دستور رعائي في “الكنيسة في عالم اليوم (1)”
‪spes‬ ‪Gaudium et‬

 

توطئة

تضامن وثيق بين الكنيسة والعائلة البشرية بأسرها

 1- إن آمالَ البشرِ وأفراحَهم، في زمننا هذا، إنَّ أحزانَهم وضيقاتهم، لا سيما الفقراء منهم والمعذَّبين جميعاً، لهي أفراحُ تلاميذِ المسيح وآمالُهم، هي أحزانُهم وضيقاتهم. وهل من شيءٍ إنسانيٍّ حق إلا وله صداهُ في قلوبهم؟ فجماعتهم تتألَّفُ من بشرٍ يجمعهم المسيحُ، ويقودُهم الروح القدس في مسيرتهم نحو ملكوت الآب. إنَّهم يحملون رسالةَ خلاصٍ عليهم أن يعرضوها على الجميع. ولذلك تعترفُ جماعةُ المسيحيين بتضامنها الحق والوثيق مع الجنس البشري وتاريخه.

إلى من يتوجه المجمع بكلامه

2- ولهذا السبب لا يتردَّدُ المجمع الفاتيكاني الثاني بأن يُخاطب لا أبناءَ الكنيسةِ والمسيحيين وحَسْب، بل كلَّ البشرِ، بعد أن إجتهد في أن يَنفُذ نفوذاً أعمق إلى سر الكنيسة. إنَّهُ يودُّ أن يَعرضَ على الجميعِ كيف تواجِهُ الكنيسةُ وجودَها وعملَها في عالمِ اليوم. إنَّ العالمَ الذي ينظرُ إليه المجمعُ هذه النظرة هو عالمُ البشرِ، عالمُ العائلةِ البشرية كلّها، دون أن يستثني الكونُ الذي تعيشُ فيه. إنَّ هذا العالمَ هو مسرحٌ لتاريخِ الجنسِ البشري؛ إنه العالمُ المطبوعُ بجهودِ الإنسان بما فيها من فشلٍ ونجاح. إن المسيحيينَ يؤمنونَ أن الله بمحبته أرسى أساسات هذا العالم ولا يزالُ يحفظُه. أجل لقد سَقَطَ العالمُ تحت عبوديَّةِ الخطيئةِ غير أن المسيحَ كَسَرَ، بصليبِه وقيامتِه، شوكةَ الشريرِ وحرَّرَ هذا العالم ليتحولَ وِفقاً لتصميمِ الله فيبلغَ إلى 
الكمال.

خدمة الإنسان

3- إنَّ الجنسَ البشري إعتراهُ اليوم ذهولٌ أمامَ إكتشافاته وجبروته. ومع ذلك فإنه غالباً ما يتساءَل قلقاً عن تطوُّرِ العالمِ الحاضرِ، وعن مكانِ الإنسانِ ودورِهِ في هذا الكون، وعن معنى جهودِهِ الفرديّة والجماعيّة، وفي النهاية يتساءَلُ أيضاً عن المصيرِ الأخيرِ الذي ينتظرُ هذه الأشياء وهذه الإنسانيّة. فلا يَسَعُ المجمعُ بما أنه الشاهدُ والدليل على إيمانِ شعبِ الله كلِّه الذي يجمعُهُ المسيح، أن يعطيَ برهاناً أسطع عن تضامنِهِ مع العائلةِ البشريَّةِ بأسرِها، التي تضمُّ شعبَ الله، وعن إحترامِهِ وحبِّهِ لها، إلا بالحوارِ معها حولَ هذه المشاكل المتنوعة، فيسلِّطُ عليها أنوارَ الإنجيل، ويضعُ بتصرُّفِ الجنسِ البشري قوَّةَ الخلاصِ التي أغدَقَها على الكنيسةِ مؤسِّسُها الإلهي بقيادةِ الروح القدس.

فالإنسان هو الذي يجب أن يُخلَّص والجماعةُ البشرية هي التي يجبُ أن تُجدَّد. ولذلك فالإنسانُ الذي سيكونُ محورَ عرضِنا هذا هو الإنسانُ الواحد والكلّ، النفسُ والجسم، القلبُ والوجدان، الفكرُ والإرادة. ولهذا السبب، إذ يُعلنُ المجمعُ أن للإنسانِ دعوةً ساميةً، ويؤكِّدُ أن زرعاً إلهياً قد وُضِعَ فيهِ، فإنَّه يَعرضُ على الجنسِ البشري تعاونَ الكنيسةِ الصادق لتأسيسِ أُخُوَّةٍ شاملة وفقاً لهذه الدعوة فلا يدفعُ الكنيسةُ أيُّ طموحٍ دُنيويٍّ ولا تتوخى سوى غايةً واحدةً وهي أن تُتابعَ، تحت زخْمِ الروحِ القدسِ المعزّي، عَمَلَ المسيحِ نفسِه الذي أتى إلى العالم ليشهَدَ للحق، ليُخلِّصَ لا ليدينَ، ليَخدُمَ لا ليُخدَم (2).

عرض تمهيدي

آمال وضيقات

4- إنَّ مِن واجبَ الكنيسةِ، كي تقومَ بهذه المهمةِ أحَسَنَ قِيام، أن تتفحَّصَ في كلِّ آنٍ علاماتَ الأزمنةِ وتُفسِّرُها على ضوءِ الإنجيل، فتستطيعَ أن تُجيبَ بصورةٍ مُلائمةٍ لكلِّ جيلٍ، على أسئلةِ الناس الدائمةِ حولَ مَعنى الحياةِ الحاضرةِ والمستقبلة، وحول العلاقاتِ القائمةِ بينهما. فإنَّهُ مِن الأهمية بمكانٍ أن نَطَّلِعَ على العالمِ الذي نعيشُ فيه ونفهمَهُ مع ما يَحمِلُ من أشواقٍ ورغبات وما يتميَّزُ به في أغلبِ الاحيان مِنَ المآسي. وفيما يلي بعضُ ملامحِ اليومِ الأساسية كما يمكن تصويرها.

يعيشُ الجنسُ البشري اليومَ طوراً جديداً من تاريخِهِ يتميَّزُ بتغييراتٍ عميقةٍ وسريعةٍ تمتدُّ رويداً رويداً إلى الكرة الأرضيَّةِ بأسرِها. إنَّ هذه التغيُّرات التي يُحدثُها الإنسانُ بفضلِ ذكائِهِ وعَمَلِهِ الخلاق تَرتدُّ عليه، وعلى أحكامِهِ ورغباتِهِ الفرديَّةِ والجماعيّة، وعلى طُرُقِ تفكيرِهِ وتصرُّفاتِهِ، سواء بالنسبةِ إلى الأشياءِ أو بالنسبة إلى أَمثالِهِ، إلى حدِّ أنَّهُ من الممكن أن نتكلَّمَ على تبديلٍ جذريٍّ حقيقيٍّ إجتماعيٍّ وثقافي تنعكسُ نتائجُهُ حتى على الحياةِ الدينية.

إنَّ هذا التبديلَ الجذريَّ لا يَحدُثُ دون صعوباتٍ بالغةٍ كما هي الحالُ في كلِّ أزمةِ نموّ. فبينما يَنشُرُ الإنسانُ سُلطتَه بعيداً لا يستطيعُ دائماً أن يستخدمَها لمنفعتِهِ. ومع أنّه يجتهِدُ في سَبْرِ دوافِعِ كيانِهِ الخفيّة، غالباً ما يبدو في حيرةٍ من ذاتِهِ. إنَّهُ يَكتشِفُ رويداً رويداً وبمزيدٍ مِن الوضوحِ نواميسَ الحياةِ الإجتماعيَّةِ؛ ومع ذلك فإنَّهُ يتردَّدُ في أن يوجِّهَها التوجيهاتِ اللازمة.
‪
‬تَنعَمُ البشريَّةُ اليومَ بفائضٍ من الثروات والإمكانياتِ وبقوةٍ إقتصاديةٍ لم تنعَمْ بها في ما سَلَف، ومع ذلك فإن قِسماً كبيراً مِن سُكان الأرضِ يَعضُّهم نابُ الجوعِ والشَّقاء وكثيرونَ مِنهم يَجهلونَ القراءةَ والكتابةَ. لَمْ يتوصَّل البشرُ كما توصَّلوا اليومَ إلى‪ ‬إِدراكِ معنى الحرّية بكلِّ أبعاده، ولكن في الوقتِ نفسِهِ تظهَرُ أشكالٌ جديدةٌ مِن الإستعبادِ الإجتماعي والنفسي. وبينما يَشعُرُ العَالَمُ شعوراً قوياً بوحدَتِه وبرباطاتٍ مُتبادلةٍ بين الجميعِ في تضامُنِهم الضروري، يتنازَعُهُ بقساوةٍ تَضادُّ القِوى المتحاربة: فالخلافاتُ السياسية مِنها والإقتصادية والعُنصرية والعقائدية لا تزالُ قائمةً، كما أنَّهُ لا يَزال مُخيِّماً خَطَرُ حربٍ تقدرُ على إفناءِ كلّ شيء. إنَّ تبادُلَ الأفكارِ يتزايَدُ ولكنَّ الكلماتَ ذاتَها التي تُستعمَلُ لتعبِّرَ عن مفاهيم ذاتَ أهميَّةٍ كُبرى، تَتَّخِذُ معاني‪ ‬متباينة جداً وفقاً للعقائد المختلفة. وأخيراً تَسعى البشريةُ مجتهدةً لايجادِ تنظيمٍ زمنيٍّ أَكمَلَ، دون أن تَصحَبَ هذا التقدُّمُ إنطلاقةً روحيةً متوازية.
‪
‬أما وقد طُبِعَ عددٌ كبيرٌ من معاصرينا بوضعٍ معقّدٍ فإنَّهم يُلاقونَ صعوبةً كُبرى في تمييزِ القِيَمِ الثابتةِ، وفي الوقتِ نفسِهِ لا يَعلمونَ كيف يوفِّقونَ بينها وبين الإكتشافاتِ الجديدة. إنَّهم لَفي حيرةٍ يتساءَلونَ بمزيجٍ من الأمَلِ والقَلقِ عن تطوُّرِ العالمِ الحالي. وأنَّ هذا التطوُّر يَتحدّى الإنسانَ وبالأحرى يُرغمُهُ على الجواب.

تغيرات جذرية في الأوضاع

5- إنَّ بَلبَلةَ العُقولِ حالياً وتغييرَ أوضاعِ الحياةِ مرتبطٌ بتبديلٍ واسعٍ يُؤدّي بالإنسانِ نفسِهِ، على صعيدِ التنشئةِ الفكريَّةِ، إلى فَسْحِ المجالِ أمامَ سيطرةِ العلومِ الرياضيَّةِ أو الطبيعيَّة أو البشرية. ويُؤدّي بهِ أيضاً على صعيدِ العملِ إلى سيادةِ التقنيَّةِ النابعةِ مِن العلوم. إنَّ هذه الروح العلميَّة طَبَعَتْ الأحوالَ الثقافيَّة وطُرُقَ التفكيرِ بطابَعٍ يختلفُ عَمّا كانَ عليه في الماضي. وإنَّ التقنيةَ تتطورُ بشكلٍ يُغيِّرُ وَجهَ الأرضِ وتجتهِدُ الآن في إخضاعِ الفضاء.
‪
‬وإلى حدِّ ما يَنشُرُ العقلُ سيطرتَهُ على الزمَنِ أيضاً: على الماضي بالمعرفةِ التاريخية، وعلى المستقبلِ بالتصاميمِ والدروسِ المُسبقة. إنَّ تقدُّمَ العلومِ الحياتيَّة والسيكولوجيَّة والإجتماعيّة لا يَسمَحُ للإنسانِ بأن يَعرِفَ ذاتَه أحسنَ فأحسنَ فقط، إنّما يُقدِّمُ له الوسيلةَ ليؤثِّرَ تأثيراً مُباشراً على حياةِ الجماعاتِ بإستعمالِ أساليبٍ مناسبةٍ وبالوقت ذاتِه تهتمُّ البشريَّةُ الآن أكثرَ فأكثرَ بأن تَسبِقَ فتُحدِّدَ نُموَّها السُكّاني نفسه.
‪
‬إنَّ عَجَلَةَ التاريخ نفسَها أصبحت في غايةِ السُرعة حتى يكاد لا يُمكن اللَّحاقُ بها. وأصبَحَ مصيرُ الجماعةِ البشريةِ واحداً فلا يتبعثَرُ فيما بعد بتواريخٍ متعددة ومنفصلة عن بعضها. وتنتقلُ البشريَّةُ من مفهومٍ جامدٍ لنظامِ الكون إلى مفهومٍ أكثر حيوية‪ ‬وتطوراً، ومن هنا تُولد مشكلاتٌ جديدةٌ واسعةٌ تَدفَعُ إلى تحليلاتٍ وتركيباتٍ جديدة.

تغييرات في النظام الإجتماعي

6- ينتُجُ عن ذلك تغييرات في الجماعاتِ المحليّة التقليدية تزدادُ أهميّتها يوماً بعد يوم من العائلات التي يَسودُ فيها الأب، إلى الأحزابِ، إلى القبائلِ والقرى وتغييرات في الجماعاتِ المختلفة وفي العلاقات الإجتماعية.
‪
‬وينتشرُ رويداً رويداً نموذجٌ من الجماعاتِ الصناعية يقودُ بعضَ البلدان إلى إقتصادٍ يرتكزُ على الرخاء ويُحوِّلُ جذرياً نظرياتَ الحياةِ الجماعيّة التقليدية وظروفها. وبالطريقة ذاتها تتعزَّزُ حضارةُ المدنِ ويَقوى الإنجذابُ إليها إمّا بإزديادِ‪ ‬المُدُنِ وسكانِها وإما بإنتشارِ طريقةِ الحياةِ المدنيَّةِ في عالمِ الريف نفسِه.
‪
‬كما أن هناكَ وسائلَ نشرٍ إجتماعي جديدة في إتقانٍ مستمرٍ تُسهِّلُ معرفةَ الحوادِثِ وبثِّ الأفكارِ والشواعر بسرعةٍ هائلةٍ وشاملةٍ تؤدي إلى ردات فعل متعددة ومتسلسلة.
‪
‬ويجب ألا نُغفِلَ ذلك الوضع الذي يؤدّي بأناسٍ كُثُرٍ إلى تبديل نمطِ حياتهم لأنَّ أسباباً عديدةً تدفعُهم إلى الهجرة.
‪
‬إنَّ علاقات الإنسانِ ببني جنسِهِ تتكاثَرُ دون توقُّفٍ بينما تؤدي “الجَمْعَنة” إلى قيامِ علاقاتٍ جديدةٍ دون أن تُسهِّلَ دائماً كما يجب نموَّ الشخصيَّةِ التام والعلاقات الإنسانيّة الحقّة أي دون أن تقود إلى “الشَخصَنة”.

وبالحقيقة يظهرُ هذا التطورُ خاصَّةً في الأممِ التي تنعمُ بفوائدِ التقدُّمِ الإقتصادي والتقني، ولكن هذا التطور يَعملُ أيضاً في الشعوبِ النامية التي تتمنى أن تُوفِّرَ لبلادِها كلَّ منافعِ الحياةِ الصناعيةِ والمدنيّة. وتشعر هذه الشعوب بالحاجةِ إلى التمرُّسِ بالحرية تمرُّساً راشداً وشخصياً، خاصة إذا كانت تقاليدها عريقةً في القِدَم.

تغييرات سيكولوجية وأخلاقية ودينية

7- إنَّ التغييرَ الذي يَطرأُ على الذهنيات والأوضاع غالباً ما يَقودُ إلى الشكِّ في القِيَمِ الموروثة، خاصةً من قِبَل الشبان الذين لا يرتضون بحالتهم كما هي عليه، بل يدفعُهُم قلقٌ إلى ثورةٍ لإدراكِهم أهميتهم في الحياةِ الإجتماعية ولرغبتهم في أن يضطلعوا بقسطِهم من المسؤوليات. ولهذا السبب ليس من النادرِ أن يشعرَ الأهلُ والمُربّونَ بالصعوباتِ المتزايدة التي تعترضُهم في تتميمِ مهمتِهم.
‪
‬إن المؤسسات والشرائع وطرق التفكير والأحساس الموروثة عن الماضي لا تتلاءم‪ ‬دائماً والوضع الحالي: ومن هنا التشوش الخطير في طريقة السلوك وقواعده.
‪
‬إنّ الأَوضاع الجديدة تؤثّر حَتى على الحياةِ الدينيّةِ نفسَها. فَمِنْ جِهة إنّ الفكر النّقدي يَنْفي الدّيانة مِن النّظَرِ إلى الكون نظرةً سحريّةً وينقّيها مِن الرّواسبِ الخرافيةِ وَالوَساوس، ويُلزم بِالتّالي إِعتِناق الإيمان إعتناقاً شخصياً وفعّالاً يزداد يوماً بعد يوم. وهكذا كثيرونَ هُم الَّذينَ يتَوَصّلون إلى تَذوّق الله تذوّقاً أكثَر حيويةً. ومِن جهةٍ ثانيةٍ هُناكَ جماهيرٌ عديدةٌ تبْتَعدُ عمليّاً عن الدّيانة. فَرفْضُ اللهِ أو الدّيانةِ وعدمْ إعتبارهما لَم يَعُد كما كان في الزّمانِ الغابرِ، حادِثاً خارقِ العادة مَحصوراً ببَعض الأَفراد: هذا النّوع مِن التصرُّف يَفرُضُه اليومُ التّقَدّمُ العلميُّ أوالنظريّة الجديدة للإنسان. ففي مناطق متعددة لا يُعَبَّر عن هذا النفي وعن هذه‪ ‬اللامُبالاة عَلَى صعيد فَلسَفيّ فقطْ، إِنّمَا تَظْهر آثارُهُما إلى حدٍّ بعيدٍ في الأدب والفن وفي تَفسيرِ العُلومِ البَشريّة والتّاريخ وفي الشّرائعِ المدَنيّةِ نَفْسَها. لذا تسود البَلْبَلَة عدداً كبيراً من الناسِ.

إختلال في توازن العالم الحديث

8- إِنّ تَطَوراً فَوضَويّاً يَتِمُّ بِهَذهِ السّرْعة، وإدْراكاً مُرْهفاً لِلْمُنازَعاتِ الّتي يَتَأَلّم مِنْها العالمُ، يولّدُ التَناقُضات والبَلْبَلَة ويُعَمّقْها. فَعَلَى مُسْتَوَى الشّخص نَفْسه خَلَلَ غالباً ما يَبْدو َبينَ فِكْرِه العَمَليّ الحَديث وفِكْرِه النَظَريّ فَلا يَتَوَصّلْ إلى السّيطرة عَلَى مُجْمَل مَعْلوماتِه ولا إلى تَرتيبِها في تَراكيبٍ وافيَةٍ. وهناكَ خَلَلٌ أَيضاً بَين الإِهتمامِ بالفاعليةِ الواقعيّةِ وَبينَ مُقْتَضَياتِ الضّمير الأدَبي، ولا يقل الخَلَل بينَ أوضاعِ المَجْموعةِ البَشريّةِ ومُتَطَلّبات التَفكيرِ والتَبَصُّر الشّخصي أَيضاً، وهُناكَ خَلَلٌ بَين تَخَصُّصُ النَّشاط الإِنسانيّ والنّظرة العامّة للأُمور.

وفي قَلبِ العائِلةِ تَوَتُّرٌ يَعودُ إِمّا إلى ثِقل الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية، وإما إلى صراعِ الأجيالِ المتعاقبة، وإمّا إلى العلاقاتِ الإجتماعية الجديدةِ التي تقومُ بين الرجال والنساء.

كما أن هناك إختلالاتٌ مهمةٌ في التوازنِ تَصدُرُ عن التمييزِ العنصري وعن التبايُنِ في طبقاتِ المجتمعِ، وبين البلدانِ الغنية والبلدان المتوسطةِ الثروة أو الفقيرة، وأخيراً بين المؤسَّسات الدُولية التي وُلِدَت من تَوقِ الشعوب إلى السلامِ وبين الدعايات العقائدية أو الأنانيّات الجماعية التي تَظهر في قلبِ الأُمم وفي فئاتٍ أخرى.
‪
‬عن ذلك ينتجُ حذرٌ وعداءٌ متبادلٌ وصراعٌ وكوارث يُسببها الإنسانُ ويذهبُ هو نفسُهُ ضحيّتها.

للجنس البشري توق لا يحدّ

9- ويزداد الإقتناع بأنَّ الجنسَ البشريّ يُمكنه، لا بل عليه، ألا ينفكّ عن تدعيمِ سيطرتِه على الخلقِ وحسب، إنّما بإمكانِه وعليه، علاوةً على ذلك، أن يُقيمَ نظاماً سياسياً وإجتماعياً وإقتصادياً يخدمُ الإنسانَ بإطراد ويسمحُ لكلِّ جماعةٍ ولكلِّ فردٍ أن يُثبت كرامتَه ويوطّدها.
‪
‬ومن هنا تنشأُ مطالبةٌ حادةٌ يُنادي بها عددٌ كبيرٌ ممن يُدركونَ إدراكاً واعياً المَظالِم والتفاوتَ بتوزيعِ الخيرات، فيَعتبرون أنفسَهم مهضومي الحقوق. إنَّ الشعوبَ الآخذةَ في النمو والأممَ التي نالت حديثاً إستقلالها تُريد أن تأخذَ نصيبَها مِن مَنافعِ الحضارةِ العصرية على المستوى الإقتصادي وعلى المستوى السياسي، كما أنَّها تُريد أن تلعبَ حُرةً دورَها على مسرحِ العالم. ومع ذلك لا يَزال الفارقُ يَزدادُ بين هذهِ الأممِ والأممِ التي توافرت ثروتها وإزدهرَت بسرعةٍ، ونتيجةً لذلكَ غالباً ما تُستعبَدُ هذه الأممُ دون إستثناء الإستعبادِ الإقتصادي. فالشعوبُ الجائعة تنادي الشعوبَ التي تعيش في البحبوحة. والنساءُ يطالبْنَ بمساواتهنَّ فعلياً وقانونياً بالرجال حيث لَمْ يتيسَّرُ لهنَّ ذلك بعد. والفَعَلَةُ، عمالاً كانوا أم فلاحين، يُريدون أن يشتغلوا لا ليعيشوا فحسب بل ليُنمّوا شخصيَّتَهم بواسطةِ عملهم؛ أضف إلى ذلك أنهم يودّون الإشتراكَ في تنظيمِ الحياةِ الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية. ولأول مرة في التاريخ لا تتردَّدُ البشرية في التفكيرِ بأنه من الممكن والواجب حقاً أن تعمَّ منافع المدينة كل الشعوب.
‪
‬غير أن وراءَ كل هذه المُطالبات تَكمُنُ رغبةٌ أكثر عمقاً وأكثر شمولاً. فالأفرادُ والجماعات ظمئونَ لحياةٍ كاملةٍ وحرةٍ، لحياةٍ تليق بالإنسان، لحياةٍ تضع في خدمتهم كلَّ الإمكاناتِ الفسيحة التي يُقدمها لهم عالمُ اليوم. أما الأمم فهي لا تنفك تُجاهدُ بشجاعةٍ لتتوصَّلَ إلى نوعٍ من الجماعة الكونية.
‪
‬فالعالمُ الحديثُ يبدو هكذا قوياً وضعيفاً في آنٍ، يستطيعُ أن يُُقدِمَ على الأحسن والأردأ. كما أن طريقَ الحرية وطريقَ الإستعبادِ مفتوحتان أمامَهُ، وكذلكَ طريقُ التقدُّمِ أو التقهقُرِ وطريقُ الأخوَّةِ أو البغض. ويُدرك الإنسانُ من ناحيةٍ ثانيةٍ أنَّ القوى التي فجَّرَها منوطٌ به أن يوجِّهَها توجيهاً صحيحاً. ويُدرك أيضاً أنَّ هذه القوى تستطيعُ أن تسحقَهُ أو أن تخدمَهُ. ولهذا السبب هو تساؤلٌ مع نفسِهِ. 

تساؤلات الجنس البشري العميقة

10- إنَّ التخلخل الذي يعملُ في العالم الحديث لمرتبطٌ حقاً بتخلخلٍ يتأصَّلُ في قلبِ الإنسان نفسِه، الذي تتصارعُ فيه عناصرٌ متعددة. فمِن جهةٍ يختبرُ كخليقةٍ أنَّهُ محدودٌ جداً، ومن جهةٍ ثانية يشعرُ بأن رغباتَهُ لا حدَّ لها وهو مدعوٌّ إلى حياة أسمى، تتجاذَبُه غواياتٌ متعددة فهو مرغمٌ دوماً على أن يختار وعلى أن يرفض. وبما أنَّهُ خاطىءٌ وضعيف، يُتمِّمُ غالباً ما لا يُريد، وما يُريد لا يتمم (3). وبالنتيجة أنه يتألَّمُ مِن الإنفصام في داخلِهِ، الذي يُولّد داخل الجماعات، الخصومات الكثيرة والقوية. والكثيرون ممن حياتُهم مرتويةٌ عملياً من المادة، يتحوَّلون حقاً عن إدراكِ هذا الواقع المأسوي إدراكاً واضحاً ولا يتمكَّنونَ من التنبه إليه لأن التعاسةَ تُثقلُ كاهلَهم. وهناك آخرون، وهم كثرٌ، يظنون أن راحتَهم هي في ما يُعرض عليهم من شروحٍ عن العالم وحلولٍ له. ومنهم من ينتظرونَ من مجهودِ الإنسانِ وحده تحريرَ البشريةِ الكامِلِ ويقتنعونَ بأنَّ مُلكَ الإنسان الآتي على الأرض سيُشبعُ كلَّ رغباتِ قلبه وأمانيه.

وهناك غيرهم، وقد يَئسوا من معنى الحياة، يُعظِّمونَ أصحابَ الجُرأةِ الذين، وقد حَكَموا بأن الوجودَ الإنسانيّ لا معنى له بحدِّ ذاتِه، يحاولون إعطاءَه معناهُ الكامل إستناداً إلى تفكيرِهم الشخصي. ومع ذلك فإنه ليتزايَدُ عددُ الذين يَطرحون الأسئلة 
الأكثر إحراجاً وعُمقاً تجاه تطورِ العالمِ الحاضر ومنها: ما هو الإنسان؟ هل مِن مَعنى للشرِّ والعذاب والموت؟ هذه الثلاثة التي تبقى بالرغم من التقدُّم المطَّرِد. وما نَفْعُ هذه الإنتصارات التي يُدفعُ ثمنها غالياً جداً؟ وماذا يمكن الإنسان أن يعطي المجتمع؟ وماذا يمكنه أن ينتظرَ منه؟ وما الذي سيحدثُ بعد هذه الحياة؟

أمّا الكنيسة فهي تُؤمنُ بأن المسيح الذي مات وقام من أجلِ الجميع (4)، يُقدِّمُ للإنسان بواسطةِ روحه القدوس النورَ والقوةَ ليستطيع أن يجاوبَ على دعوته السامية. إنها تؤمنُ بأنه ما من إسمٍ سواه تحت السماء أُعطِيَ للناس كي يخلصوا به (5). إنها تُؤمن أيضاً بأن بدايةَ تاريخِ كلِّ إنسانٍ ونقطةَ إرتكازه ونهايته هي بيَدِ سيِّدِها ومعلمها. وعلاوةً على ذلك، تُؤكِّدُ أنه من خلال كل التغييرات، هناك أشياء كثيرة لا تتغير موطدة نهائياً على المسيح الذي هو أمسُ واليوم وإلى الأبد (6). ولذلك وعلى ضوءِ المسيحِ الذي هو صورةُ الله غير المنظور وبكرُ الخلائق (7)، يبتغي المَجمعُ أن يتوجه إلى الجميع كي يُلقي الأضواء على سرّ الإنسان ويُساعد الجنس البشري على إيجادِ الحل لمشاكل عصرِنا الكبرى.

القسم الأول: الكنيسة والدعوة الإنسانية

الجواب على نداءات الروح

11- إنَّ شعبَ الله الذي يُحركه الإيمان يعلمُ أن روحَ الربّ الذي يملأ الكون يقوده، ولذلك يجتهدُ في أن يميِّزَ في الحوادث متطلبات عصرنا ومقتضياتِه التي يتقاسمها وسائر الناس. ويجتهد أيضاً في أن يُميز فيها ما هي العلامات الحقيقية لحضورِ الله أو لتصميمه. فالإيمان يُلقي أضواءً جديدةً على كلّ شيء ويُطلعنا على إرادةِ الله حولَ دعوةِ الإنسان الكاملة موجِّهاً هكذا عقلَنا نحو حلولٍ في غايةِ الإنسانية.

إنَّ المجمعَ لَيبتغي قبلَ كل شيءٍ أن يحكم في ضوءِ ما تقدم على القيم التي يَعتبرها معاصرونا كلَّ الإعتبار فيربطها بمصدرها الإلهي. لأن هذه القيم صالحةٌ بقدرِ ما تنبثق عن العبقريَّة البشرية، التي هي هِبةٌ من الله، ولكن ليس من النادر أن يَحيد بها فسادُ القلبِ البشري عن النظام الواجب إتباعه، ولهذا السبب كانت هذه القيم بحاجةٍ إلى تطهير.

ماذا تُفكر الكنيسة في الإنسان؟ ما هي التوجيهات الواجب إقتراحها من أجلِ بناءِ المجتمع المعاصر؟ أي معنى نهائي نُعطي نشاطَ الإنسان في الكون؟ إنَّ هذه الأسئلة تتطلَّبُ جواباً ويبدو جلياً أن شعبَ الله والجنس البشري المندمج فيه هذا الشعب ليتبادلان الخدمات. وهكذا تظهر ميزة رسالة الكنيسة الدينية والمتسامية في إنسانيَّتها.

الفصل الأول: كرامة الإنسان الشخصية

الإنسان على صورة الله

12- يتفق المؤمنون مع غيرِ المؤمنين على هذا: يجب أن يؤولَ كلُّ شيءٍ على هذه الأرض إلى الإنسانِ بإعتباره مرجعُ كل شيء وذروته.

ولكن ما الإنسان؟ لقد تقدَّمَ ولا يزال يتقدَّمُ بآراءٍ متعددة عن ذاته، آراء مختلفة ومتناقضة أيضاً. وإنه، وفقاً لهذه الآراء يُعظِّمُ نفسَهُ كقاعدةٍ مُطلقة أو ينحط حتى القنوط: ومن هنا شكه ومضايقه. وإنَّ الكنيسةَ لتشعرُ شعوراً عميقاً بهذه الصعوبات. وإنَّها لتستطيعُ أن تأتي بجوابٍ، بما أنَّها مسترشدةٌ بالوحي الإلهي، جوابٌ ينجلي فيه وضعُ الإنسانِ الحقيقي، فتبدو مَواطِن ضعفه بكلِّ وضوح، ولكن يُمكن مع ذلك أن تُبان كرامته ودعوته.

فالكتاب المقدس يعلِّمنا أن الإنسان خُلِقَ على “صورة الله”، قادرٌ أن يَعرفَ ويحبَّ خالقَه الذي أقامه سيداً على كلِّ المخلوقات الأرضية (8) ليتسلَّط عليها ويستخدمها ممجِّداً الله (9). “فما الإنسانُ حتى تذكره وإبن الإنسان حتى تفتقده؟ نقَّصته عن الملائكة قليلاً وكلَّلته بالمجد والكرامة. سَلَّطته على أعمالِ يديك وأخضعتَ كلَّ شيءٍ تحت قدميه” (مز 8 / 5 – 7).‪
‬ولكن الله لم يخلق الإنسان وحيداً: فمنذ البدء “ذكراً وانثى خلقهما” (تك 1 / 27). وإن هذه الشَركة بين الرجلِ والمرأة لهي التعبيرُ الأول عن شركةِ الأشخاص وإتحادِهِما. فالإنسانُ، بأعماقِ طبيعته، هو كائنٌ إجتماعيٌ ولا يستطيعُ أن يحيا وينمّي مؤهلاته دون أن يُقيم علاقاتٍ مع الآخرين.

ولذلك “نظر الله فرأى أن كلَّ ما صنعه حسن” هذا ما نقرأه في الكتاب المقدس (تك 1 / 31).

الخطيئة

13- لقد أقامَ الله الإنسانَ في حالةٍ من البرارة. غير أن الشريرَ أغواهُ منذُ بدءِ التاريخِ فأساءَ إستعمالَ حريَّتِه واقفاً في وجه الله، راغباً في أن يصلَ إلى غايتِهِ بدونه تعإلى. لقد عرفوا الله “غير أنهم لم يعبدوه كإله…” فأظلم قلبُهم الغبي وخدموا الخليقة وفضَّلوها على الخالق” (10). وإنَّ ما يبينه لنا الوحي الإلهي بهذه الصورة يثبته إختبارنا بالذات. فالإنسانُ، إذا تفرَّسَ في أعماقِ قلبه، يكتشفُ أنَّهُ مَيال أيضاً إلى الشر، تغمرُهُ ويلاتٌ كثيرةٌ لا يمكن أن تأتيه من خالقه لأنه صالح.
فغالباً ما رفض الإنسانُ أن يعترف بأن الله هو مبدأُهُ ولذلك نقضَ النظام الذي كان يوجّهه إلى غايته الأخيرة وحطَّم كلَّ تناغمٍ إن بالنسبةِ إلى نفسِهِ أو إلى سائرِ الناس والخليقة كلها.

فالإنسانُ مقسومٌ على ذاته. وها حياةُ الناس كلها، فردية كانت أم جماعية، تبدو صراعاً، وكم هو دام ٍ ،بين الخيرِ والشر، بين النورِ والظلمة. أَضِفْ إلى ذلك أن الإنسان يكتشفُ أنه لا يقدرُ من تلقاء ذاتِهِ أن ينتصرَ فعلاً على هجماتِ الشر؛ وهكذا يحسُّ كلُّ واحدٍ كأنه مقيد بالسلاسل. غير أن الربَّ نفسَه أتى ليعيدَ إلى الإنسانِ الحريةَ والقوةَ ويجدَّده من الداخل، ويطرح خارجاً “سيد هذا العالم” (يو 12 / 36) الذي كان يستعبده بالخطيئة (11). أما الخطيئة فإنها تنتقصُ من الإنسانِ نفسه إذ تمنعه من بلوغِ كماله.

وعلى ضوء هذا الوحي نجد معنى نهائياً لسموِّ الدعوة الإنسانية ولتعاسةِ الإنسان، تلك التعاسة العميقة التي نختبرها جميعاً.

تركيب الإنسان

14- الإنسانُ واحدٌ وإن من نفسٍ وجسد. وهو بوضعِهِ الجسدي ذاته صورةٌ مصغرةٌ لعالمِ الأشياءِ التي تجد فيه ذروتَها وتستطيع بحريةٍ أن تُسبِّحَ خالقَها (12). فلا يُسمح للإنسانِ بأن يحتقرَ الحياة الجسدية. بل بالعكس عليه أن يُقدِّرَ ويحترمَ جسدَهُ الذي خلقه الله والمدعوُ إلى القيامةِ في اليوم الأخير. ومع ذلك بما أن الخطيئةَ جَرَحته فالإنسانُ يحسُّ في ذاتِهِ بثوراتِ الجسد. وكرامته نفسها هي التي تقضي بأن يُمجِّدَ الله في جسدِهِ (13) فلا يُستَعبَد لميولِ قلبه الشريرة.

