقدمتى هذه واحصلي لي من ابنك الحبيب يسوع المسيح النعمة التى اطلبها بشفاعتك فى هذه الساعة. احصلي لي ايضا على حب الله الدائم وعلى الخضوع التام لإرادته السماوية وعلى الروح الحقيقية للمسيحية وعلى نعمة المواظبة حتى النهاية. آمين.

ابانا والسلام والمجد.

اليوم الرابع عشر: رفع المتواضعين

قالت مريم في نشيد تعظم نفسي الرب الذي رددته يوم زيارتها لنسيبتها اليشباع أن الرب ((رفع

المتواضعين)) ولقد تحقق هذا القول في شخصها، اذ استحقت من الأب السماوي نعمة وامتيازا ً لم يمنح لغيرها من البشر مكافأة لتواضعها العميق، وحياة الألم التي عاشتها، وهذا الأمتياز هو انتقالها بالنفس والجسد الى السماء.

انها مكافأة خاصة بمريم، اذ لم يكن معقولا ً ولا مقبولا ً أن يخضع للموت ذاك الجسد الطاهر

الذي منه ولد الكلمة الألهية. كيف تضم الارض هذا الجسد النقي أو كيف يمكن للعناصر ان

تحلله وتلاشيه؟

ان انتقال مريم الى السماء بالنفس والجسد عقيدة ايمانية لها جذورها في التقليد الديني المتواتر عبر التأريخ في الشرق والغرب.
ان للجسد في التفكير المسيحي حرمة وكرامة وقداسة لأنه هيكل الروح القدس منذ أن يحل فيه بالعماذ أولا ً ويتغذى بالقربان المقدس من ثم، فهو مزمع أن يقوم بالمجد في العالم العتيد.
فلنجعل من أجسادنا آنية طاهرة مكرسة لله لنستحق المجد السماوي قرب مريم العذراء.
تأمل: عندما تصلّي يوميا لله قدّمً صلاة خاصة بمريم وأقصد أن تقوم بعمل ما لمجد اسم يسوع والتزم بقصدك.

صلاة: أذكري، يـا مريم العذراء الحنون،أنـه لـم يُسمع قطّ أنَّ أحداً التجأ الى حمايتك وطلب معونتكِ والتـمس شفاعتك ورُدّ خائبـاً. فأنـا الخاطي أتقدّم اليكِ بهذا الرجاء وبهذه الثقة،وأرتـمي على قدميكِ متنهداً تحت نيـر خطاياي، مُلتجئـاً اليكِ. فلا ترذلـي تضرعاتـي، يا والدة الكلـمة الإلهيـة، بل استجيـبيهـا وأقبليهـا بحنـو. آميـن

 اليوم الخامس عشر:

يا مريم، الملكة التي انتقلت إلى السماء، أنا أتهلل فرحاً لأنّك بعد سنوات من الاستشهاد البطولي على الأرض، أُخِذت أخيراً إلى العرش الذي أعدّه لك الثالوث الأقدس في السماء.

 ارفعي قلبي معك في مجد انتقالك فوق وصمة الخطيئة المفزعة البغيضة. علميني كم تبدو الأرض صغيرة عندما تشاهد من السماء.

  اجعليني أدرك أنّ الموت هو بوابة النصر التي سأعبر منها إلى ابنك، وأنّه يوماً ما سيتّحد

جسدي مع نفسي في سعادة السماء التي لا تنتهي.

 من على هذه الأرض التي أسير عليها كمسافر، أرفع عينيّ إليك طالباً العون وأسألك هذه النعمة (اذكر طلبتك). عندما تحين ساعة موتي، قوديني بسلام إلى حضرة يسوع، لأتمتع برؤيا ربي معك للأبد. آمين.

 

[1] Deacon Nabil Yacoub, St Mary Coptic Catholic Church, Los Angeles