حول شخصية الأم تريزا

حول شخصية الأم تريزا

اعداد الاب انطونيوس مقار ابراهيم
راعي الاقباط الكاثوليك في لبنان
وإن كانت تعمل أو تصلّي، أويتسنّى لها التحديق في وجه أي إنسان، سرعان ما يسيل ناظرها بفيض من العطف والطيب، وتشرق محياها ببسمةٍ دافئةٍ مضيئة تمحو منه التجاعيد، وتسبغ عليه خلوداً لا عمر له، وسحراً فريداً فيبدو وكأنّه مشروع أيقونة.
حضورها كثيف، فذّ، بليغ التأثير. من يقف في إزائه يداخله اليقين بأنّه لن يصادف أبداّ حضوراً مماثلاً في حياته. فمع أنّها ليست ظاهريّاً سوى جسمٍ نحيف ضعيف وهزيل، في أبسط زيٍّ وأفقره، تجتذب نحوه تلقائيّاً، ومن غير جهد.
تدهش بهشاشتها الجسديّةالتي يخيّل معها أن ّنسمةً قد تطيح بها، ومع ذلك، لا شيء يصرعها، ففيها تسكن قوّةٌ إلهيّةٌ تضفي عليها مناعةً صلبة ، وحجماً يتجاوز حجمها.
إنّها كائنٌ من إيمان لا يستهدف خلاص الذات فحسب، بل من إيمانٍ منفتحٍ على جميع الآخرين. إنّها درسٌ من الإنجيل، في أسمى معانيه وأكملها، درسٌ ليس كلاميّاً، بل درسٌ حيٌّأ بعبارات الحياة النابضة.
منها تنبعث نفحة إيمانٍ تتفاعل مع كلّ شيءٍ في طريقها، ومنها يشعّ حضورٌ سريّ، ولكنّه من الكثافة بحيث يشعر من يدنو منها أنّه يستغرق في نورها، وحبّها وفرحها. حضورها يوقظ الناس من سباتهم، بفضل قدرةٍ فريدةٍ لديها على الإتّصال مع كلّ كائنٍ بشريّ، وقدوة حياتها التي تزعج، وتتحدّى، وتدعو الى الإنعتاق من الأنانية واللامبلاة.
هذا الوجه الذي سقطت عنه جميع الأقنعة، وتجلّت فيه صورة الله، هو دعوةٌ لجميعنا كي نسلخ أقنعتنا، ونرى ذواتنا على حقيقيها، وفي واقعها.
إنّها مرآةٌ يتبيّن فيها المرء حقارته وصغارته، فيستعر فيه ظمئأ متلّظ الى الطهر، والى الإقتداء بمثالها، أمّا إذا تغلّبت فيه الكبرياء، فتتولّد فيه رغبةٌ في إغماض العينين والهرب.
لقد كانت تقرأ بوضوح كوامن أعماق الآخرين، ولكنّها لا تحكم ولا تدين ، بل تكتفي بالإبتسام وتقولّ الرجاء في حياةٍ متجدّدة.
من شأن أسلوب عيشها دفع الجميع الى تغيير أسلوب عيشهم، و أنسَنته، والسموّ به، ذلك لأنّ الله يقطنها، ولأنّها حبٌّ متّقد، وشفافية لا غبار فيها، بعد أن أحرق الحبّ فيها كلّ كدر، فصارت قادرةً على كشف الحجم الحقيقي لكلّ إنسان، في ما يتخطّى بؤسه، وانحطاطه الجسديّ، والإزدراء المنصبّ عليه، يحدوها اليقين بأنّ الإنسان في حقيقته لا قياس له.
كلّ من حظي بتوقّف نظرتها الصافية عليه، انتابه الشعور بأنّها أوّل نظرةحبٍّ صادقّ تحطّ عليه، فيتحرّك كلّ شيءٍ في أحشائه، وتتفجّر كلّ ينابيع الخير فيه.