أجل إنَّ الإنسان لا يغلط عندما يعترف بأنه أسمى من العناصر المادية معتبراً ذاتَه لا جزءاً يسيراً من الطبيعة ولا عنصراً مجهولاً من عناصر المدنية البشرية. إنه بحياتِهِ الداخلية يفوقُ عالمَ الأشياء: وإنه إلى هذه الأعماق الداخلية يعودُ عندما يرجع إلى ذاتِهِ حيث ينتظرُه هذا الإله الذي يفحصُ القلوبَ (14) وحيث هو يقرِّرُ مصيرَه بذاته تحت نظر الله. وهكذا فإنّه عندما يعترفُ بأن له نفْساً روحيّة خالدة فهو ليس بأُلعوبةٍ خلقها الوهمُ يمكن شرحها فقط بالظروف الطبيعية والإجتماعية، بل بالعكس يبلغ حتى عمقِ أعماق الواقع.

سمو العقل: حقيقة وحكمة

15- بما أن الإنسانَ يشتركُ في نورِ العقل الإلهي، يحق له أن يفكر أنه يفوقُ بعقلِهِ عالم الأشياء. ومما لا شكَّ فيهِ أن عبقريَّتَه عملت عبر الأجيال بالكدّ والجدّ على تقدُّمِ العلومِ الإختبارية والتقنية والفنون الجميلة. ولقد حصل في أيامنا على‪ ‬إنتصاراتٍ لا مثيلَ لها، خاصةً في إكتشاف العالم المادي وإخضاعِهِ. ولقد بحثَ دائماً مع ذلك عن حقيقةٍ أعمق فوجدَها. لأن العقلَ لا يقفُ عند الظواهر فقط؛ إنه قادرٌ أن يبلغَ بكلِّ تأكيدٍ، الواقع الممكن فهمه، بالرغم مما تتركُ الخطيئةُ فيه من ظلامٍ‪ ‬وضعف.
‪
‬وأخيراً، إن طبيعةَ الشخصِ العاقلة تجد ويجب أن تجد كمالها في الحكمة. وإنّ هذه لتجذبَ بعذوبةٍ وقوّةٍ عقلَ الإنسان إلى البحث عن الحقّ والخير وإلى محبتِهما. فالإنسانُ الذي يتغذى من ذلك يُقادُ من العالم المنظور إلى غير المنظور.

وإن عصرنا لبِحاجةٍ إلى هذه الحكمة أكثرَ من أي عصرٍ كان حتى يُؤَنْسِنَ إكتشافاته ذاتها أيةً كانت. وإن مستقبلَ العالمِ في خطرٍ إذا لم يعرف عصرنا أن يخلقَ الحُكماء.

ولم لا نزيد الملاحظة التالية: إنَّ العديدَ من البُلدان الفقيرةِ في الخيراتِ المادية، والغنية في الحكمة، تستطيعُ أن تخدمَ إلى حدٍ بعيدٍ بلداناً أخرى في‪ ‬هذا المضمار.

يتوصَّلُ الإنسانُ، بعد أن يُعطى موهبةَ الروح إلى أن يتأمَّلَ بعينِ الإيمان فيتذوَّقَ سرَّ الإرادة الإلهية (15).

كرامة الضمير الأخلاقي

16- يكتشفُ الإنسانُ في أعماقِ ضميره وجودَ شريعةٍ لم يسنّها لنفسه ولكن عليه أن يخضع لها. إن هذا الصوت، الذي لا ينفك يُحرجه ليعملَ الخير ويحبّه ويتجنب الشر، يدوي في الوقت المناسب في صميم قلبه: “أصنع هذا وتجنب ذلك” لأن هذه هي شريعةٌ وضَعها الله في قلبِ الإنسان؛ وإن كرامته تقومُ بالخضوعِ لها لأنها هي التي ستحكم عليه (16). فالضميرُ هو أعمقُ ما في الإنسان من مركزٍ، هو المَقْدِسُ الذي يَلقى فيه اللهَ وحده ليسمع صوته (17). إن هذه الشريعة التي تبلغ كمالها بحبِّ الله والقريب تَظهر للضمير بطريقةٍ عجيبة (18). وعلى المسيحيين، أمانةً لضميرهم، أن يَبحثوا بإتحادٍ مع سائر الناس عن الحقيقةِ وعن الحل العادل لمشاكل أخلاقية متعددة تتأتى عن الحياة الفردية والحياة الإجتماعية أيضاً. وبقدر ما ينتصرُ الضميرُ المستقيم، يبتعدُ الأشخاصُ والفئات عن إتخاذِ قرارٍ أعمى ويميلون إلى أن يُطابقوا سلوكَهم على نواميسِ الأخلاق الموضوعية. ولكن غالباً ما يَضلُّ الضمير، نتيجةَ جهلٍ لا يُغلب، ولكن دون أن يخسر كرامته. وهذا ما لا نستطيع أن نقوله عندما لا يأبه الإنسان إلا قليلاً للبحث عن الحق والخير، وعندما يدبّ العمى رويداً رويداً في ضميره وقد تعوَّدَ على الخطيئة.

عظمة الحرية

17- غير أن الإنسانَ يتجه نحو الخيرِ بملءِ حريته. هذه الحرية التي يعتبرُها معاصرونا إعتباراً عظيماً ويبحثون عنها بكل حماسٍ، وهم في ذلك على حق. ولكن غالباً ما يعززونها بطريقةٍ منحرفةٍ إذ يعتقدون أنها إستباحةٌ لكلِّ شيءٍ يجلب السرورحتى وإن كان شراً. غير أن الحريةَ الحقيقيةَ هي في الإنسانِ علامةً مميزة عن صورةِ الله فيه. لأن الله أرادَ أن “يتركه لمشورته الخاصة” (19) حتى يتمكن بذاتِهِ من أن يبحث عن خالقِهِ، ويلتحقَ به بحريةٍ، ويبلغ هكذا إلى تمام سعادتِهِ الكاملة. إنَّ كرامةَ الإنسانِ تتطلَّبُ منه أن يتصرَّفَ إستناداً إلى إختيارٍ حرٍّ وواعٍ مدفوعاً بإقتناعٍ شخصيٍّ يُحدِّدُ موقفَهُ، لا تحت الدوافعِ الغريزية أو الضغط الخارجي. ويحصلُ الإنسانُ على هذه الكرامة عندما يتخلَّصُ من عبودية الأهواءِ، إذ يختارُ الخيرَ حُراً، فيسيرُ نحو مصيرِهِ ويسعى حثيثاً مرتكزاً على مهارتِه، ليؤمِّنَ فعلاً الوسائلَ لتحقيقه. غير أن الحريةَ الإنسانيةَ التي جرحتها الخطيئة، لا تستطيعُ أن تسير نحو الله كلياً وبطريقةٍ فاعلة، إلا بمعونةِ النعمةِ الإلهية. وعلى كل إنسانٍ أن يؤدي حساباً عن حياتِه أمامَ منبر الله، عن الخير أو الشر الذي فعل (20).

سر الموت

18- إنَّ لغز الوضعِ البشري يبلغ الذروة أمام الموت. فما يُؤلمُ الإنسان ويقضي مضجعه، ليس الألم وحده ولا إنحطاط جسده تدريجياً، ولكن بالأحرى الخوفُ من فناءٍ نهائي. وإنه ليرفضُ هذا الفناء الكلي ولا يرضى به. كما أنه يرفض أن ينحلَّ شخصياً ونهائياً. ورفضُهُ هذا مرتكزٌ على إلهامٍ صحيح يأتيه من أعماقِ قلبه. فزَرْعُ الأبدية الذي يحملُهُ في نفسه، والذي لا ينحصر في المادة فقط، يثور ضد الموت. وإنَّ كلَّ محاولاتِ التقنية مهما كان نفعُها جليلاً، لَتعجَزُ عن تهدئةِ قلقِهِ لأنَّ طولَ العُمر الذي يحققه علم الحياة لا يمكنُهُ أن يشبعَ رغبتَهُ في حياةٍ أخرى، تلك الرغبةُ المتأصِّلة الراسية في قلبه.

ولكن إذ يظهر هنا عجزَ المخيلة، تؤكد الكنيسة المسترشدة بالوحي الإلهي أن الله خلق الإنسانَ لآخرةٍ سعيدةٍ بعيدةٍ عن شقاوات العالم الحاضر. وعلاوةً على ذلك يعلِّمنا الإيمان المسيحي أن هذا الموت الجسدي لم يكن الإنسانُ ليخضع له لولا 
الخطيئة (21) وإن هذا الموت سيُغلب عندما يعيدُ المخلِّصُ الرحوم والكلي القدرة إلى الإنسان الخلاص الذي خسره بخطيئته. فالله قد دعا ولا يزال يدعو الإنسان ليتَّحِدَ به بملءِ كيانِهِ، إتحاداً أبدياً قوامُهُ حياة إلهية لا تتبدل. إن هذا الإنتصار قد حققه المسيحُ بقيامته (22) مُحرراً الإنسان من الموت بموته هو. وإنَّ الإيمانَ خليقٌ بأن يجيب على تساؤل الإنسان المتلهّف حولَ مستقبله، إستناداً إلى الوثائق الثابتة التي يعرضها على كلّ إنسان ليتفحّصها. كما أنه يُقدِّم لنا أيضاً، بواسطة المسيح، 
إمكانية الإتحاد بإخوانٍ لنا أعزاءَ غادروا هذه الحياة فاتحاً لنا باب الأمل بأنهم وجدوا بقرب الله الحياة الحقيقية.

أشكال الإلحاد وجذوره

19- إن أسمى مظاهر الكرامة الإنسانية يكمنُ في دعوة الإنسان إلى الإتحاد بالله. والدعوةُ التي يوجهها الله لإقامة حوارٍ مع الإنسان تبدأ ببدء الحياة. فوجوده دليلٌ على أن الله خلقه حباً له؛ وحباً له أيضاً، يحفظه في الوجود. ولا يُمكن للإنسان أن يعيشَ ملء الحياةِ وفقاً للحقيقة إن لم يعترف حراً بهذا الحبِّ مستسلماً لخالقه. غير أن الكثيرين من معاصرينا لا يُدركون أصلاً العلاقةَ الحياتية الحميمة التي تربط الإنسان بالله أو ينبذونها صراحةً إلى حدِّ أن الإلحادَ يُعَدُّ ظاهرةً من أخطر ظواهر هذا العصر ويجب أن يخضع لبحثٍ في منتهى الدقة.

يُطلق إسم الإلحاد على ظواهر متنوعة. فبينما ينكر بعض الملحدين وجود الله صراحةً، يعتقد آخرون أن الإنسان لا يقدرُ أصلاً أن يؤكِّدَ شيئاً عنه. ويتطرَّقُ آخرون أيضاً إلى البحث في مشكلة الله بطريقةٍ تبدو وكأن لا معنى لها. ويتجاوزُ الكثيرون حدود العلومُ الإيجابية دون أي مبرر فيزعمون أن العقل العلمي وحده يشرحُ كلَّ شيءٍ أو بالعكس لا يعترفون مطلقاً بأية حقيقة ثابتة بصورةٍ نهائية. ويبالغُ آخرون في تعظيم الإنسانِ إلى حدِّ زعزعة الإيمان بالله منشغلين بتأكيد وجود الإنسان أكثر مما هم منشغلون بإنكار الله. ويتمثل بعضهم الله بشكل يجعلهم، إذا ما رفضوه، يرفضون إلهاً لم يتكلم عليه الإنجيل أبداً. وقسمٌ منهم لا يتطرق حتى إلى مشكلةِ الله، فيبيدون وكأنهم غرباء لا يزعجهم أي قلقٍ ديني ولا يدركون لماذا يأبهون بعد للديانة. علاوةً على ذلك، ينتج الإلحاد غالباً، إما من إحتجاجٍ على الشر في العالم وثورة عليه، وإما لأن بعض المثل البشرية طُبعت بطابعٍ يُعتبر مطلقاً إلى حدِّ أنها أخذت مكان الله. إن الحضارة الحديثة ذاتها تزيد في صعوبةِ التقرُّبِ من الله، لا كحضارة، بل لأنها مرتبطة إلى حد بعيد بالحقائق الأرضية.

أجل إن الذين يحاولون عمداً نزع الله من قلوبهم وإبعادَ المشاكل الدينية بعدم تلبيتهم أوامر ضميرهم، لا يتبرأون من كل إثم. غيرأن المؤمنين أنفسهم، غالباً ما يتحملون في هذا الصدد قسطاً من المسؤولية. فالإلحاد، إذا ما نظرنا إليه نظرةً إجماليةً ندرك أن لا مبرر له في ذاته بل في أسبابٍ متعددة، منها ردّةُ فعلٍ مبنية على إنتقاد الديانات، وفي بعض المناطق ردّةُ فعلٍ خاصة تجاه الديانة المسيحية. ولذلك قد يكون للمؤمنينَ في نشأةِ الإلحاد قسط غير يسير بقدر ما يحجبون وجه الله الصحيح ووجه الديانة أكثر مما يظهرونه ويكشفون عنه، سواء بإهمالِ العناية بإيمانهم وبعدم تغذيته، أو إظهار العقيدةِ وعرضها عرضاً غاشاً أو بكبواتِ حياتهم الدينية والأخلاقية والإجتماعية.

الإلحاد كمذهب

20- إنَّ الإلحاد الحديث غالباً ما يظهر بشكلِ مذهب. وبقطع النظر عن بقية الأسباب فإنه يَدفع بنزعةِ الإنسان إلى السيادة إلى حدٍ يصعب معه الإرتباط بالله. ويتمسك المنادون بهذا النوع من الإلحاد بأن الحرية تقوم بما يلي: الإنسانُ هو غايةٌ في ذاته، هو الذي يصنع تاريخه وينظمه بذاته. ويزعمون أن هذه النظرة إلى الواقع لا تتفق والإعتراف بربٍ هو صانعُ كل شيء وغايته، أو على الأقل أن هذه النظرة تجعل هذا التأكيد الأخير تافهاً. وقد يزداد هذا الإعتقاد رسوخاً بفضلِ الشعور بالقوة الذي يمنحه للإنسان تقدمه في حقل التقنية.

وعلينا ألا نُعرِضَ، في عداد الإلحاد المعاصر، عن ذلك الإلحاد الذي يهدف إلى تحرير الإنسان خاصة في حقلي الإقتصاد والإجتماع. ويزعم قوم أن الديانة بحدِّ ذاتها تقاوم هذا التحرير بقدر ما تُحوِّلُ نظرَ الإنسان عن بناءِ المدينة الأرضية إذ تبني رجاءه على سرابِ حياةٍ مستقبلية. ولذلك، حيث يصبح أتباع هذه العقيدة أسيادَ الحكم، يهاجمون الديانة هجوماً عنيفاً ويستعملون لنشر الإلحاد كلّ وسائل الضغط التي هي في متناول السلطة العامة، خاصة في ما يتعلق بتربية الشبان.

موقف الكنيسة من الإلحاد

21- لا تستطيع الكنيسة، وهي الأمينة لله وللإنسان معاً، إلاّ أن ترذل بحزنٍ وبمنتهى الشدة، كما فعلت ذلك في الماضي (23) هذه التعاليم وهذه التصرفات المشؤومة التي تُعاكس العقل والإختبار العام وتحط من قدر الإنسان ومن نبله الموروث.
غير أنها تجتهد في أن تدرك أسباب نكران الله الكامنة في قلوب الملحدين. وإنها لتعي تماماً خطورةَ المشاكل التي يطرحها الإلحاد. وبما أن حبُّ جميعِ الناس هو الذي يدفعها تعتبر أن من واجبها إخضاعُ هذه الأسباب إلى فحصٍ رزينٍ وعميق.

تؤكد الكنيسة أن الأعتراف بالله لا يُعاكس كرامة الإنسان بأيةِ طريقةٍ من الطرق، لأن في الله ذاته ما يبرر هذه الكرامة وما يكملها. فالله الخالق أقامَ الإنسان في مجتمعٍ وزينه بالفهم والحرية. غير أنه بصفته إبناً لله، فهو مدعو إلى مشاركة الله سعادتَه نفسها وحياته الحميمة. علاوة على ذلك تُعلِّم الكنيسة أن الرجاء في حياةٍ أبديةٍ لا ينقص من أهمية المهام الأرضية، بل بالأحرى يساعد على تتميمها مركزاً إياها على دوافع جديدة. وبالعكس عندما يتلاشى العضد الإلهي والرجاء في الحياة الأبدية، تُجرح كرامة الإنسان جرحاً بليغاً كما نراه غالباً في أيامنا. كما أن لغزَ الحياة والموت والخطيئة والألم يبقى دون حلٍ: وهكذا غالباً ما يهوي البشر في وهدة القنوط.

إذّاك يظل كلُّ إنسانٍ أمام نفسه سؤالاً لا جوابَ عليه يغلّفه الغموض. ففي بعض الساعات، خاصة بمناسبة حوادث الحياة الكبرى، لا يتمكن أحد أن يتملَّصَ مِن أن يتساءل سؤالاً كهذا؛ والله وحده هو الذي يستطيعُ أن يجيب عليه تماماً وبطريقةٍ لا تقبل الجدل، وهو الذي يدعونا إلى تفكير أعمق وإلى بحث يتسم بالمزيد من الإتضاع.

أما في ما يتعلق بدواءِ الإلحاد، من جهةٍ يجب أن ننتظره من عرض العقيدة عرضاً مناسباً؛ ومن جهة ثانية من نقاوة حياة الكنيسة وحياة أعضائها. أجل إن من واجب الكنيسة أن تجعل الله الآب وإبنه المتجسد حاضرين وشبه منظورين، إذ تتجدد وتتنقى بإستمرارٍ تحت قيادة الروح القدس (24). وذلك بشهادةِ إيمانٍ حي وراشد، مهيء للتعرف بوضوح إلى الصعوبات والتغلب عليها. هذا هو الإيمان الذي شهد له ولا يزال، شهادة رائعة، كثيرون من الشهداء. وإن خصب هذا الإيمان يجب أن يظهر بنفوذه إلى حياة المؤمنين كلها، حتى حياتهم العالمية، عليه أن يقودهم إلى إحلال العدالة والحب خاصة بين المحرومين. وأخيراً إن ما يساهم أحسن المساهمة في إظهار وجود الله وحضوره، هو حبُّ المؤمنين الأخوي الذين يعملون بقلب واحد من أجل إيمان الإنجيل (25) فيظهرون وكأنهم رمزٌ للإتحاد.

إن الكنيسة، وإن رفضت الإلحاد رفضاً باتاً، تُعلن مع ذلك بكل صراحة أن على البشر أجمعين مؤمنين كانوا أم غير مؤمنين أن ينكبّوا على بناءِ هذا العالم في العدل، هذا العالم الذي يحيون فيه معاً: ولن يتم ذلك حقاً إلا بالحوار الصريح الحكيم. فالكنيسةُ تأسف إذاً للتمييز في المعاملة بين مؤمنين وغير مؤمنين تقومُ به بعض السلطات المدنيّة بطريقةٍ ظالمة محتقرة حقوق الإنسان الأساسية. إنها تُطالب للمؤمنين بالحريةِ العملية وبإمكانيةِ بناء هيكل الله في هذا العالم. وإنها لتدعو الملحدين دعوةً إنسانية ليتفحَّصوا إنجيل المسيح بموضوعيةٍ تامة.

وتعرفُ الكنيسة تمامَ المعرفة أن رسالتها تتجاوب وخفايا قلب الإنسان العميقة عندما تدافع عن كرامةِ الدعوة الإنسانية، فتُعيدُ الرجاء هكذا إلى أولئك الذين لن يجرؤوا فيؤمنوا بعظمةِ مصيرهم، إن رسالتَها بدلاً من أن تنتقص من الإنسان تخدُمُ تقدمه إذ تنشر النورَ والحياة والحرية. ولا شيء خارجاً عن هذه البشرى يُمكنه أن يشبع قلب الإنسان: “لقد خلقتنا لكَ يا رب ولا يستقر قلبنا حتى يجد راحته فيك” (26).

المسيح، الإنسان الجديد

22- بالحقيقة لا تُلقى الأضواء الحقّة على سر الإنسان إلا من خلالِ سر الكلمة المتجسد. فآدم الإنسان الأول كان صورةً لذلك الآتي، أي السيد المسيح (27). فالمسيح، آدم الجديد، يكشف لنا عن سرِّ الآب وعن محبتِهِ، ويبيِّنُ للإنسان ما هو عليه بالذات كاشفاً له عن سموّ دعوته. فلا عجب إذاً أن يكون هو مصدرُ الحقائق التي تَكلمنا عليها، تلك التي تبلغ فيه ذروتها. “إنه صورة الله غير المنظور” (كول 1 / 15) (28)؛ إنه الإنسان الكامل الذي رمَّمَ في ذرية آدم المثالَ الإلهي الذي شوَّهَته لخطيئة الأولى. لأنه هو الذي أخذَ الطبيعة البشرية دونَ أن يُلاشيها (29) فرفَعَ هكذا طبيعتنا أيضاً إلى مرتبةٍ وكرامةٍ لا مثيلَ لهما. فبتجسُّدِهِ إتَّحَدَ إبن الله نوعاً ما بكلِّ إنسان .لقد إشتغل بيدي إنسانٍ وفكر كما يُفكر الإنسان وعمل بإرادة إنسانٍ (30) وأحبَّ بقلبِ الإنسان. لقد وُلِدَ من العذراء مريم وصار حقاً واحداً منا شبيهاً بنا في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة (31).

هو الحَمَلُ البريء الذي إستحق لنا الحياةَ بدمِهِ الذي أراقه بملء الحرية. وبواسطته صالحنا الله مع ذاتِهِ ومع بعضِنا (32) إذ إنتزعنا من عبوديةِ الشيطان والخطيئة. إلى حدِّ أنه يمكن لكلٍّ منا أن يقول مع الرسول: إن إبن الله “أحبَّني وبذلَ ذاتَه لأجلي” (غل 2 / 20) لقد تألَّمَ لأجلنا ولم يعطنا بذلك مثالاً فقط لنسير على خطاه (33) بل شقَّ لنا طريقاً جديدةً: إذا تبعناها تتقدس الحياة ويتقدَّسُ الموت فيكتسبان معنى جديداً.

وعندما يصبحُ المسيحي مطابِقاً لصورةِ الإبن، البكر بين إخوةٍ كثيرين (34) يقبلُ “بواكير الروح” (رو 8 / 23) التي تمنحه القوة ليُتمِّمَ الشريعة الجديدة، شريعةَ الحبِّ (35). وبواسطةِ هذا الروح “عربون الميراث” (أف 1 / 14) يتجدَّدُ الإنسان كلُّه باطنياً بانتظار “إفتداء الجسد” (رو 8 / 23) (36) “وإن كان روحُ الذي أقام يسوعَ من بين الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقامَ يسوع المسيح من بين الأموات يُحيي أيضاً أجسادكم المائتة، بروحه الساكن فيكم” (رو 8 / 11). أجل إنه لضروريٌّ وواجبٌ على المسيحي أن يُحارب الشر، لقاء مشقاتٍ كثيرة، إلى أن يحلّ به الموت. ولكن بما أنه إشترك في سر الفصح، وشابه المسيح في الموت، وتقوى بالرجاء، فهو يسيرُ نَحوَ القيامة (37).

ولا يصح ذلك فقط في الذين يؤمنون بالمسيح ولكن في كل الناس ذوي الإرادةِ الصالحة، الذين تعملُ النعمةُ في قلوبهم بطريقةٍ خفيةٍ (38). فإذا كان المسيح ماتَ عن الجميع (39) وإذا كانت دعوة الإنسان الأخيرة هي حقاً واحدةً للجميع، أي إنها دعوة إلهية، علينا إذا أن نتمسك بأن الروح القدس يُقدِّمُ للجميع، الإمكانية للإشتراك في سرِّ الفصح بطريقةٍ يعرفها الله وحده. 
هذه هي نوعيَّةُ سر الإنسان وعظمته. هذا السر الذي يوضحه الوحي المسيحي ويتلألأ أمام أعين المؤمنين. فبواسطةِ المسيح وفيه يتضح وينحل لغز الألم والموت، ذلك اللغز الذي يسحقُنا إن نظرنا إليه بمعزلٍ عن إنجيل المسيح. لقد قامَ المسيحُ وبموته غلب الموت وأعطانا الحياة بغزارةٍ (40) حتى، بعد أن أصبحنا أبناء في الإبن، نصرخ في الروح: أَبا ، أيها الآب (41).

الفصل الثاني: الجماعة الإنسانية

الغاية التي يتوخاها المجمع23- مِن بين أخص مظاهر عالم اليوم، يجب أن نعد تزايد العلاقات بين البشر، تلك العلاقات التي يُسهم التقدم التقني الحالي في توسُّعها وإنتشارها. غيرأن الحوار الأخوي بين البشر لا يكتمل على هذا المستوى، بل على مستوى أعمق في جماعةِ الأشخاص، وهذه الجماعة تفترضُ الإحترامَ المتبادل لكرامتِهم الروحية التامة. إنَّ الوحي المسيحي يؤيِّد، تمامَ التأييد، إنطلاقةَ هذه الشركة بين الأشخاص؛ كما أنّه يقودنا بالوقت ذاتِهِ إلى تفهُّمٍ أنْفَذ لنواميسِ الحياة المجتمعية، تلك النواميس التي وضعها الخالق في طبيعةِ الإنسان الروحية والأخلاقية.

ولكن بما أن هناك وثائقَ حديثةً وضعتها السلطةُ التعليميةُ في الكنيسةِ، وشَرَحَت فيها باسهابٍ التعليمَ المسيحي حول المجتمع الإنساني (42) يكتفي هذا المجمع بالتذكير ببعض الحقائقِ الكبرى التي يَعرُضُ أسسَها على ضوء الوحي، مركّزاً فيما بعد على بعض النتائج التي تتَّسِمُ بأهميةٍ خاصة في عصرنا اليوم.

للدعوة الإنسانية في تصميم الله ميزة جماعية

24- إنّ الله الذي يسهرُ على الجميع سهرَ الوالد، شاءَ أن يؤلِّفَ البشرُ أجمعون عائلةً واحدةً، ويُعاملَ بعضهم بعضاً كأخوةٍ. فكلُّهم خُلقوا على صورةِ الله “هو الذي أسكَنَ على وجهِ الأرض كلّها البشريةَ بأسرها التي خرجت من مبدأ واحد” (أع 17 / 26). ولقد دُعوا جميعاً إلى الغاية الواحدة ذاتها وهذه الغاية هي الله نفسه.

ونتيجةً لذلك إن أعظم الوصايا وأولها هي حبُّ الله وحبُّ القريب. ويعلمنا الكتاب المقدس بدوره أن حبَّ الله لا ينفصل عن حب القريب، “وكل وصية أخرى تُلخَّصُ بهذه الكلمة: أحبب قريبك كنفسك. فالمحبة هي تمام الناموس” (رو 13 / 9 -10؛1 يو ‪4‬ / 20). وإنه لمِن الواضح أن ذلك هو ببالغِ الأهمية بالنسبة إلى البشر الذين يزدادُ إرتباطُهم بعضهم ببعض في عالمٍ لا ينفك يتوحَّد.

وبالحقيقةِ، فعندما يصلي السيد يسوع المسيح إلى الآب ليكون “الجميعُ واحداً كما نحن واحد” (يو17 / 21 – 22)، يفتح آفاقاً لن يتوصل إليها العقل. كما أنه يُوحي لنا بأن هناك شَبهاً بين إتحاد الأقانيم الإلهية وإتحادِ أبناءِ الله في الحق والمحبة. وهذا الشبه يبين بوضوحٍ أن الإنسانَ، تلك الخليقة الفريدة التي أرادها الله لذاتها، لا يستطيع أن يجدَ ذاتَه تماماً، إلا ببذلِ ذاته دون مقابل (43).

ارتباط الشخص بالمجتمع

25- إن الميزة الإجتماعية التي يتميَّزُ بها الإنسان تُظهرُ أن هناك إرتباطاً بين إنطلاقةِ الشخص وتقدُّمِ المجتمع ذاته. فالشخص الإنساني، بطبيعته نفسها، فيه حاجة ماسة إلى حياةٍ إجتماعيةٍ ومن ثم يجبُ أن يكون قاعدةً لكلّ المنظمات وموضوعها وغايتها (44). فالحياةُ الإجتماعية ليست للإنسان شيئاً إضافياً: فبالتبادلِ والحوارِ مع إخوته وبالخدمات التي يؤديها الواحد للآخر، يَنمو الإنسان وفقاً لكلّ طاقاتِهِ ويستطيع أن يجيبَ على دعوته.

ومن الروابط الإجتماعية الضرورية لإنطلاقة الإنسان أنَّ بعضَها يتفقُ مباشرةً وطبيعته الحميمة كالعائلة والجماعة السياسية، وبعضها الآخر منوطٌ بالأحرى بإرادته وحريته. وفي أيامنا تزدادُ وتتضاعفُ العلاقاتُ المتبادلة والإرتباطات المشتركة يوماً بعد يومٍ، تحت تأثيرِ عواملَ متعددة: ومن هنا تنشأ الجمعياتُ والمنظماتُ المختلفة التي يُقرّها الشرع العام أو الخاص. وإن تلك الظاهرة – التي تُدعى التشارك – وإن لم تكن دون أخطارٍ، فإنها تحمل مع ذلك منافعَ متعددة، تسمحُ بتثبيتِ وإنماءِ صفات الشخص الإنساني وحماية حقوقه (45).

ولكن إذا كان الأشخاص البشريون يفيدون كثيراً من الحياةِ الأجتماعية لتلبيةِ دعوتِهم وتكميلها حتى من الناحية الدينية، لا نقدرُ أن ننكرَ مع ذلك أن البشر غالباً ما نَراهم يتحولون عن الخيرِ ويندفعون إلى الشر، من جراءِ الأوضاع الإجتماعية التي يعيشون وتلفّهم منذ حداثتهم. أَجَل إن قسماً من الفوضى التي غالباً ما نجدها في النظام الإجتماعي ينتج عن التوترِ الساري ضمن الأوضاع الإقتصادية والسياسية والإجتماعية. وإذا نظرنا نظرةً أعمق رأينا أن هذه الفوضى ناتجة عن كبرياءِ البشر وأنانيتهم اللتين تفسدان أيضاً المناخ الإجتماعي. وحيث تنال نتائجُ الخطيئة من نظامِ الأمور الطبيعية، فالإنسان الذي يميلُ إلى الشر منذُ ولادته، يجدُ دوافعَ جديدةً تدفعه إلى الخطيئة: ولن يتمكن من التغلب على ذلك إن لَم يبذل جهوداً جبارة وإن لَم تسانده النعمة.

تشجيع الخير العام

26- بما أن العلاقات البشرية أخذت تتأصل وتنتشر رويداً رويداً لتعمّ الكون بكامله، أخذ الخير العام – والخير العام هو مجموعة أوضاع وظروف إجتماعية تسمحُ للجماعات ولكلّ فرد من أفرادها بالوصول إلى الكمال بطريقةٍ أكثر شمولاً وسهولة – أخذ اليوم ينتشر ويتسع أكثر فأكثر؛ ومن ثم فإنه يحوي ضمن طيّاته حقوقاً وواجبات تتعلق بالجنس البشري بأسره. وعلى كلِّ جماعة أن تحسب حساباً لحاجاتِ الجماعات الأخرى وتوقها الشرعي كما أن عليها أيضاً أن تحسب حساباً للخير العام الذي يشمل العائلةَ البشرية بكاملها (46).

ويزدادُ بالوقت نفسه الشعور بكرامةِ الإنسان السامية التي تفوق كلَّ شيء والتي لا تُمس حقوقها وواجباتها الشاملة. فمن ثم يجب أن يوفَّرَ للإنسان كلُّ ما يحتاجه ليعيش حياةً إنسانيةً حقة، مثلاً: الغذاء والكساء والمسكن، والحق في إختيار الحياة التي يريد إختياراً حراً، والحق في أن يؤسِّس عائلة ويربيها، والحق في العمل والصيت والإحترام والإطلاع الوافي، والحق أن يتصرف حسب قاعدة ضميرِه الصحيحة، والحق في المحافظةِ على حياتِهِ الخاصة وفي حريةٍ عادلةٍ حتى في القضايا الدينية.

ويجب أن يهدف دوماً النظام الإجتماعي وتقدمه إلى خير الأفراد لأن نظام الأشياء يجب أن يخضع لنظامِ الأشخاص وليس العكس بالعكس. والسيد نفسه ألْمَحَ إلى ذلك عندما قال: “إن السبت خُلِقَ للإنسان ولم يخلق الإنسان للسبت” (47) ويجب أن يتقدم هذا النظام بإطراد مؤسَّساً على الحقيقة، مبنياً على العدالة ومنتعشاً بالحب. كما أن عليه أن يجد في الحرية توازناً أكثر إنسانية (48). وللبلوغِ إلى هذا المستوى يجب العمل على تجديد الذهنيات والبدء بتبديلاتٍ إجتماعية واسعة.

إنَّ الروح الله الذي يوجِّهُ بعنايةٍ عجيبةٍ سَير الأزمنة ويجدِّدُ وجهَ الأرض هو يُشرف على هذا التطور. أما الخميرة الإنجيلية فهي التي عَملت وتعمل على أن تبعث في قلب الإنسان شعوراً بالكرامة لا يُقهر.

إحترام الشخص الإنساني
 
27- للوصول إلى إستنتاجاتٍ عملية لها صفةُ الإستعجال الخاص، يشدِّدُ المجتمع على إحترام الإنسان: ليعتبرنَّ كل إنسان قريبه، دون إستثناء أحد، “كذاته الأخرى”؛ ليهتمنّ قبل كل شيء بوجودِهِ وبالوسائل الضرورية التي تمكنه من عيشٍ كريم(49)، وليحذرن مِن أن يتشبه بذلك الغني الذي لم يأبه قط للعازر المسكين (50).

في أيامنا هذه خاصة، علينا واجبٌ حتميٌّ يقضي بأن نعتبر أنفسنا أقرباء لكلّ إنسان وأن نخدمه بإندفاعٍ إذا حضر أمامنا: لا فرق إن كان ذلك الشيخ الذي أعرض عنه الجميع، أم ذلك العامل الغريب الذي يُلاقي الإزدراء دونما سبب، أم ذلك المنفي أو ذلك الولد الذي وُلِدَ سفاحاً فيتحمّل مظلوماً وَقْرَ إثمٍ لَمْ يرتكبه، أم ذلك الجائع الذي ينتهر ضميرنا فيذكرنا بكلام الرب القائل: “إن كل ما فعلتموه إلى إخوتي هؤلاء الصغار فلي أيضاً فعلتموه” (مت 25 / 40).

علاوةً على ذلك، إنَّ كلَّ ما يضادّ الحياة نفسها، كأنواعِ القتل والوأدِ والإجهاض والإجهاز على المرضى والإنتحار عمداً؛ كما أن كلَّ ما يُشكل إنتهاكاً للإنسان بكامله كقطعِ الأعضاء والتعذيب الجسدي والمعنوي والضغط النفسي؛ كما أنَّ كلَّ ما يُسيء إلى كرامة الإنسان كأوضاع الحياة المنحطّة والسجن دون مبررٍ والسَبي والإستعباد والبغاء والمتاجرة بالنساء والأولاد؛ وأيضاً أوضاع العمل المحقِّرة، التي تُحوِّلُ العاملَ إلى مجرَّدِ آلةٍ، دون أي إعتبارٍ لشخصيته وحريته ومسؤوليته: إنّ كلَّ هذه التصرفات والعادات التي ذكرنا وما يشبهها هي في الواقع مشينة؛ فبينما تُفسد الحضارة، تُلحِق العار بالذين يتعاطونها أكثر مما تلحقه بضحاياها؛ وتتعارضُ تعارضاً قوياً وشَرَفَ الخالق.

