Iraqpios1

بداية النهاية

الحلقة الأولى: اضطهاد وسؤال في المصير

المونسنيور بيوس قاشا

   في البدء

في صحف”الغارديان ونيويورك تايمز” المعروفة والعريقة بشهرتها وبوسع انتشارها بدأت تتصدّر إيحاءات واضحة وجليّة من المراكز القريبة منها بأن الشرق في مدى السنوات الخمس القادمة سوف لن يبقى فيه مسيحيٌ واحدٌ ، إنه تصريح خطير وبالغ الأهمية ، ويحمل حقيقة مؤلمة إذا ما تحقق، وإنه لمن يفهم لغة الغرب أي إنه قرار وسينفَّذ ضمن هذه الفترة، بالخصوص إذا كانت مصالحهم تتوافق مع هذا الإيحاء أو هذا المخطط. كما نشر مراسل صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية “دانيل ويلياميز” في العراق وباحث سابق في مؤسسة هيومان رايتس وتش تقريراً حول معاناة المسيحيين العراقيين تحت عنوان “انتهاء المسيحية في العراق”، قائلاً:”إن جزء من خطاب الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” في 10 سيبتمر2015، والذي دار حول تنظيم داعش، كان ضرورة مساعدة المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية الذين طُردوا من المدن والقرى في شمال البلاد”.

وحسب تقرير جديد صدر عن مؤسسة الإعانة البريطانية التي يدعمها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، فإن المسيحية يمكن أن تنقرض في العراق في غضون 5 سنوات.وكان هذا التقرير الذي يبحث في شؤون الاضطهاد الذي تتعرض له جماعات المسيحيين عبر أرجاء العالم، حيث جمعته المؤسسة الناشطة في مجال الإغاثة لصالح الكنيسة، معروضاً للقراءة أمام مجلس اللوردات البريطاني قبل أيام قليلة. وبموجب ملاحظات أدلى بها رئيس الوزراء البريطاني كاميرون لصحيفة “كاثوليك هيرالد”، فقد بدا واضحاً دعم الأخير لتفاصيل التقرير وما ورد فيه، لاسيما حقيقة أن المسيحية تتعرض إلى عملية تمييز ممنهجة ضدها، وإن أبنائها يُستَغَلّون ويُطرَدون من أوطانهم ومنازلهم حتى، وإن ذلك يجري كل يوم دون إنقطاع.وتقول مجلة “نيوزويك”: إن “هذا التقرير يسلط الضوء على محنة المسيحيين في العراق، هذا البلد الذي عانى عدم الاستقرار السياسي منذ حرب العام 2003 فضلاً عن الاضطهاد الذي جاء به تنظيم داعش الإرهابي الذي أمكن له أن يقلّص أبناء هذه الطائفة إلى حوالي ربع مليون مسيحي عراقي بعد أن كان عددهم يربوا على 1,5 مليون في زمن النظام السابق.

نعم، إنها مقدمة مخيفة ومسيرة متشائمة وإن كانت كذلك فأنا لستُ متشائماً ولكن يجب أن نكون حكماء العقل والفهم والإدراك أمام هذه التقارير حقيقة كانت أم لا، واقعية كانت أم لا،أكيدة كانت أم لا، المهم أن ننتبه ونحن حاملين أملاً ورجاءً… فالمسيحي لا يُعرَف بدينه ولا بمذهبه وقوميته بل بوطنه.

