img_6160pios

المونسنيور د. بيوس قاشا

   في البدء… والانتخابات على الابواب:

         كانت المسيحية ولا زالت تنشد السلام والخير وتسعى إلى تفادي الحروب وتنشر علامة الحوار والعيش المشترك من أجل ثقافة لمحو لغة السيف والتي نهايتها سقوط الأبرياء، وازدياد مساحة الحقد والكراهية بين الشعوب، وولادة العنف والدمار لبشرية خُلقت لتكون ساعداً

لبناء الخير والمحبة، وليس سبباً في تدمير ما عمّره الإنسان. ولكن مع الأسف إن أوضاعنا السياسية والإجتماعية متأزمّة إلى درجة تدمير الوطن وتقسيمه، وجعل الضعفاء الأبرياء يحملون حقائبهم ليرحلوا إلى حيث أرض الله الواسعة، إذ لا يمكنهم بعدُ تحمّل ما يحصل في البلد من أزمات وخاصة في وطننا كما في شرقنا، حيث أصبح العيش (المعيشة) والحصول عليها بعرق الجبين _ كما أرادها سبحانه تعالى _ من المستحيلات، كما حلّت الطائفية رائداً أولاً، ثم المحاصصة والمصلحة والأنانية في سراط شيطاني لغايات في الفساد ومن جميع جوانبه حيث القِيَم والأخلاق ليس إلا!!!.

 

   حدث وطني

         أحبائي، ونحن مقبلون على حدث وطني واجتماعي يرسم مستقبلنا في البقاء أو في الرحيل، وبعد أربع سنوات عشناها في الخوف والفزع ولا زلنا، وتحت أمرة الفاشلين والفاسدين والذين نصّبوا أنفسهم قديسين في مسيرة حياتهم البائسة ليكونوا في الصفوف الأولى، فها هي الإنتخابات وفي دورتها الرابعة تناشدنا جميعاً وتذكّرنا بأننا مسيحيون قبل أن نكون طائفيين، وبأنّ الله أرادنا في هذا الشرق. صحيح إن القومية رسالة الأصلاء ولكن ما نفع القومية بدون إيمان في المسيحية!!، وما نفع المسيحية دون التشبّه بربنا يسوع المسيح في أن نحيا الإنجيل وحسب تعليم الكنيسة أمّنا!!، فرسالة المسيح سامية في القِيَم والأخلاق ومسيرة الحياة.

 

   بشر أم غنم

         تعلمون جيداً إن الإنتخابات على الأبواب ، وبعد أن طُردنا من قرانا ومدننا وعدنا وأية عودة! إنها بائسة حتى فقدان الأمل، ولكن بهمّة الطيبين من كبار المعابد والمخلصين للوطن ولتربتنا عدنا مطيعين لأوامر وتعاليم كنائسنا وكبارنا وأنتم أيضاً، ولكن نحن بشر أم غنم!! ومع هذا عدنا من أجل أرضنا وإيماننا ومن أجلكم، فلا خدمات ولا أمان ولا كهرباء ولا حتى أبسطها ومختلفها _ لذا أرجو منكم أيها السياسيون المحترمون وأناشدكم أن تعلموا وأنتم ترشّحون أنفسكم _ وهنيئاً لكم هذا المسار وهذه الغاية _ إن شعبنا أمام مفترق طرق بل أمام ضياع أكيد إذا ما استمرت الأوضاع بهذه الطريقة وبهذا المسلك، إنها إشارات الموت والرحيل لا بل إشارات الضياع في قلع أصولنا من أرض أجدادنا وآبائنا التي رَوَوْها بعرق جبينهم. فكفاكم من إنقسامات في أحزاب مختلفة وجميل أن تكونوا في مكوِّن ما و ليس في خلاف الرأي، ولكن ما أجمل الإختلافات بين الأحبة… إنها سموّ التعددية وعطاء الكلمة الموحَّدة. فالله هو الوحيد الذي يعطي معنى لحياة الإنسان.