بفضل تلك الموهبة السنيّة، تمكّنت الأم تريزا من استنباط خير ما في نفوس المتعاونين معها، ودفع اخواتها ومعظمهنّ بسيطات – نحو إنجازاتٍ جبّارة تتخطّى مواهبهنّ وقدراتهنّ الإنسانيّة. وبفضل قدرتها على تخمين ما يعتمل في أذهان الآخرين وقلوبهم، وعلى النفاذ الى مكنونات أسرارهم، استطاعت أن تشيع في بعض محاوريها العزاء، وأن تفجّر لدى آخرين ينابيع السخاء، وأن تحمل غيرهم على فعل ما كانوا يخشون أو يأبون.
لقد كانت تمتلك قدرةً فريدةً على تجنيد الرأي العام، وإلهام تطلّعاتٍ رائعة، واستنهاض الهمم. مراكزها وضيعة، ومهام أخواتها بسيطة، خفيّة، خالية من أيّ مظهرٍ خارق، ومع ذلك، وبفضل ما استنفرته من تعاون الكثيرين وأندفاع مئات ألوف البائسين، أسبغت على وجود الكثيرين معنىً ورونقا.
من تأثير سحرها أنّ كلّ من التقاها، يوماً، انطبعت في نفسه، ذكرى لا تمّحى، فهناك من تلقّى منها ابتسامة، فبات يبكي كلّ ما ابتعد عنها، وكأنّه يودّع جمال الكون وفرحه.
ومن عناصر سحر شخصيّتها تفاؤلٌ لا يتزعزع، واندفاعٌ معدٍ، فقناعاتها، وقدوة سلوكها دعوةٌ الى العمل. إنّها تحدّد، بألفاظٍ واضحة، الواجب الأدبي المفروض على كلّ فرد، موقظةً فيه ذلك الصوت الخافت الذي يجعله يشعر، أكثر فأكثر بصغره.
إنّ الذين يصغون اليها، كباراً وصغاراً، مثقّفين وأمّيين يؤخذون بسحرها، ويتعلّقون بشفاهها، لا بسبب كلماتها، التي تبدو عاديّة، بل بسبب شخصيّتها، وما تسكبه منها في أقوالها. نفحةٌ سريّةٌ علويّةٌ تحوم فوق مستمعيها، وتواكب أقوالها،وتستحوذ على الأذهان، وتنعكس نوراً في القلوب، بحيث تستجدّ بمستمعيها الرغبة في الاقتراب منها، واقتسامها، وهي، في ضآلتها، وهزالها، ووهنها تهب ذاتها للجميع. والذين يدنون منها لا يكتفون بالشّد على يديها، بل ينحنون عليهما تقبيلاً وتبجيلا، كما يفعلون للملكات، ولأصحاب السيادة والغبطة، وما ذلك السلوك التلقائي سوى اعترافٍ بفضل الله بما يوفّره من عونٍ لأذهانناالمتعثّرة، وقلوبنا الوجلى، بإعلانه حقائقه الأبديّة عبر تلك المرأة البسيطة الساعية الى تحقيق مشاريع عطفه الرائعة.
أمّا لغير المسيحيين فقد انتصبت مثالاً للفضيلة والسخاء والحب، وقد كرّست كتب ٌ مدرسيّةٌ مقاطع عنها واستفاضت نشراتٌ عديدةٌ فيوصف أعمالها الخيريّة.
ذلك السحر المنبعث من الأم تريزا ليس مديناً، في شيء ، لمواهبٍ إستثنائيّة، فكريّةٍ أو جسديّة، فهي لم تكن عبقريّة، ولا هي تميّزت بمهاراتٍ خارقة، أو بمظهرٍ فاتن، بل كان ينبع من انغماسها في أغوار الله، ومن عيشها الدائم في حضوره الحميم، بحيث استخدمها الربّ كما شاء ، وصاغ منها التحفة التي أراد.
أوّل ما يستالفت ، تلقائيّاً، من خصال الأم تريزا، تواضعٌ سحيق، صادق، لا تصنّع فيه، ولا رياء، مقتبسٌ من عيشها الدائم في حضور الله الغامر.
مع ما أصابت من شهرةٍ ونفوذ، لم تمتلك يومً، بطاقات شخصيّة، أو أوراقاً خاصّة تحمل اسمها، بل كانت جميع رسائلها، حتّى الموجّهة الى لأرفع الشخصيّات شأناً، مخطوطةً على أوراقٍ منتزعةٍ من دفترٍ عادي، مثل الرسالة التي عبّرت بها عن امتنانها لقداسة البابا بولس السادس لإهدائه إليها السيّارةَ الفخمةَ المقدّمة له، في أثناء زيارته للهند.