   أمل ودمار

ما هذا الذي يحصل في عراق الخير، في أرض الآباء والأجداد، في سهل نينوى المسيحي وبلداته؟. هل هو حقيقة الحقد والكراهية، أم عراك من أجل كراسي المصالح والمحسوبيات، أم أحداث أليمة خلّفتها ظروف قاسية وأوقات حاسمة ومصيرية مرّت بالعراق بسبب حكّامه ومناصبه وكراسيه، وأوصلتنا إلى ما نحن فيه من حالة اقتتال وتهجير ونزوح وتشريد؟. ظروف قاسية بسبب حروب بالية أكلت أموالنا وحصدت أجساد أبنائنا وإنْ لم يكن لنا فيها غير إخلاصنا وحقيقة إيماننا وحبنا لذرات ترابنا، وربما هذا لم يدركه إخوتنا في الوطن إلا أننا غرباء، فاجتمعوا من أجل إزالتنا ومحو أصالتنا وتشويه سلوكنا من أجل حقيقة بائسة أرادوها ليبرّروا مآربهم، وأصبحنا لا نرى إلا إننا راحلون، ولا نقرأ إلا إننا مغادِرون ولا مصير لنا في أرضنا، ولا نفكر إلا بأن الأرض تلفضنا. فبعد حروب مرّت علينا كغمامة سوداء، وحصار ظالم حصد أجساد الأبرياء والأطفال والنساء، ودخلنا تاريخ الاحتلال وكنا نأمل ولكن أملنا أصبح لنا دماراً، فأتانا داعش الإرهابي، أخافنا باسمه وهجّرنا بأعلامه وأجبرنا على ترك بيوتنا وممتلكاتنا، وفرض علينا جزيته وذمّته لا لسبب إلا لأننا مسيحيون، وأصبحنا صيداً سهلاً أمام أنظار كبار الدنيا ومخططات المصالح، وكُتب علينا الموت أو الرحيل من أجل شعوب أخرى وإنْ كانت غريبة الأصول. هكذا هو الألف الثالث، وذلك يجب أن يكون.

   حلول وقرارات

بالأمس كما اليوم لا زلنا نفتش عن حلول ناجعة وقرارات جدية لوجودنا المسيحي وحقيقة أرضنا ونقاء ديموغرافيتها في قُرانا ومدننا وبلادنا المسلوبة قسراً ودون إرادتنا وبلا أحقية، ولكن حتى الساعة بلا جدوى ولا أمل لعودتنا إلى ديارنا، ولا مجال للوعود التي قيلت ومن على المنابر تُذاع، ولا بصيص نور يرينا سبيل الحقيقة في سؤال لماذا الذي حصل؟… وما هي الخطيئة التي ارتكبناها وطال صبرنا؟… وفي ذلك يتجدد سؤالنا كل صباح من صباحاتنا الأليمة وكل مساء من مساءاتنا الحزينة حتى ما يا أبانا؟…حتى ما يا سيدنا؟… حتى ما يا إلهنا؟… ويأتينا الجواب خيالاً نعتبره حقيقة “إن شاء الله غداً”، نعم غداً ستُقرَع أجراس العودة، ومَن سيقرعها؟… هل الرحلات المكوكية لأصحاب الصفوف الأولى أو المؤتمرات العالمية التي فيها نكشف أسرارنا ليقرروا أهدافهم، أو اجتماعات إقليمية ومحلية وعائلية ليسألوا عن عددنا وكم بقينا، وهل سنبقى أو هل سيدوم وجودنا أم ستموت حضارتنا. فالإعلام شيطان أخرس وعليم في سرقة أخبارنا وأقليتنا وبطاقة وطنيتنا وهوية أحوالنا ليعلن كثعلب ماكر أن هؤلاء لا زالوا في الحياة فلا حسم لقضيتهم، وهو يدرك أن لا قضية لنا لأن مصالحنا وكبرياءنا أعمتا أنظارنا، وأضاعتا حقوقنا، وأطرشتا آذاننا، وأصبحنا عمياناً نقود شعوباً تائهة (متى 14:15) وكأننا آلهة المسيرة (يو34:10)، فكُتب علينا النزوح وبمذلّة ، لم أقرأ عن مثيلاتها ، إلا أيام الحزب الشيوعي والماسونية، وافترشنا أراضي الجيران في حدائق وكرفانات وأخرى، وأعلنّا فشلنا بسبب تقديس فسادنا وفساد مدرائنا وأصحابنا وكبار مسيرتنا، وإن لم تكن الدراهم مُلكهم بل مُلك سيدهم وسجّلنا مالهم مالنا… إنها معاناة في أزمنة صعبة وحالة أسوأ.

