المونسنيور بيوس قاشا

    في البدء

كل الاحترام والتبجيل لرؤساء الكنائس الأجلاء، وما مقالي هذا إلا غيرة على بيت

الرب وشعبنا الذي يعيش طريق الجلجلة والشهادة والإضطهاد، وما أنا في ذلك إلا مطيع وخادم وأمين على ما أُعطيتُ من النِعَم والخيرات لأن الوكيل يجب أن يكون أميناً ووفياً. وأعتذر بكل قوة عن عبارات ربما ستُحسَب إنها ليست في محلّها، فأنا لا أطلب إلا الغفران والصفح وما غايتي إلا أن أكون صوتاً صارخاً في السهل الذي كُتب باسمنا ولم يُرسَم بعد على خارطة الحياة والطبيعة. فلا زلنا مشتّتين ورُحَّل من بلد إلى آخر وبؤساء، نصطفّ في طوابير كي نأخذ قوتنا وأرزاقنا ونأكل وننام ولا يُطلَب منا أكثر، وهذا ما يجعل رسالتنا تضيع وإرادتنا تموت.

   هذا ماحصل        

في صبيحة الثلاثاء، 3 كانون الثاني 2017، أُعلن من على قناة عشتار الفضائية بأن رؤساء مجلس الطوائف المسيحية في العراق عقدوا اجتماعاً في كنيسة الروم الأرثوذكس ببغداد وأعلنوا فيه عن إعادة تأسيس المجلس بعد انسحاب الكنيسة الكلدانية من المجلس. ومما جاء في بيان رؤوساء مجلس الطوائف المسيحية:

“إن أعضاء المجلس يعبّرون عن أسفهم لقرار غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو انسحاب الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية من المجلس ومنذ الثالث عشر من كانون الأول من العام الماضي (2016)”.

كما ذكر البيان “أن المجلس عمل على انتخاب أمانة سرّ جديدة له مجدِّداً كما تمّ وبالإجماع انتخاب الأمين العام للدورة الثالثة بعد تعديل المادة الخامسة من البند الأول من قرار تشكيل المجلس”.

ولكن لم يذكر ماهي المواضيع التي أُدرجت في جدول الأعمال، فالبيان جاء مقتَضَباً وذكرها عابراً بتواقيع السادة الأساقفة الحاضرين لهذا الاجتماع.

   من الماضي القريب

وبعد ستة أعوام ونيف، وفي صباح الثلاثاء، التاسع من شباط عام 2010، أُعلن عن تأسيس مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق، وقد إستبشرنا حينها خيراً، وتنفس المؤمنون رائحة المسكونية في مرحلتها الأولى ولكن!!!… وقد جاء في بيان التأسيس ما نصّه:

“إن المجلس يهدف إلى توحيد الرأي والموقف والقرار في الشؤون بين كنائس العراق فيما بينها وتجاه الدولة من أجل ازدهار وتقرير الحضور المسيحي وتفعيل التعاون والعمل المشترك دون التدخل في خصوصية الكنائس أو الكيانات الخاصة لأيٍّ منها”.

كما ذكر البيان أيضاً “إن المجلس سيضطلع بتنشيط الحوار والمبادرات المسكونية بين الكنائس الأعضاء مع كنائس العالم والرئاسات الكنسية المختلفة، والانفتاح على الآخر، والعلاقة مع الأخوة المسلمين، فضلاً عن رعاية قضية التعليم المسيحي وتحديد مناهجه في المدارس الحكومية بالتنسيق مع الجهات الرسمية. والعمل على تشريع قانون الأحوال الشخصية للمسيحين في العراق وتعزيز التزام المسيحيين في الحياة العامة ضمن حقوق المواطنة والمشاركة وبناء الوطن الواحد”.

وذكر البيان أيضاً “إن المجلس ضمّ في حينها جميع الطوائف المعتَرَف بها من قبل الدولة العراقية وعدها (14) طائفة كما جاء في الجريدة الرسمية لوقائع العراقية بعددها 2867 في 18/1/1982”.