احترام الأخصام ومحبتهم

28- يجب أن يمتدَّ إحترامُنا وحبُّنا إلى كلِّ الذين يفكّرون ويعملون بطريقة مغايرةٍ لنا، إنْ في القضايا الإجتماعية وإنْ في القضايا السياسية أو الدينية. وبقدرِ ما نجتهدُ في تَفَهُّمِ نظرياتهم تفهماً داخلياً مطبوعاً بالحب والتودد، يَسهل حينئذ الحوار معهم.

أجل، إن هذا الحب وهذا التودد يجب أن لا يقودنا أبداً إلى اللامبالاة في ما يتعلق بالحق والخير. وبالأحرى إنه الحبُّ نفسُهُ يدفع بتلاميذ  المسيح إلى أن يبشّروا جميعَ الناس بالحقيقة التي تحملُ الخلاص. ولكن علينا أن نميِّزَ بين الأضاليل التي يجب أن نرفضَها دائماً وبين الذي يغلط، لأن من يغلط يحتفظ دائماً بكرامته كشخص، حتى وإن ضلَّ الطريق بين التعابير المغلوطة أو الناقصة في ما يتعلق بالأمورِ الدينية (51). إن الله وحدَه هو الذي يفحصُ القلوب ويحكم عليها ويحذّرنا من أن نَدين أحداً ونؤثِّمَه (52).

إن تعليمَ المسيحِ يقودُ إلى طلبِ الصفح عن الإساءات (53) فينشرَ وصية المحبة، وصية الناموسِ الجديد، إلى كلّ الأعداء “لقد قيل لكم: أحبب قريبَك وأبغض عدوَك؛ أمّا أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءَكم وأحسنوا إلى مَن يبغضكم وصلّوا لأجلِ من يضطهدكم ويقول عليكم شراً” (مت 5 / 43 – 44).

مساواة جوهرية بين كل الناس وعدالة إجتماعية
 
29- إنّ جميعَ البشرِ الذين خُلقوا على صورةِ الله وتزيَّنوا بنفسٍ عاقلة ينتمون إلى الطبيعة نفسها و يتحدَّرون من الأصلِ ذاته. إنهم ينعمون جميعَهم بالدعوةِ ذاتِها وبالمصير الإلهي ذاته لأن المسيح افتداهم. فيجب إذاً أن نعترف دائماً بالمساواة الجوهرية فيما بينهم وبمزيدٍ من التعمُّق.

مِن المؤكد أن كلَّ الناس ليسوا بمتساوين بقواهم الجسدية المختلفة، ولا بقواهم العقلية والأدبية المتنوعة. غير أن كلَّ نوعٍ من التمييز يتناول حقوق الإنسان الأساسية، إجتماعية كانت أم ثقافية، سواءً إرتكز على الجنس واللون والعرق وعلى الوضع الإجتماعي أو اللغة، أو الدين، يجب أن يُتعدّى ويُلغى لأنه منافٍ لتصميم الله. والحقُ يُقال إنه لمن المُحزن أن نتأكد أن هذه الحقوق الأساسية، حقوق الإنسان، لَمْ تُحترم بعد في كل مكان. أليست هذه هي الحال عندما تُحرم المرأة حقّ إختيار زوجها بملء حريتها، أو تختار طريقةَ حياتها أو أن تحصل على تربيةٍ وثقافةٍ تُشبهان التربية والثقافة المُعترَف بهما للرجل؟

علاوةً على ذلك فالبرغمِ من الفوارق الشرعية بين الناس، تفترض مساواةُ البشرِ في الكرامة، الوصول إلى أوضاعِ حياةٍ عادلة وأكثر إنسانية . فعدمُ المساواة الإقتصادية والإجتماعية الجسيمة، بين أعضاء العائلةِ البشرية الواحدة أو بين شعوبها، تثير الشكَّ وتقف عقبةً في وجه العدالة الأجتماعية والإنصاف وكرامةِ الإنسان وفي وجه السلام الإجتماعي والدولي.

فلتجتهدنَّ إذاً المؤسسات الخاصة والعامة، لتكون في خدمة الإنسان ومصيره. وبالوقت ذاته فلتقاومَنَّ بقوةٍ وفاعليةٍ كلَّ أنواعِ الإستعباد الإجتماعي أو السياسي؛ ولتحافظنَّ على حقوقِ الإنسان الأساسية في ظل كلِّ نظامٍ سياسي. وحتى إن لزمَ أن يَطول الوقت لبلوغِ الهدف المتوخّى، يجب على كل هذه المؤسسات البشرية أن تلبي رويداً رويداً دعوةَ الواقع الروحي الذي يسموا على كل واقع.

من الضروري أن نتجاوز النظرة الفردية للأخلاق

30- إنَّ سرعة التبديلات وإتساعَها يتطلبان بإلحاح ألا يكتفي إنسان ما بقواعدٍ أخلاقيةٍ فردية، أكان ذلك نتيجةً لعدم إنتباهه الى تطور الكون أم نتيجة تقاعسه. وعندما يُساهم كلُّ واحد في الخير العام، حسب إمكاناته الخاصة ووفقاً لحاجاتِ الآخرين، ويهتم عملياً بنهضةِ المؤسسات العامة أو الخاصة وإنطلاقتِها، التي تهدفُ إلى تحسينِ أوضاعِ الحياة البشرية، يُتمم عندئذٍ أحسن فأحسن واجباتِه في ما يختصُّ بالعدالة والمحبة. فهناك أشخاصٌ يعلنون أفكاراً ساميةً تنمُّ عن سخاءٍ ولكنهم يتبعون في الواقع نهجَ حياةٍ وكأنهم لا يأبهون أبداً للتضامن الإجتماعي. وهناك عددٌ كبيرٌ لا يخافون من أن يتملَّصوا، بحيلٍ وألاعيبَ مختلفة، من دافع الضرائب العادلة ومِن سائر وجوه الدَّين الإجتماعي. وهناك آخرون يهملون بعض قواعدِ الحياة في المجتمع، كالأنظمةِ التي تهدف إلى الحفاظ على صحةٍ أو إلى قيادة السيارات، جاهلين أن بإهمالهم هذا، يُعرِّضون حياتهم وحياة الآخرين للخطر.

فليعتبرْ الجميع وليحسبوا أن التضامنَ الإجتماعي هو من أهمِّ واجباتِ إنسانِ اليوم، وليقوموا به. فبقدرِ ما يُصبحُ العالمُ واحداً، يتَّضحُ أن واجبات الإنسان تتعدى الجماعات الخاصة المحصورة، لتمتد رويداً رويداً إلى الكون كلِّه. وهذا لا يتم إلاّ إذا أذكى الأفراد والجماعات فيهم، القيمَ الأخلاقية والإجتماعية ونشروها حولهم. وحينئذٍ ينهض أناس جدد حقاً، يعملونَ على خلقِ الإنسانية الجديدة بمساندة النعمة الإلهية الضرورية.

مسؤولية وإشتراك 31 من الواجب أن تُوجَه العناية، لتأمين إنتشار الثقافة، إنتشاراً أوسع، بإستخدام‪ ‬الوسائل المهمة التي هي بتصرف البشرية اليوم، وذلك لكي يتسلح كل واحد تسلحاً أوفى لمجابهة المسؤوليات تجاه نفسه وتجاه الفئات المختلفة التي ينتمي إليها. 
ويجب في الطليعة أن تنظَم تربية الشباب، أياً كان أصلهم الإجتماعي، بشكل قوي يبعث رجالاً ونساء لا مثقفين فحسب، بل يتمتعون بشخصية قوية، لأن عصرنا هو باشد الحاجة إليهم.

غير أن الإنسان يتوصل بصعوبة فائقة الى هذا الحد من المسؤولية، إن لم تسمح له أوضاع الحياة بأن يدرك أن له كرامة، إن لم تسمحْ له بأن يلبي دعوتَه بتفانيه في خدمةِ الله وخدمة أمثالِه. فغالباً ما تضعف الحرية عندما يقع الإنسان في فاقة ماسة، كما أنها تنحط أيضاً عندما يعيش الإنسان برخاءٍ واسع فينكمش على ذاته كمن يعيش في برج عاجي. وإنها لتتقوى بالعكس عندما يقبل الإنسان المضايقات التي لا مفرّ منها الناتجة عن التضامن الإنساني، ويتعهد بالخدمة في الحياة الإجتماعية آخذاً على عاتقه مقتضيات الجماعة البشرية المتعددة.

فمن الواجب إذاً حثُّ الجميع على أن يساهموا في الأعمال الجماعية كما أنه من الواجب الثناء على تصرفات الدول التي يشترك في شؤونها العامة، أكبر عدد ممكن من المواطنين وذلك بملء حريتهم الحقة. غير أننا مع ذلك نحسب حساباً للاوضاع الراهنة عند كل شعب وضرورة الحزم من قبل السلطات الحاكمة. ولكن حتى يندفع كل المواطنين الى الإشتراك في حياة الهيئات المتعددة، التي يتألف منها الجسم الإجتماعي، كان من اللازم أن يجدَ المواطنون في هذه الفرق قيَماً تستغويهم وتخلق فيهم الاستعدادات ليقوموا بخدمةِ أمثالهم. ونقدر بكل حق أن نفكر أن المستقبل هو بين أيدي اولئك الذين يعرفون أن يقدموا، لأجيال الغد، مبررات الحياة والأمل.

الكلمة المتجسد والتضامن البشري

32– كما أن الله لم يخلق البشر ليعيشوا منفردين، بل ليتحدوا في جماعةٍ، حَسُن لديه كذلك أن “يقدس ويخلص البشر ليس أفراداً دون أن يكون بينهم أي إرتباط، بل أن يجعلهم شعباًً يعترف به في الحق ويخدمه بالقداسة” (54). ولذلك إختار منذ بدء التاريخ أناساً ليس فقط كأفراد بل كأعضاءَ في جماعةٍ، وأبانَ الله لهؤلاء المختارين تصميمه ودعاهم “شعبه” (خر 3 / 7 – 12) وقطع مع هذا الشعب عهدَ سيناء (55).

إن هذا الطابع الإجتماعي يكتمل ويبلغ ذروتُه في عملِ المسيح. فالكلمة المتجسد نفسُه أراد أن يشتركَ في هذا التضامن. لقد إشترك في عرس قانا الجليل، وطلب من زكا أن يضيفَه، وآكل العشارين والخطأة. لقد ذكَّر الناس بوقائع الحياة الإجتماعية المألوفة وإستخدم من الحياة اليومية العادية الكلمات والصور ليكشفَ للبشر بواسطة ذلك، عن محبة الآب وعن عظمة دعوتِهم. لقد قدّس العلاقات البشرية، خاصةً العلاقات العيلية التي هي مصدر الحياة الإجتماعية. لقد خضع بملء إرادته لشرائعَ وطنه وشاء أن يحيا الحياة نفسَها التي يعيشها الصانع من بني زمانه ومنطقته.

وفي تعليمه أكّد بوضوح، أن على أبناءِ الله أن يتصرفوا كأخوة فيما بينهم. وطلب في صلاته أن يكون كلُّ تلاميذه “واحداً”. علاوةً على ذلك قدَّم ذاته حتى الموت عن الجميع، هومخلص الجميع. “ما من حبٍ أعظم من هذا وهو أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه” (يو15 / 13 ). أما في ما يتعلق برسلِهِ، فلقد أمرَهم بأن يبشروا جميع الأمم ببشارةِ الإنجيل ليقيموا من الجنس البشري عائلة الله، تسود فيها شريعة الحب.

وبما أنه البِكر بين أخوةٍ كثيرين، لقد أفاض روحَه القدوس بعد موته وقيامته فأقام شرِكَةً أخوية جديدة بين كل الذين يقبلونه بالإيمان والمحبة، إنها تتم في جسده الذي هو الكنيسة، وعلى الجميع أن يتعاونوا كأعضاءَ في هذا الجسد تعاوناً متبادلاً وفقاً للمواهب المتنوعة التي قبلوها.

يجب أن ينمو هذا التضامن بإطراد حتى يبلغَ كمالُهُ يوماً ما: وفي ذلك اليوم يقدم البشر لله مجداً كاملاً لأنهم بالنعمة مخلصون، هم الذين يؤلّفون عائلةَ الله المحبوبة وعائلة أخيهم يسوع.

الفصل الثالث: نشاط الإنسان في الكون

طرحُ المشكلة

33– لقد اجتهد الإنسان دائماً أن يعطي حياتَه توسعاً متزايداً بفضل عملِه وعبقريته. وإنه لَيَبسط اليوم سيطرتَه على كل الطبيعة تقريباً مستعيناً بالعلم والتقنية؛ كما أنه لا ينفكّ ينشر تلك السيطرة. وبفضل إنتشار وسائل التبادل المتنوعة بين الشعوب تفقهُ البشرية ذاتُها وتتكون رويداً رويداً كجماعةٍ واحدة ضمن الكون. وينتج عن ذلك أن الإنسان يحصل من الآن فصاعداً بفضل حذاقتِه الذاتية على خيراتٍ كثيرة كان ينتظرُها سابقاً وقبل كل شيء من القِوى العلوية.  

أمام هذا المشروع الهائل الذي يعم الجنس البشري كلَه، كثيرةً هي الأسئلة التي تُطرَح عالياً بين الناس: ما معنى هذا العمل والكد؟ وما قيمته؟ كيف نستعمل كل هذه الثروات؟ ما هي غاية هذه الجهود، فرديةً كانت أم جماعية؟ ومع ذلك ليس للكنيسة دائماً جوابٌ مباشر على كل هذه الأسئلة، وإن كانت هي التي تحافظ على وديعةِ كلام الله، وتنهل منه مبادىء النظام الديني والأدبي. غير أنها ترغبُ في الجمع بين نور الوحي وخبرة الجميع، لتسلط الأنوار على الطريق التي أخذت تنهجها البشرية.

قيمة نشاط الإنسان

34– إنّ المؤمنين لَمُتأكدون من شيءٍ وهو أن النشاط الإنساني، إذا نظرنا إليه بحد ذاته، فردياً كان أم جماعياً، يتجاوب وتصميم الله. وهذا النشاط هو مجهودٌ جبار، ينهمك به الناس على مرِّ العصور لتحسين أوضاع حياتهم. فإلى الإنسان المخلوق على صورة الله ،أُوكلت رسالةَ إخضاعِ الأرض وما فيها، ليتسلطَ على الكون بالبر والقداسة (56). وإذْ يعترف بأن الله خالق كل شيء يسند إليه ذاتَه ويسند إليه الكون؛ حتى إذا ما أخضع كل شيء للإنسان تمجد اسم الله في كل الأرض (57).

وينطبق هذا التعليم حتى على النشاطات العادية. فهؤلاء الرجال والنساء، الذين بتحصيلهم القوت لهم ولعيالهم يقومون بأعمالهم ليخدموا المجتمع كما يجب، فهؤلاء إذاً يحق لهم أن يعتبروا أعمالهم إمتداداً لعمل الخالق، وخدمةً لإخوانهم ومساهمةً شخصية في تحقيق تصميم العناية الإلهية في التاريخ (58).

إن المسيحيين، بدلاً من أن يعتبروا نتاج عبقريةِ الإنسان وشجاعتِه مضاداً لقدرةِ الله، والخليقة العاقلة منافسة للخالق، هم بالعكس مقتنعون تمام الإقتناع، بأن مكاسبَ الجنس البشري هي علامةً تدلُّ على عظمة الله ونتيجةً لقصده الفائق. ولكن  
بقدر ما تمتد سلطةُ الإنسان يتّسع حقل مسؤولياته الفردية والإجتماعية. ونرى من خلال ذلك أن الرسالة المسيحية لا تُبعِد الناس عن بناء العالم ولا تحملهم على اللامبالاة في ما يتعلق بمصير أمثالهم: إنها بالعكس تحملهم على إعتبار ذلك واجباً ملحاً عليهم (59).

قواعد النشاط الإنساني

35– كما أن الإنسان هو مصدرُ النشاط كذلك هو أيضاً غايتُه. فلا يحوّل الإنسان بعمله الأشياء والمجتمع فقط، إنما يكتمل هو نفسه أيضاً. إنه يكتسب أشياءَ جديدةً وينمّي مواهبه فلا يبقى منكمشاً على ذاته بل يتفوق عليها. وإن هذه الإنطلاقة، إذا ما قادها الإنسان كما يجب، فاقت قيمتُها ما يمكن أن يكدسَه من خيراتٍ مادية. فقيمةُ الإنسان هي في ذاته أكثر مما هي في مقتناه (60). وكذا القول عن كل ما يصنعه الإنسان لتسود العدالة أكثر مما هي عليه، وليزدادَ إنتشارُ الإخّوة، ولَيسودَ نظام أكثر إنسانية في العلاقات الإجتماعية. فقيمة كل ذلك تفوق قيمة التقدم التقني. فإذا ما إستطاع هذا التقدم أن يوفر أساساً مادياً للرقي الإنساني، فإنه يعجز عجزاً تاماً عن تحقيقه.

فالقاعدة للنشاط الإنساني هي: أن يكون مطابقاً لخير الإنسانية الحق وفقاً لتصميمِ الله وإرادته. كما عليه أن يتيحَ للإنسان، إعتبرناه فرداً أم عضواً في جماعة، ما من شأنه أن يجعلَه مزدهراً وفقاً لكمالِ دعوته.

الإستقلال الصحيح للشؤون الأرضية

36– غير أن عدداً كبيراً من معاصرينا يُبدون تخوّفاً من الإرتباط الوثيق بين نشاطاتهم والدين: لأنهم يرون في ذلك خطراًعلى إستقلال الناس والمنظمات والعلوم.

فإذا كان المقصود بإستقلال الشؤون الأرضية، أن للمخلوقات والجماعات نواميسها وقيَمِها الخاصة، فعلى الإنسان أن يتعرف إليها تدريجياً ويستخدمها وينظمها. فهذا النوع من الإستقلال المطلوب هو شرعي تماماً. وإن طالب به المعاصرون،  فهو أيضاً مطابقٌ لإرادة الخالق. فكل شيء بوصفه مخلوقاً، له كيانه وحقيقته وميزاته الخاصة وترتيبه ونواميسه المميزة. فعلى الإنسان أن يحترمَ كلَّ ذلك ويعترف بالأساليب الخاصة لكل من العلوم والتقنيات. ولذا فالبحثُ المنهجي في كل فرع من فروع المعرفة، لا يكون منافياً للإيمان، إنْ قادهُ الإنسان بطريقةٍ علمية صرفة مراعياً قواعدَ الأخلاق: فالحقائق الدنيوية والحقائق الإيمانية لها مصدرٌ واحد هو الله (61). علاوةً على ذلك، إنّ مَن يجتهد بثباتٍ وإتضاع في أن ينفذ إلى أسرار الأشياء، تقتاده يد الله ،على غير علمٍ منه، لأن الله يعضد كل الكائنات ويجعلها على ما هي عليه. وفي هذا الصدد ليسمح لنا بأن نندّد ببعض المواقف التي وقفها المسيحيون أنفسهم، أولئك الذين لم يفقهوا تماماً شرعيةَ إستقلال العلوم. لقد كانت هذه المواقف مصدراً للتوتر والنزاع، وقادت كثيرين إلى أن يفكروا أن العلم والإيمان متناقضان (62).

ولكن إذا كان “المقصود بإستقلالِ الزمنيات” أن الأشياءَ المخلوقة مستقلة عن الله، وأن الإنسان يقدرُ أن يتصرف بها دون أن يعزوها إلى الله، فلا يفوتنّ المؤمن غلط هذه الأفكار. فالخليقةُ تفنى دون  الخالق. على كل حال، إن جميع المؤمنين، إلى أي دين إنتموا، سمعوا دائماً صوت الله وبان هم من خلال لغة المخلوقات. حتى إن نسيان الله يجعل الخليقة نفسها مظلمة.

لقد أفسدت الخطيئة النشاط الإنساني 37 بالإتفاق مع إختبار الأجيال، يعلّم الكتاب المقدس العائلةَ الإنسانية أن التقدمَ الذي هو خيرٌ كبير للانسان، يحمل في طياتِه أيضاً تجربةً خطيرة. فعندما يتبلبل ترتيبُ القيم ويختلط الخير بالشر، لا ينظرُ الأفراد والجماعات الاّ إلى منافعهم الخاصة لا إلى منافع الغير. فالعالم لا يُظهِر بعد موضعاً لإخوّة حقة، بينما يهدد سلطان الإنسان المتزايد باهلاك الجنس البشري نفسه.

إن صراعاً عنيفاً ضد قوى الظلام يرافق تاريخ البشر كله؛ وهذا الصراع منذ البدء، سيظل حسب قول الرب (63)، حتى اليوم الأخير. وبما أن الإنسان دخل المعركة، عليه أن يحاربَ دون هوادة ليتمسك بالخير. ولا يتوصل إلى تحقيق وحدة ذاته  
الداخلية إلاّ بعد جهودٍ كبيرة وبمساندة نعمته تعالى.

أجلْ لهذا السبب تقر كنيسةُ المسيح، ثقةً منها بمخطط الله ،أن التقدم الإنساني بإمكانه أن يخدم سعادة البشر الحقّة. غير أنها لا تستطيع إلاّ أن تردد صدى كلام الرسول القائل: “لا تتشبهوا بهذا العالم” (روم 12 / 2) أي بذلك الروح، روحُ الباطل والخبث، الذي يغير النشاط الإنساني المرتب لخدمة الله والإنسان، فيحوّله أداةً  للخطيئة.

وربَّ سائلٍ: هل من المستطاع التغلب على شقاءٍ كهذا الشقاء: فيجيب المسيحيون مجاهرين أن كل أعمال الإنسان التي تجنح بها يومياً كبرياؤه ومحبة الذات الفاسدة، هي بحاجة إلى أن تتطهر فتبلُغَ كمالها بواسطة صليب المسيح وقيامته. وبما أن المسيح قد إفتدى الإنسان وجعله خليقةً جديدة في الروح القدس يستطيع هذا الإنسان، بل عليه، أن يحب هذه الأشياء التي خلقها الله نفسُه. فهو يتقبلها من الله: يراها وكأنها تفيض من يد الخالق ولذلك يحترمها. ويرفع الشكر لله الذي أنعم بها عليه. يستعملها ويتنعم  بها بروح الفقر والحرية. وعندئذٍ يملك العالم مُلكاً حقيقياً كمن لا شيءَ له ويملك كل شيء (64) “إن كلَّ شيءٍ لكم أما أنتم فللمسيح والمسيحُ لله” (1كور 3 / 2 ).

يجد النشاط الإنساني كماله في سرّ الفصح

38- إن كلمة الله الذي به كُونَ كلُّ شيء صار جسداً وسكن أرض البشر (65). إنّه إنسانٌ كامل دخل تاريخ العالم فأخذ كل شيء على عاتقه جامعاً إياه في شخصه (66). وكشف لنا أن “الله محبة” (1 يو 4 / 8 )؛ وعلمنا بالوقت نفسه، أن الشريعة الاساسية للكمال الإنساني ولتبديل وجه العالم هي وصيةُ الحب الجديدة.

إنه يحمل الذين يؤمنون بالمحبة الإلهية على اليقين، بأن طريقَ الحب مفتوحةٌ أمام البشر أجمعين وإن الجهدَ لتوطيد أخوّة شاملة ليس باطلاً. ويلفت إنتباهنا أيضاً إلى أن هذه المحبة يجب ألاّ تمارَس فقط بأعمالٍ تُبهر، بل بالأعمال اليومية قبل كل شيء. وإنه إذ قبل أن يموت لأجلنا جميعاً نحن الخطأة (67)، علّمنا بمثله على أن نحمِلَ ذلك الصليب الذي يحسّ بثقله على أكتافهم، من جرّاء الجسد والعالم، اولئك الذين يسعون وراء العدل والسلام. إن المسيح الذي جُعل رباً بقيامته وأعطي له كلَ سلطانٍ في السماء وعلى الأرض (68)، يعمل عندئذ بقوة روحه في قلوب البشر. فهو لا يخلق فيها الشوق إلى العالم الآتي فقط، بل ينفح ويُطهّر ويقوي ذلك التوقان السخي، الذي يدفع العيلة البشرية إلى تحسين أوضاع حياتها، لكي تُخضعَ الأرض كلها لهذه الغاية. مما لا شكّ فيه أن مواهب الروح متعددة: فبينما يدعو البعض ليشهدوا شهادةً علنية تعبّر عن شوقهم إلى المسكن السماوي وليحفظوا هذه الشهادة حيةً ضمن العيلة البشرية، يدعو الآخرين ليكرّسوا ذاتَهم لخدمة الناس على هذه الأرض، مهيئاً من خلال هذه الخدمة أعضاءً لملكوت السماوات، ولكنه يجعل الجميعُ أحراراً، حتى إذا ما نبذوا حبَ الذات، وجمعوا كل القوى الأرضية في سبيل الحياة البشرية، يندفعون نحو المستقبل، نحو ذلك الزمن الذي تصبح فيه البشرية تقدمةً لله مقبولةً (69).

إن السيد المسيح ترك لخاصتِه عربون هذا الرجاء وغذاءً للطريق: سر الإيمان الذي يجمع عناصر من الطبيعة، زرعها الإنسان وتحولت إلى جسد المسيح ودمه الممجدين: مأدبةَ الشركة الأخوية، واستباق الوليمة السماوية.

أرض جديدة وسماء جديدة

39– إننا لنجهل الزمان الذي تبلغ فيه الأرض والبشرية نهايتهما (70) كما أننا نجهل طريقة تحويل هذا الكون. إنه لَيزول حقاً شكل هذا العالم الذي شوّهته الخطيئة (71) ولكن نعلم أن الله يُعد لنا مسكناً جديداً وأرضاً جديدة حيث يسود العدل (72) وتفيض الغبطة وتتعدى كل رغبة في السلام خطرت على قلب الإنسان (73). حينئذٍ يُغلَب الموت؛ وفي المسيح يقوم أبناء الله؛ وما زرع في الضعف والفساد يلبس عدم الفساد (74)، وتبقى المحبة وأعمالها (75)، وتُعتَق من إستعباد الباطل كل هذه الخليقة التي جعلها الله للإنسان (76).

أجل نحن نعلم أنه ما من شيء ينفع الإنسان إن ربح العالم وخسر نفسه (77). غير أن إنتظار الأرض الجديدة بدلاً من أن يخفف من إهتمامنا بإستثمار هذه الأرض، يجب بالأحرى أن يوقظَها فينا: فجسمُ العائلة الإنسانية الجديدة ينمو فيها، راسماً الخطوطَ الأولى للعالم الآتي. لذا، وإن ميزنا تمييزاً دقيقاً بين التقدم الأرضي ونمو ملكوت المسيح، فإن لهذا التقدم أهمية كبرى بالنسبة إلى ملكوت الله بقدرِ ما يمكنُه أن يساهمَ في تنظيمٍ أوفى للمجتمع الإنساني (78).

فهذه القيم من كرامةٍ وشركةٍ وحرية، كلُ هذه الثمار الممتازة التي أنتجتْها طبيعتنا ومهاراتنا والتي نكون قد نشرناها على الأرض وفقاً لوصية الرب وحسب روحه، سنجدها فيما بعد، مطهرةً من كل وصمةٍ، متلألئةً متشحةً حلةً جديدة، عندما 
يسلّم المسيح إلى أبيه “ملكوتاً أبدياً شاملاً: ملكوتَ حقيقةٍ وحياة. ملكوتَ قداسةٍ ونعمة، ملكوتَ برٍ وحبٍ وسلام” (79). إن الملكوتَ حاضرٌ الآن بشكل سري على الأرض، وسيبلغ كمالُهُ عند عودة الرب.

‪ ‬

الفصل الرابع: دور الكنيسة في عالم اليوم

العلاقات المتبادلة بين الكنيسة والعالم

40– إن كل ما قلناه عن كرامة الإنسان وجماعة البشر ومعنى النشاط البشري العميق، يكوّن أساساً للعلاقة القائمة بين الكنيسة والعالم، وقاعدةً لحوارِهم المتبادل (80). ولهذا السبب، إذْ نفترض أن كل ما حدده المجمع من تعاليم عن سر الكنيسة أصبح معروفاً، سيبحث هذا الفصل في هذه الكنيسة نفسِها من حيثُ وجودِها في العالم، تعيش فيه وتتفاعل معه.

لقد وُلدت الكنيسة من حبِ الآب الأزلي (81)، وأسّسها المسيح المخلص في الزمن، وجمع شملَها الروحُ القدس (82)، وهي تتبع غايةً خلاصية، لا يمكن أن تتحقق تماماً إلا في العالمِ الآتي، غير أنها حاضرة منذ الآن على هذه الأرض، وهي تتألف من بشرٍ هم أعضاءَ في المدينةِ الأرضية، دعوتُهم أن يؤلفوا، في قلب تاريخ الإنسان نفسِهِ، عائلةَ أبناءِ الله ،التي يجب أن تنمو باستمرار حتى رجوع الرب. ولقد إتحدت هذه العائلة إبتغاءً للخيرات السماوية- وهذا هو غناها- “وأقامها المسيح ونظمها على هذه الأرض كجماعة” (83)، وجهّزها بوسائلَ مؤاتيةٍ على توفير إتحادها الإجتماعي المنظور (84). إن الكنيسة هي بالوقت نفسه، “جماعةً منظورة وروحية” (85)، تسير مع كل البشرية وتشاركُ الكونَ في مصيره الأرضي؛ إنها كالخمير، كالروح في المجتمع الإنساني (86)، المدعو إلى التجديد في المسيح ليتحول إلى عائلةِ الله.

حقاً إن هذا التداخل بين المدينة الأرضية والمدينة السماوية لا يُدرَك إلاّ بعين الإيمان؛ أضِف إلى ذلك أنه يظل سراً من أسرار تاريخ الإنسان الذي تُبلبله الخطيئة، حتى يتجلى تماماً مجد أبناءِ الله. والكنيسة، إذ تتبع الغاية الخلاصية التي تمتاز بها، لا تمنح الإنسان الحياة الإلهية فقط، بل تنشر أيضاً، بطريقةٍ من الطرق على العالمِ كله، النورَ الذي ينبعث من هذه الحياة الإلهية خاصةً عندما تشفي الشخص البشري وترفع كرامته، وتُوثق تلاحم المجتمع وتوفر معنى أعمق لنشاط البشر اليومي وتنفحه بمفهومٍ أسمى. وهكذا تعتقد الكنيسة أن بإستطاعتِها، من خلال كل فرد من أعضائها ومن خلال الجماعة التي تؤلف، أن تساهم مساهمةً واسعة في المزيد من “أنسنة” العيلة البشرية وتاريخها.  

علاوةً على ذلك، تقدّر الكنيسة الكاثوليكية تمامَ التقدير، ما صنعته ولا تزال تصنعه الكنائس المسيحية الأخرى أو الجماعات الكنسية، في سبيل تحقيق هذه الغاية. وهذا من دواعي إغتباطها. وبالوقت نفسه إنها مقتنعة تماماً، أن العلم يقدر أن يقدّم لها عوناً جليلاً ومنوّعاً، لإعداد الطريق للانجيل، وذلك بواسطة الميزات والنشاط الذي يتميز به الأفراد والمجتمعات التي تؤلف هذا العالم. وهاكم بعض المبادىء العامة لتتطور العلاقات بين الكنيسة والعالم تطوراً مفيداً وللتعاون بينهما في الحقول المشتركة.

العَوْن الذي تريد أن تقدمَه الكنيسة لكل إنسان

41– يسير الإنسان المعاصر في سبيل إنماء شخصيته إنماءً أكملاً وإلى إكتشاف حقوقه وإثباتها بصورةٍ متزايدة. والكنيسة التي أوكلت إليها رسالةَ إظهارِ سر الله، غاية الإنسان القصوى، تكشف من جهتها للانسان عن معنى وجوده بالذات، أي عن حقيقته الجوهرية. إن الكنيسة تعرف تماماً أن الله الذي تعبد، هو وحده يملأ أعمق رغباتِ قلب الإنسان التي لا تشبعها أبداً الأطعمة الأرضية. كما أنها تعرف أيضاً أن الإنسانَ الذي يستميله دائماً روح الله، لن يكون لامبالياً تمام اللامبالاة تجاه المشكلة الدينية. ولا يبرهن عن ذلك إختبارُ القرونِ السالفة وحسب، بل شهاداتٍ متعددة من عصرنا اليوم. إن الإنسان يرغب دائماً في أن يعرف، ولو بقليلٍ من الوضوح، معنى حياته وأعماله وموته. إنّ مجرّد وجود الكنيسة يذكره بهذه المشاكل. ولا يستطيع أن يجيبَ جواباً وافياً على هذه الأسئلة إلا اللهَ وحدَه، الذي خلق الإنسان على صورته وإفتداه من الخطيئة. ويتم جوابه بواسطة الوحي الذي أعطاناه بالمسيح، إبنه الإلهي الذي صار إنساناً. ومن يتبع المسيح، ذلك الإنسان الكامل، يصبح هو أيضاً إنساناً كاملاً.

بما أن الكنيسة موطَّدة على هذا الإيمان، تستطيع أن تنقذ كرامة الطبيعة الإنسانية من كلِّ الآراء المتقلبة التي تغالي مثلاً في تحقير جسد الإنسان أو بالعكس، تعظّمه دونما قياس. إنه ما من شريعةٍ إنسانية تستطيع أن تحافظَ على كرامةِ شخصية الإنسان وحريته، مثلما يحافِظ عليهما إنجيل المسيح، الذي سُلّم إلى الكنيسة. فهذا الإنجيل يبشر بحرية أبناء الله ويعلنها ويرفض كلَّ إستعباد، لأن الإستعباد، بعد البحث والتدقيق، يأتي من الخطيئة (87). ويحترمُ هذا، الإنجيل إحتراماً دقيقاً، كرامة الضمير والإختيار الحر، ويعلّم بإستمرار إستثمار كل المؤهلات البشرية، لخدمة الله ولخير الناس (88)، مستودعاً كل فردٍ محبة الآخرين؛ ويتفق كل هذا وشريعة التدبير المسيحي الأساسية. فإذا كان الله ذاتَهُ هو معاً الخالق والمخلص، سيد تاريخ الإنسان وسيد تاريخ الخلاص، من المستبعد أن يمحو هذا النظام الإلهي نفسه، ما يحق للخليقة من سيادة وخاصة للانسان، بل بالعكس يعيد إليها الكرامة ويثبتها فيها.

لذا تنادي الكنيسة بحقوقِ البشر، بمقتضى الإنجيل الذي تسلّمتْهُ، وتُقِرّ وتقدّر تمام التقدير، حيويةَ عصرنا، الذي يعطي أينما كان وثبةً جديدة لهذه الحقوق. ومع ذلك يجب أن تكون هذه الوثبة مشبعةً من روح الإنجيل، مكفولة ضد كل فكرة سيادة خاطئة. لأننا معرضون للتجربة التي تجعلنا نعتبر أن حقوقَنا الشخصية لا تُحفظ تماماً، إلاّ عندما نتحرر من كل نظام تنص عليه الشريعة الإلهية. غير أن إتباع هذه الطريق يلاشي كرامة الإنسان بدلاً من أن ينقذها.

المساعدة التي تحاول الكنيسة أن تحملها إلى المجتمع البشري

42– إن إتحاد العائلة البشرية يجد قوة كبيرة، ويبلغ ذروته، في وحدة عائلة أبناء الله التي أسسها المسيح (89).