 

   وحّدوا كلمتكم

         نعم، سياسيّينا ومرشحي شعبنا، إن مستقبلكم ومستقبل شعبكم رهن بوحدتكم وإدراككم لمسؤولياتكم، فمن خبرة شعبنا الذي قاسى الأمرَّيْن في هذا البلد ومنذ زمن قد يكون أكثر من مائة عام، وما الآلام التي ذاقها بسببكم أنتم لأنكم لا تعرفون أن توحّدوا كلمتكم بل تنتمون إلى مصالحكم الخاصة ولا تنظرون إلا إلى مناصبكم، وكم هي الفائدة التي تجنونها من خلالها، وكم هي المبالغ التي ستقتنونها، ومَن هم الذين عليهم تتّكلون وإن كانوا فاسدين، ففي ذلك تنسون أن الرب يسوع قال:”دعوتُكم أحبائي ولم أدعكم عبيداً لأنني أحببتكم فأعلمتُكم بكل شيء” (يو15:15)، فكلنا أحبّاء الله فهو لم يدعُ بعضاً بل كلاً، ومن المؤسف أن تختاروا كبرياءكم وأنانياتكم ومصالحكم الخفية والظاهرة فتأتون بِمَن تشاؤون وإنْ كانوا فاسدين فتجعلوا منهم أسياداً فاشلين، أو تعملوا على اختيار أمكنة تجعلكم أن تستولوا على حقوق الشعب البائس بمصالحكم وما هي الضرائب التي يجب أن يدفعونها لكم في معاملاتهم وتمشية أمورهم والسبب يعود لأنكم أسيادهم… لا… لا… هذا لا يجوز بل إحملوا الحقيقة والخدمة في آنية من خزف من أجل الحياة فالرب قال:”أنا الطريق والحق والحياة” (يو6:14)، وما أنتم إلا كبار أمناء بل يجب أن تكونوا أمناء وأوفياء لخدمة شعبكم وليس لضرائبكم “مَن كان فيكم كبيراً فليكن خادماً” (متى 26:20؛ مر43:10)، وإذا كان المسيح مات على الصليب من أجلنا فهذا يعني إنه يرى في كل منا أكثر من شخص خاطئ ومحدود. لذا أرجو منكم أن تحددوا رؤيتكم ومصيركم، وأفرغوا عقولكم وقلوبكم ونيّاتكم من روح التعصب وحبّ المال في الطائفية المقيتة وفي الأنانية الحزبية، ولا تجعلوا إرادتكم في مناصب مصلحية أو تأتون بأشخاص من أجل مصالحكم وأنتم تعرفون جيداً إنهم من الذين شوّهوا مسيرة الحياة بفسادهم وشرورهم. وأوصيكم أن لا تخافوا في أن تعملوا ذلك لأن عالم شعبنا مضطرب إلى حدّ بيع كل شيء والرحيل بعيداً عنكم وإن كان ذلك “فمَن يأتمنكم على ما لا تملكون؟” (لو1:16-13). فكلنا معكم وفي قارب واحد فإذا إنقسمتم وانقسمنا، إنقسم المركب وغرقتم وغرقنا وغرق شعبنا، وماتت قِيَمُنا ورُحِّلَت أخلاقنا وحقيقة شعبنا لأننا قد شيّعنا حقيقة وجودنا وعمق إيماننا في مسيحنا الحي والرب، وما نستحق في ذلك إلا قول المسيح الحي:”اذهبوا عني يا ملاعين…” (متى41:25).

 

   لعنة أجيالنا

         نعم، أقولها أحبائي، إنتبهوا فالوقت ليس لنا، والمستقبل لن يُكتَب لنا، والتاريخ سيسجّل فرقتنا، ولعنة أجيالنا ستلاحقنا، والأصالة ستُنزَع منا شئنا أم أبينا لأننا بدأنا نكتب تاريخاً مزيَّفاً من أجل أشخاص أشرار نرقص لاستقبالهم ونهلّل لهم وكأننا في عرس قانا (يو1:2-11)، ونكرمهم بما لا يستحقون كون مصلحتنا هي المبتغى، ونُطعمهم بما يحلو لهم ثمّ لنا، ونودّعهم بتحية وبأحسن من إستقبالهم، بينما يطرق الفقير إبنُ شعبنا بابنا فنقول له “إنتظر فالزمان ليس زمانك!”، ومع الأسف ففي هذا كله كتبنا مصالحنا لأننا نؤمن إنهم يملكون كل شيء وهم في الحقيقة لا يملكون شيئاً وإنما خائنون لأمانات ليست مُلكهم بل سُلِّمت بأياديهم، فهم يجعلون من بيوتهم بيوت المال لتوزيع الأموال، فيوزعونها كيفما يشاؤون وحسب ما يشاؤون ولمن يشاؤون، والمسيرة في مثل هذه الطريق بائسة ويائسة ومزيفة، والشعب يدرك ولكن لا يمكنه إلا أن يكون مطيعاً خنوعاً صامتاً، لأن القوي قد حطّ رحاله والضعيف يقترب من دعائه لرب السماء، ليُنزِل مراحمَه ، وإذا ما قال الحقيقة أُدرج في سجل المعارضين، وقُدِّمَ للقضاء ، وجُعلتْ حياته أياماً معدودة.