   من دار البطريركية

وفي التاريخ ذاته والنهار عينه صدر بيان موقَّع من رئاسة البطريركية الكلدانية فيه يعلن غبطة أبينا البطريرك مار روفائيل الأول ساكو (بطريرك بابل على الكلدان) عدم إرتياحه لهيكلية مجلس الطوائف المسيحي في العراق والذي انعقد في الثالث من كانون الثاني الحالي (2017)، ومن تسميته مقترحاً إجراء تعديلات واعتماد تسمية “مجلس كنائس العراق” بدلاً من “مجلس رؤساء الطوائف المسيحية”، وتفعيل دوره وخصوصاً أنه حتى الآن لم يقدم شيئاً كبيراً. كما أعلن البيان أن المجلس لحدّ الآن غير معتَرَف به من قِبَل الدولة ولا يمثّل جهة رسمية. وأظهر البيان في نصوصه أيضاً بعض المقترحات التي يراها غبطته مناسبة لهذه المرحلة منتقداً هيكلية المجلس الإدارية وترؤُس جلساته، ودعا إلى التعديلات التي يجب أن تكون لوضع المجلس في المسار الصحيح ومُبدياً أفكاره البنّاءة لذلك.

   الحقيقة وحاملها

في مقابلة لقداسة البابا بندكتس السادس عشر في الحادي عشر من كانون الثاني عام 2012، وبينما أنا أهدي لقداسته كتاب كارثة كنيسة سيدة النجاة _ التي عشتُ ليلها وهولها، وأحصيتُ ضحاياها وشهداءها، وصوّرتُ مآسيها وكارثتها _ وبينما أنا أهدي الكتاب قال قداسته:”يا أبانا، أنتَ شاهد للحقيقة”، فقلتُ:”أية حقيقة؟”، أجاب:”هذه”، ومن حينها أكّدتُ على نفسي أن لا أقول إلا الحقيقة بعينها وأن أواصل قولها وإنْ كانت مؤلمة وتقودني إلى تحمّل المآسي، فالمسيح الرب قال:”قولوا الحق والحق يحركم” (يو 32:8).

كم من مرة منذ تأسيس المجلس _ وبأمانة سيادتكم، وحديثي إلى سيادة المطران آفاك أسادوريان (الجزيل الاحترام)، الأمين العام لمجلس رؤساء الطوائف المسيحية،الذي أكنّ له الاحترام الكبير _وفي مناسبات ولقاءات عديدة، كم وكم قدّمتُ نفسي لخدمتكم وخدمة المجلس إعلامياً، معلناً كل خدماتي وبكل أمانة، منذ تأسيس المجلس ولحدّالساعة وخاصة بعدما نلتُ شهادة الماجستير في الإعلام والصحافة، فكان يأتيني الردّ إمّا بالصمت أو بعدم الجواب أو ببسمة خفيفة لا يبقى ظلّها إلا ثوانٍ، وإمّا بقوله “ليس هناك مَن يرشّحك في هذا المجال أثناء الاجتماع”، وإنْ كنتُ أعرف أن أحد كبار المجلس قال لي يوماً أنه قد اقترح اسمي مرة ولكنه لم ينل الموافقة، فتلك آية البشر وهذه مسيرة الأيام.أسأل: هل أنا غريب عن بغداد التي قاسيتُ فيها الحروب والحصار؟، هل أنا غريب عن آلام مسيحيي بغداد والعراق بعدما تركها الكثير من الرعاة، بل جميعهم، خوفاً من هول الصواريخ والقنابل، وقمتُ أزور المؤمنين بدراجة هوائية وقاسيتُ معهم خوفهم وفزعهم، كما وقمتُ في سنة الحرب عام 2003 بدفن عدد كبير من ضحايا الحرب في حدائق الدور والمنازل إذ لم يكن من السهولة الوصول إلى المدافن وقمتُ بنقلها بعد أن توقفت الحرب والقصف بمساعدة أناس طيبين ذوي مروءة ورجولة؟، ولا زلتُ لحدّ الساعة أعمل بما أعطاني الرب من النِعَم من أجل خدمة أبناء شعبي ومصالحهم. فأنا لم أقترف إثماً بتقديم ذاتي لخدمة المجلس وأمانته، وإنْ لم يحبّذ البعض أن أكون لغاية في النفس لا يعلمها إلا الخالق العظيم… فليكن اسم الرب مبارَكاً.

