img_6160pios

في رحاب شفاعة القديس البابا يوحنا بولس الثاني

المونسنيور بيوس قاشا

 

يقول ربنا يسوع في بشارته الإنجيلية:”دعوا الأطفال يأتون إليّ ولا تمنعوهم فإن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات” (متى 14:19)… إنها دعوة المعلّم لأبناء الأرض لعيش قداسة السماء مع قلوب الأطفال البريئة، فهي حقيقة المسيح الرب وشهادة للبشرى الحسنة.

الطفل (الشاب) مهند (يوسف) بكر لأبيه (كندي فريد حنا نور الدين) وأمّه (نادية عكوبي شمعون جزراوي). توفي عمّه “مهند” يوم الثلاثاء، العاشر من أيلول عام 2002، بمرض عضال واختطفه الموت في فترة قصيرة جداً لم تدم أكثر من شهر واحد. كان مهند المرحوم ضابطاً في الجيش العراقي برتبة ملازم أول، وعُرف بقامته اليافعة، أسمر اللون، عريض الكتفين، قويّ البُنية. بعد ستة عشر يوماً بالتمام والكمال من وفاة عمّه، وُلد مهند (يوسف) يوم الخميس، السادس والعشرين من أيلول عام 2002، حمله والداه وجدّته يوم الجمعة الخامس والعشرين من تشرين الأول 2002 إلى الكنيسة لينال سرّ العماذ المقدس وسرّ التثبيت من يديَّ الضعيفتين آنذاك (حسب سجلات الكنيسة)، حسب طقس كنيستنا السريانية الكاثوليكية، ودُعي الطفل بأربعة أسماء: مهند (تذكاراً لعمّه)، يوسف (تكريماً لاسم رعيتنا مار يوسف)، بيوس (محبةً براعي الكنيسة)، وبطرس (علامة لصخرة الكنيسة)… هذا ما فسّرته لي جدّته (صبيحة اسطيفان البنا) آنذاك.

بدأ الطفل ينمو ويكبر في القامة والنعمة والحكمة أمام الله وأمام الناس (لوقا 52:2)، وسارت مسيرة أيامه وأشهره وأعوامه، وإذا بـ “يوسف” الصبي يشعر فجاة بألم في صدره، ويعاني من ضيق التنفس الشديد فقيل أنه مصاب بـ “ربو أطفال حاد” وكاد يخنقه أحياناً، ولمرات عدة خلال ساعات النهار كما في ساعات الليل، فأُدخِلَ يوسف مستشفى الطفل المركزي في حي الإسكان ببغداد والقريب من موقع الكنيسة وسكنى والداه يوم الجمعة، الخامس عشر من تموز عام 2005، وعمره لا يتجاوز الثلاث سنوات، وفي المستشفى سأل والد الطفل وجدّته الطبيب المشرف على علاج مهند، مِن ماذا يعاني وما هو المرض الذي أصابه فجأة، فتشكّلت لجنة من 8 أطباء (3 طبيبات و5 أطباء)، وترأس اللجنة مدير المستشفى آنذاك الدكتور حقي إسماعيل (الراوي أو الغراوي أو العزاوي لا أتذكر بالضبط)، وقد عُرف بذكائه وحذاقته وخبرته الطبية في مجال تخصصه الطبي للأطفال. ولكن بعد شهرين غدره الإرهابيون في سني الحرب الطائفية في العراق فأردوه قتيلاً بعمل إجرامي شنيع.

وبعد إجراء العديد من الفحوصات قررت اللجنة أن الفايروس الذي يحمله هو أمر مميت، فصدر من مساعد الطبيب الدكتور “مكي حمادي” وبمعيّة اللجنة أن الطفل مصاب بـ “ذات الرئة الحاد” ومسبباً للوفاة أو الإصابة بمرض عضال لا شفاء منه، وهذا ما سُجِّل على طبلة الطفل المريض، فقرروا إسعاف الطفل بجرعة كيمياوية ضد مرض السرطان، وبسبب هذه الجرعة بدأت أمعاء الطفل تنزف دماً مما إستدعى أن تُجرى له عملية فحص مختبرية مستعجلة بالناظور، فنُقل الطفل على الفور إلى مستشفى مدينة الطب يوم الأربعاء، 20 تموز 2005، لاجراء الفحص اللازم بواسطة الناظور ولمعرفة سبب النزيف، ولكن الطبيب (أخصائي الناظور) لم يستطع أن يقرر شيئاً رغم نتيجة الناظور، فأُعيد الطفل ثانية إلى مستشفى الطفل المركزي.

