anba ibrahim

                          بسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد آمين

من البطريرك إبراهيم اسحق

بنعمة الله، بطريرك الإسكندرية وسائر الكرازة المرقسية للأقباط الكاثوليك، إلى أخوتنا المطارنة والأساقفة، وإلى أبنائنا الأعزاء القمامصة والقسوس، الرهبان والراهبات والشمامسة، وإلى جميع أبناء الكنيسة القبطية الكاثوليكية في مصر وبلاد المهجر ..

النعمة والبركة والسلام من المسيح القائم من الأموات.

 

                           عيد القيامة مشاركة حقيقية في قيامة المسيح

مقدمة : 

تستقبل، آخر هذا الشهر، مصر أرض السلام قداسة البابا فرنسيس رسول السلام والمحبة في هذا العصر المضطرب المزدحم بالقضايا الإنسانية ومشهد الضحايا في كل مكان وفي كل أمة يدمي القلب. هذه الزيارة التي ترمز إلى مكانة مصر في العالم ودورها القوي في بناء السلام العالمي، وتؤكد على أنها وطن يحب السلام والأمن وأن شعبها يعبر الصعاب ويتحمل المشاق لكي يبني مستقبلا واعداً .

وإذ نحتفل هذا المساء متحدين مع قداسة البابا وكل الكنائس غرباً وشرقاً بعيد قيامة المسيح المجيدة من الموت، فذلك هو أساس إيماننا بحقيقة القيامة والحياة الأبدية ويوم الحساب. لأن قيامة المسيح غيّرت نظرة الانسان الى الموت، فلم يعد عدماً ولا فشلاً او يأساً، بل انتقالاً الى حياة جديدة، لأن المسيح قام ووهبنا أن نقوم معه. فصار لحياة الإنسان معنى أعمق وأكبر من حياته الزمنية العابرة، وله رسالة سلمها الخالق له إذ جعله خليفة على الأرض ليعمّرها وتصبح الحياة أفضل وأجمل، وهذه رسالة لكل مؤمن بالله وباليوم الآخر وهو دور الترقي والحضارة.

أولاً:   “أنا القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يوحنا 11: 25)

كان رد المسيح على أتباع مذهب الصدوقيين، الذين لا يؤمنون بالقيامة، دعوة الى الإيمان باله الحياة “ليس الله إله أموات بل إله أحياء” وهو ليس إلها إن لم يكن إله حياة. وإن نحن آمنا بهذا الاله، فكيف لا نؤمن بحياة متفجرة من جديد فيما يتخطى الموت. وقد برهن المسيح على ذلك بقيامته هو من الموت، وكان قد أعلن عنها عند قوله “انا هو القيامة والحياة”.

إن حب الله للانسان لا يرتضي رؤيته يتلاشى في العدم، كما إن الانسان الذي يحب الله الحي الأبدي لا يستطيع أن يتخيل انتهاء علاقة الحب التي تربطه به، وعلى علاقة الحب المتبادل هذه، ترتكز القيامة. ولازالت قيامة المسيح من بين الأموات يتردد صداها منذ أكثر من عشرين قرناً، فهي منارة البشرية نحو غايتها ومصيرها الله الأبدي في أزمنة تشتد فيها الظلمات وتتعمق فيها أحاسيس الألم. إن القيامة هي نور الايمان الثابت والرجاء الصادق بأن المسيح هو من غلب العالم (يوحنا 16: 33)، ليس بالحرب والعنف وسفك الدماء ونشر البؤس، بل بالمحبة والتسامي والبذل والعطاء. يا للمشهد الحزين حين نرى ثروات العالم تتحول إلى أسلحة فتّاكة مدمرة بدلاً من أن تزرع سنابل القمح، وتشق الطرق، وتشبع الجياع وتروي العطاش، كما فعل المسيح، في بناء جسور التواصل بين الأمم ونشر الخير والفرح.

إن القيامة والحياة مع الله في موكب الصالحين، هي إكليل بعد الجهاد والعطاء والفداء كما يقول سفر الرؤيا “كن أميناً حتى الموت فلسوف أعطيك اكليل الحياة” (رؤيا 2: 10).  فالقيامة هي الحقيقة، والموت هو الجسر الذي يعبر عليه الإنسان بعد أن يسقط عنه الزمان والمكان، ليتجلى مع الصديقين المؤمنين، فيصبح الموت انتقالاً الى حياة جديدة واتحاداً كاملاً في الله.