   سادتي الكرام:

إنا نعيش في زمن لا نُحسَد عليه، فهو زمن يذكّرنا بالاضطهاد والوعيد والتهجير والنزوح الذي حلّ بآبائنا وشعبنا، ولا زلنا نتذكر مجازر 1915 في تركيا و1930 عندما ذُبح الآف من المسيحيين وطُردوا من ديارهم في طور عابدين وماردين وهو نفسه اليوم ما يحصل في سهل نينوى وبوحشية لا توصَف، ولا زال شعبنا يحتمل نير الهجرة البائسة. فكثرة الآلام والمآسي والحروب وما عانيناه منذ الاحتلال عام 2003 وحتى اليوم لا يوصَف ولا يصوّره إلا الأعداء الذين دمّروا كل شيء وأحرقوا بيوتنا وأملاكنا وسرقوا ونهبوا غنائماًمن الكفّار والنصارى، إضافة إلى أنهم ينعتوننا بتسميات تحلو لهم ولوحشيتهم. وهل يمكن أن ننسىما حصل بكنيسة سيدة النجاة من حيث تذكّرنا بالأعمال الشريرة التي قام بها الإرهابيون المجرمون، وراح ضحيتها ضحايا وأبرياء كانوا مجتمعين للصلاة؟.

   حوار مع الزنبقة

في حوار نُشر على صفحات مجلة الزنبقة عام 2010مع سيادة الأمين العام لمجلس الطوائف المسيحية في العراق_ وربما كنا قد سبقنا الحدث _ أنقل إليكم نصّه:

** الزنبقة: أنتم سيادة الأمين العام لمجلس مطارنة العراق، هناك مجالس كنسية متعددة: مجلس مطارنة بغداد، مجلس مطارنة نينوى، مجلس مطارنة الشمال. هل هناك توافق بين هذه المجالس في عمل مشترك من أجل الرسالة المسيحية في العراق؟.

* سيادته: هناك اتصال متواصل ومستمر في التشاور الدائم بين جميع رؤساء الكنائس المسيحية ومجالسهم، ونحن الآن في طور التنسيق بين الجميع لتشكيل مجلس عام للطوائف المسيحية في العراق. وقد خوّلني المجلس في بغداد أن أتصل بالمجالس المحلية وبالسادة المطارنة والأساقفة، لذلك سافرتُ إلى المحافظات الشمالية، وزرتُ السادة الأساقفة وتباحثتُ معهم في كيفية تأسيس مجلس يضمّ كافة الطوائف المسيحية في العراق. ولكي يكون هذا المجلس موفَّقاً في أعماله يجب أن يصاغ له نظام داخلي، وهذا ما قمنا به، إذ وضعنا مسودّة النظام. وكوننا نعيش في العراق في ظروف إستثنائية وغير طبيعية منذ عام 2003 وإلى اليوم، فقد كان من الصعوبة إلى عقد لقاء نتبادل بيننا العديد من الأفكار من أجل إعداد مسودّة النظام إعداداً جيداً، ولكن ومع الأسف هناك العديد من المطارنة لا يحبّذون المجيء إلى بغداد، وبعض منهم لا يريدون السفر إلى المحافظات الشمالية، وبهذا لم يرَ النظام الداخلي النور لحدّ الساعة. فمتى سيكون موعد ولادة النظام!!؟.

** الزنبقة: ولكن يا سيدنا، ألا يعني هذا، أو ألا يقودنا إلى التفكير بالعنصرية حينما نقول “رئيس طائفة”؟.

* سيادته: صحيح، ولكن الكنيسة هي المكان حيث يلتقي المؤمنون بالمسيح، فهم مسيحيون. وعلينا أن نستخدم كلمة “طائفة” كما تستخدمها جريدة الوقائع العراقية، كما أحبّذ في نفس الوقت استعمال كلمة “كنيسة” و”رؤساء كنائس”.