أجلْ ليست الرسالة التي سلّمها المسيح لكنيسته من النمط السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي: فالغاية التي وضعها لها هي من نمطٍ ديني (90)، وينتج حقاًعن هذه الرسالة الدينية، مهمة وأضواء وقوى، من الممكن إستخدامُها، لتكوين جماعةِ البشر وتدعيمها وفقاً للشريعة الإلهية. وهكذا تستطيع الكنيسة نفسُها، بل يجب عليها عند اللزوم، ومراعاةً لظروف الزمان والمكان، أن تقومَ بمشاريعَ تهدف إلى خدمة الجميع وخاصةً المعوزين، كالأعمال الخيرية وما يشبهها.

إنّ الكنيسة تعترف أيضاً بكل ما هو خير في الحيويّة الإجتماعية الحالية، خاصةً في الحركة التي تهدف إلى الوحدة، في التقدم نحو إشتراكية صحيحة، وفي التضامن على المستوى الوطني والإقتصادي. فالحثُّ على الوحدة يتفق ورسالة الكنيسة العميقة، لأنها في “المسيح كالسرّ، أي هي معاً العلامة والوسيلة للاتحاد الوثيق بالله ولوحدة كل الجنس البشري” (91) إن حقيقةَ الكنيسة بالذات تظهر للعالم أن إتحاداً حقيقياً إجتماعياً منظوراً، ينتج عن إتحادِ العقول والقلوب، أي عن ذلك الإيمان وتلك المحبة، اللذين تأسست عليهما وحدَتُها، تأسيساً لا يتزحزح في الروح القدس. فالطاقة التي تتمكن الكنيسة من نفحها للمجتمع الحديث، كامنةً في ذلك الإيمان وتلك المحبة، اللذين تحيا بهما عملياً دون أن ترتكز على سيادة خارجية، تُمارس بوسائلَ محض بشرية.

علاوةً على ذلك، بما أن من رسالة الكنيسة وطبيعتها ألاّ ترتبط بأي شكلٍ خاص من أشكال الثقافة، ولا بأي نظام سياسي وإقتصادي وإجتماعي، تستطيع الكنيسة بصبغتها الجامعة هذه، أن تكون صلةً وثيقةً، بين الجماعات البشرية المختلفة، وبين الأمم المتعددة، شرط أن يولوها الثقة ويعترفوا لها عملياً بحرية حقة للقيام برسالتها. ولهذا السبب تنبه الكنيسة أبناءَها وكلَ البشر على أن يتجاوزوا كل الخصومات بين الأمم والأجناس ويرسّخوا ترسيخاً داخلياً المنظمات الإنسانية الشرعية وفقاً لتلك الروح العائلية، روح أبناء الله.

يَعتبر المجمع ويحترم إحتراماً كبيراً، كل ما هو حقٌ وخير وعادل في المؤسسات المتنوعة التي أوجدها الجنس البشري ولا يزال. ويعلن أيضاً أن الكنيسة تريد مساعدةَ كل هذه المؤسسات ورفعها، بقدر ما يتعلق ذلك بها، وبقدر ما تتفق هذه المهمة، ورسالتها. وإن ما تصبو إليه فوق كل شيء، ان تتمكن من الإنتشار بحرية، لخيرِ الجميع، في ظل كل نظام يعترف بالحقوق الأساسية للشخص والعائلة ويعترف أيضاً بمقتضيات الخير العام.

المساعدة التي تسعى الكنيسة لتقديمها لنشاط الإنسان بواسطة المسيحيين

43–  إن المجمع يحض المسيحيين، مواطنيّ كلتا المدينتين، على أن يتمموا مهامَهم الأرضية بغيرةٍ وأمانة، مسترشدين بروح الإنجيل، وإنه لَيبتعد عن الحقيقة أولئك الذين، لعلمهم أن ليس لنا هنا مدينة باقية بل نسير نحو المدينة المستقبلة (92)، يظنون أنهم يستطيعون مع ذلك إهمال المهام البشرية، جاهلين أن الإيمان نفسَه يفرضها كواجب مُلِحّ عليهم، وفقاً لدعوة كل واحد (93). بالعكس ليس بأقلَّ خطأ أولئك الذين يعتقدون أن باستطاعتهم أن يتكرسوا تماماً للنشاطات الأرضية، ويعملوا كأنها غريبةً تماماً عن حياتهم الدينية، حاصرين هذه الحياة الدينية بتمارين العبادة وببعض الإلتزامات الأدبية المحددة. إن هذا الإنفصام بين الإيمان الذي ينتسبون إليه، وبين تصرفات الكثيرين اليومية، ليُحسب من الأخطار الأشد جسامة في عصرنا. ولقد ندد الأنبياء تنديداً شديداً في العهد القديم بهذه الشكوك (94). أما في العهد الجديد فيسوع المسيح نفسُه أنذر بقوة لا تقل صراحة أنه يعاقبها أشد العقوبات (95). فلا نخلقن إذاً تناقضاً مصطنعاً بين النشاطات المهنية والإجتماعية من جهة، وبين الحياة الدينية من جهةٍ أخرى. لأن المسيحي عندما يَهمل إلتزاماتِهِ نحو القريب وبالتالي نحو الله نفسِه، ويعرّض خلاصه الأبدي للخطر. وعلى غرار المسيح الذي عاش عيشةَ صانعٍ، ليبتهج المسيحيون لأنهم يقدرون أن يقوموا بنشاطاتهم الأرضية كلها موحدين، في تركيبة ديناميكية، كل الجهود البشرية والعائلية والمهنية والعلمية والتقنية مع القيم الدينية التي، إذا هيمنت وسادت، تنظِم كل شيء لمجد الله.

إن المِهن والنشاطات الزمنية تعود خاصةً إلى العلمانيين وإنْ لم تكن محصورةً بهم. فليُعنَوا إذاً، عندما يعملون، أفراداً أو جماعات، كمواطني هذا العالم، بألاّ يحترموا الأنظمة الخاصة لكل فرع وحسب بل بأن يحصلوا فيه على مهارة حقيقية. وليتعاونوا مع الذين يلاحقون الأهدافَ نفسَها التي يلاحقونها هم. ومع إدراكِهم لمقتضياتِ إيمانهم الذي تغذيهم قوته، عليهم ألاّ يتقاعسوا في الوقت المناسب عن أخذ مبادراتٍ جديدة يضمنون تحقيقها. إنّ على ضميرهم، بعد أن يكون قد تربى على ذلك، أن يُدرجَ الشريعة الإلهية في حياة المدينة الأرضية. ولينتظروا من الكهنة النور والعون الروحيين. وعليهم ألا يفكروا مع ذلك أن لرعاتهم من الكفاءة ما يمكنهم من إيجاد الحل العملي المباشر لكل مشكلة تعرض لهم وإن خطيرة، ولا يفكروا أن هذه هي مهمتُهم؛ بل عليهم بالأحرى أن يتحملوا هم مسؤولياتهم مستنيرين بالحكمة المسيحية ومصغين بأمانة لتعليم السلطة الكنسية (96).

إن نظرتَهم المسيحية للأشياء غالباً ما تميل بهم إلى هذا الحل أو ذاك وفقاً للظروف. وغالباً ما يحدث وعلى حق، أن يُصدِرَ غيرُهم من المؤمنين حكماً آخر بإخلاص شبيه بإخلاصهم. وإذا حصل أن يربط الكثيرون، دون صعوبة ورغماً عن إرادة ذوي العلاقة، بين أحكام هذا الفريق أو ذاك وبين بشارة الإنجيل، فليذكر الجميع، في حالةٍ كهذه، أن ليس لأحد الحق بأن يطالب له وحده بسلطة الكنيسة لحماية آرائه. فليحاولوا دائماً أن يستنيروا بالحوار المخلص محافظين على المحبة فيما بينهم حريصين قبل كل شيء على الخير العام.

من واجبِ العلمانيين أن يساهموا بطريقةٍ فعالة في كل حياة الكنيسة. ولكن يجب ألا يقتصر نشاطهم على إنعاش العالم بالروح المسيحية وحسب، لأنهم مدعوون أيضاً إلى أن يكونوا شهوداً للمسيح في كلِّ مناسبة وفي قلب الجماعة البشرية.

أما الأساقفة، الذين أوُكلت إليهم مهمة إدارة كنيسة الله، فليكرزوا مع كهنتهم ببشارة المسيح، حتى يغمرَ نورُ الإنجيل كلَّ نشاطات المؤمنين الأرضية. علاوةً على ذلك فليذكر جميع الرعاة أنهم بتصرفاتهم اليومية (97) وسهرهم يظهرون للعالم وجهاً من وجوه الكنيسة عليه يستند الناس، ليحكموا على حقيقة البشارة المسيحية وقوتها. ليبرهنوا إذاً بحياتهم وكلامهم، متحدين مع الرهبان والمؤمنين، إن الكنيسة، بمجردِ وجودِها وبما تحمل من عطايا، هي ينبوع لا ينضب لكل القوى التي يحتاج إليها عالمُ اليوم أشد الأحتياج. فليتابعوا الدرسَ دون توقف ليتمكنوا من القيام بمسؤولياتهم؛ متجاوبين مع العالم ومع البشر من أي رأي ٍ كانوا. وليحفظوا خصوصاً في قلوبهم كلام المجمع القائل: وبما أن الجنس البشري أخذ يتجمع اليوم أكثر فأكثر، في وحدةٍ مدنيةٍ وإقتصادية وإجتماعية، فقد أصبح أشدَّ الزاماً على الكهنة أن يوحدوا جهودَهم ومساعيهم تحت قيادة الأساقفة والحبرِ الأعظم، ولينبذوا كلَّ أسباب التشتت، ويقودوا الجنس البشري بأسره إلى وحدة عائلة الله (98).

إن الكنيسة وإن ظلّت بقوة الروح القدس عروسَ السيد المسيح الأمينة، ولم تنفكْ أن تكون في العالم آيةَ الخلاص، تعرف مع ذلك تمامَ المعرفة أن بعضاً من أعضائها (99)، من إكليروس وعلمانيين، أظهروا عدمَ أمانتهم لروحِ الله خلال تاريخها الطويل. وحتى في ايامنا أيضاً لا تجهل الكنيسة المسافة التي تفصل بين البشارة التي تنشر، وبين الضعف البشري الذي يستولي على مَنْ أوكل إليهم الإنجيل. وأياً يكن حكمُ التاريخ على هذا الضعف، علينا أن نعيه ونقاومه بشدة كيلا يسيء إلى إنتشار الإنجيل. وتعرف الكنيسة أيضاً كم عليها أن تتعلم من خبرة الأجيال، حتى تنمي علاقاتها مع العالم. إنَّ أمَنا الكنيسة التي يرشدها الروح القدس لا تنفك “تحض أبناءَها على التنقي والتجدد لتسطعَ آيةَ المسيح سطوعاً أجلى على وجهها” (100).

المساعدة التي تتقبلها الكنيسة من عالم اليوم

44– كما أنه من المهم بالنسبةِ إلى العالم أن يعترفَ بالكنيسة حقيقة إجتماعية تاريخية وخميراً له، كذلك لا تجهل الكنيسة كل ما تقبلته من التاريخ ومن تطورِالجنس البشري.

إن الكنيسة تُفيد أيضاً من خبرة الأجيال الماضية وتقدم العلوم، وما تحويه الثقافات المختلفة من ثرواتٍ خفية تسمح بمعرفة الإنسان ذاته معرفةً أعمق، وتشقّ للحقيقة طرقاً جديدة. فمنذ بدءِ تاريخها، عكفت على إستخدامِ لغات الشعوب المختلفة وكلماتها للتعبير عن بشارة المسيح، كما أنها اجتهدت، فضلاً عن ذلك، أن تبّين قيمتَه، مستخدمةً حكمةَ الفلاسفة: وذلك حرصاً منها لتجعل الإنجيل، ضمن الحدود اللائقة، مفهوماً من الجميع، موفِقة بينه وبين مقتضيات الحكماء. وبالحقيقة يجب أن تبقى هذه الطريقة الخاصة لإعلان الكلام الموحى، قاعدةً لكل تبشير. وعلى هذا المنوال يمكن أن تحضّ كلَّ أمة لكي تتمكن من التعبير عن البشارة المسيحية وفقاً للطريقة التي تناسبها، فينمو هكذا التبادل الحي بين الكنيسة والثقافات المختلفة (101). ولتقوية هذا التبادل، خاصة في أيامنا التي يسير فيها كل شيء بسرعة، وتتنوع طرقُ التفكير تنوعاً كثيراً، تحتاج الكنيسة إلى مساندةِ الذين يعيشون في العالم ويعرفون أنظمته المتنوعة وقوانينه المختلفة ويفكرون كما يفكر، سواء كانوا من المؤمنين أم من غير المؤمنين. إنه يعود إلى شعب الله، وبالأخص إلى الرعاة واللاهوتيين، أن يتفحصوا بمساندةِ الروحِ القدس، ويميزوا ويشرحواالكلامَ المتنوع الذي يتداوله عصرنا، وأن يحكموا عليه على ضوء الكلام الإلهي. وما ذلك إلاّ لتُدرَك الحقيقة الموحاة وتُفهَم فهماً متزايداً فتُعرَض بشكل أكثر ملاءمة.

وبما أن للكنيسة تركيباً إجتماعياً منظوراً يدل على وحدتها في المسيح، تستطيع أن تغتني، وفعلاً تغتني، من سياق الحياة الإجتماعية: لا لأنه ينقص شيء في الدستور الذي ركّزها عليه المسيح، ولكن لكي ترسخه وتعبر عنه تعبيراً أصدق ليتناسب مع عصرنا بطريقة موفقة. إن الكنيسة لَتُقِرُّ شاكرةً بأنها تقبل مساعدة متنوعة، من قِبَلِ أناسٍ ينتمون إلى كل الطبقات والأوضاع. وهذه المساعدة تعود بالنفع إلى الجماعة التي تؤلفها، وإلى كل من أبنائها. فكل الذين يساهمون في إزدهار الجماعةِ البشرية على المستوى العائلي والثقافي والإقتصادي والإجتماعي والسياسي (على الصعيد الوطني أو الدولي) يقدّمون هكذا، ووفقاً لمخطط الله، مساعدةً لا يُستهانُ بها إلى الجماعة الكنيسة، بقدرما تربط الكنيسة بالعالم الخارجي. أضف إلى ذلك أن الكنيسة تعترف بأنها إستحصلت على منافعَ جمة ولا تزال، من مخاصمة أعدائها ومضطهديها بالذات (102).

المسيح الألف والياء

45– سواء ساعدت الكنيسة العالم أو قَبِلت منه مساعدةً فإنها تنشد غايةً وحيدة وهي أن يأتي ملكوت الله ويتوطد خلاص الجنس البشري. ومع ذلك، إن كلَّ الخير الذي يستطيع أن يوفرَه شعب الله أثناء حجّه على هذه الأرض للعائلة البشرية، ناتج عن هذه الحقيقة وهي أن الكنيسة هي “سر الخلاص الشامل”، يبين ويحقق في آن واحد سرَّ محبة الله للإنسان (103).

فكلمةُ الله، الإنسان الكامل، الذي به كل شيء كُوِّن، صار جسداً لكي يخلص كل الناس ويجمع كل شيء. والسيد المسيح هو نهاية التاريخ الإنساني، هو النقطة التي تلتقي فيها رغبات التاريخ والحضارة، هو نقطة إرتكاز الجنس البشري، هو فرحُ جميع ِالقلوب لأنه يقود تَوَقانِها إلى الكمال (104). هو الذي أقامه الآب من بين الأموات، وجعله ديان الأحياء والأموات. ونحن الذين أحياناً وجميعنا بروحه، إنما نسير نحو كمال التاريخ الإنساني، الذي يتناسب تماماً ومخططِه المجبول بالحب: “أن يجمع كل شيء تحت إمرة قائد واحد اي المسيح، كل ما في السماء وكل ما في الأرض” (أفسس1 / 10).

ولقد قال السيد المسيح نفسه: “ها أنا آتٍ أحمل الجزاء لكلٍ حسب أعماله. أنا الألف والياء الأول والآخر، البداية والنهاية” (سفر الرؤيا 22 / 12 – 13).

القسم الثاني: في بعض المشاكل الأشد إلحاحاً

مقدمة

46– إن المجمع، بما له من قوةٍ مستمدة من نور الإنجيل وخبرة الناس، يلفت إنتباه الجميع إلى بعض مشاكل عصرنا الملحة بصورة خاصة تلك التي تبلغ من الجنس البشري كلَّ مبلغ؛ وذلك بعد أن أبان ماهية كرامة الشخص البشري وما هو الدور الفردي والإجتماعي المدعو إلى أن يلعبه في هذا الكون.

ومن بين تلك المواضيع المتعددة التي تثيرُ إهتمامَ الجميع، يسترعي إنتباهنا خاصة، الزواج والعيلة والثقافة، والحياة الإقتصادية والإجتماعية، والحياة السياسية، وتضامن الشعوب والسلام. وإنه لَمِنَ الموافق أن نسلّط على كل موضوع منها، نور المبادىء التي أتانا بها المسيح؛ فيسترشد هكذا المسيحيون ويستنيرالناس في البحث عن حلول تقتضيها هذه المشاكل المتعددة المتشعبة.

الفصل الأول: كرامة الزواج والعائلة

الزواج والعيلة في عالم اليوم

47– إن صحة الشخص والمجتمع البشري والمسيحي لَمُرتبطة إرتباطاً وثيقاً بازدهار الجماعة الزوجية والعيلية. فالمسيحيون، باتحادهم مع جميع الذين يجلّون هذه الجماعة، يغتبطون بإخلاص للمساندات المختلفة التي تَرفَع اليوم بين الناس إعتبارهذه الجماعة، جماعة الحب، وإحترام الحياة، وتساعد الأزواج والوالدين في رسالتهم السامية. علاوةً على ذلك، فهم ينتظرون منها بعدُ نتائجَ أحسن ويعملون على نشرها.

ومع ذلك فكرامة هذه المؤسسة لا تَسطعُ في كل مكان بالضياء نفسه، لأن الشعوب يعتريها من جراءِ تعدد الزوجات ووباءِ الطلاق ومما يسمونه بالحب الحر، ومن سائر الإنحرافات. أضف إلى ذلك أن الحب الزوجي غالباً ما تنتهكه الأنانية واللذة والعادات غير المشروعة التي تحول دون الولادة. كما أن الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والنفسية والمدنية المنتشرة اليوم أدخلت أيضاً على العائلة تشويشاتٍ خطيرة. ونراقب أخيراً، دون أن نتمالك عن الهلع، المشاكل التي يطرحها نمو عدد السكان في بعض مناطق هذا الكون. كل ذلك يثير القلق في الضمائر. غير أن هناك ظاهرةً تُظهر بوضوح صلابة المؤسسة الزوجية والعيلية وقوتها: فالتحويلات الجذرية التي تطرأ على المجتمع المعاصر، بالرغم مما تخلق من صعوبات، غالباً ما تعمل وبأنواعٍ شتى على إظهار طبيعة هذه المؤسسة على حقيقتها.

لذلك يتوخى المجمع، إذ يوضح بعضَ نقاط تعليم الكنيسة، أن ينير ويشجع المسيحيين وكل أولئك الذين يحاولون أن يحافظوا على كرامة الحالة الزوجية الأصيلة وعلى قيمتها المقدسة المميزة ويعملون على إعلاء شأنها.

قداسة الزواج والعيلة

48– لقد أسس الخالق وجهز بشرائعَ خاصة تلك الشركة العميقة في الحب والحياة التي يؤلفها الزوجان: إنها تقوم على إتفاق القرينين أي على رضاهما الشخصي الذي لا يُنقَض. إنها لمؤسسة تثبتها الشريعة الإلهية وتنبثق، في نظر المجتمع نفسِه، من العمل البشري الذي به يعطي كل من الزوجين ذاته للآخر ويقبل الآخر. ولا يخضع هذا الرباط المقدس لهوى الإنسان، بغية خير الزوجين والأولاد والمجتمع أيضاً. فالله نفسُه واضعُ الزواج (105). وللزواج قيمٌ خاصة وغايات متنوعة: إن كل هذا بمنتهى الأهمية، بالنسبة إلى دوام الجنس البشري والتقدم الذاتي والمصير الأبدي لكل عضو من أعضاء العيلة، ولكرامة وإستقرار وسلام وإزدهار هذه العيلة والمجتمع الإنساني بكامله. والغاية من تأسيس الزواج والحب الزوجي، في طبيعتهما، إنجاب البنين وتربيتهم. وهذان يتوِّجان الحبَ والزواج كما تتوِّج القمة الجبل. فالرجل والمرأة أصبحا بعقد الزواج جسداً واحداً لا إثنين (متى 19 / 6) ليتعاضدا هكذا ويساعد أحدهما الآخر باتحادِ شخصيتهما وأعمالهما إتحاداً وثيقاً. إنهما يُدركان من خلال ذلك وحدتَهما ويعملان دائماً على ترسيخها وتعميقها. إن هذا الإتحادَ الوثيق، وهو عطاء متبادل بين شخصين، وخير الأولاد (106)، يتطلبان أمانة الزوجين المطلقة ويقضيان بوحدة لا تنحل.

لقد غمرَ السيد المسيح بالبركات هذا الحب المتعددَ المظاهر، الصادرَ عن ينبوعِ المحبة الإلهية جاعلاً إياه صورة لإتحاده بالكنيسة. وكما أن الله هو الذي بادر في القديم، وقطع عهدَ حبٍ وأمانة مع شعبه (107)، هكذا يتقدم اليوم مخلص البشر وعروس الكنيسة لملاقاة الأزواج المسيحيين في سر الزواج (108). إنه يبقى ويَثـْبُت معهم ليستطيعَ الزوجان بعطائهما المتبادل أن يحب واحدَهما الآخر بأمانةٍ ثابتة، كما هو نفسه أحبَّ الكنيسة وبذل ذاته لأجلها (109). إن حبَّ الله يرفع الحبَّ الزوجي الحقيقي، كما أن المسيح بقوةِ الفداء والكنيسة بعملها الخلاصي يوجهانه ويوفران غناه حتى يقودَ الزوجين عملياً إلى الله وحتى يساعدهما ويثبتهما في رسالتهما السامية كأب وأم (110). ولكي يقوم الزوجان المسيحيان بواجبات حالتهما كما ينبغي، يعطيان القوة وكأن بهما يتكرّسان بسرٍ خاص. وإنّهما إذْ يتممان رسالتَهما (111) الزوجية والعيلية بقوة هذا السر، مرتويين من روح المسيح الذي ينعش كلَّ حياتِهما بالإيمان والحب والرجاء، يبلغان أكثر فأكثر كمالَهما الشخصي وقداستهما المتبادلة: وهكذا يساهمان معاً في تمجيد الله.

إن الأولاد وجميع الذين يعيشون في الإطار العائلي، يكتسبون بسهولة متزايدة عواطفَ إنسانية، وبالسهولة عينها يجدون طريق الخلاص والقداسة إذ يسير أمامهم مَثَل والديهم وصلاتهم المشتركة. أما الأزواج الذين زاد من عظمتهم دورهم كأب وأم، فليقدموا حسب ضميرهم بواجب التربية وخاصة التربية الدينية لأن الحق فيها يعود لهم أولاً.

وبما أن الأولاد أعضاء حية في العائلة، يساهمون على طريقتهم في تقديس والديهم. وإنهم بإقرارهم بالجميل وبحبهم البنوي وبثقتهم باهلهم الذين أحسنوا إليهم يتجاوبون دون شك معهم فيساعدونهم كأبناءَ صالحين في صعوبات الحياة وفي عزلة الشيخوخة. وإذا ما أحتُملَ الترمل بشجاعة وفقاً للدعوة الزوجية يصبح محترماً لدى الجميع (112). كما أن العائلات ستتبادل أيضاً كنوزها الروحية. وحينئذ بما أن العيلة المسيحية تنبثق من الزواج، الذي هو صورة لعهدِ الحب الذي يجمع بين المسيح والكنيسة وإشتراكٍ فيه (113)، تُظهِر هذه العيلة لجميع الناس حضورَ المسيح الحي في العالم وطبيعة الكنيسة الحقة، سواءً كان بحب الزوجين أو بخصبهما المعطاء أو بوحدة العيلة وأمانتها وبالتعاون الودي بين جميع أعضائها.

الحب الزوجي

49– دعا كلام الله المخطوبين مرات متعددة ليعتنوا بخطبتهم، وينعشوها بحبٍ عفيف، ودعا المتزوجين ليحافظوا على اتحادهم بحبٍ لا نقص فيه (114). فالكثيرون من معاصرينا يعظمون أيضاً الحب الحقيقي بين الرجل والمرأة الذي يَظهر بأشكالٍ متنوعة وفقاً للعصور ولعاداتِ الشعوب الصحيحة، وإن هذا الحب لأنساني إلى منتهى الحدود إذ يصدر عن شخص نحو شخصٍ آخر بقوة العاطفة والإرادة ويتناول خير الإنسان بكامله. ولذلك كان بإمكانه أن يضفي كرامة خاصة على تعابير الجسد والحياة النفسية، فيجعلها ذا قيمة، لأنها العناصر والعلامات الخاصة بالصداقة الزوجية، لقد تعطف الرب ومنح نعمتَه ومحبته هذا الحب فشفاه وكمله ورفعه. وإن حباً كهذا، يجمع بين البشريات والألهيات يقود المتزوجين إلى أن يعطي الواحد ذاته الآخر عطاء حراً، يظهر بعواطفَ وحركاتٍ رقيقة، فترتوي منه حياتهم كلها (115). أضف إلى ذلك أنه هو يكتمل ويتعاظم من جراء ممارسته السخية. وإنه ليتخطى إذاً ما مارسه الزوجان لأجل الشهوة فقط يتلاشى سريعاً وبصورة تستدعي الشفقة.

لهذه المحبة طريقةً خاصة للتعبير: إنها تتم بعمل الزواج الخاص. وبالتالي إن الأعمال التي تحقق إتحاداً حميماً عفيفاً، هي أعمال كريمة لا عيب فيها. وإذا تممها الزوجان بطريقة تليق حقاً بالإنسان، فهي ترمز إلى عطائهما المتبادل وتدعمه، فيزداد غناهما الشخصي بالشكر والفرح. إن هذا الحبَّ الذي يقبل به الزوجان بتعهدهما المتبادل ويتكرس فوق كل شيء بسر المسيح، يبقى أميناً وغير قابل للانفصام فكراً وجسداً في السرّاء والضرّاء. إنه لَيَنبذ إذاً كل زنى وكل طلاق. كما أن المساواة في الكرامة الشخصية التي يجب أن يُعترف بها للمرأة والرجل في الحب الكامل الذي يكنه الواحد للآخر، تبين بوضوح وحدة الزواج التي أثبتها السيد المسيح. ولمواجهة الزامات هذه الدعوة المسيحية بمثابرة، كان لا بد من فضيلةٍ خارقة ولهذا السبب لا ينفك الزوجان اللذان أهّلتهما النعمة ليعيشا حياة مقدسة، يغذيان فيهما حباً قوياً، شهماً، سريعاً إلى التضحية ويطلبان دائماً هذا الحب في صلواتهما.

غير أن الحب الزوجي الحقيقي يُقدرُ تقديراً أعظم، ويتكون رأي عام صحيح بصدده إذا أدىّ الأزواج المسيحيون في هذا المجال شهادةً سامية في الأمانة والإنسجام وفي تفانيهم في تربية الأبناء، وإذا تحملوا مسؤلياتهم في التجديد الضروري الذي يهدف الزواج والعيلة، ويتناول الحقل الثقافي والنفسي والإجتماعي. وإنه لَمِن الواجب أن يتثقف الشباب في الوقت الملائم وبطريقة مناسبة- ومن الأفضل ضمن العيلة- في كرامة الحب الزوجي ومهمتِه وممارستِه: فيستطيعون هكذا عندما يحين الوقت وبعد أن يكونوا قد تدربوا على العفة، أن يتزوجوا بعد خطبة يعيشونها في الكرامة.

خصب الزواج

50– إن الزواج والحب الزوجي موجهان بطبيعتهما لأنجاب البنين وتربيتهم. فالأبناءُ هم عطيةُ الزواج السامية، وهم يسهمون كثيراً في خير الآباء أنفسهم. فالله ذاته الذي قال: “إنه لا يحسن بالإنسان أن يبقى وحيداً” (تك 2 / 18) و “صنع الكائن البشري، منذ الابتداء، ذكراً وانثى” (متى 19 / 4) أراد أن يشركه بنوعٍ خاص في عمله الخلاّق؛ ولقد بارك الرجل والمرأة قائلاً لهما: “إنميا واكثرا” (تك 1 / 28) ولذا فالحب الزوجي الحقيقي المفهوم تمام الفهم، وكل تركيب الحياة العيلية الناتجة عنه، يميلان، دون أن يزدريا مع ذلك غايات الزواج الأخرى، إلى أن يجعلا الزوجين مستعدين ليساهما بشجاعة في حب الخالق والفادي، الذي يريد بواسطتهما أن تكبرَ دائماً عائلتَه بالذات وتزداد غنىً.

إن الأزواجَ يعرفون بأنهم المساهمون في حب الله الخالق والمترجمون عنه، عندما يقومون بواجبهم المُلقى على عاتقهم في نقل الحياة وتربية البنين. وهذا ما يجب اعتباره كرسالتهم الخاصة. فليضطلعوا إذاً بمهمتهم بملء المسؤولية الإنسانية والمسيحية، وليتدربوا على الرأي السديد بالإحترام المشبع من الخضوع لله تعإلى، وبالوفاق والمجهود المشترك: آخذين معا بعين الإعتبار خيرهم وخيرَ بنيهم الذين ولِدوا أو سوف يولَدون؛ وليميزوا أيضاً أوضاع عصرهم وحالتهم المادية والروحية؛ وليحسبوا أخيراً حساباً لخير الجماعة العيلية ولحاجات المجتمع الزمني والكنيسة نفسِها. إن على الأزواج أنفسهم أن يتمسكوا بهذا الرأي أمام الله. وليعلموا أنه لا يمكنهم أن يتصرفوا، في حياتهم، كما يحلو لهم، بل يُفرَض عليهم أن يتبعوا دائماً ضميرَهم، ذلك الضمير الذي يجب أن يطابق شريعة الله؛ وليظلوا خاضعين لسلطة الكنيسة التعليمية، التي يحق لها أن تشرح هذه الشريعة على نور الإنجيل. فالشريعة الإلهية هذه تُظهر المعنى الكامل للحب الزوجي، وتحافظ عليه وتبلغ به إلى الكمال الإنساني الحق. وهكذا، عندما يَكِلُ الأزواج المسيحيون أمرَهم لعنايةِ الله ويغذون فيهم روح التضحية (116)، يتحملون عندئذ دورهم الإنجابي، ويقومون بكل سخاءٍ بمسؤولياتهم البشرية والمسيحية فيمجدون الخالق ويتجهون في المسيح نحو الكمال. ومن بين هؤلاء الذين يتحملون على هذا الشكل المسؤولية التي وكّلها الله إليهم، يلزمنا أن نذكر بنوع خاص، أولئك الذين بالإتفاق المتبادل وبطريقة مدروسة، يقبلون بقلب واسع أن يربوا كما يليق عدداً أكبر من الأولاد (117).

غير أن الزواج لم يؤسَس لإنجاب البنين فقط، إنما تقضي طبيعة العهد غيرَ المنحّل، القائم بالزواج كما يقضي خير البنين أيضاً بأن يكون الحب المتبادل معبَّراً عنه بالإستقامة فيتقدم ويزدهر. ولذلك حتى وإن لم يُرزق الزوجان أولاداً، رغم رغبتهم الشديدة فيهم، يبقى الزواج تعاوناً وإتحاداً يشمل الحياة كلَها ويحتفظ بقيمته وعدمِ إنفصامه.

الحب الزوجي وإحترام الحياة البشرية

51– لا يجهل المجمع أن الأزواج، الذين يريدون أن يحيوا حياة زوجية متناغمة، غالباً ما تعترضهم في عصرنا بعض ظروف الحياة فيجدون ذواتِهم في حالة لا يتمكنون معها، أقله إلى حين، من أن يزيدوا عدد أولادهم؛ وحينئذ تصعب المحافظة على ممارسة الحب بأمانة وعلى الحياة المشتركة الكاملة. وحيث تنقطع الحياة الزوجية الحميمة، تتعرضُ الأمانةُ للأخطار كما يتعرض خير البنين للتهلكة: ففي هذه الحالة، يحدِّق الخطر بتربية الأولاد وتنقص الشجاعة الضرورية لقبول أولاد آخرين فيما بعد.

ومنهم من يجرؤون على تقديم الحلول الفاسدة لهذه المشاكل، حتى أنهم لا يترددون أمام القتل. لكن الكنيسة تذكّر أنه ما من تناقض حق، بين الشرائع الإلهية التي تسود إعطاء الحياة، وبين الشرائع التي تشجع الحب الزوجي الحقيقي.

فالله، سيدُ الحياة، عَهِد إلى البشر بخدمة الحياة الشريفة، على أن يضطلع الإنسان بها بطريقةٍ تليق به. فتجب إذاً المحافظة على الحياة منذ الحبل وبعنايةٍ قصوى: فالإجهاضُ وقتلُ الأجنّة جرائمَ فظيعة. إن الطاقة الجنسية التي يتميز بها الإنسان والقوة البشرية على الولادة، تجعلانه يفوق إلى حدّ بعيد كل طبقات الحياة السفلى. ينتج عن ذلك أن الأفعال الخاصة بالحياة الزوجية، إذا تُممت وفقاً للكرامة الإنسانية الحقيقية، يجب أن تحاط هي أيضاً باحترام كبير. وعندما يتعلق الأمر بالتوفيق بين الحب الزوجي، وإعطاءِ الحياة بكامل المسؤولية، فآداب التصرفات لا ترتبط بإخلاص النية فقط، ولا بتقدير الدوافع، بل يجب أن تحدد وفقاً لمقاييسَ موضوعية، تستمد من طبيعة الشخص ذاته ومن أعماله، مقاييسَ تُحترَم، في إطار من الحب الحقيقي، المعنى الكلي للعطاء المتبادل ولتناسل على مستوى الإنسان. وهذا لَمستحيل إن لم تُمارس فضيلة العفة بقلبٍ مستقيم. وفي ما يختص بتنظيم النسل، لا يسمح لأبناء الكنيسة الأوفياء لهذه المبادىء، أن يسلكوا طرقاً تتنكر لها سلطة الكنيسة التعليمية في شرحها للشريعة الإلهية (118).

ومن جهة أخرى، فليعلم الجميع صراحة أن الحياة البشرية ومهمة إعطائها، لا تنحصران في آفاق هذا العالم، كما أنهما لا تجدان فيه أبعادهما الكاملة ولا معناهُما الكامل؛ إنما يجب أن نربطَهُما بمصير البشر الأبدي.

تقييم الزواج والعائلة منوط بالجميع

52– إن العائلة هي، نوعاً ما، لمدرسة غنى إنساني. ولكي تستطيع أن تبلغ كمالَ حياتها ورسالتها، تقضي باتحاد النفوس إتحاداً مطبوعاً بالحب وبوضع الزوجين أفكارَهما تحت تصرف بعضهما، وبتعاون الوالدين تعاوناً واعياً في تربية الأبناء.