   حضور واستهداف

نعم، يقول غبطة أبينا البطريرك روفائيل الأول ساكو:”إن معظم المسيحيين كانوا يعيشون في المدن الكبرى وفي الريف لاسيما في قرى سهل نينوى، ويشتغلون “في مجالات الحياة”، وحضورهم كان مؤثراً بسبب ثقافتهم وإخلاصهم، ولكن بسقوط النظام (الاحتلال) بدأ مسلسل استهدافهم بشكل مباشر مما دعاهم إلى الهجرة وهدّد وجودهم الكارثي في المنطقة” (ساكو؛ كانون الأول 2004). هُجّروا وتوزّعوا على أرض كوردستان في ليلة مشؤومة مساء وفجر 6 آب 2014 أي قبل حوالي اثنين وعشرين شهراً ومنها إلى أرجاء المسكونة بدءاً من الأردن _ لبنان _ تركيا _ مصر على أمل الوصول حيث اللجوء بأنواعه، وما هو إلا جواب السؤال إلى أين؟. وهناك قرّروا البقاء ولا أمل في العودة. إنها أوقات حاسمة ومصيرية. إنها هزيمة وأية هزيمة. إنها إبادة جماعية لا وصف لها ولا مقياس، فالضحايا لا يقاسون اليوم بأعدادهم بل بوفاء مرؤوسيهم. إنه زمن الطائفية والمحسوبية والعشائرية والـ “عمّك خالك”، زمن المصالح والأنانيات ، بدءاً بكبار الزمن وانتهاءً بصغير الخدم وهؤلاء يُكتَب لهم النجاح إذا كنّا لهم من المهتمين وقارئي علامات الزمن وإلا ضاعت حقوقنا وأصبحنا تائهين في مسارات البحار الهائجة، لا ندري أين يحلّ مركبنا، وهل سنبقى نصيد شملنا فقد تعبنا كما تعب أحباءنا طوال الليل “تعبنا الليل كله ولم نَصِدْ” ( يوحنا 6:21). إنه ضياع.

   مصير وكارثة

أهذا هو مصيرنا!… أناس يموتون لأنهم مختلفون. نحن شعوب مسيحية لألفي سنة ونيف، بالأمس القرني ذَبَحَنا الجيران في إبادة لا توصَف، واليوم يعيدون تلك الكارثة وبصور أكثر تقنية. فعدوّ الأمس هو عدو اليوم، فهُدّد وجودنا حسب قانون الدول ووفق معاييره. ألم يؤكد ذلك الإعلان المشترك الذي وقّع عليه البابا فرنسيس والبطريرك كيريل للكنيسة الأرثوذكسية (كوبا 12شباط 2016) بـ “أن جميع العوائل والقرى والمدن لإخواننا وأخواتنا في المسيح تمّ إبادتها كلياً في العراق وسوريا، ودعا المجتمع الدولي إلى توحيد الكلمة في مواجهة الإرهاب والعنف”، وهذا ما أكّده البرلمان الأوروبي في مؤتمرات عدّة وكيف أن داعش ترتكب الإبادة الجماعية ضد المسيحيين والأقليات الدينية.