   إنها ليلة الأعجوبة

   ليلة الأحد، 24 تموز 2005

أتتني جدّته (صبيحة اسطيفان) تبكي وبدموع لا سخونة مثلها، وكانت ساحة الكنيسة حينها قد فرغتْ من مؤمنيها من بعد حضور قداس مساء يوم الأحد، وأما أنا فكنتُ لا زلتُ أتخطى في ساحة الكنيسة، فأتت ووقعت عند رجليّ تقبّلها طالبة مني أن أرفع صلاة لشفاء مهند الصغير، فأقمتُها وعزّيتُها وطلبتُ منها الإستسلام لمشيئة الله والكفّ عن البكاء، واصطحبتُها إلى الكنيسة ورفعتُ معها صلاة قصيرة أمام القربان المقدس، وغادرنا الكنيسة، وقلتُ لها:”ليس لي شيء أعطيكِ إياه (أعمال 6:3)، ولكن في محفظتي صورة للبابا القديس يوحنا بولس الثاني، لقد شفاني من مرض عانيتُ منه 12 عاماً بالتمام والكمال، وأنا كلّي يقين إذا كان لكِ إيمان بهذا فاذهبي واعملي (يو 27:4) ما أقول. خذي هذه الصورة _ بعد أنْ قبَّلتُها _ وضعيها تحت وسادة الطفل مهند ولننتظر يد الرب الصانعة العجائب”، ووعدتُها إنني غداً صباحاً ساقوم بزيارة الطفل في المستشفى، فأجابتني:”إذا تلحق علينو أبونا”، فقلتُ لها:”ألم أقل لكِ إنْ كان لكِ إيمان فستنالين مرادكِ (يو24:11)”، فشكرتني وغادرت ولا زالت الدموع تنهمر من عينيها ولكن بوادر وجهها جعلتني أؤمن أن الحقيقة المنتظرة ستتحقق، فأخذَت الصورة وعادت إلى المستشفى مسرعة (يو28:4) وكلها رجاء أن الشفاء آتٍ لا محالة، وعند وصولها المستشفى أخبرتني بأنها وضعت الصورة تحت وسادته كما طلبتُ منها، وكان الليل قد أسدل سواده على المسكونة (يو1:20) والطفل في غيبوبة الألم بل الموت المحتم، والوالدان لم تفارق أنظارَهما وجهَ الطفل.

ومع ساعات الفجر الأولى (متى 1:28) صرخ الطفل باكياً “ماما ماما، بابا بابا”، فانذهل الوالدان والجدّة، وأخذت مسارات الدموع مجراها نحو الخدود مما حصل للطفل، وقاما مسرعين (لوقا 33:24) فوجدوا الطفل وقد فتح عينيه وهو ينظر إليهم، ودقائق معدودة وعاد الطفل للنوم ثانية. وفي الصباح جاء طبيب الدورية ليزور مرضاه فرأى الطفل بعافية كاملة وقد فتح عينيه، أما والديه فكانت الإبتسامة قد ملكت على وجوههما، فقرر الطبيب مغادرته المستشفى. فانذهل الأطباء وتعجب الحاضرون… إنها يد الرب القديرة _ كما كانت مع الرسل _ لا زالت تعمل فينا.

وصباح الاثنين، 25 تموز 2005، “صباح الأعجوبة” كنتُ قد قررتُ الذهاب إلى زيارته في المستشفى، ولكن جهاز الهاتف كان لي بالمرصاد، حيث اتصلت بي جدّته لتعلمني بالأمر الذي حصل (لوقا 35:24) وبالخبر المفرح، ومن فرحها تلعثمتْ بكلمات حديثها ولكنني فهمتُ أنها قالت “أن البابا القديس يوحنا بولس الثاني قد زار الطفلَ ليلاً ومنحه الرب بشفاعته الشفاء التام”، مما دعاني الواجب بعد ذلك على زيارته، وتقديم الشكر لِنِعَم القادر على كل شيء. واليوم الشاب (مهند) منذ أن نال الشفاء يتمتع بصحة جيدة، وقد رُسِمَ شماساً في كنيستنا يوم الجمعة، 12 أيلول 2014، وكان هميماً في خدمته مُحبّاً لكنيسته ومطيعاً لإخوته الشمامسة، حيث في فترة قصيرة تعلّم خدمة القداس وبعض الأمور الطقسية الأخرى، وله صوت رخيم وطفولي، ولكن آلمني فراقُه حيث غادر بغداد مع والديه إلى الديار المصرية طالباً اللجوء إلى أستراليا في آذار الماضي 2016.

ما دفعني إلى كتابة هذه الحكاية هو الروح الذي تحتفل به الكنيسة هذه الأيام بـ “سنة الرحمة و”أيام الشبيبة العالمية”، فهناك صوت كان يتردد في داخلي “قم كلّم الناس بهذا الخبر”، حيث دعاني مرات عدة إلى سرد هذه الحكاية، ولكن كنتُ أتردد في ذلك حتى اليوم خوفاً من حديث السذاجة أو البساطة الذي ممكن أن أُوصَف به من الأقربين أو من الغرباء. ولكن بعد أن سردتُ قبل أيام “حكاية الأعجوبة”، تشجعتُ، فدفعني الصوت لأقصَّ هذه حكاية “الطفل الأعجوبة”… إنه الروح نفسه الذي جعلني أن أكون شاهداً لحقيقة كنتُ أومن بها برجاء أكيد… فكنتُ شاهداً في الألم كما كنتُ شاهداً في الشفاء، فهناك مَن يصدق حكايتي وشهادتي وهناك مَن لا يأخذها على محمل الجدّ، فكل إنسان حُر بما يؤمن أو يقول، المهم أن نعيش إيماننا (لوقا 6:17)… كما إنني سردتُ هذا الحادث بعدما طلبتْ أمّي الكنيسة أنْ تُكتب فضائل البابا يوحنا بولس الثاني لإعلان تطويبه، وقدّمته إلى سيادة المطران (س) الجزيل الاحترام والذي قال حينها إنه سيرفع التقرير إلى الجهات المعنية بهذا الشأن في الفاتيكان.

إنها إرادة الرب… أليس ذلك عمل السماء بشفاعة القديس البابا يوحنا بولس الثاني!!… ما مطلوب من الإنسان هو أن يؤمن ولا يشكّ بعمل الله ويده القادرة على كل شيء، فهو سينقذنا من المرض ومن الشرير، ألا نقل في صلاة الأبانا “ولكن نجّنا من الشرير”!… ما عليه إلا أن نستسلم لإرادته السماوية “لتكن مشيئتك” (متى 10:6)… إنها الحقيقة… نعم، إنها الحقيقة… نعم يا رب زد إيماني في هذا الزمن القاسي… والمجد ليسوع المسيح… وآمين.