 

   حقائق وتساؤلات

عالم اليوم أكثر عنفاً ممّا كان عليه في الأمس، فالتقدم العلمي التكنولوجي والتسليحي سائر نحو إبادة المخلوق والمخلوقات، ووسائل الاتصال الإجتماعي سلاح ذو حدّين فهي تذيع المستور والمعلَن، وتخلط أحياناً بين الاثنين لتُظهر تزييف الحياة التي يحملها الفاسدون والسرّاق المبارَكون. كما لقد فشل التحالف في توفير الأمن في العراق الذي إنحدر إلى الفوضى، وأصبح المسيحيون ضحايا صراع السلطة الطائفي البغيض. فالنزاعات العشائرية والعقائدية تمزقنا جميعاً،ولقد تأخر الكثير من قادة الغرب إلى إتّخاذ الخطوات الملموسة لحماية المسيحيين في الشرق.

منذ عام 2010 _ حيث في هذا العام إنبثق مجلسكم الموقَّر _ وإنه من المؤكد أنكم تعرفون كيف كنا قبل تشكيل المجلس وأين أصبحنا بعد تشكيله. سابقاً كنا مواطنين واليوم نحن مهجَّرون… بالأمس كنا سكّاناً واليوم نازحون وبائسون… بالأمس كنا ننام في بيوتنا واليوم نلفّ الكرفانات والخيام ودفع الإيجارات… بالأمس كنا نزرع حدائقنا ونقطف ورودها واليوم نجمع دموعنا ونقطف آهاتنا… بالأمس كان المدير منزَّهاً طاهراً فكراً وجيهاً ونيّةً واليوم المدير والموظف سارق وفاسد يتعامل بالطائفية والعشائرية والقرابة المزيَّفة لمصالح معينة وهو قديس في أعين البشر المرائين… بالأمس كنّا نملك وطناً وأرضاً وعراقاً واليوم نحن لا نملك حتى الهواء الذي نستنشقه، بل نحن غرباء وأناس مأجورون، وشعبنا يموت على جانب الطريق وحافته… بالأمس لم يكن لنا لجاناً وشؤوناً تهتم بنا وكان الفرح يملأ صدورنا واليوم لنا لجان وشؤون ومجالس، والقائمون عليها يهتمون بأنفسهم أولاً ويملأونا صدورنا ألماً وحزناً وآهات وحسرات… بالأمس فقدنا دورنا وأعمالنا وكسب أرزاقنا والآن فقدنا حتى بيوتنا، وما هو القادم أن نرحل ونترك لهم كل شيء، جرّدونا من كل شيء، المال والمجوهرات…بالأمس كنّا ننام وأبواب دورنا مفتوحة فلعلّ هناك مَن يقصدنا فالبيت بيته وأما اليوم لا نعلم أين توجهت أبواب دورنا… بالأمس كنّا نجول في شوارع مدينتنا واليوم قد أضعنا حتى عنوان حاراتنا…إننا قلقون على كل شيء.

 

   أتساءل:

أين مجلس الطوائف من كل الذين يُقتَلون، فراداً أو جماعات أو وحداناً؟، من الذين يرتزقون من أجل لقمة العيش والذين عملوا في البسطات وفي الخدمة في مخازن الخمور أو عمال في الصيرفة، أو من الذين يُطرَدون من وظيفتهم ويحاربونهم ليتركوها، أو من الذين يسرقون أموالهم وعقاراتهم؟.وأين أصبحنا من الأحوال الشخصية التي لحدّ الآن لم يتحرك فيها ساكنٌ، وقد قُرِّر منذ إقرار المجلس أنكم ستسعون، والمسعى بعد ست سنوات لم يراوح إلا في محلّه، فالقاصرون إسلام شئنا أم أبينا، والشريعة توصي بذلك ولا مجال آخر؟.