نعم، قلتُها، ما حلّ بالمسيحيين كارثة بل إبادة واقتلاع من أصولهم، وهذا يعكس المسيرة المؤلمة لهم في أزمنة الحكم المختلفة، فهم كانوا ولا زالوا بلا حقوق حتى الصورية منها، والجريمة الكبرى هي الحروب التي خاضوها دون إرادتهم بأوامر صدرت إليهم وأودت بحياة عدد كبير من أبنائنا، منهم قُتلوا ومنهم سُجّلوا في سجلات المعوقين، ومنهم أُسروا ولحد الآن لا زالت عودتهم في خبر كان،ولا أحد يسأل عنهم، واليوم داعش يفتك ولا يزال يفتك كما يشاء بمدنهم وفي تدمير كنائسهم وأديرتهم وسلب ممتلكاتهم وتجريدهم من كل شيء وكأنهم آلهة الشر _ بل هم كذلك _ وأمام أنظار الجميع، الصغار والكبار، الحكّام والمرؤوسين… إنهم ضحايا. إنهم بين المطرقة والسندان عبر جرائم لا تُعَدّ ولا تُحصى، مرة في الخطف والسلب وأخرى في التهجير ومصادرة الممتلكات وثالثة في تغيير الانتماء الديني والقومي والديموغرافي لا لسبب سوى لأنهم مسيحيون، ووضعوهم أمام مستقبل مجهول وخيارات ثلاث أما إعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو القتل، وأذاقوهم العذابات المريرة وأصبحوا تائهين كما حصل لقايين (تكوين 14:4)، وأصبحت الأرض التي رافقتهم في مسيرة الحياة لغيرهم وبعد أجيال وأجيال من العيش والإقامة، والحقيقة شاهدة إنهم ارتكبوا بحق المسيحيين أفعالاً بقصد التدمير بشقَّيه الكلي والجزئي، وأمام هذا كله كان ردُّ الفعل الدولي غيرَ منصفٍ وعادلٍ بحقهم، فمنذ سنوات وعصابات إرهابية تعيث فساداً في أرضنا أمام مرأى ومسمع الجميع من دول عظمى ومنظمات دولية، وإذا ما كان هناك ردّ فلم يكن بالمستوى المطلوب إزاء التدمير الذي لاقوه، فقد طالت أيام النزوح، وزادت قوة العصابات التي قتلت واغتصب ونهبت مدناً بأكملها وشرّدت مئات الآلاف من المسيحيين العراقيين… أليست هذه كلها إبادة وفق معايير القانون الدولي في ارتكاب أفعال بقصد التدمير!!!.

   مسيحية ووجود

ألا يحق لنا السؤال عن مصيرنا جميعاً؟… هل نحن سنبقى في حالة حرب وهزيمة، في حالة نزوح وهجرة ورحيل؟… هل ستطول الحالة أم ستنتهي؟… ماذا سنقول لأجيالنا؟… ومتى سنساهم ونشارك في سن قوانين بلدنا لنعلن حقوقنا وحقيقتنا ؟… هذه الأسئلة وأخرى تجول في فكر وخاطر كل مسيحي عراقي في الداخل والخارج. فالمسيحيون الذين خدموا هذا البلد بتفانٍ وإخلاص منذ آلاف السنين استبشروا خيراً حينها بسقوط النظام لعلّه سينصفهم ويحقق حقوقهم، إلا أن الذي حصل كان عكساً تماماً، فلا أحد سائلٌ عن وجودهم، والمقولة التي تقول “أن المسيحيين هم خميرة الشرق في ثقافتهم” أصبحت في خبر كان كما هو حال الحضارة في أصولهم… إنها ساعة _ أقولها _ على المسيحيين وضع استراتيجية في الصمود لمساعدة المسيحي على الثبات في أرض الأجداد، فلا يجوز بعد للمسيحي أن يفكر فقط في الرحيل وهو يخلع عنه أصوله في أرضه، ولا يجوز له أن يبقى دون رؤية حقيقية لوجوده وإلا كل شيء ماضٍ نحو الخراب والدمار واستئصال الجذور والوجود، صحيح، فإذا بقينا نعتمد الأعمال المرتجلة في عقد اجتماعات وحضور مؤتمرات، والتراخي أمام المنظمات وكأننا أفقر الفقراء ومن دون نتيجة، فلا مستقبل لنا، ولكن الحقيقة تدعونا إلى تظافر الجهود ككنائس ورؤساء. فالكنيسة تمثل حضور الله على الأرض، والمسيحيون أحراراً ولدوا وأحراراً يموتون كما كانوا للشرق نوره وملحه. فالمشكلة ليست في الوجود فقط بل في النعاس (متى 2:25)، فإذا نعسنا ضاع شرقنا ونبقى عمياناً وتموت الهوية ورسالتنا، وتتكرر خيانة يهوذا (مرقس44:14) وإنْ كانت ليست الخيانة الوحيدة في التاريخ ولكنها الأعظم، وستُحدّد خيانتُنا مصيرَنا وحقيقة وجودنا إذ بعنا ضمائرنا وعقولنا ليس مقابل المال فقط بل جعلنا شعبنا يصيح “أصلبه” وهم لا يدركون أن المسيح أتى إلى العالم ليخلّصنا.