إن حضور الآب حضوراً فعالاً له أهمية بالغة التنشئة؛ كما أنه من اللازم أن يوفر للأم بأن تعتني بعيلتها دون أن يهمل مع ذلك تقدم المرأة الإجتماعية المشروع. لأن الأولاد، وخاصة الأحداث، هم بأشد الحاجة إليها. فليتربَّ الأولاد بطريقةٍ يستطيعون معها، متى أصبحوا بالغين وواعين تماماً مسؤولياتهم، أن يتبعوا دعوتَهم بما فيها الدعوة الدينية، ويختاروا نمط حياتهم. ولكي يستطيعوا، إذا تزوجوا، أن يؤسسوا عائلتَهم بالذات ضمنَ أوضاعٍ أدبيةٍ وإجتماعية وإقتصادية مؤاتية. إن الحق يعود للوالدين أو الأوصياء في إرشاد الشبان بنصائحَ حكيمة، عندما يريدون تأسيس عائلة؛ وإن الشبان ليصغون إليهم بارتياح، شرط أن يسهروا على ألاّ يضغطوا عليهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، تدفعهم إلى الزواج وإختيار رفيق حياتهم. 
وهكذا تكون العائلة أساس المجتمع، لأنها المكان الذي تجتمع فيه عدة أجيال، يتعاونون ليكسبوا حكمةً أوسع، فتتناغم حقوقُ الأشخاص مع سائر متطلبات الحياة الإجتماعية. ولهذا السبب، إنه من واجب كلِّ الذين لهم تأثير على الجماعات أو فئات المجتمع، أن يجتهدوا بطريقةٍ فعّالة لتقييم الزواج والعائلة. ولتعتبر السلطة المدنية أنه لَواجبٌ مقدسُ الأقرار بطبيعتهما الحقة، وحمايتهما، وتقدمهما، والدفاع عن الآداب العامة والتشجيع على ازدهار العائلات. إنه من الواجب أن يضمن للآباء الحق في إيلاد البنين والحق في تربيتهم ضمن العائلة. وإنه ليجب أن يحافظَ أيضاً التشريع البعيد النظر والمبادرات المختلفة على أولئك الذين حُرِموا لسوء الحظ من العائلة، ويوفر لهم العون اللازم.

على المسيحيين أن يستغلوا الوقت الحاضر (119)، ويميزوا ما هو أبدي مما يتغير فيعملوا على تقييم الزواج والعيلة. ويقومون بذلك إذ يؤدون الشهادة بحياتهم الشخصية، ويعملون باتفاق مع كل الناس ذوي الإرادة الصالحة. وهكذا تبتعد الصعوبات فيقومون بسد حاجات العيلة، ويوفرون لها المنافع التي تليق بالأزمنة الجديدة. ولبلوغ هذه الغاية سوف يكون حسُّ المؤمنين المسيحي وضمير الناس الأدبي المستقيم وحكمة الذين ينكبّون على العلوم المقدسة وكفاءتهم، سيكون كل ذلك عوناً كبيراً.

إن الإختصاصيين في العلوم، لا سيما العلوم الحياتية والطبية والإجتماعية والنفسانية، يستطيعون أن يعملوا كثيراً في سبيل الزواج والعيلة وسلام الضمائر، إذا إجتهدوا في توضيحٍ أكبر لمختلفِ الأوضاع التي تساعد على تنظيم النسل البشري تنظيماً صحيحاً، وذلك عندما تتقارب دروسهم في نتائجها.

إنه لمن إختصاص الكهنة، الذين اطلعوا اطلاعاً وافياً على الشؤون العائلية، أن يعضدوا دعوة الأزواج في حياتهم الزوجية والعيلية بمختلف الوسائل الرعوية، بالتبشير بكلام الله، وبالعبادة الطقسية أو بسائر المعونات الروحية. عليهم أن يقووّهم بلطف وصبر في صعوباتهم، وأن يشددوا عزائمهم بمحبةٍ حتى ينشِئوا عائلاتٍ يشع حقاً منها النور.
 
ولْتجتهدْ الحركات المختلفة، خاصة المنظمات العيلية، بالتعليم والعمل، في تثبيت الشبان والأزواج، لا سيما المتزوجين حديثاً، وأن ينشئوهم على الحياة العيلية والإجتماعية والرسولية.

وأخيراً فليتحد الأزواج أنفسهم بالحب عينه وبالتفكير عينه وبالقداسة المتبادلة (120)، هم الذين خُلقوا على صورة الإله الحي وأقيموا في نظام أشخاص أصيل. فيصبحوا على غرار المسيح، مبدأ الحياة (121)، ومن خلال أفراح دعوتهم وتضحياتها بالأمانة لحبهم، شهوداً لسر المحبة الذي كشف عنه السيد المسيح للعالم بموته وقيامته (122).

الفصل الثاني: إنطلاقة الثقافة

مقدمة

53– يمتاز الشخص البشري بأنه لا يرتقي حقاً وتماماً الى مستوى الإنسانية إلاّ عن طريق الثقافة، أي عندما يستثمر خيارات الطبيعة الإنسانية وقيمها. وكلما دار حديثنا على الحياة البشرية، تبدو الطبيعة والثقافة مرتبطتين إرتباطاً وثيقاً إلى أبعد حد ممكن.

فكلمة “ثقافة” تعني بمعناها الواسع، كل ما يستخدمه الإنسان لصقل إمكاناته المتعددة الفكرية والجسدية وتنميتها، مجتهداً في إخضاع الكون بالمعرفة والعمل؛ مؤنسناً الحياة الإجتماعية، والحياة العيلية ومجمل الحياة المدنية بفضل تقدم الأخلاق والشرائع؛ مترجماً، وناشراً وحافظاً في مؤلفاته، عبر الأزمنة، الاختبارات الروحية الكبيرة ونزَعات الإنسان العظمى، حتى تُستخدم لتقدم أكبر عدد من البشر، ولتقدم الجنس البشري كله.

ينتج عن ذلك، أن الثقافة البشرية تحمل ضرورة مظهراً تاريخاً واجتماعياً. وأن كلمة “ثقافة” غالباً ما تحمل معنىً له علاقة بعلم الإجتماع وأصل الشعوب. وإستناداً الى هذا، يمكن التكلم على تعدد الثقافات. فهناك أنماط حياة متنوعة، ومقاييسَ مختلفة للقيم، تُنبع من الطريقة الخاصة التي بها نستخدم الأشياء، ونشتغل ونتكلم ونمارس الديانة ونسلك ونسنّ الشرائع ونخلق الأنظمة القانونية، ونُغني العلوم والفنون ونتعشق الجمال. وهكذا ينشأ تراثٌ خاص لكل جماعة بشرية من العادات الموروثة. وتتألف بيئة معينة وتاريخية يلتحق بها كل إنسان، أياً كان عصره وأياً كانت أمته، ومنها يستخلص القيم التي تسمح له بدفع الحضارة الى الأمام.

( أ ) وضع الثقافة في العالم الحاضر

طرق حياة جديدة

54– إن أوضاع حياة الإنسان المعاصر، إجتماعياً وثقافياً، تحولت جذرياً الى حد أنه من الممكن أن نتكلم على طور جديد لتاريخ الإنسان (123). ومنذئذ تنبسط الطرق الجديدة لتكمل الثقافة وتنشرها. لقد عمل على إعدادها ذلك الدافع الهائل للعلوم الطبيعية والإنسانية والإجتماعية أيضاً. كما عَمِل على إعدادها التقدم التقني والإنطلاقة والتنظيم الأفضل للوسائل التي تسمح للبشر بالإتصال بعضهم ببعض. إن الثقافة الحديثة قد تتميز بما يلي: إن العلوم التي تُدعى بالعلوم الصحيحة طورت حاسة النقد الى أقصى حد؛ كما أن آخر الأبحاث الحديثة في علم النفس تشرح جذور النشاط الإنساني؛ وكذلك فروع العلم التاريخية تدفعنا بشدة الى أن نواجهَ الأشياء من ناحيتها المتغيرة المتطورة. فالعادات وطرق الحياة تميل أكثر فاكثر الى إتخاذ نمطٍ واحد؛ فالتصنيع والتخطيط المدني وسائرُ الأسباب التي تشجع الحياة الجماعية، تخلق أشكالاً جديدة للثقافة (ثقافة الشعب)، ينتج عنها طرق جديدة للشعور وللمسلك وللإفادة من وسائل الترفيه. كما أن ازدياد التبادل بين مختلف الأمم والفئات الإجتماعية، يكشف للجميع ولكل واحد بطريقةٍ أكثر إتساعاً، ثروات الثقافات المختلفة وهكذا يُفسح المجال رويداً رويداً لنوع من الحضارة أكثر شمولاً يدفع بوحدة الجنس البشري الى الأمام، ويعبر عنها بقدر ما يَحترم ميزات كل ثقافة على حدة.

الإنسان مطوّر الثقافة

55– يزداد بإستمرار عدد الرجال والنساء الذين يعون أنهم عمَلة الثقافة في مجتمعهم ومطوروها، الى أي فئة أو أمة انتموا. ففي العالم كله يتزايد معنى السعادة ومعنى المسؤولية؛ وهذا، مما لا شك فيه، لفي بالغ الأهمية بالنسبة الى نضج الجنس البشري روحياً وأخلاقياً. وإننا لَندرِك ذلك أحسن أننا لم نحول أنظارنا عن توحيد الكون وعن الرسالة التي ُكلّفنا بها وهي أن نبني عالماً أفضل في الحقيقة والعدل. فنحن إذاً شهود لولادةِ ثقافةٍ جديدة محورُها الإنسان. وقبل كل شيء يتحدد موقف الإنسان فيها بالمسؤولية التي يتحمل تجاه أخوانه وتجاه التاريخ.

صعوبات وواجبات

56– في ظروف كهذه، لا عجب إذا إعترت الإنسان رعشةً من الأمل الأكبر لشعوره بمسؤولية التقدم الثقافي؛ غير أنه يواجه قلقاً تناقضات عديدة يجب أن يجد لها حلاً.

يجب أن يؤدي إزدياد التبادل الثقافي الى حوار حقيقي ومثمر بين مختلف الجماعات والأمم. فما الذي يجب عمله حتى لا يؤدي ذلك الى بلبلة حياة الجماعات، ولا يدمّر حكمة الأجداد ولا يعرّض للخطر ما يمتاز به كل شعب من عبقرية؟ فكيف نشجع ديناميكية الثقافة الجديدة وإنتشارها مع الأمانة الحية لأرث التقاليد؟ وتُطرح هذه المشكلة بحدة، خاصة عندما يكون المقصود تناغم الثقافة هذه، التي هي ثمرة تقدمٍ عظيم في حقل العلوم والتقنية، مع تلك التي تتغذى من الدروس الكلاسيكية المطابقة للتقاليد المختلفة.

كيف يُستطاع التوفيق بين تشعب فروع الإختصاص الآخذ في السرعة والإنتشار، وبين ضرورة تآلفها، وبين الواجب الذي يقضي بأن نحافظَ في الإنسانية على قوى التبصر والتعجب التي تقود الى الحكمة؟ ما العمل إذاً ليتوفر للمجموع الاشتراك في منافع الثقافة بينما لا تنفك ثقافة النخبة تنمو وتتشعب دائماً؟

وأخيراً كيف نقر بشرعية تلك السيادة التي تدعيها الثقافة لذاتها، دون أن ننتهي إلى نظرة أرضية محضة الى الانسان، وقد تكون معادية للديانة؟

إن على الثقافة اليوم أن تتقدم في قلب هذه التناقضات حتى تقود الشخص الانساني الى تفتحه الكامل المتناغم، فتساعدَ الناس ليقوموا بالمهمات التي دعوا إليها جميعاً، وخاصة المسيحيين، متحدين برباط الأخوّة ضمن العائلة البشرية الواحدة.

(ب‌) بعض المبادىء المتعلقة برفع المستوى الثقافي

الإيمان والثقافة

57– على المسيحيين، في سيرهم نحو المدينة السماوية، أن يبحثوا عما هو فوق ويتذوقوه. غير أن هذا يزيد، بدلاً من أن ينقص، من خطورة الإلزام المُلقى عليهم، ليشتغلوا مع كل الناس لبناء عالمٍ أكثرَ أنسنة، إذ إن سر الإيمان المسيحي يوفر لهم دوافع ومساعدات تفوق كل مقدار: فتسمح لهم بأن يندفعوا، بزخم أقوى، لتتميم هذه المهمة، ويكتشفوا خاصةً المعنى الكامل، لتلك النشاطات التي بوسعها، أن تمنح الثقافة مكانها السامي في دعوة الإنسان الكاملة (124).

فعندما يزرع الإنسان الأرض بيديه أو بالأدوات التقنية، حتى تثمر ثمراً، وتصبح مسكناً لائقاً بالعائلة البشرية كلها؛ وعندما يشترك عن وعي في حياة الفئات الإجتماعية، فإنه يحقق تصميم الله الذي ظهر منذ الابتداء وهو أن يسيطرعلى الأرض (125) ويكمل الخلق ويتثقف هو أيضاً. وإنه ليطيع بالوقت ذاتِه وصية المسيح العظمى وهي أن يبذل ذاتَه في خدمة الإخوة.

علاوةً على ذلك، عندما ينكبّ الإنسان على الفروع المختلفة من فلسفة وتاريخ ورياضيات وعلوم طبيعية، وعندما يُتقن الفنون، يستطيع أن يساهم مساهمة كبيرة في فتح عيون العائلة البشرية على أسمى القيم من خيرٍ وحق وجمال، فتنظر الى الأشياء نظرة لها قيمة شاملة: فيتقبل حينئذ أضواءً جديدة من تلك الحكمة العجيبة، التي كانت منذ الأزل قرب الله، مرتِبة كل شيء معه، تلعب على الكرة الأرضية وتجد لذتها بين بني البشر (126).

وبذلك يخفّ استعباد الأشياء للفكر البشري فيستطيع بسهولة أكبر أن يرتفع الى السجود للخالق والتأمل فيه. زِدْ على ذلك أن الإنسان يصبح هكذا معدًّا ليتعرف، بدافع النعمة، الى كلمة الله الذي قبل أن يصير جسداً ليخلص الكل ويجمع الكل. “كان في العالم” “كالنور الحقيقي الذي يضىء كل إنسان” (يو1 / 9- 10) (127).

أجل إن تقدم العلوم والتقنيات اليوم، قد يفسح المجال أمام الشكلانية واللاأدرية، عندما يُتخَذ خطأ ً أساليب البحث الخاصة بهذه العلوم قاعدةً سامية للكشف عن كل حقيقة. فالعلوم والتقنيات لا تقود، بقوة أسلوبها، إلى جوهر الواقع. وإنه ليُخشى، إذا ما وثق الإنسان كثيراً في إكتشافاته الحالية، من أن يتوصل الى التفكير أنه مكتفٍ بذاته، ومن ثم ليس عليه أن يبحث عن قيم أسمى.

غير أن هذه النتائج المؤسفة لا تصدر حتماً عن الثقافة الحديثة، ويجب ألا تعرّضنا لتلك التجربة القائمة بتجاهل قيم الثقافة الإيجابية. ومن تلك القيم يجب أن نشيرالى: الرغبة في العلوم، والأمانة المتواصلة للحقيقة في الأبحاث العلمية، وضرورة العمل مع فئات من ذوي الإختصاص، ومعنى التضامن الدولي، والشعور بالمسؤولية الذي يتضح أكثر فأكثر، بأن على العلماء مساعدة الناس وحمايتهم أيضاً، والادارة في أن يوفروا للجميع أوضاع حياة أوفر حظاً، خاصة لأولئك الذين حرموا من المسؤولية أو الذين يتألمون لفقرهم الثقافي. إنه لمن الممكن أن نجد في كل هذه القيم نوعاً من التهيئة لتقبل بشارة الإنجيل، تهيئة تحققها المحبة الإلهية الصادرة عن ذلك الذي أتى ليَخلُص العالم.

علاقات متعددة بين إنجيل المسيح والثقافة 58 بين بشارة الخلاص والثقافة صلات متعددة. فالله، إذ كشف عن ذاته لشعبه، حتى ظهورِه التام في إبنه المتجسد، تكلم وفقاً لأنواعِ ثقافةٍ يمتاز بها كل عصر عن غيره. وكذلك الكنيسة التي مرت عبر الأجيال بأوضاعَ حياتيةٍ متنوعة، استعملت مرافق الثقافات المختلفة، لتنشربشارة المسيح الى كل الأمم وتعرضها في مواعظها، ولتكشفها وتتعمق بها أحسن مما كانت عليه، ولتعبر عنها بطريقة أكمل في الإحتفالات الطقسية وفي حياة جماعة المؤمنين المتعددة الأشكال.

ولكن بالوقت نفسه، ُأرسلت الكنيسة الى كل الشعوب في كل الأزمنة وفي كل الأماكن. فهي لا ترتبط بأي عرق أو أمة ولا بأية طريقة حياة خاصة، ولا بأية عادة قديمة أو حديثة، إرتباطاً لا ينفصم، وينفي كل إرتباط آخر. إنها لتستطيع التجاوب مع الثقافات المختلفة، لأنها أمينة دائماً لتقليدها الخاص، وتدرك تماماً أن رسالتَها شاملة: فيزداد غناها الذاتي وغنى الثقافات المتنوعة.

إن إنجيلَ المسيح يجدد دوماً حياة الإنسان الخاطىء وثقافتِهِ؛ إنه يحارب ويبعد الأضاليلَ والشرور الناشئة عن إغراء الخطيئة المستمر. إنه لا ينفك ينقي آداب الشعوب ويرفع مستواها. وبخيراته العلوية يجعل الصفات الروحية والمواهب الخاصة بكل شعب وبكل جيل، تثمر وكأن ثمارَها تنبع من الداخل؛ إنه يقوّيها ويكملها ويجددها في المسيح (128). وهكذا، إذ تقوم الكنيسة برسالتها الخاصة (129)، تساهم بذلك أيضاً في عمل التمدن وتدفع إليه. إن عملها، حتى الطقسي منه، يساعد على صوغ حرية الإنسان الداخلية.

تحقيق التناغم بين مختلف القيم الثقافية

59– للأسباب التي أوردنا آنفاً، تذكّر الكنيسة الجميع أن الثقافة يجب أن تخضع لنمو الشخص الكلي، ولخير الجماعة وخير الجنس البشري بأسره. ولذا كان من الموافق أن يُثقف العقل حتى تنمو قوى التعجب والتبصر، ويصل الإنسان الى صوغ حكم شخصي، وتصقل الحاسة الدينية والأدبية والاجتماعية.

ولأن الثقافة تصدر مباشرة عن الإنسان، بما أنه عاقل وإجتماعي، هي دائماً بحاجة لحرية كافية حتى تزدهر، ولسيادة مشروعة حتى تعمل، وفقاً لمبادئها الخاصة. فلها حق في الإحترام، وتنعم ببعض الحصانة شرط أن تحفظ طبعاً حقوق الشخص والمجتمع، الخاص والعام، ضمن حدود الخير الشامل.

إن هذا المجتمع المقدس، يتبنى تعليم المجمع الفاتيكاني الأول، ويعلن أن هناك “نظامين للمعرفة” متميزين، نظام الإيمان ونظام العقل. ولا تمانع الكنيسة أبداً في أن “تتمتع الفنون والعلوم البشرية بمبادئها وبأساليبها الخاصة وبميادينها الخصوصية”. ولذلك “تقر الكنيسة بهذه الحرية اللازمة” وتؤكد الإستقلال المشروع (130) للثقافة وخاصةً للعلوم.

كل ذلك يتطلب أيضاً أن يستطيع الإنسان، بعد ضمان النظام الأدبي والمنفعة العامة، أن يبحث حراً عن الحقيقة ويبدي آراءه وينشرها ويتعاطى الفنون التي يختار. وهذا يتطلب أخيراً أن يتوفر له الإطلاع الكامل والموضوعي على حوادث الحياة العامة.

أما السلطات العامة فيعود لها الحق، لا في تحديد ميزة المدينة الخاصة، بل في وضع الشروط واتخاذ الوسائل التي من شأنها أن تَنشط على الحياة الثقافية ليفيد منها الجميع، دون إغفال الأقليات الموجودة في أمة ما، ولهذا السبب يجب أن نجنب الثقافة، مهما كان الثمن، أن تحيد عن هدفها الخاص فتُستعبد للسلطات السياسية والإقتصادية.

(ج) في بعض واجبات المسيحيين الأكثر الحاحاً بالنسبة الى الثقافة

‪
‬الإعتراف بحق الجميع في الثقافة وتحقيقه العملي

60-‪ ‬بما أننا نستطيع اليوم إنقاذ الناس في أكثريتهم من آفة‪ ‬الجهل، هناك واجبٌ يليق الى أسمى حدّ بعصرنا وخاصةً بالمسيحيين: وهو أن نعمل دون‪ ‬هوادة مادياً وسياسياً، على المستوى الوطني وعلى المستوى الدولي، كي تُتخذ التقارير‪ ‬الجذرية التي من شأنِها أن تقود الى الإعتراف بحق الجميع في التعاون وفي كل مكان،‪ ‬وأن نؤمّن تحقيقَه، وذلك وفقاً لكرامة الشخص البشري، دون تمييزٍ في العرق أو الجنس‪ ‬أو الأمة  أو الديانة أو الوضع الإجتماعي‪ (131). ‬ولذا يلزم أن‪ ‬نوفر لكل واحد الكمية الكافية من الخيور الثقافية، خاصة تلك التي تدعى ثقافة‪ “‬أساسية” حتى لا يُحرم العدد الكثير من المساهمة، بطريقة إنسانية حقة‪ (132)‬، في الخير العام بسبب الأمية وضعف المبادرة‪.‬

وبالتالي يجب أن نتوق الى توفير الإمكانية، لمن يستطيعون، حتى يتابعوا‪ ‬دروساً عالية؛ وبطريقة تمكنهم قدر المستطاع من أن يتسلموا الوظائف ويلعبوا دوراً في‪ ‬الحياة الإجتماعية ويؤدوا خدمات تتفق ومؤهلاتهم أو مع الجدارة التي اكتسبوها‪ (133). ‬وهكذا يتمكن كل إنسان، وكل فئة اجتماعية من كل شعب، بلوغ‪ ‬الإزدهار الثقافي الكامل وفقاً لمواهبهم وتقاليدهم‪.‬

علاوة على ذلك يجب أن‪ ‬نعمل وسعنا ليُدرك كل واحدٍ حقَه وواجبه في التثقيف دون أن ينسى ما عليه من الزام‪ ‬في مساعدة الأخرين حتى يتثقفوا هم أيضاً. فهنا وهناك، أوضاع حياة وعمل تعاكس جهود‪ ‬البشر الساعين الى الثقافة وتفقدهم الرغبة فيها. وهذا ينطبق بنوع خاص على المزارعين‪ ‬والعمال، الذين يجب أن تُوفر لهم أوضاعَ عملٍ لا تعوقهم عن تثقيف ذواتهم، بل‪ ‬بالأحرى تدفعهم الى ذلك. إن النساء يشتغلن اليوم تقريباً في مجالات العمل كلها؛ ومع‪ ‬ذلك يحسن أن يتمكنن تماماً من أن يلعبن دورهن وفقاً لمؤهلاتهن الخاصة. وإنه لمن‪ ‬واجبِ الجميع أن يعترفوا بضرورة إشتراك‪ ‬النساء إشتراكا مميزاً في الحياة الثقافية‪ ‬ويشجعوه‪.‬

في تثقيف الإنسان تثقيفاً كاملاً

61-‪ ‬إزدادت الصعوبات في أيامنا أكثر منه‪ ‬في الماضي للجمع بين مختلف فروع المعرفة وفنونها؛ فبينا يتكاثر حجم العناصر‪ ‬الثقافية وتنوعها، تتضاءل بالوقت ذاتِه مقدرةَ كلِّ إنسان في إدراك هذه العناصر‪ ‬والتوفيق بينها، حتى أن صورة “الإنسان الشامل” أخذت تختفي شيئاً فشيئاً. ومع ذلك لا‪ ‬يزال الواجب يفرض على كل إنسانٍ المحافظة على شخصيته بتمامها حيث تسود القيم من‪ ‬ذكاءٍ وإرادة وضمير وأخوّة، تلك القيم التي تجد كل أساسَها في الله الخالق، قيمٌ‪ ‬تعافت بالمسيح وبه تسامت بطريقة عجيبة‪.‬

إن العائلة هي، في بادىء الأمر،‪ ‬بمثابة الأم المرضع لهذه التربية: ففيها، إذ يحاط الأبناء بالحب، يكتشفون بمزيد من‪ ‬السهولة ما بين القيم من مراتب. بينما تنطبع في عقل المراهقين، كلما تقدموا في‪ ‬العمر، عناصرَ ثقافةٍ امتحنها الزمن بطريقة قريبة من اللاوعي‪.‬

وفي سبيل هذه‪ ‬التربية نفسها، ترتع المجتمعات اليوم، خاصة بفضل إنتشار الكتب المتزايد وبفضل‪ ‬وسائلَ النشرِ الجديدة الثقافية والإجتماعية، ترتع بخيراتٍ مناسبة من شأنها أن تسهل‪ ‬تعميم الثقافة. فمع تخفيض ساعات العمل الذي يعم الجميع،‪ 
‬تتضاعف فرص التثقيف‪ ‬لأكثرية الناس. ويجب إستخدام أوقات اللهو إستخداماً حسناً للترويح عن النفس ولتقوية‪ ‬صحة الجسد والروح، وذلك بالانكباب على النشاطات الحرة وعلى الدروس غير النفعية‪. ‬وتتضاعف فرص التثقيف أيضاً بمناسبة الأسفار الى بلدان أخرى (سياحة)، أسفار تثقل‪ ‬العقل، وتغني الإنسان بمعرفته للآخرين. وكذلك بواسطة التمارين الجسدية والأعمال‪ ‬الرياضية التي تساعد على حفظِ توازنٍ نفسي جيد، فردي وجماعي، ولقيام علاقات أخوية‪ ‬بين البشر مهما تباينت أوضاعهم وأممهم وأجناسهم. فليشتركْ المسيحيون إذاً‪ ‬بالتظاهرات والأعمال الثقافية الجمهورية المعاصرة، وليؤنسنوها ويشبعوها من الروح‪ ‬المسيحية‪.‬

ومع ذلك إن كل هذه المنافع قد لا تؤدي الى تحقيق التربية‪ ‬الثقافية الكاملة للانسان إن لم نتساءل في الوقت نفسه عن المعنى العميق للثقافة‪ ‬والعلم بالنسبة الى الشخص البشري‪.‬

الوفاق بين الثقافة والدين المسيحي

62-‪ ‬وإن تكن الكنيسة قد‪ ‬ساهمت مساهمةً واسعة في تقدم الثقافة، يبين الإختبار مع ذلك أنه، لظروف طارئة، ليس‪ ‬من السهل دائماً أن يتحقق الوفاق بين الثقافة والدين المسيحي‪.‬

إن هذه‪ ‬الصعوبات لا تُلحق الأذى حتماً بحيوية الإيمان بل قد تحث على تفهّمه تفهماً أدق‪ ‬وأعمق. فإكتشافات العلوم وآخر الأبحاث بما فيها التاريخية والفلسفة تثير مشاكل‪ ‬جديدة تحمل في طيها نتائج الحياة نفسها، وتتطلب، من اللاهوتيين أنفسهم، أبحاثاً‪ ‬جديدة. فهم مدعوون إذاً، مع إحترامِهم لأساليب العلوم اللاهوتية وقواعدِها الخاصة،‪ ‬الى أن يبحثوا دون توقف عن الطريقة الفضلى لإيصال التعليم إلى معاصريهم البشر‪. ‬فالوديعةُ نفسُها وحقائق الإيمان شيء، وطريقة التعبير عنها شيءٌ آخر، شرط أن يحافظ‪ ‬على معناها وفحواها‪ (134). ‬ففي الرعائيات يجب ألا تُعرف معرفةً‪ ‬كافية مبادىء اللاهوت وحسب، بل يجب الإلمام بالإكتشافات العلمية الدنيوية، لا سيما‪ ‬علم النفس والإجتماع، وذلك ليستعملوها: وبهذه الطريقة يتوصل المؤمنون بدورهم الى‪ ‬حياة إيمان أكثر نقاوة وأشد نضجاً‪.‬

إن للآداب والفنون، على طريقتها، أهمية‪ ‬كبرى لحياة الكنيسة. تحاول أن تعبر عن طبيعة الإنسان بالذات، وعن مشاكلِه‪ ‬ومحاولاتِه لمعرفة ذاتِه ولرغبتِه في كمالِه الذاتي وكمالِ العالم. وتنكب على‪ ‬إكتشاف منزلتِه في التاريخ والكون، فتلقي الأضواء على أفراحِه وتعاستِه، وعلى‪ ‬إحتياجات البشر وقواهم، وتقدّم الخطوط الأولى لمصير إنساني يكون أكثر سعادة. فهي‪ ‬إذاً قادرة على أن ترفع الحياة الإنسانية التي تعبر عنها تحت أشكال متعددة وفقاً‪ ‬للازمنة والأمكنة‪.‬

يجب العمل إذاً على أن يشعر كل الذين يمارسون هذه‪ ‬الفنون، إن الكنيسة تفهمُهم وتقدر نشاطاتَهم. وإذا ما ضمَنوا لذواتِهم حريةً‪ ‬مألوفة، يسهل التبادل بينهم وبين الجماعة المسيحية. وإن الكنيسة لتعترف أيضاً‪ ‬بأشكال الفن الجديدة التي تناسب معاصرينا، وفقاً لعبقرية الأوطان والمناطق‪ ‬المختلفة. ولا مانع من أن تُقبل أيضاً في المعابد عندما ترفع العقل الى الله‪ (135) ‬لاستعمالها طرق تعبير مناسبة لمقتضيات طقوس الكنيسة ومطابقة‪ ‬لها‪.‬

وهكذا يشرق مجد الله ويزداد تألقاً. فإن كرازة الإنجيل تظهر أشد‪ ‬وضوحاً للعقل البشري وتبدو وكأنها تتلاءم وطبيعة الإنسان الحياتية‪.‬

فليحيَ‪ ‬المؤمنون إذاً بإتحاد وثيق مع سائر الناس معاصريهم، وليجتهدوا‪ ‬في أن يعرفوا معرفةً‪ ‬عميقة طرق تفكيرِهم وشعورِهم كما يعبرون عنها بثقافاتِهم. وليجمعوا معرفةَ العلوم‪ ‬والنظريات الجديدة وأحدث الإكتشافات الى أخلاق العقيدة المسيحية‪ ‬وتعليمها، حتى يسيرَ عندهم جنباً الى جنب‪ ‬الذوق الديني والإستقامة الأخلاقية مع المعرفة العلمية والتقدم التقني المتواصل،‪ ‬فيستطيعون هكذا، أن يقدروا كل شيء ويشرحوه بحسٍ مسيحي حق‪.‬

أما الذين‪ ‬يواظبون على العلوم اللاهوتية في المدارس الإكليريكية والجامعات، فليرغبوا في‪ ‬المساهمة مع الناس، الذين لهم خبرة في سائر العلوم، واضعين طاقاتِهم ووجهاتِ‪ ‬نظرهِم، تحت تصرفِ بعضهِم بعضاً. فمن واجب البحث اللاهوتي أن يتعمق في الحقيقة‪ ‬الموحاة، دون أن ينعزل عن العصر، وذلك لتمهيد الطريق أمام المثقفين في مختلفِ فروعِ‪ ‬المعرفة، فيفقهوا عقيدةَ إيمانِهم بطريقةٍ فضلى. إن هذا الإتفاق الخيّر يؤدي خدمات‪ ‬جلّى لتثقيف رجال الدين: فيستطيع هؤلاء أن يعرضوا تعليم الكنيسة، عن الله والإنسان‪ ‬والعالم، بطريقة تتناسب وعقلية معاصرينا، فيقبلون كلمتهم بطيبةِ خاطر‪ (136). ‬أضف الى ذلك أملُنا في أن يقبل الكثير من العلمانيين تربية‪ ‬كافية في العلوم المقدسة، فيتفرغَ لها العديدون ويتعمقوا بها. ولكن حتى يقدروا أن‪ ‬يقوموا بهذه المهمة خير قيام، يجب أن يُعترف للمؤمنين، من إكليروس وعلمانيين،‪ ‬بالحرية الكافية في البحث والتفكير والاعراب عن وجهة نظرهِم بتواضعٍ وإقدام في حقل‪ ‬جدارتِهم‪ (137).‬

الفصل الثالث: الحياة الإقتصادية والإجتماعية

 

بعض ميزات الحياة الإقتصادية

63– في الحياة الإقتصادية الإجتماعية أيضاً، يجب العمل في سبيل ترقي كرامة الشخص البشري وشرفِها وفي سبيل دعوتِه الكاملة وخير المجتمع كلِه. فالإنسانُ هو صانعُ الحياة الإقتصادية الإجتماعية كلها، هو نقطة إرتكازِها وغايتها.

إن الإقتصاد الحديث، كسائر حقول الحياة الإجتماعية، يتميز بسيطرة الإنسان على الطبيعة سيطرة متصاعدة، وبتزايد وتعزيز العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات والشعور وبتدخلات السلطة السياسية تدخلاً كثيراً ومتزايداً. وفي الوقت نفسِه، إن التقدم في طرق الإنتاج وفي تنظيم تبادل الخيور والخدمات، جعل من الإقتصاد وسيلةً خليقة بقضاء حاجات العائلة البشرية المتزايدة قضاءً أوفى.

ومع ذلك لم تتلاش عوامل القلق. فكثيرون هم الذين يبدون وكأن الإقتصاد يسيطر عليهم، لا سيما في مناطق العالم النامية إقتصادياً. إن حياتهم كلها تقريباً، الشخصية منها والإجتماعية، مرتوية من “فلسفة إقتصادية”، وذلك أيضاً في البلدان التي تحبذ الإقتصاد الجماعي كما في البلدان الأخرى. إن نمو الإقتصاد، الموجّه والمنظم بطريقة عقلية وإنسانية، وإن كان يحدّ من التفاوت الإجتماعي، فهو غالباً ما يعمقُه، ويقود هنا وهناك الى تردّي وضع الضعفاء الإجتماعي والإزدراء بالفقراء. فبينما جماهير لا تحصى ينقصها بعد القوت الضروري، يعيش البعض الآخر، حتى في المناطق الأقل نماءً، في البحبوحة ويبذرون دون حساب. فالفخفخة تسير الى جانب الشقاء. وبينما يملك عددٌ قليل من الناس سلطةً واسعة في التقرير، يُحرمُ الكثيرون تقريباً من كل إمكانية لمبادرةٍ شخصية أو لمسؤولية. وغالباً ما يُتركون في أوضاعِ حياةٍ وعمل، لا تليق أبداً بالشخص البشري.

هذا الخلل في التوازن الإقتصادي والإجتماعي يحصل أيضاً بين القطاع الزراعي والقطاع الصناعي والخدمات ويحصل أيضاً بين مناطق مختلفة من البلد الواحد نفسه. وهناك تضادّ تزداد حدتُه يوماً بعد يوم، ويظهر بين البلدان الأكثر نماءً من الناحية الإقتصادية، والبلدان الأخرى. وإن هذا التضاد بوسعه أن يعرّض حتى سلام العالم للخطر.