نعم ، سأبقى أقول لكم يا أحبائي، لا تخافوا أبداً، كونوا شهوداً للحقيقة ، فالمسيح الحي علّمنا أن نفتش عن المرضى والبرص والعميان والعرج، فكونوا مسيحاً آخر يقول ربنا:”إذا صَنَعْتَ غَدَاءً أَوْ عَشَاءً فَلاَ تَدْعُ أَصْدِقَاءَكَ وَلاَ إِخْوَتَكَ وَلاَ أَقْرِبَاءَكَ وَلاَ الْجِيرَانَ الأَغْنِيَاءَ، لِئَلاَّ يَدْعُوكَ هُمْ أَيْضاً، فَتَكُونَ لَكَ مُكَافَاةٌ. بَلْ إِذَا صَنَعْتَ ضِيَافَةً فَادْعُ: الْمَسَاكِينَ، الْجُدْعَ، الْعُرْجَ، الْعُمْيَ، فَيَكُونَ لَكَ الطُّوبَى إِذْ لَيْسَ لَهُمْ حَتَّى يُكَافئُوكَ، لأَنَّكَ تُكَافَئ فِي قِيَامَةِ الأَبْرَارِ” (لو13:12-13)، وكما يقول مار بولس:”أكمل في جسدي ما نقص من آلام المسيح” (كولوسي24:1)، وكفاكم الذهاب إلى هيرودس وحنّان وقيافا وبيلاطس والفريسيين والكتبة والسامريين فهؤلاء كلهم تلقون عليهم التحية بمناسبة أو بغير مناسبة، وتكتبون أسماءكم في سجلاتهم عربون حبّكم لوفائهم المزيّف وشعبكم يئنّ، فهولاء كلهم وصفهم ربنا بالثعلب كما قال لهيرودس:”امضوا وقولوا لهذا الثعلب” (لو32:13). بينما ، ابناء شعبنا يدعونكم أن تنزعوا الأقنعة من وجوهكم وتذهبوا للقائهم ، فالمسيح الرب يقول لنا ” أنا الكرمة وأنتم الاغصان ” ( يو5:15) معنى ذلك كلنا في المسيرة شاهدون ، فلا يجوز بعدُ وبعدَ كل الذي حصل فينا وبنا،أن يُترك شعبنا ، فبئس أناس تعلن إنها تفتش عن شعبنا وتهتم به في إحتياجاته ومطالبه وحقيقة عيشه فما ذلك إلا إعلانات ويافطات يقرأها السائر في دروب الحياة، ومثل هؤلاء لا يستحقون إلا كلمة المسيح أن ينالوا بئس المصير (متى41:25).

 

   حرية وكلمة

         أحبائي كبار شعبنا ، أحبكم أكثر من نفسي ومن ذاتي، وكل يوم أرفع صلاةً كي تحملوا شجاعة إيمانكم، وما تقولونه عني قولوه، فتلك حرية الكلمة سلباً كانت أم إيجاباً وحسب ما ترونه، فالغيرة والحسد والأنانية مسالك في مثل ذلك، ولكن سأبقى أنشد الحقيقة في وجه الأقوياء الذين باعوا الحقيقة بمصالح سيكشفها التاريخ في يومنا أو غدنا وفي ذلك يقول ربنا:”ليس خفيٌّ إلا سيظهر ولا مكتومٌ إلا سيُعلَن” (لو17:8). وسنقرأ عنها في سفر الحياة (رؤ12:20و15؛ رؤ19:22) وليس في أخبار مزيَّفة ينقلها كبار الدنيا والزمن لأسيادهم ، ليكونوا يوماً تحت سترهم ورحمتهم، ويرسموا لهم مستقبلاً فيمجّدهم البشر الفقير، ويصفقوا لهم جائعو الحياة، فدنيانا تدعونا اليوم أن نؤلّه كل بشر وكل شيء وننسى أن السماء تعاش في أرضنا شهادة للحقيقة ومن أجلها، وفي التفتيش عن الشعب الفقير الذي يقاسي ليلاً ونهاراً طبيعة دنيانا وخوفاً وبرداً، وكبارنا ينعمون صباحاً ومساءً بما تشتهي القلوب والمَعِدات والمجالسُ الفاسدة والضحكات المزيَّفة وينسون إن من مواهب الروح مخافة الله… نعم، ليس إلا!!!.