نعم، يمضي العمر وقد تم ذبحنا “وحُسِبْنا مثل غنم للذبح”(رو36:8) وأكيداً توهم الذين يقتلوننا أنهم يقدمون لله عبادة (يو 2:16)، وهنا يجب أن نتوقف ولننتبه فالجلوس في أماكننا لنراقب الأحداث وننتظر الآتي ونراوح محلّنا ونرى بأعيننا غليان الشرق وفيضان المستقبل المجهول والعديم الملامح وصدور الحلول بحقنا، فقد أضعنا قضيتنا، وشاركنا في محو وجودنا، ولا يملون علينا إلا ما يريدونه هم، وسنبقى مشرَّدين نفتش عن أفراد عائلاتنا ولن نجدهم إلا مشتتين في أقاصي الأرض. فاليوم لن نحتاج إلا إلى مشروع مسيحيوليس إلى التفاعل العاطفي، ولكن غياب هذا المشروع جعلنا بلا قرار، ولا زالت الذكرى الثانية البائسة للنزوح تجرّ أذيال اليأس والقنوط حتى الساعة، مما جعلني أعيد ذكرياتي إلى ما حلّ بكنيسة سيدة النجاة واقتحامي لإحصاء عدد الضحايا والشهداء والقتلى وكنت فيها الشاهد الواعي للحقيقة التي حلّت ، وكأن الكارثة آنذاك كانت جرس إنذار وناقوس ميعاد لِمَا سيحلّ بالمسيحيين وبالمسكونة (متى26:21) من طرد واضطهاد، وقتل وتهجير، ونهب لأملاكهم، وسرقة لأموالهم، والإستيلاء على بيوتهم، كما كان الحال في مذابح سابقة… فكان الرحيل والهجرة.

   الهجرة والحقيقة

أمّا نزيف الهجرة، فتلك مصيبة الكوارث وحقيقة مؤلمة، ورسالة المصالح وغاية الحقد وعدم قبول الآخر في أن نكون أو لا نكون. وما يؤلمني أن أكتب _ إذ قال أحدهم _ يكفي لي أن أصبغ أحذية أهون لي من أعيش في… ربما وربما أمام سرقة كل ما ملكوا ويملكون من مستمسكات رسمية وأموالهم التي كانوا يظنون أنهم سيورثونها لعيالهم وأحفادهم باتوا اليوم بلا مأوى، و”حتى فلس الأرملة” (مر42:12) ضاع عن أنظارهم فراح العدد الأكبر منهم يبحث عن مستقبل في بلد آمن، من أجل ملجأ هادئ، فلا بلد بعد اليوم، بلد الأصلاء والأصليين، فبقلاوة نينوى بدهنها وسكّرها دُعشت، والكنيسة الخضراء هُدمت، والدولاب كُسّر وأَجلُه قد حانَ، وشيّعوه بالتفخيخ والتفجير، ولم يعد يسأل عن أحبائه وأصوله، والفرات نشف ولم يعد يكون، وهكذا أراد أصحاب الأمر والشؤون، فكل ذلك وأخرى تركوها خلفهم ورحلوا مدّعين أن لا وجود لهم بعدُ في هذه الدِيَار، متمّمين قول الشاعر:”بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا”، وقول أصولهم رحل من هنا على رجاء القيامة أبناء البلد الأصلاء، فقد أبعدهم الإرهاب إلى عبور البحار والمحيطات بدعوة رسمية وبرسالة ولادية وبناتية وشملية وبأشكال أخرى متعددة وطرق لا يعرفها إلا مطابع القرار وختم الأسرار.فالحروب والصراعات الطائفية وتداعياتها على تدهور الوضع الأمني والاقتصادي وغياب سيادة القانون والمساواة خلافاً لما هو موجود في الدول المتقدمة وتنامي التطرف الديني، كل هذه الأمور أدّت وتؤدي إلى اجتثاث المسيحيين وتدفعهم إلى الهجرة، علماً أن هذا النزيف هو خسارة للبلد والمنطقة.