إن المعاصرين يدركون هذا التباين إدراكاً مرهفاً: إنهم مقتنعون تمام الإقتناع، إن التقنية الحديثة والموارد الإقتصادية المتزايدة، التي يتصرف بها العالم، تقدر بل يجب أن تُصلّح هذا الواقع المشؤوم. ولذلك هناك عدة إصلاحاتٍ ضرورية في الحياة الإقتصادية الإجتماعية. فعلى الجميع أن يبذلوا تفكيرَهم ومواقفَم. ولهذه الغاية أوضحت الكنيسة، عبر الأجيال، وعلى ضوء الإنجيل، مبادىء العدل والإنصاف التي يقرّها العقلُ الصحيح للحياة الفردية والإجتماعية أو للحياة الدولية. ولقد أعلنتها خاصة في الأزمنة الأخيرة. ونظراً للوضع الراهن، يريد المجمع أن يثبتّها ويعطي بعض التوجيهات آخذاً بعين الإعتبار وبنوع خاص مقتضيات الإنماء الإقتصادي (138).

 

( أ‌ ) الإنماء الإقتصادي

الإنماء الإقتصادي في خدمة الإنسان

64– تتحولُ الجهود اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، لمجابهةِ إزدياد السكان ولإشباع رغبات الجنس البشري الآخذة في الإنتشار، لرفع مستوى الإنتاج الزراعي والصناعي إلى جانب الخدمات المعروضة. ولهذا السبب يجب تشجيع التقدم التقني وروح التجديد وخلق المشاريع وتوسيعِها، وتطوير الأساليب لتصبحَ ملائِمة، والجهود المتصلة من قِبَل كل الذين يساهمون في الإنتاج، وبالإختصار يجب تشجيع كل ما يستطيع أن يكون له دور في هذه الإنطلاقة. غير أن الغاية الأساسية من إنتاج كهذا ليست إزدياد الخيرات المنتَجة فقط ، ولا الكسب أو السيطرة، إنما هي خدمة الإنسان: الإنسان بكليتِه، وفقاً لتدرجِ حاجاتِه المادية ووفقاً لمقتضياتِ حياتِه العقلية والأخلاقية والروحية والدينية. خدمة الإنسان، وبذلك نعني كلَّ إنسان وكلَّ جماعة من الناس دونما تمييزٍ في العرق أو الوطن. ولهذا السبب يجب أن يُمارَس النشاط الإقتصادي، وفقاً لأساليبه ونواميسه الخاصة، ضمن حدود النظام الأدبي (139)، وذلك ليكون مطابقاً لتصميم الله على الإنسان (140).

مراقبة الإنسان للإنماء الإقتصادي

65– يجب أن يظلَّ الإنماء خاضعاً لمراقبة الإنسان. فلا يُترك تحت تصرف عدد قليلٍ من الناس أو جماعاتٍ تتمتع بقوة إقتصادية هائلة لتتصرف به على هواها، ولا بتصرف الجماعة السياسية أو بعض الدول الأكثر قدرة من غيرها. بالعكس أنه لَيجدرَ أن يساهم في توجيهه توجيهاً نشيطاً أكبرُ عدد ممكن من الناس على كل مستوى، والبلدان بأجمعِها على المستوى الدولي. كما أنه يجب أن تكون مبادرات الأفراد البديهية وشركاتِهم الحرة متناسقة مع عمل السلطات العامة، فيسود التناغم والتوافق بينها.
 فلا يمكن أن يُترَك الإنماء لعبةً شبه آلية لا بين أيدي الأفراد، في نشاطِهم الإقتصادي، ولا بين أيدي السلطات العامة. فيجب التنديد إذاً بالأضاليل الناتجة عن العقائد التي تناهض الإصلاحات الضرورية بإسم حريةٍ ساءَ فهمُها، وتلك التي تنتج أيضاً عن تعاليم تضحي بحقوق الأفراد والجماعات الأساسية في سبيل تنظيم الإنتاج تنظيماً جماعياً (141).
علاوةً على ذلك، فليتذكر المواطنون أن من حقِهم ومن واجبِهم، ويجب على السلطة المدنية أن تعترفَ بذلك، أن يساهموا، وفقاً لامكاناتهم، في التقدم الحق للجماعة التي ينتمون إليها. أما في البلدان التي هي في طريق النمو خاصةً، فمن المفروض أن تستعملَ الطاقات كلها بصورة عاجلة وملحة. فالذين يحتفظون بثرواتِهم دون أن يستثمروها يعرّضون الخير العام لخطر كبير. وينطبق هذا القول أيضاً على أولئك الذين يحرمون جماعتَهم من الوسائل المادية والروحية التي تحتاج إليها، مع الإحتفاظ طبعاً بالحق الشخصي في الهجرة.

من الواجب أن يوضع حد للتباين الإقتصادي والإجتماعي الهائل

66– يجب أن تتضافر الجهود بحزمٍ وباسرعَ ما يمكن، لملاشاة التفاوت الإقتصادي الواسع الذي يرافقُه التمييز الفردي والإجتماعي، وذلك جواباً منا على مقتضيات العدل والإنصاف مع إحترام الحقوق الشخصية والعبقرية الخاصة بكل شعب. والتفاوت قائمٌ في أيامِنا وغالباً ما تزداد خطورتُه. وفي مناطقَ عديدة، نظراً الى الصعوبات الخاصة التي تعترض القطاع الزراعي من ناحية الإنتاج والمبيع، يجب كذلك مساعدة المزارعين على مضاعفة إنتاجِهم وتصريفه وعلى تحقيق التغييرات والتجديدات الضرورية والحصول أخيراً على دخل عادل: وألاّ يظلوا مواطنين من درجة ثانية كما يحدث ذلك في أغلب الأحيان. أما المزارعون، لا سيما الفتيان منهم عليهم أن يشمّروا عن سواعدِهم بقوةٍ ليحسنوا كفاءتَهم المهنية التي بدونها لا يمكن للزراعة أن تتقدم (142). 
ويقضي العدل والإنصاف كذلك، بأن يتم تنظيم التغيير الضروري في الأوضاع الإقتصادية المتطورة، بطريقة تُجنِب الأفراد وعائلاتهم أوضاع حياة مترجرجة لا غد لها. أما في ما يتعلق بالعمال الذين يأتون من بلدان أخرى ومناطق مختلفة، فيساهمون في النمو الإقتصادي لشعبٍ أو منطقة ما، فليُحظّر تماماً أي نوع من التمييز من ناحية الأجر أو أوضاع العمل. وعلى كل أعضاء المجتمع، ونخص منهم السلطات العامة، أن يعتبروهم ويعاملوهم كأشخاصٍ لا كمجرد آلاتٍ للإنتاج. وذلك بأن يمنحوهم التسهيلات، لأستقدام عائلاتهم ومساعدتهم على إقتناء المسكن اللائق وتشجيعهم على أن يندمجوا في حياة البلد الإجتماعية أو في حياة المنطقة التي تستضيفهم. غير أنه من الواجب، قدر المستطاع، أن تُخلق أعمال في مناطقِهم الأصيلة ذاتها.
لقد طبع المجتمع الصناعي المتعدد الأشكال الحياة الإقتصادية التي لا تنفك تتطور، بطابع التقدم الآلي، ولذا يجب الإهتمام بتأمين العمل الكافي والمناسب لكل فرد، مع إمكانية تدريبه تقنياً ومهنياً تدريباً موافقاً. وإنه لواجب أن تُضمن وسائل العيش وتُصان الكرامة الإنسانية لأولئك الذين يوجدون في أوضاع صعبة لا سيما المرض أو الشيخوخة.

(ب) المبادىء الموجهة للحياة الإقتصادية والإجتماعية بكاملها

 

 العمل وشروطه وأوقات الفراغ

67- إن العمل البشري في الإنتاج وتبادل الخيور أو في تقديم الخدمات الإقتصادية، له الأولوية بالنسبة الى سائر عناصر الحياة الإقتصادية التي لا قيمة لها إلا كوسيلة.

2فهذا العمل يصدر مباشرة عن الشخص البشري، أمارسه مستقلاً أم بالتعاقد مع رب العمل. فالشخص يطبع نوعاً ما الطبيعة بطابعه، ويخضعها لتصاميمه. فالإنسان بشغله، يضمن  عادةعيشه وعيش عائلته، ويشترك مع إخوانه، ويقدم لهم الخدمات ويمارس المحبة الحقيقية مساهماً في إكمال الخلق الإلهي. علاوة على ذلك، إننا لنؤكد أن الإنسان، بما يقدم بعمله من إكرام لله، يشترك في عمل يسوع المسيح الفدائي الذي أضفى على الشغل كرامة سامية، عندما إشتغل بيديه في الناصرة. ينتج عن هذا أن يعمل كل إنسان بإستقامة ويكون له الحق في العمل. ونسبةً الى الظروف الراهنة، على المجتمع من ناحيته، أن يساعد المواطنين فيسمح لهم بالحصول على عمل كافٍ. وأخيراً، إعتباراً لمهام كل فرد ولطاقة إنتاجه وإعتبار لوضع المؤسسة والخير العام، يجب أن تضمن أجور العمل لللإنسان المورد التي تسمح له ولعائلته، بحياة لائقة على المستوى المادي والإجتماعي والثقافي والروحي (143).

وإنه لظلم وقساوة أن يتم ترتيب النشاط الإقتصادي وتنظيمه على حساب أي عامل كان، ذلك النشاط الذي هو ثمرة عمل الناس المشترك. وإنه لرائج جداً، حتى في أيامنا هذه، إن يصبح الذين يشغلون، مستعبدين نوعاً ما لاعمالهم ذاتها. وهذا ما لا تبرره الشرائع الإقتصادية المزعومة، بأية طريقة من الطرق. فالمهم إذاً أن يتناسب سير العمل المنتج وحاجات الشخص وطرق حياته، لا سيما الحياة العيلية، وعلى الأخص كل ما يتعلق بالأمهات، آخذين دائماً بعين الإعتبار الجنس والعمر. ويجب أن تتوفر للعمال أيضاً، إمكانية إنماء مواهبهم وشخصيتهم فيما يمارسون عملهم نفسه. وإذ يكرسون له وقتهم وقواهم بطريقة يمليها الضمير، فلينعموا، مقابل ذلك، بوقت كافٍ للراحة والترفيه، يسمح لهم أيضاً بتغذية حياتهم العائلية والثقافية والإجتماعية والدينية. أضف الى ذلك أنه من الواجب أن يتمكنوا من أن يُظهروا، كما يشاؤون، مواهب وطاقات قد لا تسنح لهم الفرص بممارستها في عملهم المهني.

إسهام في المؤسسة وفي التنظيم الإقتصادي العام. نزاعات العمل

68- إن الذين يتشاركون في المؤسسات الإقتصادية، هم الأشخاص، أي كائنات حرة ومستقلة خلقت على صورة الله. فإذا أُخذت بعين الإعتبار وظائف بعضهم بعضاً نت أرباب عمل وموظفين ومسؤولين وعمال، مع المحافظة على ضرورة وحدة الإدارة (144)، يجب العمل مع ذلك على إشتراك الجميع إشتراكاً فعلياً في إدارة المؤسسات، وفقاً لأساليب يتم تحديدها على أحسن ما يمكن. وبما ان المقررات الإقتصادية والإجتماعية التي يرتبط  بها مستقبل العمال ومستقبل أولادهم، تُتخذُ في أغلب الأحيان، لا على مستوى المؤسسة وحسب بل في مراجع عليا، فيجب أن يشترك العمال في هذه المقررات بأنفسهم أو بممثلين عنهم يختارونهم بملء حريتهم.

ومن حقوق الشخص الأساسية، حق العمال في تأسيس الجمعيات التي يشاؤون، ومن شأنها أن يمثلهم بطريقة شرعية، والمساهمة في تنظيم الحياة الإقتصادية تنظيماً صحيحاً. ولهم الحق أيضاً في أن يشتركوا بملء الحرية في نشاط هذه الجمعيات دون أن يتعرضوا للأنتقام. وبفضل هذا الإشتراك المنظم المقرون بتنشئة إقتصادية وإجتماعية، يكبر معنى المسؤوليات عند الجميع أكثر فأكثر.وهكذا يتوصلون الى أن يدركوا أنهم يساهمون حسب إمكانياتهم ومؤهلاتهم الشخصية، في النمو الإقتصادي والإجتماعي كله، وفي تحقيق الخير العام الشامل.

وفي حال نشوب نزاعات إقتصادية إجتماعية، فلتبذل الجهود للتوصل الى حل سلمي. وليكن اللجوء أولاً الى الحوار المخلص بين الأطراف أمراً لازماً. غير أن الإضراب يبقى مع ذلك، حتى في الظروف الحالية، وسيلة ضرورية، وإن تكن الأخيرة، للدفاع عن حقوق العمال الخاصة ولتحقيق أمانيهم العادلة. ولتستأنف طرق المشاورات والحوار عندما يصبح مستطاعاً، وذلك بغية الوصول الى الإتفاق.

خيرات الأرض معدة لجميع الناس

69- لقد أعدّ الله الأرض وكل ما فيها لخدمة جميع الأفراد والشعوب، حتى تفيض خيرات الخليقة بالإنصاف بين يدي الجميع وفقاً لشريعة العدل التي لا تنفصل عن شريعة المحبة (145). ولنأخذ بعين الإعتبار أن الخيرات معدة للجميع، أية كانت أنواع الملكية المطابقة لأنظمة الشعوب المشروعة والموافقة لظروف مختلفة ومتقلبة. ولذلك لا يظنن الإنسان بإستعماله الخيرات، إن ما يملكه بطريقة مشروعة لا يخص سواء ولكن فليعتبره مشتركاً: وهذا يعني ألا يعود بالنفع عليه فقط بل على الآخرين أيضاً (146). ومع ذلك فللبشر كلهم حق في الحصول على قسط كافٍ من الخيرات لهم ولعيالهم. وهذا ما فكر به آباء الكنيسة وملافنتها الذين علموا وجوب مساعدة الفقراء لا من الفائض فقط (147). أما من هو في الضرورة القصوى، فله الحق في تحصيل الكفاف من ثروات غيره (148). وإزاء هذا العدد الوفير من الجائعين في أنحاء العالم كافة، يلح المجمع على الجميع بمن فيهم السلطات، ليتذكروا كلام الآباء هذا: “أعط الطعام لمن يموت جوعاً، فإن لم تطعمه تكون قد قتلته” (149). فليتقاسموا الخيرات وفقاً لامكانيات كل واحد، وليستعملوها حقاً موفرين قبل كل شيء للأفراد والشعوب، الوسائل التي تسمح لهم بأن يتعاونوا ويتطوروا.

إن إعداد الخيرات للجميع، غالباً ما يتحقق جزئياً في المجتمعات المتخلفة من الناحية الإقتصادية، وذلك من خلال عادات وتقاليد جماعية،تضمن لكل فرد الخيرات التي لا بد له منها. أجل يجب أن نتجنب إعتبار بعض العادات، كأنها لا تقبل التغيير أصلاً، إن لم تتناسب ومقتضيات العصر الجديدة. بالعكس يجب ألا تُنقض بخفة العادات الشريفة التي تستطيع أن تؤدي بعد، خدمات جلى، شرط أن تُجدد تجديداً صحيحاً. كذلك البلدان المتقدمة إقتصادياً تقدماً قوياً، من الممكن أن يتحقق جزئياً، توزيع الخيرات للجميع، بواسطة شبكة من المؤسسات الإجتماعية، وبالأخص تلك التي تساهم في الثقافة والتربية. غير أن السهر واجب في تنظيم هذه المؤسسات حتى لا يتوصل المواطن الى أن يتخذ بالنسبة الى المجتمع، موقف المستسلم الذي تخلى عن مسؤولياته وإمتنع عن الخدمة.

توظيف الرساميل، والمسألة المالية

70- يجب أن يؤمن توظيفُ الرساميل والمداخيل الكافية للسكان العاملين اليوم ولسكان الغد. وعلى كل الذين يقررون توظيف هذه الرساميل وتنظيم الحياة الإقتصادية، من أفراد وجماعات وسلطات عامة، أن يهتموا إهتماماً كبيراً بهذه الأهداف، ويدركوا الزاماتهم الخطيرة: فعليهم من جهة، أن يتخذوا الترتيبات ليجابهوا ضرورات حياة ثانية أن يستدركوا المستقبل، ليؤمنوا التوازن العادل بين حاجات الإستهلاك الحالي، فردياً كان أم جماعياً، والزام توظيف الأموال بالنسبة الى الجيل الطالع. ولتكن الحاجات الملحة محط الأنظار دوماً، حاجات الشعوب والمناطق المتخلفة إقتصادياً. وفي ما يتعلق بالأمور المالية، يجب الحذر من الإساءة الى خير الوطن أو الى خير البلدان الأخرى، والتأكد إذاً ألا يلحق الضرر ظلماً بالمتخلفين إقتصادياً، وذلك بسبب التغييرات في قيمة العملة.

الوصول الى الملكية والى السلطة الخاصة على الخيرات. مشكلة الأراضي الشاسعة

71- إن الملكية، وسائر أشكال التملك الخاص، تساهم في التعبير عن الشخص، وتفسح له المجال ليمارس مسؤولياته في المجتمع والإقتصاد. فإنه من الأهمية بمكان أن يُشجع  الأفراد والجماعات ليحصلوا على سلطة ما، على الممتلكات الخارجية.

إن الملكية الخاصة أو نوعاً من السلطة على الممتلكات الخارجية، تؤمن لكل فرد نطاقاً لا بد منه من السيادة الشخصية والعائلية؛ وتعتبر إمتداداً للحرية الإنسانية. وتكون أحد شروط الحريات المدنية إذ تحث على ممارسة المسؤولية (150).

إن أنواع هذه السلطة أو الملكية هي اليوم متنوعة وفي إتساع متواصل. وتبقى مصدراً لضمان لا يستهان به؛ هذا الى جانب الأموال الإجتماعية والحقوق والخدم التي تضمنها الجماعة. ولا ينطبق ذلك على الممتلكات المادية فقط، بل أيضاً على الخيرات غير المادية كالإمكانات المهنية.

ومع ذلك، إن شرعية الملكية الخاصة لا تقف حاجزاً بوجه أشكال الأملاك العامة المتنوعة، شرط أن تتم نقل الممتلكات الى الحقل العام من قبل السلطة المختصة ووفقاً لمقتضيات الخير العام، وضمن حدود هذا الخير وبعد أن يعطى تعويض عادل. علاوة على ذلك ، فللدولة صلاحية لتحد من الإفراط في الملكية الخاصة بما يتنافى والخير العام (151).

وإنه لمن طبيعة الملكية الخاصة ذاتها، أن يكون لها أيضاً طابع إجتماعي، مبني على شريعة أساسها أن تؤول الخيرات للجميع (152). حيث لا يُحترم هذا الطابع الإجتماعي، قد تصبح الملكية فرصة متواترة لبلبلات خطيرة وللمطامع: وهكذا تعطى حجة لأولئك الذين ينكرون حتى حق الملكية نفسه.

وفي مناطق كثيرة متخلفة إقتصادياً، هناك ممتلكات ريفية واسعة وشاسعة أيضاً لا يُحسن إستغلالها، أو تركت لأغراض مكسبية، بينما يُحرم معظم السكان من الأراضي أو لا يملكون منها إلاّ مساحات ضئيلة. علاوة على ذلك، هناك حاجة ماسة وصريحة الى إزدياد الإنتاج الزراعي. في أغلب الأحيان لا يتقاضى المستخدمون من أصحاب هذه الممتلكات الكبيرة إلا اجوراً ومداخيل لا تليق بالإنسان. وهذه هي حال من يستثمرون ما إستأجروا منها. فلا مسكن لهم يتصرفون به؛ والوسطاء يستغلونهم. وهم محرمون من كل ضمان، يعيشون مرتبطين شخصياً بصاحب الأرض، الى حد أنه تخطر عليهم تقريباً كل إمكانية في المبادرة والمسؤولية، وكل تقدم ثقافي وكل إشتراك في الحياة الإجتماعية والسياسية. فالإصلاحات إذاً أمر واجب. وإنها لتهدف، حسب كل حالة، الى مضاعفة المداخيل وتحسين أوضاع العمل وضمانه. كما تهدف أيضاً الى تشجيع المبادرة والى توزيع الممتلكات غير المستثمرة إستثماراً وافياً، ليفيد منها أولئك الذين يقدرون أن يستغلوها. والحالة هذه، فالموارد والآلات التي لا بد منها يجب أن تؤمن لهم، وعلى الأخص وسائل التربية وإمكانية تنظيم عادل كالتعاونيات. وكل ما قضى الخير العام بالاستملاك، يجب أن يُقدر التعويض وفقاً للانصاف ووفقاً للظروف المرعية.

النشاط الإقتصادي والإجتماعي وملكوت المسيح

72- على المسيحيين العاملين على الإنماء الإقتصادي الإجتماعي، والمجاهدين من أجل تقدم العدل والمحبة، أن يقتنوا أن بإمكانهم أن يصنعوا كثيراً لإزدهار الإنسانية ولسلام العالم. فليلمعوا، بمثلهم الفردي والجماعي، في هذه النشاطات المختلفة. وإذ يحصلون الكفاءة والخبرة اللتين لا بد منهما مطلقاً، فليحافظوا، وسط نشاطاتهم الدنيوية، على نظام عادل للتسلسل في القيم، فيكونوا أوفياء للمسيح ولإنجيله حتى تنفذ روح التطويبات لا سيما روح الفقر، في حياتهم الفردية والإجتماعية كلها.

إن كل من يتبع المسيح ويطلب أولاً ملكوت الله، يجد فيه حباً أقوى وأصفى، ليساعد إخوته جميعهم، فيقوم بعمل العدل بدافع المحبة (153).

الفصل الرابع: حياة الجماعة السياسية

 

الحياة العامة اليوم

73- تلاحظ في أيامنا تحويرات جذرية في أنظمة الشعوب وهيكلياتها، ترافق تطورها الثقافي والإقتصادي والإجتماعي، وتؤثر تأثيراً مبيراص في حياة الجماعة السياسية، خاصة في ما يتعلق بحقوق كل فرد وواجباته في ممارسة الحرية المدنية، والسعي وراء الخير العام، وتنظيم علاقات المواطنين مع بعضهم بعضاً ومع السلطات العامة.

فالشعور بكرامة الإنسان أصبح أكثر إرهافاً. لذلك هناك جهد في مناطق مختلفة، لإرساء نظام سياسي قانوني، يحافظ محافظة أوفر على حقوق الشخص ضمن الحياة العامة: يحافظ مثلاً على حقوقه في حرية التجمع والشراكة، وحقه في التعبير عن آرائه الشخصية وممارسة دينه سراً وعلانية. فضمان حقوق الشخص هو شرط لا بد منه ليستطيع المواطنون، أفراداً أو جماعات، أن يشتركوا إشتراكاً فعلياً في إدارة الشؤون العامة وتنميتها.

وتتوطد الرغبة، عند عدد كبير من الناس، في أن يأخذوا قسطاً أوفر في تنظيم الجماعة السياسية، ذلك لإتصالها الوثيق بالتقدم الثقافي والإقتصادي والإجتماعي. ويشتد الإهتمام، في ضمير الكثيرين، لحماية حقوق الأقليات ضمن البلاد، دون أن يهملوا مع ذلك الزاماتهم تجاه الجماعة السياسية. والى جانب ذلك يكبر، يوماً بعد يوم، إحترام الذين يجاهرون برأي أو دين مختلفين. وبالوقت عينه نشأ تعاون، ولا يزال يتسع، ليتأمن لجميع المواطنين لا الى المحظوظين منهم فقط، التنعم الفعلي بالحقوق المرتبطة بالشخص.

وبالعكس، تُنبذُ كل الأشكال السياسية التي تقف حاجزاً في وجه الحرية المدنية أو الدينية كما هي الحال في بعض الأقطار، والتي تزيد من ضحايا الأهواء والجرائم السياسية، فيتحول عمل السلطة لمصلحة البعض أو لمصلحة الحاكمين أنفسهم، بدلاً من أن يوضع في خدمة الخير العام.

فلاجل إرسال حياة سياسية إنسانية حقاً، ما من شيء أهم من إنماء معنى العدل في ضمير الإنسان وإنماء معنى الطيبة والتضحية في سبيل المصلحة العامة، وتقوية اليقين الأساسي حول طبيعة الجماعة السياسية  الحقة وحول غاية السلطة العامة وحسن ممارستها وحدودها. 

طبيعة الجماعة السياسية وغايتها

74- إن كل الذين يؤلفون الجماعة المدنية من أفراد وعائلات وتجمعات مختلفة، يشعرون بعجزهم عن أن يحققوا وحدهم، حياة إنسانية كاملة. ويدركون، أنه من الضروري، أن تتكون جماعة أوسع تتوحد فيها يومياً قواهم ليتم الخير العام دوماً وبصورة أكمل (154). ولهذا السبب يؤلفون جماعة سياسية وفقاً لمنظمات متنوعة الأشكال. فهذه الجماعة السياسية وُجدت للخير العام، الذي يبرر وجودها ويضفي عليها المعنى الكامل، ومنه تنبع حقوقها الخاصة. ويشمل الخير العام أوضاع الحياة الإجتماعية برمتها، التي تسمح للافراد والعائلات والجماعات بأن يكتموا بطريقة أوفى وأسهل (155).

غير أن الناس الذين تضمهم الجماعة السياسية متعددون ومتنوعون، ويستطيعون أن يميلوا الى آراء مختلفة. وبما أن لكل واحد رأياً خاصاً، كان لا بد من سلطة تقدر على توجيه قوى الجميع، نحو الخير العام، وتحول دون تفكيك الجماعة السياسية، لا بطريقة إستبدادية أو آلية، بل تعمل كقوة أدبية، تجد في الحرية ومعنى المسؤولية سنداً لها.

ومن الواضح تماماً أن أساس الجماعة السياسية والسلطة العامة هو في الطبيعة البشرية. وكلتاهما مرتبطتان بنظام حدده الله. غير أن تحديد نوع الحكم السياسي، وتعيين القادة، متروكان لحرية المواطنين وإرادتهم (156).

ينتج أن ممارسة السلطة السياسية، في الجماعة نفسها أو في الأجهزة التي تمثل الدولة تتم دوماً ضمن حدود النظام الأدبي ومن أجل المصلحة العامة، التي نتصورها بطريقة ديناميكية، ووفقاً لنظام قانوني وُضع، أو يجب وضعه، بطريقة شرعية. فالمواطنون مجبرون حينئذٍ على الطاعة (157)، ومن هنا تنشأ دون شك مسؤولية الذين تسلموا مقاليد الحكم وعظمتهم ودورهم.

لكن إذا تجاوزت السلطة العامة صلاحيتها، وظلمت المواطنين، فليس لهؤلاء أن يرفضوا ما تقتضيه المصلحة العامة بطريقة موضوعية. لكن فليسمح لهم بالدفاع عن حقوقهم وحقوق مواطنيهم، ضد جور السلطان، شرط أن يحترموا الحدود التي رسمتها الشريعة الطبيعية والشريعة الإنجيلية.

أما الطرق الواقعية التي تستخدمها الجماعة السياسية، لإرساء قواعد تكوينها، وللمحافظة على توازن السلطات العامة، فيمكن أن تكون متنوعة، وفقاً لكل شعب ولعبقريته الخاصة ولسير التاريخ. ولكن يجب أن تكون هذه الطرق وسيلة لتنشئة إنسان مثقف، يحب السلام، لطيفاً مع الجميع، وذلك لمنفعة العائلة البشرية بأسرها.

مساهمة الجميع في الحياة العامة

75- إنه لمن المناسب تماماً لطبيعة الإنسان، أن تقوم أنظمة سياسية قضائية تمكن المواطنين جميعهم، دوماً وبطريقة فعالة ودونما تمييز، من الإشتراك، بنشاط وحرية، في إرساء الاسس القانونية للجماعة السياسية وفي إدارة المصالح العامة، وتحديد حقول العمل، وأهداف الأجهزة المختلفة وإختيار الحكام (158). فليتذكر إذاً جميع المواطنين ما لهم من حق وما عليهم أيضاً من واجب ليُدلُوا بآرائهم بحرية من أجل الخير العام. وتعتبر الكنيسة من جهتها إعتباراً جليلاً، وتقدّر تمام التقدير، نشاط الذين يتكرسون لخير الدولة ويؤمنون مهامها خدمة للجميع.

وإنه لمن الضروري أن يكون هناك قانون وضعي، ينظّم توزيع وظائف السلطة وأجهزتها كما يجب، ويحكي الحقوق حماية فعالة، لا ترتبط بأي شخص كان؛ وذلك لكي يؤدي تعاون المواطنين الواعين الى نتائج حميدة في الحياة السياسية اليومية. ويجب أيضاً إحترام حقوق كل الأفراد والعائلات والفئات وتقديرها، والإعتراف بها، والسماح بممارستها (159). ونقول هذا في الواجبات المدنية التي يخضع لها كل المواطنين. ومن هذه الواجبات ،نذكّر بالزام تقديم الخدمات المادية والإنسانية للدولة ، تلك الخدمات التي يقضي بها الخير العام. وليحذر الحكام من وضع الحواجز في وجه الرابطات العيلية والإجتماعية والثقافية وفي وجه الهيئات والمنظمات الوسطى، لئلا يمنعوها من القيام بنشاطاتها المشروعة الفعالة. فأحرى بهم إذاً أن يشجعوها ضمن نطاق النظام. أما المواطنون، أفراداً كانوا أم جماعات، فليتحاشوا أن يمنحوا السلطات العامة سلطاناً لا حدّ له، ولا يتوجهوا إليها يطريقة غير ملائمة مطالبين بمساعدات ومنافع باهظة، ومقللين من مسؤولية الأفراد والعائلات والفئات الإجتماعية .

تتزايد الأحوال تشعباً في عصرنا، ولذا تضطر السلطات العامة الى أن تتدخل بتواتر في القضايا الإجتماعية والإقتصادية والثقافية لإعداد أوضاع أجزل فائدة، تسمح للمواطنين وللفئات أن يتابعوا تحقيق الخير العام للإنسان بطريقة حرة واجدى. ومما لا ريب فيه أنه من الممكن أن تفهم العلاقات بين التشارك (160) وبين نمو الشخص وسيادته على أنواع متباينة وفقاً للمناطق ولتطور الشعوب. ولكن إذا قُيدت ممارسة الحقوق لفترة ما، من أجل الخير العام، فَلتطلق الحرية في أقرب ما يمكن عند تبدل الظروف. وعلى كل حال إنه لجور أن تنهج الحكومة نهجاً كلياً أو دكتاتورياً ينتهك إنتهاكاً خطيراً حق الأشخاص أو الفئات الإجتماعية.

وليحافظ المواطنون على حب الوطن. وليكن حبهم شهماً، بعيد المدى، لا مواربة فيه. وهذا يعني أن يعتبروا دائماً ودونما تمييز خير العيلة البشرية كلها، التي تضم أجناساً وشعوباً وامماً تربط بينها روابط متنوعة.

وعلى المسيحيين جميعاً أن يعوا الدور الخاص والمميز، الذي يصيبهم في الجماعة السياسية. فمن واجبهم أن يُعطوا المثل إذ ينمون في نفوسهم معنى المسؤوليات والإندفاع في سبيل الخير العام. فيبرهنون بأعمالهم هذه، كيف يمكن التوفيق بين الحرية والسلطة وبين المبادرات الشخصية والتضامن ومقتضيات الجسم الإجتماعي كله، وبين منافع الوحدة والتنوعات الخصبة. وليعترفوا بشرعية وجهات النظر المتناقضة التي تتعلق بتنظيم الأشياء الأرضية، وليحترموا المواطنين الذين يتحدون أيضاً للدفاع عن رأيهم باستقامة. أما في ما يتعلق بالأحزاب السياسية، فمن واجبهم أن يُنموا ما يعتبرونه من مقتضيات الخير العام. غير أنه لا يُسمح لهم أبداً بتفضيل منفعتهم الخاصة على المنفعة العامة.

ويجب الإهتمام الشديد بالتربية الوطنية والسياسية، ليتمكن المواطنون جميعهم من أن يلعبوا دورهم في حياة الجماعة السياسية. وهذه التربية هي اليوم جد ضرورية سواء للشعوب كافة أو للشباب على الأخص. فعلى الذين لهم المؤهلات، أن يتهيأوا لممارسة فن السياسة الشديد الصعوبة والشريف جداً (161). فلينكبّوا عليه بغيرة دون أن ينشغلوا بمصلحتهم الذاتية أو بالفوائد المادية. وليحاربوا الظلم والطغيان والتعصب والإستبداد أياً كان مصدره، بالفطنة والنزاهة، من فرد أم من حزب سياسي أتى. وليضحوا في سبيل خير الجميع لا بالصدق والإستقامة فقط، بل بالحب والإقدام اللذين تقتضيهما الحياة السياسية.

الجماعة السياسية والكنيسة

76- إنه لفي بالغ الأهمية أن ننظر نظرة صحيحة الى العلاقات بين الجماعة السياسية والكنيسة لا سيما في المجتماعات التعددية. ويجب أن نميز بوضوح تام بين الأعمال التي يقوم بها المؤمنون، أفراداً أم جماعات، بإسمهم الخاص، كمواطنين مسترشدين بضميرهم المسيحي، والأعمال التي يقومون بها بإسم الكنيسة وبالإتحاد مع رعاتهم.

نظراً الى مهمة الكنيسة وصلاحيتها فهي لا تختلط بحال من الأحوال بالجماعة السياسية ولا ترتبط باي نظام سياسي. إنها العلامة والضمانة لما يمتاز به الشخص البشري من تسام ٍ.

فالجماعة السياسية والكنيسة مستقلتان، لا ترتبط الواحدة بالأخرى في الحقل الخاص بكل منهما. غير أنهما تقومان، وإن بادوار مختلفة، بخدمة الدعوة الفردية والإجتماعية للناس ذاتهم. وإنهما لتقومان بهذه الخدمة لخير الجميع وبمزيد من الفاعلية، بقدر ما تحاولان دائماً أن تتعاونا تعاوناً صحيحاً نسبة الى ظروف الزمان و المكان أيضاً. فالإنسان لا تحده آفاق الدنيا، لكنه يحتفظ كلياً بدعوته الأبدية، وان يعش في التاريخ البشري. أما الكنيسة التي تأسست بفضل حب الفادي، فهي تساهم في نشر ملكوت العدالة والمحبة، في كل أمة وبين الأمم. إنها تبشر بحقيقة الإنجيل، فتنير بتعليمها، وبالشهادة التي يؤديها بعض المسيحيين، كل قطاعات النشاط الإنساني، وتحترم مسؤولية المواطنين وحريتهم السياسية وتعمل على رفع شأنها.

وعندما يُرسل الرسل وخلفاؤهم ومعاونوهم ليبشروا الناس بالمسيح مخلص العالم، تستند رسالتهم الى قدرة الله، الذي غالباً ما يظهر قوة الإنجيل من خلال ضغف الشهود. فعلى كل الذين يتكرسون لخدمة الكلمة الإلهية، أن يستعملوا طرق الإنجيل ووسائله الخاصة، التي تختلف، في نقاط كثيرة، عن طرق المدينة الأرضية وأساليبها.

أجل إن الدنيويات مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بالعُلويات في الوضع البشري. وتستخدم الكنيسة عينها الوسائل الزمنية بقدر ما تقتضيه رسالتها الخاصة. غير أنها لا تضع رجاءها في الإمتيازات التي تقدمها لها السلطات المدنية. أضف الى ذلك أنها تتخلى عن ممارسة بعض الحقوق التي استحصلت عليها شرعياً، إذا بدا أن في إستعمالها مدعاة للشك في نقاوة شهادتها، أو إذا قضت الظروف الجديدة بإجراءات أخرى. لكنه من العدل أن تتمكن من التبشير بالإيمان، دائماً وفي كل مكان، بحرية حقة، وإن تعلم عقيدتها في المجتمع متممة، دون عوائق، رسالتها بين البشر. وإنه لعدل أيضاً أن تتمكن من إصدار حكمها الأدبي، حتى في القضايا التي لها علاقة  بالحقل السياسي، إذا إقتضت ذلك حقوق الشخص الأساسية، بما فيها خلاص النفوس، مستعماة كل الوسائل التي تطابق الإنجيل فقط وتتلاءم وخير الجميع وفقاً لتنوع الأنظمة والظروف.