 

   عرس وبشارة

         أحبائي، إختاروا لكم مَن يعمل في التفتيش عن شعبكم ومستقبله، ولا تغلقوا أبوابكم أمام الفقير والمهمَّش وتفتحونه على مصراعيه أمام كباركم وأسيادكم، فلا فرق بين إنسان وإنسان، فالمسيح أحبّ بطرس وأحبّ يهوذا وكلاهما دُعيا إلى عرس قانا والبشارة، ولكن نعم وإنْ كان لكل واحد مكانه فالمحبة لا تعرف ذلك أبداً، فلا تدفنوا الكفاءة والذكاء، وافرحوا لغيركم حينما ترونه بموهبة الله أي بثماره يحيا، فالروح يمنح نِعمَه على مؤمنيه ولا يتاجر بها “فموهبة الروح هي العلم والمعرفة والتقوى والحكمة” (غلا22:5)، وغيّروا وجوهاً كانت جالسة على كراسي لا تستحقها وكانت لكم مصلحة وتيقّنوا فغداً لناظره قريب، فبعد خلاف قد يحصل بينكم سيقولون عنكم كل سوء ويفضحون أعمالكم الخفية والظاهرة ويسرقون مال الشعب المهجَّر والنازح والمطرود وأنتم صاغرون (سورة التوبة؛ سورة 9؛ آية 29).

 

   الختام

وختاماً، إنني أحبكم لأن الربّ يسوع أوصاني وأوصاكم “أن نحبّ” إذ قال إنها وصية جديدة أن “تحبّوا بعضكم بعضاً” (يو34:13)، فالوصية أُعطيت لنا ولكم وليس لغيرنا، وحينما نشهد للحقيقة لا يعني أنكم أعداء بل تلك حقيقتكم، فلا تتصارعوا بينكم كي تأخذوا كل واحد منكم حصّته من الفريسة بل كونوا كلمة واحدة، ولا تبيعوا أرضكم وحقيقة وجود شعبكم ومستقبل أبنائكم بصحن عدس كما فعلها عيسو (تك31:25-34)، ولا تكونوا سبب هزيمتنا، فنحن نشكر مساعيكم وعطاءكم في سبيلنا وسبيل شعبكم ولكن ما نحتاجه أن تكونوا شهوداً للحقيقة وشهداء لها ولمحبتكم، وكونوا في خدمتكم لشعبكم أوفياء ولإيمانكم أمناء كما لتربتكم، ولا تجعلوا شعبكم ينام جائعاً، فبئس أمّة ترقص لموت أبنائها، وبئس شعبٍ يُهان من أسياده، فلا تكونوا شهود زور في مجالس كبار الدنيا والزمن وما أكثرهم اليوم، واجعلوا من حياتكم شهادة أصيلة وما ذلك إلا أصالة إيمانكم.

عودوا للإنجيل إلى الرب الذي هو الخير، فلا تدفنوا الرجاء الموجود في قلب كل إنسان، كما أدعوكم أن تجعلوا عودة أبنائنا إلى أراضيهم ومدنهم وقراهم سبباً أكيداً لرجائهم، ولنضع إيماننا في الرب. والدعوة التي هي لنا كي يبقى هذا الشرق المختلط بين المسيحيين والمسلمين يقدم رسالة إلى العالم أن أهله قادرون على العيش معاً والسير معاً إلى الأمام. وسأرفع صلاتي وأسأل ربي أن يمنح ماهو لخير شعبكم وشعبنا ، ولكم أن تكبروا في مواهبه المقدسة في العلم والمعرفة والحكمة والتقوى أمام الله وأمام الناس (لو52:2). وكل ذلك يدعوكم الى تغيير الوجوه الفاسدة وإن كانوا من المقربين ، وختاماً مبروك لكم فوزكم وحصولكم على أصوات شعبكم، وتهنئتي واحترامي ومحبتي لكل واحد منكم باسمه وشخصه ، ولشعبنا المحبة والتحية . فكلّكم أخوة معي، وكلّكم أبناء شعبنا ولا فرق بينكم “فالمسيح ، ربكم واحد ، وايمانكم واحد، ومعموديتكم واحدة ” ( افسس5:4) إلا بالعطاء والخدمة فأنتم عراقيون قبل أن تكونوا مسيحيين وانتم مسيحيون قبل أن تكونوا طائفيين ، وانتم من شعبنا وشعبنا منكم ، فرجاءً لا تدفنوا رجاءَ شعبكم وإن كنتم كباراً ، نعم و نعم وآمين.