نعم،لقد نخرت الهجرة صفوفنا وشتّتت كياننا وهدمت حضارتنا فتلاشى وجودنا ولم يبقَ لنا من ذكر في تاريخ مسيرة الوطن وخاصة نحن السريان بشقَّينا، ففي الأمس القريب أصابتنا تدريجياً مع الحروب والحصار ونكران الحقوق وباسم الأقليات والمكوِّنات، واليوم بسرعة لم تكن في الحسبان بالخطف والإرهاب والقاعدة وداعش، ففقدنا حقوقنا وخسرنا أملاكنا أو بعناها برخص من أجل عدم العودة والفرار، ومحى التاريخ ذاكرتنا ولم نعد نبالي بوجودنا إنسانياً ومسيحياً في أرض الرافدين التي عشنا فيها وبنينا حضارتنا ورفعنا اسم أجدادنا وآبائنا.

صحيح إن الهجرة اختيار حُرّ وكل حسب قناعاته واختياراته، ولكن يجب أن ندرك أن الهجرة، فردية كانت أم جماعية، فهي ليست بحد ذاتها حلاً مثالياً وإنْ كان آنيّاً بسبب الوضع الراهن، فالخوف من الرحيل وعدم العودة وخاصة ما سنعانيه من أطفالنا الذين سيكبرون في الخارج فلا أرض لهم إلا حيث هم، فهذا ما يدعونا إلى الخوف من الآتي و من المؤسف لازال البعض لا يبالي به ، بل أقولها حقيقة وليس شؤماً _ شئنا أم أبينا _ إننا لا نملك من مقومات تجعلنا أن نصلح ما أفسده الدهر وما جناه الخوف، وما شوّهه صاحب السلطان وذو الضمير الفاسد، والشيطان القديس ،ونخاف أن نقول الحقيقة كي تهمل مشاريعنا ، وان كان على حساب الضمير والايمان ، وكأننا عبيد لا نملك سوى الخنوع ولا مستقبل لنا إلا بوجودنا عبيداً ، أليست هذه تحديات قاسية .

خاتمة الحلقة الاولى :

إنها تحديات… نعم تحديات الضياع والتبعثر والذوبان وهذه هي الحقيقة، إنه قد ضاع صوتنا، وضاع وجودنا، فهل يمكن للمسيحية البقاء في ظلّ الامتداد الديني والمذهبي والقومي والطائفي ،ومسيرة النزاعات الدينية والقبلية والعشائرية و..و .. الحاصلة والأمن الغير المستتب، بسبب الدواعش والميليشيات؟ أليست هذه التحديات إضطهاد وابادة ، اليست هي التي قادتنا الى السؤال في المصير، اقولها بكل ألم نعم والف نعم ، والى حلقة قادمة (الثانية) من “بداية النهاية”… نعم وآمين.