إن الكنيسة، تمجيداً لله، تقوّي السلام (162) بين الشعوب بتعلقها بالإنجيل وأمانتها له (163) وبتتميم رسالتها في العالم، لأن من إختصاصها أن تشجع وتقوم في الجماعة البشرية كل حق وخير وجمال.

الفصل الخامس: صون السلام وبناء جماعة الأمم

 

 مقدمة

77- لقد بلغت العائلة البشرية بأسرها فترة حاسمة من تطورها في هذه السنوات بالذات حيث لا نزال نحس بثقل أوجاع الحروب وضيقاتها، تلك التي إجتاحتنا أحياناً وهددتنا أحياناً أخرى. فلقد تجمعت العائلة البشرية رويداً رويداً، وأصبحت في كل مكان أشد وعياً لوحدتها، ولذا فعليها أن تقوم بعمل لا يمكن أن يتكلل بالنجاح، إلا إذا عادت بنفسية جديدة الى السلام الحقيقي، أي أن تبني عالماً يكون حقاً أكثر أنسنةً، ينعم به الجميع في كل مكان. فتسطع حينئذٍ بسارة الإنجيل متلألئة بوضوح جديد في ايامنا هذه، إذ تلتقي وتوقان البشرية وأسمى مثلها، معلنةً الطوبى لصانعي السلام “لأنهم أبناء الله يدعون” ( متى 5 / 9).

ولذا يتوخى المجمع، بعد أن يوضح مفهوم السلام الحقيقي الشريف جداً، شاجباً بربرية الحروب، أن يبعث بنداء حار الى المسيحيين المستعينين بالمسيح صانع السلام، حتى يعملوا مع جميع الناس، على دعم السلام بالحب والعدل في ما بينهم، مهيئين له الوسائل. 

جوهر السلام

78- ليس السلام مجرد إنعدام الحرب، كما أنه لا يقتصر فقط على تأمين التوازن بين القوى المتخاصمة؛ ولا يتأتى أيضاً عن سيطرة إستبدادية. فبكل خق نحدده “بعمل العدل” (أشعيا 32 / 17). إنه ثمرة نظام رسمه المؤسس الإلهي في المجتمع الإنساني، ويجب أن يتحقق بواسطة اناس، لا ينفكون يتوقون الى عدل أكمل. وإن تكن الشريعة الأزلية تسود بلا ريب خير الجنس البشري العام في واقعه الجوهري، فإنه يخضع مع ذلك، في مقتضياته العملية، لتقلبات مستمرة من جراء سير الزمن. فليس السلام أمراً يحصل عليه الإنسان مرة واحدة إنما عليه أن يبنيه بإستمرار كما أن توفير السلام يتطلب من كل فرد أن يراقب دائماً أهواءه ويتطلب أيضاً سهر السلطة الشرعية، لأن الإرادة البشرية سريعة العطب، جريحة من جراء الخطيئة.

وهذا أيضاً ليس بكافٍ. فالسلام الذي نتحدث عنه لا يستتب دون الحفاظ على خير الأشخاص ودون أن يتبادل الناس، بثقة وحرية، كنوزهم الفكرية وكنوز قواهم الخلاقة. وإنه لمن العبث أن يبنى سلام ٌ، إن لم يكن على إحترام سائر الناس والشعوب وكرامتهم وممارسة الإخوة دون إنقطاع. فالسلام أيضاً هو ثمرة الحب الذي يقود الى أبعد بكثير مما يستطيع العدل أن يحمله.

إن السلام الأرضي الذي ينبع من حب القريب، هو نفسه صورة ونتيجة لسلام المسيح الذي يأتي من الله الآب. فالإبن المتجسد ذاته، أمير السلام، صالح بصليبه الناس جميعهم مع الله وأعاد الوحدة بين الجميع في شعب واحد وجسد واحد، وقتل البغض بجسده، وأفاض روح المحبة في قلب البشر بعد قيامته الظافرة.

ولذلك تُوجه الدعوة بالحاح الى جميع المسيحيين الذين يتممون الحق بالمحبة (أفسس 4 / 15) الى أن يتحدوا بالناس المسالمين حقاً، ليطلبوا السلام ويعملوا على إرسائه.

وإذ نحن مندفعون بهذا الروح عينه، لا يسعنا إلا أن نمدح الذين يمتنعون عن إستخدام العنف في صون الحقوق فيلجأون، في الدفاع ، الى وسائل هي في متناول أضعف الناس، شرط أن يتم ذلك دون أن يتأذى الآخرون أو الجماعة في واجباتهم وحقوقهم.

وإن خطر الحرب يهدد الناس بقدر إنغماسهم في الخطيئة. وستكون هذه الحال حتى عودة المسيح. لكن الناس يقمعون العنف بقدر ما يتحدون بالحب وينتصرون على الخطيئة، حتى يتم هذا الكلام: “يضربون من سيوفهم سككاً وأسنّتهم مناجل فلا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب من بعد” (أشعيا 2 / 4).

( آ) تجنب الحرب

 

قمع الحروب ووحشيتها

79- بالرغم من أن الحروب الأخيرة جلبت لعالمنا ويلات هائلة في الحقلين المادي والأخلاقي، فإن الحرب لاتزال تجتاح كل يوم بعض مناطق هذه الأرض. أضف الى ذلك أن وحشيتها تهدد بدفع المتقاتلين الى قساوة شر من قساوة الماضي، إذ يتم إستعمال أسلحة علمية مختلفة الأنواع للقيام بها. علاوة عليه، أن تعقُد الوضع الراهن وتشابك العلاقات الدولية، يسمحان أن تطول الحروب الباردة بواسطة الأساليب الحديثة الخداعة والهدامة معاً. وفي حالات كثيرة يُعتبر اللجوء الى وسائل الإرهاب شكلاً جديداً من أشكال الحرب.

فالمجمع يتوخّى قبل كل شيء، عندما يتأمل في حالة البشرية هذه التي يرثى لها، أن يُعيد الى الأذهان قوة حقوق الإنسان الطبيعية ومبادئها الشاملة الثابتة. وإن ضمير الجنس البشري ليعلن هذه المبادىء بصورة أكيدة وبصلابة متزايدة. فالأعمال التي تناقض هذه الحقوق والمبادىء مناقضة صريحة، لهي أعمال إجرامية وكذا القول عن الأوامر التي تفرضها؛ وما الطاعة العمياء بكافية لتبرر أولئك الذين يستسلمون لهذه الأوامر. ومن تلك الأعمال، يجب أن نعد في بادىء الأمر، تلك التي تبيد شعباً بأجمعه، أو أمة أو أقلية عنصرية، لأي سبب كان أو بأية وسيلة. فهذه الأعمال يجب أن تكون محرّمة باقصى حدود القوة كونها أعمال إجرامية رهيبة. وهل نفي بمدح شجاعة الذين لا يخافون أبداً من أن يقاوموا علناً، مَن يأمرون بفواحش من هذا النوع؟

وهناك إتفاقيات دولية متعددة حول كل ما يتعلق بالحرب، وقّع عليها عدد كبير من البلدان، بغية التخفيف من قساوة الأعمال الحربية وذيولها. منا الإتفاقيات التي تعنى بمصير الجنود الجرحى والأسرى. وهناك إلزامات أخرى من هذا النوع. إن هذه الإتفاقيات يجب التمسك بها، وفضلاً عن ذلك يجب أن يحاول الجميع، وعلى الأخص السلطات العامة والشخصيات الكفوءة، ان يحسنوها قدر المستطاع موفرين لها بهذا الشكل، أن تحدَّ من وحشية الحروب بطريقة أفضل وبمزيد من الفعالية. أضف الى ذلك، إنه يبدو عادلاً أن تنظر القوانين نظرة إنسانية في أمر الذين يرفضون إستعمال الأسلحة لأسباب ضميرية، شرط أن يقبلوا بخدمة الجماعة البشرية بطريقة أخرى.

أجل، إن الحرب لم تغب عن الأفق البشري. فلا يمكن إذاً أن ننكر على الحكومات حقها في الدفاع المشروع، بعد أن تكون قد إستنفدت إمكانيات الحل السلمي كلها، طالما يستمر خطر الحرب دون أن تكون هناك سلطة دولية جديرة بأن تتصرف بقوات كافية. فعلى رؤساء الدول وكل الذين يتقاسمون مسؤوليات الشؤون العامة، أن يؤمنوا صيانة الشعوب التي أوكلت إليهم، آخذين بعين الإعتبار هذه المسائل الخطيرة. ولكن شتان ما بين القيام بالحرب بغية الدفاع العادل عن الشعوب والرغبة في فرض السيادة على أمم أخرى. فلا تبرر قدرة السلام أي إستخدام لهذه القوة لأغراض سياسية أو عسكرية. وبما أن الحرب تنشب ويا للأسف، لا يصبح بذات الفعل كل شيء مباحاً بين الأطراف المتنازعة.

وأما الذين يتكرسون لخدمة الوطن في الحياة العسكرية، فليعتبروا أنفسهم أيضاً خداماً لأمن الشعوب وحريتها. وإنهم ليساهمون حقاً في الحفاظ على السلام، إن قاموا بمهمتهم هذه خير قيام. 

حرب الفناء

80- إن تقدم التسلح العلمي يزيد الى حد بعيد من هول الحرب وفسادها. فبإستخدام هذه الأسلحة تستطيع الأعمال الحربية أن تسبب خراباً واسعاً دونما تمييز، يتجاوز حدود الدفاع المشروع تجاوزاً بعيداً. أضف الى ذلك، أن إستخدام كل الوسائل المكدسة الآن في عنابر الدول الكبرى، لا ينتج عنه إلا ّ أن يبيد كل خصم خصمه إبادة ً قد تكون كلية ومتبادلة. هذا فضلاً عن التخريب الشاسع الذي يعمّ العالم، وفضلاً عن النتائج المشؤومة التي تصدر عن إستخدام هذه الأسلحة.

وإن هذا كله ليرغمنا على إعادة النظر في الحرب بعقلية جديدة (164). فليعلم الناس اليوم أن عليهم تأدية حسابات ثقيلة في المستقبل عن أعمالهم الحربية. لأن سير الأجيال الطالعة مرتبط الى حد بعيد بالمقررات التي يتخذونها اليوم.

فالمجمع، وقد تبنى كل ما فاه به البابوات الأخيرون من أحكام ضد حرب الفناء (165). يعلن في هذه الظروف فيقول:

إن كل عمل حربي يهدف، دونما تمييز، الى هدم مدن كاملة أو مناطق واسعة بما فيها من سكان، هو عمل إجرامي ضد الله وضد الإنسان نفسه، ويجب أن يشجب بكل شدة دون أي تردد.

ويقوم الخطر المميز في الحرب الحديثة في توفير الفرصة لمن يقتنون أحدث الأسلحة العلمية، ليرتكبوا أعمالاً إجرامية كهذه، وفي دفع الإرادة البشرية الى قرارات هائلة بسياق بقرب من الحتمية. ولئلا يحدث هذا أبداً، يستحلف أساقفة العالم بأسره، المجتمعون وكأنهم شخص واحد، كل البشر وعلى الأخص رؤساء الدول والسلطات العسكرية، كي يقدروا في كل لحظة، مسؤوليتهم الهائلة هذه، أمام الله وأمام البشرية جمعاء.

السباق الى التسلّح

81- حقاً لم تكدس الأسلحة العلمية بغية إستخدامها فقط أثناء الحرب. بل أن تكديسها هذا الذي يتزايد خطره سنة بعد سنة ينفع، وإن أثار ذلك إستغرابنا، لصدّ أخصام يحتمل ظهورهم. فهناك إعتبار يقول بأن القوة الدفاعية عند كل معسكر مرتبطة بالقوة الصاعقة لمقابلة الشر بمثله. وكثيرون هم الذين يفكرون أن هذه هي الوسيلة الأكثر فاعلية التي من شأنها أن تؤمن اليوم نوعاً من السلام بين الأمم.

ومهما يكن من أمر وسيلة الصدّ هذه، يجب مع ذلك أن يسود الإقتناع بأن السباق الى التسلح الذي تركن إليه دول عديدة، ليس بالسبيل الأمين للحفاظ الثابت على السلام. وإن ما يدعى بالتوازن الذي ينتج عنه، ليس بسلام مستقر ولا بسلام حقيقي. وهكذا بدلاً من أن تزول أسباب الحرب، فهناك خطر في أن تتأزم يوماً بعد يوم. وبينما تُنفقُ أموال اسطورية في سبيل تهيئة أسلحة ما تنفك تتطور، تستحيل المداواة الكافية للبؤس الشديد المخيم على الكون. وبدلاً من تهدئة الصراعات بين الدول تهدئة حقيقية جذرية، تنشر بالأحرى عدواها الى مناطق أخرى من العالم. يجب إذاً إختيار طرق جديدة، إبتداءً من إصلاح الذهنيات، لإلغاء هذا الشك وللقدرة على تحرير العالم من القلق الذي يضغط عليه فيعود إليه السلام الحقيقي.

لذلك ينبغي علينا أن نعلن مجدداً: أن السباق الى التسلح جرح بالغ الخطورة في جسم الإنسانية، ويؤذي الفقراء بصورة لا تطاق. وإذا دام هذا السباق، يُخشى من أن يولّد يوماً الكوارث المهلكة التي يُعدّ لها العدة منذ الآن.

فبعد أن أًنذرنا بالكوارث التي جعلها الجنس البشري ممكنة، لنستفد من تلك المهلة التي نتمتع بها والتي منحت لنا من العلاء حتى، بعد أن نكون قد أصبحنا أكثر وعياً لمسؤولياتنا الشخصية، نجد الأساليب التي تسمح لنا بتصفية خلافاتنا بطريقة أكثر إنسانية. فالعناية الإلهية تطلب منا بالحاح أن نتحرر مما كانت الحرب تفرض علينا قديماً من عبودية. وإننا لنجهل أين تقودنا الطريق المشؤومة التي سلكنا، إذا رفضنا أن نقوم بهذا المجهود. 

تحريم الحرب تحريماً مطلقاً والعمل الدولي لتجنبها

82- يتضح إذاً أن علينا أن نصبو لنهيء، بكل ما أوتينا من قوة، تلك الآونة التي توافق فيها الأمم بالإجماع على منع كل حرب منعاً باتاً. ومما لا ريب فيه، إن ذلك يقتضي إنشاء سلطة عامة شاملة، يعترف بها الكل وتتمتع بقدرة فعالة، خليقة بأن توفر للجميع الأمان وإحترام العدل وضمان الحقوق. ولكن قبل أن يتم إنشاء هذه السلطة المرغوب فيها، من الواجب أن تنكب المجالس الدولية العليا الحالية بكل قواها، على درس الوسائل الأقوى لتوفير الأمان المشترك. فعلى الجميع إذاً أن يعملوا للحد من السباق الى التسلح، لأن السلام يجب أن ينبع من الثقة المتبادلة بين الشعوب، بدلاً من أن يُفرض على الدول من جراء التهويل بالأسلحة. ولكن يجب الا يتم تخفيض الأسلحة من جهة واحدة ليصبح حقيقة، بل وفقاً لإتفاقيات وبالسرعة نفسها، مرفوقاً بضمانات حقيقية وفعالة (166).

2-أثناء ذلك يجب ألا نستهين بالجهود التي بُذلت ولا تزال، بغية إبعاد خطر الحرب. بل يجب بالأحرى أن تُعضد الإرادة الصالحة عند الكثيرين الذين يجتهدون في إزالة الحروب التي يكرهون، وهم مع ذلك لا يستطيعون أن يتجاهلوا تشعب الأمور في واقعها. غير أن شعورهم بمسؤولياتهم الشاقة جداً، يدفعهم الى القيام بذلك بالرغم من الهموم الجسيمة التي ترهقهم نتيجة لمهامهم الرفيعة. علاوة على ذلك، يجب أن ترتفع الصلوات المتواترة الى الله ،ليمنحهم القوة كي يثابروا على القيام بهذا العمل ويلاحقوه بعزيمة. وفي هذا العمل حب عظيم للبشر، ألا وهو بناء السلام بناءً متيناً. ومما لا شك فيه، إن عملاً كهذا يتطلب منهم اليوم، أن يفتحوا عقولهم وقلوبهم الى أبعد من حدود أوطانهم، متجردين عن الأنانية الوطنية، وعن الرغبة في السيطرة على سائر الأمم، محافظين على الإحترام العميق للبشرية كلها التي تسير بخطى متثاقلة نحو المزيد من الوحدة.

وفي ما يتعلق بمشاكل السلام ونزع السلاح، يلزم أن نأخذ بعين الإعتبار تلك الدروس العميقة الجريئة المتواصلة، التي أجريت حتى الآن، الى جانب المؤتمرات الدولية التي تطرقت الى هذا الموضوع، ونعد كل ذلك خطوة ً أولى نحو حل هذه المشاكل البالغة الخطورة. وإذا شئنا الحصول على نتائج عملية، يجب أن نتابع هذه الأبحاث في المستقبل بطريقة أشد حزماً. ولكن لنحذر من أن نضع ثقتنا في جهود البعض وحدها، دون أن نأبه لعقليتنا الشخصية. فرؤساء الدول المسؤولون عن الخير المشترك بالنسبة الى بلادهم نفسها، ورواد الخير الشامل أيضاً، هم رهن لشعوب الشعب وآرائه الى حد بعيد. فلا جدوى إذاً من محاولتهم إحلال السلام، طالما يفرق بين الناس ويزيد في خلافهم شعور العداء والإحتقار والحذر والعداوات العرقية والأغراض العقائدية. وإنه لمن باب الضرورة القصوى الملحة، أن تتجدد الذهنيات من خلال التربية وتتبدل اللهجة في الرأي العام. وليعتبر أؤلئك الذين يتكرسون لعمل التربية، وبالأخص تربية الشبان، أو يهيئون الرأي العام، إن من أخطر واجباتهم أن يبثوا في جميع الأذهان العواطف الجديدة الموّلدة للسلام. ومما لا ريب فيه، أن من واجبنا جميعاً أن نبدل قلوبنا ونفتح عيوننا على العالم وعلى المهمات التي يمكن أن نقوم بها معاً لتقدم الجنس البشري.

ولنحذر من أن تخدعنا الآمال البراقة. فإذا لم نقم أحلافاً قوية نزيهة بعد إزالة العداوات والأحقاد تضمن للمستقبل السلام الشامل، ستتعرض الإنسانية، وهي الآن في خطر كبير، الى أن تبلغ تلك الساعة المشؤومة التي لن تقدر أن تتعرف فيها على سلام آخر سوى سلام الموت الرهيب، بالرغم من أنها تحوز على علم عجيب. غير أن كنيسة المسيح فيما تشاطر هذا الومن ضيقاته، وتفوه بهذه الكلمات، لا تقطع مع ذلك رجاءها الراسخ. فما تبتغيه إذاً هو أن تعرض على عصرنا، أيضاً وأيضاً بوقته وغير وقته، البشارة التي أتتها من الرسل: “هاهو الآن الزمان المقبول” لتبديل القلوب، “ها هو الآن يوم الخلاص” (167).

(ب) بنيان الجماعة الدولية

أسباب الخلافات ودواؤها

83- إن شرط الأول لبنيان السلام هو إزالة أسباب الخلافات بين الناس، إبتداءً بالمظالم، لأنها تغذي الحروب. وعدد منها متأتٍ من تباين شاسع في الحقل الإقتصادي، ومن التأخر في مداواته المداواة اللازمة. والبعض الآخر يصدر عن روح السيطرة وعن إحتقار الأشخاص، وإذا نفذنا الى الأسباب العميقة رأينا الحسد والحذر والكبرياء وسائر الأهواء الأنانية. وبما أن الإنسان لا يقدر أن يتحمل الكثير من الفوضى، نستنتج أن رياح المنافسات وأعمال العنف تعصف بإستمرار بهذا العالم، حتى عندما لا يعرف فظاعة الحروب. علاوة على ذلك لا بد، على وجه الإطلاق، من منظمات دولية تثبت تعاونها وتناسقها وتوسعهما للإنتصار على الشرور ودرئها وقمع فوران العنف، تلك الشرور التي تتناول أيضاً العلاقات بين الأمم نفسها. ولا بد أيضاً من الحث، من دون كلل، على إنشاء هيئات تعمل لأجل السلام.

 

جماعة الأمم والمنظمات الدولية

84- بينما تتوثق صلات الإرتباط بين المواطنين جميعاً وشعوب الأرض قاطبة، يقضي البحث المناسب عن الخير العام الشامل وتحقيقه، بأن تنظم منذ الآن جماعة الأمم وفقاً لنظام يتلاءم مع المهام الحالية. وخاصة ما يتعلق بتلك المناطق العديدة، التي لا تزال تئن تحت وطأة قحط لا يطاق.

إن من واجب منظمات الجماعة الدولية كل واحدة بمفردها لبلوغ هذه الأهداف، أن تتدبر حاجات البشرالمتنوعة سواء في حقل الحياة الإجتماعية، يناط بها التغذية والصحة والتربية والعمل، أو في مجابهة الظروف الخاصة العديدة التي تنشأ هنا وهناك: كضرورة مساعدة النمو العام في الدول التي هي في طور النمو، ومد يد المعونة الى اللاجئين البؤساء المشتتين في أنحاء العالم كافة، وتوفير العون للنازحين وعيالهم.

ومما لا شك فيه، أن للمنظمات الدولية القائمة الآن، عالمية كانت أم محلية، فضلاً كبيراً على الجنس البشري. وإنها تبدو كالخطوط الأولى لأسس دولية، تبنى عليها الجماعة البشرية بكاملها، بغية حل المشاكل الأكثر أهمية في عصرنا، كالحث على التقدم في كل مكان من الأرض، والحؤول دون وقوع الحرب مهما كان شكلها. وإن الكنيسة لتسر لروح الأخوّة الحق الذي يأخذ في الإزدهار بين المسيحيين وغير المسيحيين في كل المجالات، ويدفعهم الى مضاعفة الجهود المتواصلة بغية التخفيف من الشقاء الشاسع. 

التعاون الدولي في الحقل الإقتصادي

85- إن تضامن الجنس البشري الحالي يفرض أيضاً إقامة تعاون دولي أعمق في الحقل الإقتصادي. فبالرغم من أن جميع الشعوب قد نالت تقريباً إستقلالها السياسي، لا يزال يلزمها الكثير لتتحرر من التباين الشاسع، ومن الخضوع المفرط بكل أشكاله، وتكون بمأمن كل خطر يأتيها من الصعوبات الداخلية الخطيرة.

ويرتبط نمو أي بلد كان بموارده الإنسانية والمالية. فعلى التربية والتنشئة المهنية، أن تعدّا المواطنين في كل بلاد، ليجبهوا المهام المتنوعة في الحياة الإقتصادية والإجتماعية. وهذا يتطلب مساعدة الخبراء الأجانب؛ لكن على من يؤدون هذه المساعدة، أن يسلكوا كمعاونين ومساعدين لا كاسياد. وأما المساعدة المادية فلا يمكن تقديمها الى البلدان الآخذة في النمو، دون تعديلات جذرية في العادات المتبعة حالياً في التبادل التجاري العالمي. وهناك موارد أخرى يجب أن تأتيها من الأمم المتطورة، بشكل هبات أو قروض أو توظيف الرساميل. فمن جهة يجب أن تؤدي هذه الخدمات بسخاء لا طمع فيه، وأن تُقبل بكل نزاهة من جهة أخرى.

ولإرساء نظام إقتصادي عالمي حق، يجب أن يوضع حد لجشع الأرباح الطائلة والمطامح الوطنية، والرغبة في السيطرة السياسية، ولدرس الإستحكامات العسكرية، وللمناورات التي تهدف الى نشر عقيدة أو فرضها. فالمرغوب فيه هو أن يجد الناس ذوو الكفاءة، في الأنظمة الإقتصادية الإجتماعية الكثيرة التنوع، الأسس العامة لتبادل تجاري عالمي صحيح. ومن السهل جداً أن يتم ذلك إذا تخلى كل واحد عن آرائه المسبقة ورضي فوراً بالحوار الصادق. 

بعض القواعد الملائمة

86-  إن القواعد التالية تبدو مؤاتية بغية هذا التعاون:

فلتحرص الدول النامية تمام الحرص، على أن تهدف من خلال التقدم، الى إزدهار مواطنيها أنفسهم إزدهاراً إنسانياً كاملاً، بصورة جلية لا التباس فيها. ولتتذكر أن التقدم ينبثق ويستمد حيويته أولاً من مهارة هذه البلدان وعملها بالذات. ومن ثم يجب ألا يركز التقدم على المعونات الخارجية فقط بل، في بادىء الأمر، على إستثمار موارد هذه البلاد وثقافتها وتقاليدها الخاصة. وفي هذا المجال يجب أن يعطي المثل أولئك الذين لهم أكبر تأثير على الآخرين.

ومن واجبات الأشد الحاحاً أن تساعد الدول المتطورة الدول الآخذة في النمو، على أن تقوم بهذه المهام الداخلية الروحية والمادية التي يقتضيها تأسيس هذا التعاون الشامل.

وهكذا على الدول المتطورة أن تأخذ بعين الإعتبار وبأقصى دقة، خير الدول الأضعف والأفقر منها، عندما تُجري معها المفاوضات التجارية: فالداخل الذي تحصل عليه من بيع منتوجاتها هو ضروري لتأمين عيشها بالذات.

ويقوم دور الجماعة الدولية بتنسيق النمو والحث عليه، والسهر أيضاً على توزيع الموارد المنتظرة بأكثر ما يمكن من الفاعلية والإنصاف. ومن حقها أيضاً أن تنظم العلاقات الإقتصادية العالمية، لتتم وفقاً لنواميس العدل، آخذة ً بعين الإعتبار ودون أدنى ريب مبدأ الإستطراد.

فلتؤسس إذاً منظمات جديرة بتنظيم التجارة الدولية وتشجيعها- خاصة مع الدول الأقل نماءً- بغية الإعاضة من المضار الناتجة عن التباين الشاسع في القدرة بين الأمم. وإن تسوية كهذه، إذا رافقتها المساعدات التقنية والثقافية والمالية، من شأنها أن تضع تحت تصرف البلدان الآخذة في النمو، الوسائل الضرورية لتتابع إنطلاقتها الإقتصادية المتناغمة.

وإنه لمن الضرورة الماسة أن يبدأ صهر الهيكليات الإقتصادية والإجتماعية في كثير من الحالات. ولكن يجب الحذر من الحلول التقنية الإعتباطية، وبالأخص تلك التي تناهض صبغة الإنسان الروحية وإزدهاره، وإن قدمت له المنافع المادية. “فالإنسان لا يحيا بالخبز فقط ولكن بكل كلمة تخرج من فم الله” (متى 4 / 4). وإن كل فرد من أفراد العائلة البشرية يحمل في ذاته وفي أحسن تقاليده، جزءًا من ذلك الكنز الروحي الذي إستودعه الله البشرية حتى وإن جهل الكثيرون مصدره.

التعاون الدولي والنمو السكاني

87- لقد أصبح التعاون الدولي أمراً محتماً على الإطلاق، للشعوب التي غالباً ما تئن اليوم من صعوباتها المتأتية خصوصاً من نمو السكان السريع، علاوة على صعوباتها الأخرى. وإنه لمن المستعجل أن نبحث كيف نقدر أن نهيء ما يتعلق بالبشر من ضروريات المعيشة والتعليم، وكيف نعمم فوائدهما على الجماعة البشرية كلها. وذلك بمساهمة الجميع مساهمة تامة متواصلة ونخص بالذكر البلدان الغنية. وكثيرة هي الشعوب التي تستطيع أن ترفع مستوى حياتها إذا إستبدلت أساليب الإستثمار الزراعي البالية بالتقنيات الحديثة، وطبقتها على أوضاعها بعد التدريب اللازم والفطنة المطلوبة، مجتهدة في تأسيس نظام إجتماعي أفضل ومنصرفة الى توزيع الأراضي المملوكة توزيعاً أكثر إنصافاً.

ومما لا ريب فيه، أن للحكام في بلادهم حقوقاً وعليهم واجبات ضمن حدود صلاحياتهم ذاتها في ما يتعلق بمشاكل السكان: كل ما يختص بالتشريع الإجتماعي والعائلي مثلا ً، ونزوح سكان الأرياف الى المدن، والإعلام المتعلق بوضع البلاد وحاجاتها. ونتمنى على بعض الكاثوليك الأكفاء في هذه المواد كلها، في الجامعات خاصة، أن يتابعوا بمثابرة الدروس التي بدأت في هذا المجال ويتوسعوا فيها لأن العقول اليوم منهمكة جداً في هذه المشكلة.

وبما أن كثيرين يؤكدون أن نمو السكان العالمي، أقله في بعض البلدان، يجب أن يوقف بطريقة جذرية، مهما كانت الوسائل أو التدابير التي تتخذها السلطات العامة، يحض المجمع جميع الناس ليحذروا الحلول المنادى بها جهاراً أو سراً والتي تفرض في بعض الأحيان فرضاً وتناقض الشريعة الأدبية. فبموجب حق الإنسان في الزواج وإنجاب البنين، ذلك الحق الذي لا ينقض، يخضع التقرير المتعلق بعدد الأولاد الواجب إنجابهم لحكم الأبوين المستقيم، ولا يمكن على الإطلاق أن يترك لتقدير السلطات العامة. ولكن بما أن حكم الآباء يفترض ضميراً صحيح التنشئة، إنه لفي بالغ الأهمية أن يتوفر للجميع البلوغ الى مستوى من المسؤولية، مطابق للآداب وإنساني حقاً، يحسب حساباً للشريعة الإلهية، دون أن يهمل الظروف بجملتها، وهذا يفترض أن تتحسن الوسائل التربوية والأوضاع الإجتماعية في كل مكان تقريباً فتصبح ممكنة، في بادىء الأمر، التنشئة ُ الدينية ُ أو أقله التربية الأدبية التي لا نقص فيها. علاوة على ذلك يجب أن يطلع السكان إطلاعاً صوابياً على التقدم العلمي الذي تحقق في البحث عن أساليب التي تساعد الأزواج في القضايا المتعلقة بتنظيم النسل، عندما تثبت قيمة ُ هذه الوسائل ويصبح من المؤكد أنها لا تتنافى والآداب. 

دور المسيحيين في التعاون الدولي

88- فليُسهم المسيحيون، بطيبة خاطر وقلب كبير، في بنيان النظام الدولي الذي يجب أن يتم بالإحترام المخلص للحريات المشروعة، وبروح الأخوة والصداقة نحو الجميع. وليقوموا بذلك بكثير من الرضى بما أن القسم الأكبر من العالم لا يزال يتألم من البؤس، إلى حد أن المسيح نفسه يبدو في شخص الفقراء ، وكأنه يلتمس الحسنة من تلاميذه بصوت جهير. فلنتجنب اذاً هذه الشكوك : فبينما تنعم بعض البلدان بوفرة طائلة من الخيرات، والقسم الأكبر من سكانها يتغنون باسم  المسيح، يحرم غيرها من ضروريات الحياة ويعضها ناب الجوع والمرض وكل أنواع البؤس. فروح الفقر والمحبة علامة لكنيسة المسيح ومجدها.

ولذا يجب اسداء الثناء والتشجيع لاولئك المسيحين، ونخص منهم الشبان، الذين يتقدمون تلقائياً لإسعاف الغير من البشر والشعوب. اضف إلى ذلك أن من خصائص شعب الله بكامله، الذي يجتذبه كلام الأساقفة ومثلهم، أن يخففوا من بؤس هذه الأزمنة وفقاً لامكانياتهم، وذلك بأن يقتطع المسيحيون، كما درجت العادة قديماً في الكنيسة، لا مما يفيض عنهم فقط بل أيضاً ممّا هو ضروري لهم.

فطريقة جمع الاسعافات وتوزيعها، وان لم تنظم بصورة واحدة ثابتة، يجب مع ذلك ان تتم حسب الأصول ، في الابرشيات والبلدان وعلى المستوى العالمي. وحيث يبدو من المناسب فليتوحد عمل الكاثوليك مع عمل سائر اخوتهم المسيحيين. لأن روح المحبة يتطلب ذلك، ولا يحول دون ممارسة العمل الاجتماعي وعمل الرحمة، بصورة منظمة ومدروسة. ولذلك كان من الضروري أن يتربى تربية مناسبة في معاهد خاصة، اولئك الذين يريدون أن ينخرطوا في خدمة البلدان الآخذة في النمو. 

حضور الكنيسة الفعال في الجماعة الدولية

89- عندما تكرز الكنيسة بالانجيل لكل البشر بموجب رسالتها الاهلية، مغدقةً عليهم كنوز النعمة، انما تسهم في كل مكان بدعم السلام واضعةً الاساس المتين لجماعة اخوية بين الناس والشعوب، ألا وهو الشريعة الالهية والشريعة الطبيعية. وانه لمن الضروري جداً، ان تكون الكنيسة حاضرة في جماعة الامم لتشجيع التعاون بين الجميع وتحث عليه. وذلك سواء بالهيئات الرسمية أو بمساهمة جميع المسيحيين مساهمة كلية مخلصة تمليها الرغبة في منفعة الجميع.

وإن البلوغ إلى هذه النتيجة يصبح أضمن، إذا عمل المؤمنين أنفسهم على إيقاظ الإنسانية والمسيحية. وفي هذا الصدد يجب أن تولى عناية خاصة لتنشئة الشبان سواء في التربية الدينية أو في التربية الوطنية. 

دور المسيحيين في المنظمات الدولية

90- إن المؤازرة التي يؤازر بها المسيحيون، افراداً كانوا ام فئات، المنظمات التي تهدف إلى توسيع التعاون الدولي، هي بكل تأكيد شكل ممتاز من النشاط الدولي الذي يقومون به، سواء كانت المنظمات قائمة ام يجب تأسيسها. ومن ثم تستطيع الجمعيات الكاثوليكية الدولية المتنوعة، أن تؤدي خدمات متعددة لبنيان جماعة عالمية، تنشر السلام والاخوة. فيجب إذاً دعمها، بأشخاص  أوفر عدداً وكفاءة ، وبمضاعفة الوسائل المادية التي تفتقر إليها، وتنسيق قواها تنسيقاً متناغماً. ففي أيامنا تقتضي  فاعلية العمل وضرورة الحوار، مبادرات جماعية. اضف إلى ذلك أن مثل هذه الجمعيات يساهم إلى حد بعيد في إنماء معنى الشمول، الذي يليق بالكاثوليك دون ادنى شك، كما أنها تساهم في خلق شعور بالتضامن والمسؤولية على نطاق عالمي.

وامنيتنا أخيراً هي أن يبحث الكاثوليك عن تعاون ايجابي وفعّال، سواء مع اخوتهم المنفصلين الذين، باتحادهم بهم، يجاهرون بالحب الانجيلي، أو مع البشر الذين يفتشون عن السلام الحق، وذلك ليقوموا بدورهم في الجماعة الدولية على أتم وجه.