وإن هي نزعت إلى الكتمان والبساطة في أقوالها وكتاباتها، إلاّ أنّ إنجازاتها تنمّ عن اندفاعٍ مضطرم، وعظمةٍ فذّة، عظمة من يحقّق، ببطولة، أعمالٍ بسيطة، فتواضعها السحيق لم يقف حاجزاٍ في وجه إرادتها الصلبة وتصميمها العنيد.
في أعماقها كانت تضجّ روح الريادة، واندفاعٍ الى المبادرة يلمس المجازفة، وصبّوٌ إلى اقتحام معاقل المستحيل. ثمّ إنها، باختيارها اسم تريزا، إندفاعاً في تيّار القدّيسة تريزا الطفل يسوع، أعربت عن نزعةٍ متأصّلةٍ إلى الحياة التأمّليّة السحيقة. وفيما قدماها ثابتتان على أرض صلبة، كان كلّ كيانها في الفائق الطبيعة، محقّقةً توازناً مدهشاً بين الأرض والسماء، بين إرادةٍ عنيدة، واستسلامٍ مطلقٍ لله، وعاقدةً وحدةً رائعةً بين الريّة البشريّة والخضوع لمخطّط العناية العطوف.
هذا التوازن بين القيمة الكبرى لأصغر المهام اليوميّة، والمشاركة في لأن نهائيّة الحياة الإلهيّة، في انطلاقةٍ واحدة، تتناول الكيان كلّه، محوّلةً وهن النفس إلى قوّةٍ لا تقهر، ومتيحةً نشاطاً خصباً في غمرة التأمّل، وقارنة، في مبادرةٍ واحدة، الغوث المادّي الروتينيّ بالاندماج الصوفيّ الأكمل، والعمل بدافع الحبّ بالغوص في أسرار الحبّ الأسمى، هذا التوازن، حقّقته الأم تريزا بفضل سنوات التجرّد، والتضحية المعاشة التي أفضت إلى صوغ إيمانٍ مضطرم، وإرادةٍ حازمة، وحكمةٍ ذات صفاءٍ منقطع النظير، وقداسةٍ راسخة، وبفضل وضعها موضع التنفيذ المبادئ الروحيّة التي أقعدت عليها رسالتها، والدعوة التي حملتها إلى الآخرين.
لقد أيقنت أنّ العمل الفوريّ هو الردّ الأمثل على احتياجات البائسين، فلم تهدر دقيقةً في التنظير، والشفقة العقيمة، بل انبرت للعمل بدون تلكؤ.
حدس الأم كان يمكّنها من قراءة دواخل النفوس، وفي هذا السياق تروي فتاةٌ كانت تراودها دعوة الرهبنة، ولكنّها كانت ما انفكّت مريسةً للريب والتساؤلات، فشخصت إلى مركز المرسلات في كلكتا، وإذ بالأمّ، على شرفة غرفتها، تستقبل زائرين. وتضيف الفتاة:” قبل أن يحين موعدي استقبلت الأمّ زوجين هنديين، ثمّ التفتت فجأةً نحوي، وحدّقت فيّ، وقالت: متى ستقرّرين؟ فذهلت، لأنّ أمر دعوتي كان كميناً طيّ سرّي. ومع ذلك، اكتشفت هويّتي ودخيلاتي. لقد هزّني الأمر هزّاً، بحيث بقيت بقيّة النهار في المصلّى(الكابيلا) أبكي محاولةً تهدئة روعي. واتّضح عليّ أن أحزم أمري، وأتّخذ القرار الذي كنت أرجئه ، منذ زمن، حول السبيل الذي عليّ انتهاجه.”
كان الجماهير، من الأكثر ثقافةً إلى الأكثر بساطةً وفقراً سريعي التأثّر بقوّة كلمتها. لا يوجد عندها أيّ تنازلٍ، أيّ لفٍّ ودوران لتكييف المعنى أو اللغة للمستوى العلميّ لسامعيها. الرسالة هي دائماً نفسها ودائماً ضاربةٌ وجديدة.
(الصحافي كالكوم موجيريدج)