ثانياً: فلنرفع الحجر عن باب القبر

الحجر هنا رمز لما يعزل من في القبر عن العودة إلى الحياة أو يحيط الإنسان بسد منيع يمنعه من التطور والتجدد والنهضة..

الحجر هنا يرمز إلى الفلسفات الكاذبة التي تنكر حقيقة القيامة والحياة الأبدية، كمذهب الصدوقيين في زمن المسيح، فمنهم من  يدعو أن الحياة للحياة فقط ولا شيء بعد ذلك، ومنهم من يدّعي أن قيامة الموتى خرافة ابتدعها خيال البشر، ومنهم من يظن أن الإنسان زائل مثله كمثل باقي ألمخلوقات الحيوانية.

كما يرمز الحجر أيضاً إلى ثقل الشهوات التي تكبل التقدم الروحي للإنسان وتقيّد خطواته في السير عن النمو في الحياة الروحية. فكان لابد أن يُزاح الحجر ليتحرر الإنسان من ظلام الفكر وتمرد الشر وإلقاء بوصايا الله وشرائعه عرض الحائط بدعوة التحرر الكاذب والانفلات الأخلاقي. وبدون نعمة الله والاتكال عليه وبدون الإرادة الصالحة لا يمكننا أن ندحرج  الحجر عن فم القبر.

لنقبل المسيح القائم من الموت، فتكون لنا الحياة.. لنثق به ليمنحنا السلام الذي نبحث عنه، والقوة لكي نعيش كما يليق به وبنا كخليقة جديدة في المسيح.

أعنا أيها القائم من الموت على إزاحة الحجر عن بصيرتنا وعقلنا وضميرنا، لننهض وننطلق معك، لأنك الطريق والحق والحياة.

ختاماً :

نسبق ونقول أهلاً بكم يا قداسة البابا فرنسيس على أرض السلام، أهلا بكم في الوطن الذي احتضن صوت الخالق على جبل سيناء فتزلزل الجبل…

أهلاً بكم بين المصريين، مسيحيين ومسلمين، في وطنهم مهد الحضارات والعلوم والفنون. إن المسلة المصرية التي تنتصب أمام كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان دليل على التواصل بين الشعوب والأمم…

إننا نصلي من أجل هذا العالم الذي نعيش فيه، ليسكب الله رحمته على كل أبناء البشر، فيتوقف العنف والحروب والانقسامات ليتفرغ العالم إلى تنمية الحياة الإنسانية، ليجد طعاماً لكل جائع، وحياة أرقى وأفضل لكافة الشعوب…

نرفع صلاتنا متحدين مع سائر البطاركة والأساقفة وكل المؤمنين من أجل أن يعم السلام عالمنا المثقل بالآلام والأحزان…

نصلي من أجل كل شهيد وشهيدة تشعل شمعة في ظلام التعصب والتطرف…

نصلي من أجل مصر الوطن الحبيب ورئيسها الذي يسعى بكل إخلاص وجهد لبناء ونهضة هذا الوطن، نلتمس من الله عز وجل أن يحفظه وأن يمده بالنعمة والصحة، مع جميع المسؤولين وجنود الوطن، تحية واجلالاً للأبطال في سيناء وفي كل مكان الذين يسهرون من أجل حفظ أمن وأمان الوطن، تحية لكل أم تشعل في بيتها نور الحب والعطاء، تحية لكل أب يتفاني في تربية أولاده وخدمة وطنه، تحية لكل إنسان يجتهد لإسعاد الإنسان، فان لنا رجاء كبير في أن ينهض بلدنا بالعدل والمساواة والإخلاص والمحبة.

صلاتنا أيضاً من أجل بلادنا العربية التي تعاني الحروب، فقد آن الأوان للتفرغ لبناء الإنسان ومستقبله ولأجيالنا القادمة…

ليكن العيد فرصة روحية لكي نشارك حقا في قيامة المسيح فنبادر دوماً بتجديد الفكر والمواقف والأعمال.

نلتمس هذا شفاعة أمنا مريم العذراء، هي الشاهدة الأمينة على قيامة المسيح وعلى محبة الله اللانهائية لمخلوقاته والتي جاءت الى مصر طلبا للأمان،  نلتمس منها أن تحفظ شعبنا المصري في وحدته  وإيمانه الثابت العميق.

قام المسيح … حقاً قام.

رسالة عيد القيامة ١٦ ابريل ٢٠١٧

+ إبراهيم اسحق

بطريرك الاسكندرية للأقباط الكاثوليك