فالمجمع يعتبر، اذ ينظر إلى الشقاء الضخم الذي لا يزال يثقل حتى الآن كواهل القسم الأكبر من الجنس البشري، ان من المرغوب فيه جداً، انشاء هيئة في الكنيسة الجامعة، تكون مهمتها حث الجماعة الكاثوليكية على أن تنهض بالمناطق الفقيرة، وتنشر العدالة الاجتماعية بين الامم، لكي ينتشر العدل ويشتعل في كل مكان حب المسيح تجاه الفقراء.

خاتمة

دور كل مؤمن ودور الكنائس الخاصة

91- لقد اخرج هذا المجمع المقدس من كنوز عقيدة الكنيسة هذه الاقتراحات التي صاغها، بغية مساعدة البشر في عصرنا، حتى يدركوا ادراكاً واضحاً كمال دعوتهم، آمنوا بالله أو لم يعترفوا به صراحة، فيجعلوا العالم أكثر مطابقة لكرامة الانسان السامية وينشدوا اخوّة شاملة، ترتكز على اساسات أعمق، ويلبوا نداءات عصرنا الاشد الحاحاً، مدفوعين بالحب والسخاء والجهود المشتركة.

لا شك في أنه إذا حكمنا من زاوية التنوّع الكبير في المواقف والحضارات، فإن هذه الوثيقة قد حملت عمداً، وفي أكثر من مكان، طابعاً عاماً للغاية. بالإضافة إلى أنه حيث تعتبر المسائل المثارة هي مما يتعرّض لتطوّر مستمرّ، فإن المنهج المُقدَّم هنا – الذي يعتبر أساساً نفس التعليم المعمول به في الكنيسة – لا بدّ من متابعته وتوسيعه. ولكننا نأمل أن الكثير من الأفكار المطروحة، معتمدين في ذلك على كلمة الله وروح الإنجيل، يمكنها أن تقدّم للجميع عوناً قيّماً، خصوصاً عندما يكون المؤمنون قد لمسوا بإرشاد رعاتهم الجهد اللازم من أجل التنويع اللازم للأمم والعقليات المختلفة.

الحوار بين جميع البشر

92- إن الكنيسة بفضل رسالتها الخاصة التي تهدف إلى تنوير العالم أجمع ببشارة الإنجيل وجمع شمل البشر في روح واحدة، على اختلاف أوطانهم وأجناسهم وثقافتهم، تبدو وكأنها العلامة المميِّزة لتلك الأخوَّة التي تجعل هذا الحوار أمينا ومدعّماً.

وهذا يقتضي أولاً أن ننمّي في داخل الكنيسة التقدير والإحترام والوئام المشترك والإعتراف بكل التنويعات المشروعة، من أجل إرساء قواعد الحوار الذي يزداد خصوبة كل يوم بين كل الذين يؤلّفون شعب الله الواحد، سواء الرعاة أو بقية المسيحيين. فإن ما يجمع المؤمنين هو أكثر مما يفرّقهم. فلتكن الوحدة في ما هو ضروري، والحرية في ما هو موشع شكّ ولتسُد المحبة في جميع الأحوال.

إن أفكارنا لتتّجه في نفس الوقت إلى إخوتنا وطوائفهم، الذي وإن تكن لم تجمعهم وإيانا شركة كاملة، إلا أننا مع ذلك نتّفق معهم في الإعتراف بالآب والابن والروح القدس، وأيضاً بروابط المحبة. إنّا لنذكر أيضاً أن الوحدة اليوم بين المسيحيين محلّ انتظارٍ وتمنٍّ حتى من قِبَل من لا يؤمنون بالمسيح. فكلّما ازدادت بشائر الوحدة رسوخاً في الحقّ والمحبة بقوّة الروح القدس، كلّما ازدادت بشائر الوحدة والسلام في العالم أجمع. فلنوحّد إذن جهودنا ولنتعاون حثيثاً وبإخاء في خدمة الأسرة البشرية المدعوّة لأن تكون، في المسيح يسوع، أسرة أبناء الله، معتمدين دائماً في ذلك على أفضل الأساليب من أجل متابعة هذا الهدف في الوقت الراهن وبصورة ناجحة ومحافظين أكثر وأكثر على وفائنا للإنجيل.

كما نتّجه بأفكارنا نحو جميع الذين يعترفون بوجود الله، وتزخر تقاليدهم بعناصر ثمينة دينية وإنسانية، آملين أن يقودنا جميعاً الحوار والثقة إلى قبول نداءات روح الله والمسارعة إلى تلبيتها.

أمّا فيما يتعلّق بنا نحن، فإن رغبتنا في هذا الحوار – الذي لا رائد له سوى حب الحقيقة، ويتّسم أيضاً بما ينبغي من الحذر – تجعلنا لا نستبعد عنه أحداً لا الذين يحترمون القيم الإنسانية العالميّة، وإن لم يعترفوا بصانعها، ولا الذين يقاومون الكنيسة ويضطهدونها بشتى الأساليب. وبما أن الله الآب هو مبدأ وغاية البشر أجمعين، فكلّنا مدعوون لأن نكون إخوة. وبما أننا مهيّأون لنفس الدعوة الإلهية، فبوسعنا أيضاً، بل يتحتّم علينا، أن نعمل معاً بدون عنف وبسلامة النية، لبناء العالم في جو من السلام الحقيقي.

نحو عالم يجب بناؤه وقيادته إلى غايته

93- إن المسيحيين إذ يذكرون قول الرب “بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حبّ بعضكم لبعض” (يو 13 / 35) لا يمكن أن تكون لهم أمنية أشدّ من أن يخدموا بني عصرهم بهمّة تزداد سخاء وفعاليّة كلّ يوم. واذ يطيعون الانجيل ويتمتعون بقوته، متحدين بكل الذين يحبون العد ل ويمارسونه، عليهم ان يقوموا بمهمة واسعة على هذه الارض سيؤدون حساباً عنها لمن يدين جميع الناس في اليوم الاخير. فلا يدخل ملكوت السماوات من يقول يا رب يا رب، بل من يتمم ارادة الآب ويعمل بشجاعة. وتقوم ارادة الآب بان نتعرف على المسيح أخينا في أي انسان كان، وان نحبه كما يجب قولاً وفعلاً، فنكون هكذا شهوداً للحق. وهي تقوم أيضاً بان نتقاسم والآخرين سر الحب، حب الآب السماوي. وهذه الطريقة تحث الناس المنتشرين في أربعة أقطار العالم، على ان يكون لهم رجاء ثابت – وهو هبة من الروح – ليقبلوا أخيراً في السلام والسعادة الساميين، في الوطن الذي يتلألأ بمجد الرب.

فللقادر أن يصنع، بقدرته العاملة فينا، ما يفوق جداً ما نسأل أو نتصور، المجد في الكنيسة وفي المسيح يسوع، إلى جميع الأجيال وإلى دهر الدهور، آمين” (افسس 3 / 10-21).

كل ما أعلن في هذا الدستور، بجُملته وتفصيله قد نال رضى الآباء. ونحن بالسلطان الرسولي الذي لنا من المسيح، وبالإتحاد مع الآباء الأجلاء، نوافق عليه، ونثبّته، ونقرّه في الروح القدس، ونأمر بأن يُنشر لمجد الله ما تقرَّر مجمعياً.

روما، قرب القديس بطرس
في اليوم 7 من شهر كانون الأول سنة 1965
أنا بولس أسقف الكنيسة الكاثوليكية
(تلي توقيعات الآباء)

ــــــــــــــــ

المراجع

 

1- الدستور الراعوي “الكنيسة في عالم اليوم” واحد في ذاته وإن كان في قسمين اثنين.
وقد قيل له دستور “راعويّ” لأنّه، حينَ استند إلى المبادئ العقائديّة، هَدف إلى الإفصاح عن علاقة الكنيسة بالعالم، والكنيسة وأبناء هذا الزمان. وهكذا فالهدف الراعوي غير غائب عن القسم الأوّل، والهدف العقائدي غير غائب عن الثاني.
في القسم الأوّل تبسط الكنيسة عقيدتها في الإنسان، وفي العالم الذي أقيم فيه الإنسان، وفي موقفها بالنّسبة إليهما. وفي الثاني تتطرّق تطرقاً أدقّ إلى وجوه مختلفة من الحياة الحاضرة ومن المجتمع الإنساني، ولا سيّمَا الموضوعات والقضايا التي تظهر من هذه الناحية أشدّ الحاحاً بالنسبة إلى زَمَنَنا الحاضر. وهكذا ففي القسم الأخير الذي خضعت المادّة فيه لمبادئ عقائديّة، لم تنحصر معالجة تلك المادّة في عناصر ثابتة، بل تعهدّها إلى عناصر حائلة.
وهكذا فلا بدّ، في تفسير هذا الدستور، من اتباع المبادئ العامّة المتّبعة في تفسير اللاهوتي، مع التقيّد، في القسم الثاني خصوصاً، بمراعاة الأحوال المتحرّكة التي ترتبط من طبيعتها، بالأمور المُعالَجة.

2- يو 3 / 17 و 18 / 37 ، متّى 20 / 28 ، مر 10 / 45.

3- روم 7 / 14

4- 2 كو 5 / 15

5- أ 4 / 12

6- عبر 13 / 8

7- كول 1 / 15

8- تك 1 / 26 ، حك 2 / 23

9- سير 17 /3 – 10

10- روم 1 / 21 – 25

11- يو 8 / 34

12- يو 8 / 34

13- دا 3 / 57 – 60

14- 1 ملو 16 / 7 ، ار 17 / 10

15- سير 17 / 7 – 8

16- رو 2 / 15 – 16

17- بيوس 12ً : رسالة إذاعيّة في موضوع تربية الضمير المسيحي عند الشبّان – 23 آذار 1952 – أك ر 44 (1952) ص 271

18- متّى 22 / 37 – 14 ، غلا 5 / 14

19- ابن سيراخ 15 / 14

20- 2 كور 5 / 10

21- حك 1 / 13 ، 1 / 13 ، 1 / 23 – 24 ، روم 5 / 21 ، 6 / 23 ، 1 / 15

22- 1 كور 15 / 56 – 57

23- بيوس 11ً : الرسالة “الفادي الإلهي”، 19 آذار 1937 : أ.ك.ر. الجزء 29 (1937) ص 65 – 106 – بيوس 12ً : الرسالة “إلى رأس الرُسل” 29 حزيران 1958 : أ.ك.ر. 50 (1958) ص 601 -614 . – يوحنا ‪23ً‬ : الرسالة “أم ومعلّمة”، 15 أيّار 1961 : أ.ك.ر. 53 (1961) ص 451 – 453 . – بولس 6ً :الرسالة “كنيسته”، 6 آب 1954 : أ.ك.ر. 56 (1964) ص 651 – 653

24- م.ف.2 : الدستور العقائدي “في الكنيسة”، الرقم 8

25- فيل 1 / 27

26- القديس اوغسطينوس :اعترافات، الجزء 1 الفصل 1 : أ.ك.ر. 32 : 661

27- روم 5 / 14 ، ترتليانس : “قيامة الأجساد” 6 :”إن كل ما يعبّر التراب (الّذي منه آدم) يشيرإلى الإنسان الآتي، المسيح” أ.ك.ل. 2 / 802 (848)، المجموعة 47 ، ص 33 / 1 ، 12 – 13

28- 2 كور 4 / 4

29- م.ق. 2 “لم يتحول الله الكلمة إلى طبيعة الجسد ولم ينتقل الجسد إلى طبيعة الكلمة “دنتسنغر 219 (428)، راجع أيضاً م.ق. 3: “جسده الكلي القداسة والطهر المتأله لم يتلاش، بل بقي في حالته وكيانه الخاص…” دنتسنغر 291 (655): راجع المجمع الخلقيدوني “يجب الإعتراف بأنه في طبيعتين بلا امتزاج ولا تغيير وانقسام ولا انفصال”، دنتسنغر 148 (302).

30- م.ق. 3 : “وكذلك فإرادته البشريّة المتأهّلة لم تُبْطَل” دنتسنغر 291 (556)

31- عب  4 / 15

32- 2 كور 5 / 18- 19 ، متّى 16 / 24 ،لو 14 / 27

33- 1 بط 2 / 21 ، متّى 16 / 24 ، لو 14 / 27

34- روم 8 / 29 ، كول 1 / 18

35- روم 8 / 1 – 11

36- 2 كور 4 / 14

37- فيل 3 / 10 ، روم 8 / 17

38- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة، العدد 16

39- روم 8 / 32

40- الليترجيا البيزنطية الفصحيّة

41- روم 8 / 15 ، غلا 4 / 6 ، ويو 1 / 12 ، و 1 يو 3/ 1 – 2

42- يوحنا 23ً : الرسالة العامّة “أمّ ومعلمّة” 15 أيّار 1961 : أ.ك.ر. المجلّد 53 (1961) ص 401 – 464 ، والرسالة “السلام في الأرض”، 11 نيسان 1963 : أ.ك.ر. 55 (1963) ص 257 – 304. – بولس 6ً : الرسالة “كنيسته” 6 آب 1964 : أ.ك.ر. 56 (1964)، ص 609 – 659

43- لو 17 / 33

44- القدّيس توما: الأخلاقيات، الجزء الأول، الدرس الأوّل

45- يوحنا 23ً : الرسالة “أم ومعلّمة”: أ.ك.ر. 53 (1961) ص 418 ، وبيوس 11ً : الرسالة “السنة والأربعون”، 15 أيار 1931 : أ.ك.ر 23 (1931) ص 222 وما يليها

46- يوحنا 23ً : الرسالة “أمّ ومعلّمة” : أ.ك.ر. 53 (1961) ص 427

47- مر 2 / 27

48- يوحنا 23ً : الرسالة “السلام في الأرض” أ.ك.ر. 55 (1963)، ص 266

49- يع 2 / 15 – 16

50- لو 16 / 19 – 31

51- يوحنا 23ً : الرسالة “السلام في الأرض” أ.ك.ر. 55 (1963) ص 297.

52- الخطاب الّذي وجهه آباء م.ف. 2 جميع البشر عند افتتاح المجمع في تشرين الأول 1962 : أ.ك.ر. 54 (1962) ص 823.

53- بولس ‪6ً‬ : الخطاب الموجّه إلى السلك الدبلوماسي، 7 كانون الثاني 1965 : أ.ك.ر. 57 (1965) ص 232.

54- الدستور العقائدي “نور الأمم” الفصل الثاني رقم 9: أعمال الكرسي الرسولي 57 (1965) ص 12 – 13.

55- خر 24/ 1 – 8.

56- تك 1 / 26 – 27، 9 / 3 و حك 9 / 3.

‪57- ‬مز 8 / 7 و 10‪.‬

‪58- ‬يوحنا 23ً، رسالة عامة “على الأرض السلام”: أعمال الكرسي الرسولي‪ 55 (1963) ‬ص 297‪.‬

‪59- ‬خطاب موجه إلى جميع البشر من الآباء المجتمعين في المجمع‪ ‬الفاتيكاني الثاني، تشرين الأول 1962: أعمال الكرسي الرسولي 54 (1962) ص‪ 823.‬

‪60- ‬بولس 6ً، خطاب إلى “الهيئة السياسية”، 7 كانون الثاني 1965: أعمال‪ ‬الكرسي الرسولي 57 (1965) ص 232‪.‬

61- م.ف. 1 : دستور عقائدي في الإيمان الكاثوليكي، الفصل الثالث: دنتسنغر 1785 – 1786 (3004 -3005).

62- بيوس باسكيني : حياة غاليلايو غاليلي وأعماله – مجلّدان. الفاتيكان 1964.

63- متّى 24 / 13 ؛ 13 / 24 – 30 و 36 – 43

64- 2 كو 6 / 10

65- يو 1 / 3 و 14

66- أف 1 / 10

67- يو 3 / 16 ، روم 5 / 8 – 10

68- اع 2 / 36 ، ومتّى 28 / 18

69- روم 15 / 16

70- أع 1 / 7

71- 1 كور 7 / 31 ، القديس ايريناوس : ضد الهراطقة الجزء 5 ، 36 / 1 ، أ.ك.ي. 7 / 1222

72- 2 كور 5 / 2 و 2 بط 3 / 13

73- 1 كور 2 / 9 ، رؤ 21 / 4- 5

74- 1 كور 15 / 42 و 53

75- 1 كور 13 / 8، 3 / 14

76- روم 8 / 19 – 21

77- لو 9 / 25

78- بيوس 11ً : الرسالة ” السنة الأربعون” : أ.ك.ر. 23 (1931)، ص 207

79- مقدّمة عيد يسوع الملك في الطقس الروماني

80- بولس 6ً : الرسالة “كنيسته”، القسم 3 : أ.ك.ر. 56 (1964) ص 637 – 659

81- تيط 3 / 4

‪82‬- أف 3 / 5 – 6 ، 13 – 14 ، 23

‪83‬- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة الرقم 8

‪84‬- المصدر نفسه، الرقم 9، راجع الرقم 8

‪85‬- المصدر نفسه، الرقم 38 مع الملاحظة في الرقم 8

‪86‬- المصدر نفسه، الفصل ‪4‬، رقم 38: أعمال الكرسي الرسولي 57 (1965) ص 43 بالإضافة إلى المرجع رقم 120.

‪87‬- روم 8 / 14 – 17

‪88‬- متّى 22 / 39

89- م.ك. 2 : دستور الخطاب في الكنيسة، الرقم 9

90- بيوس 12ً : الخطاب الموجه إلى أرباب التاريخ و الفن 9 آذار 1956 : أ.ك.ر. 48 (1956) ص 212 . [“انّ مؤسسها الإلهيّ، يسوع المسيح لم يُلقِ أي تفويض ولم يحدّد لها أيّ غاية من النوع الثقافي، الهدف الّذي حدّده الميسح هو من النوع الدينيّ الصّرف (…). فالكنيسة يجب أن تقود الناس إلى الله حتّى يُسلّموا أمرهم اليه في غير تحفّظ (…). والكنيسو يجب أن لا يغيب عن نظرها هذا الهدف الدينيّ الصّرف والفائق الطبيعة. وإن فحوى نشاطاتها كلّها، حتّى آخر بنود قانونها، كلّ ذلك يجب أن يوجّه إلى يوجّه إلى هذا الهدف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة”.

91- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة. الرقم 1

92- عب 13 / 14

93- 2 تسا 3 / 6 – 13 ، أف 4 / 28

94- أش 58 / 15 – 21

95- متّى 23 / 3 – 33 ، مر 7 / 1 – 13

96- يوحنا 23ً : الرسالة ” أمّ ومعلمّة” أ.ك.ر. 53 (1961) ص 465 – 457 ، و 1 : أ.ك.ر. ص 407 ، 410 – 411

97- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة، الرقم 28

98- نفس المصدر، الرقم 28

99- القديس امبروسيوس : في البتولية، الفصل 8 / 48 – أ.ك.ل. 16 / 278

100- م.ف. 2 : دستور في الكنيسة، الرقم 15

101- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة، الرقم 13

102- القديس يوستينوس : الحوار مع تريفون 110 : أ.ك.ي. 6 : 729 ، طبعة أوتو 391 – 393 : “…بل يزاد عدد الذين يجتذبهم اسم المسيح إلى الإيمان والذين بازدياد ما نقاسيه من الاضطهاد”. راجع ترتليانوس : الدفاع عن الدين 5 / 13 ، مجموعة ك.م.ل. 1 : 171 : يزداد عددنا كلّ مرّة تحصدونها : ما دم المسيح إلاّ بذار”. – م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة، الرقم 9

103- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة الرقم 48

104- بولس 6ً : الخطاب الذّي ألقاه في 3 شباط 1965 . جريدة الفاتيكان

105- القديس أوغسطينوس: “في خير الزواج” أ.ك.ر. 22 (1930) ص 546 – 546 ، دنتسنغر 2227 – 2238 (3703 – 3714).

106- بيوس 11ً، رسالة عامة “الزواج الطاهر”: أعمال الكرسي الرسولي 22 (1930) ص 546 – 547، دنتسنغر 2231 (3706).

107- هو 2 ؛ ار 3 / 6 – 13 ؛ اش 54

108- متّى 9 / 15 ؛ مر 2 /19 – 21 ؛ لو 34 – 35 ؛ يو 3 / 29 ؛ 2 كور 11 / 2 ؛ اف 5 / 27 ؛ رؤ 19 / 7-8 ؛ 21 / 2 و 9

109- أف 5 / 25

110- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة، الأرقام 11 ، 35 ، 41

111- بيوس 11ً : الرسالة “في الزواج الطاهر” أ.ك.ر. 22 (1930) ص 583

112- 1 تيم 5 / 3

113- أف 5 / 32

114- تك 2 / 22 – 24 ؛ أم 5 / 18 – 20 ؛ 31 / 10 – 31 ؛ طو 8 / 4 – 8 ؛ نش 1 / 1 – 3 ؛ 2 / 6 ؛ 7 / 8 – 11 ؛ 1 كور 7 / 3 – 6 ؛ اف 5 / 25 – 33

115- بيوس 11ً : الرسالة “الزواج الطاهر” : أ.ك.ر. 22 (1930)  ص 547 و 548 ، دنتسنغر 2232 (3707).

116- 1 كور 7 / 5

117- بيوس 12ً : الخطاب “في أثناء الزّيارات” – في 20 كانون الثاني 1958 : أ.ك.ر. 50 (1958) ص 91

118- بيوس 11ً : “الزواج الطاهر” : أ.ك.ر. 22 (1930) ص 559 – 561 ؛ دنتسنغر 2239 – 2241 (3816 – 3818). – بيوس 12ً : الخطاب الموجّه إلى هيئة الممرّضات الإيطالية، 29 تشرين الأول 1951 : 23 حزيران 1964 : أ.ك.ر. 56 (1964) ص 581 – 589 ، إنّ هنالك بعضاً من القضايا يحتاج إلى بحوث أشدّ عمقاً، وقد أوكلت معالجته، بأمر من الحبر الأعظم، إلى لجنة الدراسات المتعلّقة بالسّكان والأسرة والمواليد، حتّى إذا أتمّت عملها، يستطيع الحبر الأعظم أن يصدر حكمه في شأنها. وهكذا يبقى تعليم السلطة التعليميّة على حاله، ولا ينوي المجمع المقدّس عرض حلول مباشرة وعمليّة.

119- أف 5 / 16 ، كول 4 / 5

120- كتاب توزيع الأسرار الغريغوري. – أ.ك.ل. 78 / 262

121- روم 5 / 15 و 18 6 / 5 – 11 ، غلا 2 / 20

122- العرض التمهيدي لهذا الدستور – الأرقام 4 – 10

‪123- ‬راجع‪ ‫العرض التمهيدي لهذا الدستور‬ ‬رقم 4‪ ‬وما بعده‪.‬

124- كول 3 / 1 – 2

125- تك 1 / 28

126- أم 8 / 30 – 31

127- القديس ايريناوس : ضد الهراطقة 3 / 11 ، سانيارد : الينابيع المسيحية ص 200 ، المرجع نفسه 16 / 6 ص 290 – 292 ، 21 / 10 – 22 ص 370 – 372 ، 22 / 3 ص 378 ، الخ…

128- أف 1 / 10

129- كلمة بيوس 11ً : إلى المونسونيور رولاند جوسلين : أسابيع فرنسة الاجتماعيّة – فرساي 1936 ص 461 – 462

130- م.ف. 1 : دستور عقائدي في “الايمان الكاثوليكي”. الفصل 4 : دنتسنغر 1795 ،1799 (3015 – 3019). – بيوس 11ً : الرسالة “السنة الأربعون” أ.ك.ر. 23 (1931) ص 190

131- يوحنّا ‪23ً‬ : الرسالة ” السلام على الأرض” – أ.ك.ر. 55 (1963) ص 260

132- يوحنّا ‪23ً‬ : المرجع نفسه ص 283 .- بيوس 12ً : رسالة اذاعية في 24 كانون الأوّل 1941 – أ.ك.ر. 34 (1942) ص 16 – 17

133- يوحنّا ‪23ً‬ : الرسالة : ” السلام على الأرض” : أ.ك.ر. 55 (1963) ص 260

134- يوحنّا ‪23ً‬ : الخطاب الذي ألقاه في افتتاح المجمع ، في 11 ت 1 ، سنة 1962 : أ.ك.ر. 54 (1962) ، ص 792

135- دستور عقائدي في الليترجيّا المقدّسة، الرقم 123

136- م.ف. 2 : قرار في التنشئة الكهنوتيّة، وبيان في التربية المسيحيّة

137- م.ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة، الرقم 37

138- بيوس 12ً : رسالة إذاعيّة في 23 آذار 1952 أ.ك.ر. 44 (1952)ص 273 – يوحنا 23ً : خطاب موجّه إلى العمل الكاثوليكي الايطالي في 1 أيّار 1959 . أ.ك.ر. 51 (1959) ص 358

139- بيوس 11ً : الرسالة “السنة والأربعون” أ.ك.ر. 23 (1931) ص 190 وما يليها. – بيوس 12ً : رسالة اذاعيّة، 23 آذار 1952 . – أ.ك.ر. 44 (1952) ص 276 ومايليها. – يوحنّا 23ً : الرسالة “أم ومعلّمة”. أ.ك.ر. 53 (1961) ص 450 . – م.ف. 2 : المرسوم في وسائل النشر الاجتماعي – الرقم 6

140- متّى 16 / 26 ؛ لو 16 / 1 – 31 ؛ كول 3 / 17

141- لاون 13ً : الرسالة “الحريّة” 20 حزيران 1888 . أ.ك.ر. (1887 – 1888) ص 597 وما يليها. – بيوس 11ً : الرسالة “السنة والأربعون” أ.ك.ر. 29 (1937) ص 191 وما يليها. – ورسالته أيضاً ” الفادي الالهي”. أ.ك.ر. 29 (1937) ص 65 وما يليها. – بيوس 12ً : رسالة الميلاد 1941 . أ.ك.ر. 34 (1942) ص 10 وما يليها. – يوحنّا 23ً : الرسالة “أمّ معلمّة”. أ.ك.ر. 53 (1961) ص 401 – 464

142- في ما يتعلّق بقضيّة الزراعة يرجع بنوع خاص إلى يوحنّا 23ً : الرسالة : “أم ومعلّمة” أ.ك.ر. 53 (1961) ص 341 و ما يليها.

143- لاون 13ً : الرسالة ” الشؤون الحديثة” : أ.ك.ر. 23 (1890 – 1891) ص 649 ، 662 . – بيوس 11ً : الرسالة “السنة الأربعون” : أ.ك.ر. 23 (1931) ص 200 – 201 .- ورسالته أيضاً “الفادي الإلهي” : أ.ك.ر. 29 (1937) ص 92 .- بيوس 12ً : رسالة اذاعيّة في بيرمون عيد ميلاد السيّد 1942 : أ.ك.ر. 35 (1943) ص 20 . – وخطابه في 13 حزيران 1943 : أ.ك.ر. 35 (1943) ص 172 . – ورسالته الاذاعية إلى العمّال الاسبان في 11 آذار 1951 : أ.ك.ر. 43 (1951) ص 215 .- يوحنّا 23ً : الرسالة “أم ومعلّمة” : أ.ك.ر. 53 (1961) ص 419

144- يوحنّا 23ً : الرسالة “أم ومعلمّة”. أ.ك.ر. 53 (1961) ص 408 ، 424 ، ان كلمة “ادارة” أخذت من النص اللاتيني للرسالة “السنة الأربعون”. أ.ك.ر. 23 (1931) ص 199 . ومن ناحية تفصيل هذه المسألة راجع أيضاً بيوس 12ً في خطاب 3 حزيران 1950 أ.ك.ر. 42 (1950) ص 485 – 488 بولس 6ً أ.ك.ر. 56 (1964) ص 574 – 579

145- بيوس 12ًَ : الرسالة “إكليل الفرح” : أ.ك.ر. 31 (1939) ص 642 .- يوحنّا 23ً : خطاب إلى الكرادلة. أ.ك.ر. 52 (1960) ص 5 – 11 ، والرسالة “أم ومعلّمة”. أ.ك.ر. 53 (1961) ص 411

146- القديس توما : الخلاصة اللاهوتيّة 2 : 2: المسألة 32 : 5 ، الرّد على الإعتراض 2 . والمسألة 66 : 2 .- لاون 13ً : الشرح في الرسالة “الشؤون الحديثة” : أ.ك.ر. 23 (1890 – 1891) ص 651 .- وبيوس 12ً : خطاب 1 حزيران 1941 : أ.ك.ر. 33 (1941) ص 199 ، ورسالته الاذاعية الميلاديّة 1954 : أ.ك.ر. 47 (1955) ص 27

147- القديس باسيليوس : العظة في موضوع ما ورد في لوقا “سأهدم أهرائي” الرقم 2 : أ.ك.ي. 31 :263 .- لاكتنسيوس “المنشآت الالهية” 5 : في العدالة : أ.ك.ل. 6 565 .- القديس أوغسطينوس : انجيل يوحنّا 50 / 6 أ.ك.ل. 35 :1760 ، وشرحه للمزمور 147 : 12 : أ.ك.ل. 37 :1922 .- القديس غريغوريوس الكبير: مواعظ في الإنجيل، العظة 20 ، أ.ك.ل. 37 : 1922 .- القديس غريغوريوس الكبير: موعظ في الإنجيل، العظة 20 ، أ.ك.ل. 76 :1156 ، وكتابة “القواعد الراعويّة” 3 : 21 : أ.ك.ل. 77 : 87 .-القديس بونونتواره: الكتاب 3 من الأحكام 33 :1 : كراتشي 3 : 728 ، والكتاب 4 من الأحكام 15 : 2 البند 2 المسألة 1 : الطبعة المذكورة 4 : 371 ، والمسألة عن “الفائض” : المخطوط الأسيزي – المكتبة العموميّة 186 ص 112 – 113 . –القديس ألبرتوس الكبير : الكتاب 3 من الأحكام 33 البند 3 ، الحلّ 1 ، طبعة بورنيه 28 : 611 ، وكتابه الرابع في الأحكام 15 ، البند 16 ، الطبعة المذكورة 29 : 494 – 497 .وأمّا في موضوع تحديد الفائض اليوم فتراجع رسالة يوحنّا 23ً الإذاعيّة في 11 أيلول 1962 : أ.ك.ر. 54 (1962) : 682 . “واجب كلّ إنسان، واجب المسيحي الموجب، أن يقيس الفائض بمقياس حاجات الغير، وأن يحسن السهر على أن يكون تدبير الخيرات المخلوقة وتوزيعها في إطار منفعة الجميع”.

148- يصحّ في هذا الحال المبدأ القديم: “في الضرورة القصوى يصبح كل شيء مشتركاً، أي قابلاً لأن يشارَك فيه”. وأما فيما يتعلّق بمدى تطبيق هذا المبدأ الوارد في النّص وطرائق تطبيقه فيُراجع، فضلاً عن الكتّاب الحديثين المعروفين، القديس توما : الخلاصة اللاهوتيّة، الجزء 2 من القسم 2 ، المسألة 66، البند 7. ومن الواضح أن تطبيق هذا المبدأ تطبيقاً صحيحاً يقتضي التقيد بجميع القيود التي تشترطها الآداب والأخلاق.

149- المرسوم الغراسياني 21: 86 طبعة فريدبرغ 1: 302. وتجد هذا القول في أ. ك. ل. 54: 591، وفي أ. ك. ل. 56: 1132: طالع أنطونيانوم 27 (1952): 349 – 366.

150- لاون الثالث عشر: الرسالة “الشؤون الحديثة”: أ. ك. ر. 23 (1890 – 1891) ص 643 – 646. – بيوس الحادي عشر: الرسالة “السنة الأربعون” أ. ك. ر. 23 (1931) ص 191. – بيوس 12ً : رسالة إذاعيّة في 1 حزيران 1941 : أ.ك.ر. 33 (1841) ص 199، ورسالته الإذاعيّة في بيرمون عيد الميلاد، 1942 : أ.ك.ر. 35 (1943)  ص 17 ، ورسالته الإذاعيّة في 1 أيلول 1944 : أ.ك.ر. ص 253 .- يوحنّا 23ً : الرسالة “أم ومعلّمة”: أ.ك.ر. 53 (1961) ص 429 .

151- الرسالة “السنة الأربعون” : أ.ك.ر. 23 (1961) ص429 .

152- بيوس 12ً : رسالة إذاعيّة في عيد العنصرة 1941 : أ.ك.ر. 44 (1941) ص 199 .- يوحنّا 23ً : الرسالة “أم ومعلّمة” : أ.ك.ر. 53 (1961) ص 430 .

153- لكي تُستعمل الخيرات استعمالاً قويماً موافقاً لتعليم العهد الجديد يراجع : لو 3 / 11 و 10 / 30 وما يليها، و 11 / 41 ، وبط 5 / 3 ، ومر 8 / 36 ، و 12 / 29 – 31 ، ويع 5 / 1 – 6 ، وتيم 6 / 8 ، وأف 4 / 28 ، و2 كور 8 / 13 وما يليها، و 1 يو 3 / 17 – 18 . 

154- يوحنّا 23ً : الرسالة “أم ومعلّمة” : أ.ك.ر. 53 (1961) ص 417 .

155- المرجع ذاته.

156- روم 13  /  1- 5.

157- روم 13  /  5.

158- بيوس 12ً : رسالة إذاعيّة 24 كانون الأوّل 1942 : أ.ك.ر. 35 (1943) ص 9 – 24 ، وفي 24 كانون الأوّل 1944 : أ.ك.ر. 37 (1945) ص 11 – 17 .- يوحنّا 23ً : الرسالة ” السّلام في الأرض” المرجع السابق ص 273 – 274 .

159- بيوس 12ً : رسالة إذاعيّة في 1 حزيران 1941 : أ.ك.ر. 33 (1941) ص 200 .- يوحنّا 23ً : الرسالة “السّلام في الأرض” المرجع السابق ص 273 ، 274 .

160- يوحنّا 23ً : الرسالة “أم ومعلّمة” : أ.ك.ر. 53 (1961) ص 415 – 418 .

161- بيوس 11ً : خطاب إلى أولياء اتّحاد الجامعيّين الكاثوليك : خُطب بيوس 11ً : طبعة برنّتو – تورينتو، 1 ، (1960) ص 743 .

162- م. ف. 2 : دستور عقائدي في الكنيسة، الرقم 13 .

163- لو 2  /  14

164- يوحنّا ‪23ً‬ : الرسالة “السّلام في الأرض” 11 نيسان 1963 : أ.ك.ر. 55 (1963) ص 291 : وهكذا فإنّه من غير المعقول في عصرنا هذا الّذي يَفخر بالطاقة الذريّة، أن يُفكّر في أنّ الحرب لاتزال الوسيلة الموافقة لاسترداد الحقوق المسلوبة”.

165- بيوس 12ً : خطاب أُلقيَ في 30 أيلول 1954 : أ.ك.ر. 46 (1945) ص 589 ، ورسالته الاذاعيّة في 24 كانون الأوّل 1954 ، أ.ك.ر. 47 (1955) ص 15 وما يليها : – يوحنّا 23ً : الرسالة “السّلام في الأرض”: أ.ك.ر. 55 (1963) ص 286 – 291 .-بولس 6ً : خطاب في جمعيّة الأمم المتّحدة في 4 تشرين الأوّل 1965 : أ.ك.ر. 57 (1965) ص 877 – 885.

166- يوحنّا 23ً : الرسالة “السّلام في الأرض” حيث الكلام على تخفيض الأسلحة : أ.ك.ر. 55 (1963) ص 287 .

167- 2 كور 6 / 2.

الموسوعة العربية المسيحية