أين المجلس من سقوط قرانا ومدن سهل نينوى بيد داعش الإرهابي؟، ما الذي فعله أبناء هذا السهل المميت؟، ما الذي اقترفته أياديهم حتى يلوَّث بدماء الضحايا والأبرياء من أهله وسكانه؟. فالسهل كان مهمَلاً ومتنازَعاً عليه واعتبرنا ذلك طبيعياً، والحياة فيه آمنة،بهمّة أهله وأبنائه. ولولا إرادة سكّانه ونزلائه وأهله لكان أكثر تأخراً، فكانوا علامة بناء لمدنهم بإصرارهم.

أين المجلس وبياناته ولجانه المتنوعة العناوين وحاملة الإعلام؟، وعن أي إعلام مسيحي تتكلمون اليوم؟،وهل هناك من إعلام مسيحي مسؤول في هذا البلد الجريح؟… تعجبتُ مرة من أحد الرموز المحترمة _وقد حضر مؤتمراً عن دور الإعلام في كنائس الشرق وبلدانهم في بيروت ممثِّلاً لكنائس العراق _فما كان منه إلا أن تكلم عن مجلتين فصليَّتين خاصتين بكنيسته ونسي أن هناك إعلاماً مكتوباً آخر، ونسي الإعلام الحقيقي ومآسي الشعب الجريح… أي إعلام هذا؟.

أين نحن من لمّ شمل المسيحيين؟، صحيح إن كلاًّ يهتم بشؤون كنيسته، وماذا يعني بعدم التدخل بخصوصيات، ولكن نسيتم ما هو دور الجمعيات الكنسية التي دخلت العراق منذ الاحتلال عام 2003 ولحد اليوم، فهل تعلمون أن روّادهم ومؤمنيهم يملئون كنائسهم وهم من أبنائنا من الكلدان والسريان والأرمن بطوائفهم وكنائسهم بكاثوليكيتهم وأرثوذكسيتهم؟، وهل تعلمون أنهم يعملون على إقرار حقوقهم في الدولة وأمام دستور يهتم بتشكيل مجلس خاص يجمعهم تحت مسمَّى واحد وعقيدة واحدة؟، فأين نحن من أنفسنا، من أصلاء الشرق المسيحيين؟، وما هي خصوصياتنا؟.

أين المجلس من كتب الدراسة الإعدادية والمتوسطة والإبتدائية- وحتى اطفال الحضانة -، التي يقرأ ويتثقف فيها أولادنا وطلابنا وطالباتنا المسيحيين؟، هل تصفحناها لنجد ما لا يطيب لإيماننا ولحريتنا وعبادتنا؟، وهل أدركتم ما محتواها؟. فهل تعلمون إنني أتذكر أحد أصدقائي السبتيين كان لإبنته إمتحاناً وزارياً (بكلوريا) عليها أن تؤديه يوم السبت، وكون السبت يوماً مقدساً عند السبتيين فهل تعلمون أن إبنته لم تمتحن احتراماً ليوم السبت وأجّلت الامتحان إلى الدور الثاني؟… لا أقول شيئاً في هذا الشأن ولكن هذه حقيقة إيمان والدها وإيمانها…أين نحن من مسكونيتنا؟، فإنْ حضرنا الصلاة في كنيسة غير كنيستنا فمن باب الاحترام أو نرسل مَن ينوب عنا كي لا نكون سبيلاً للحديث والعتاب؟.

هل يمكن لأبنائنا المسيحيين البقاء في ظل الإضطهاد الديني والداعشي والنزاعات الدائرة في أرض العراق التي فيها وُلدنا وترعرعنا، وفيه بدأنا مسيرة أيامنا ووضعنا أساساً لعمل أرزاقنا؟… فاليوم لسنا إلا نازحين بائسين مهجَّرين، بعدما دمّر داعش الإجرامي كل شيء. فأين الإعلام المسيحي “العراقي”، نعم “العراقي”_ كما قلتُ سابقاً_لكي يفضح ذلك؟، ومَن قال هذه أرضنا، نعم نعلن عنها، والحقيقة فحتى أرضنا ليست لنا؟… ولكن أسال: ما الذي اقترفناه، وما الذي صنعته أيدينا حتى نُطرَد؟، ولماذا من قُرانا؟… سؤال لا جواب له.  هل الكنيسة اليوم تحتاج فقط إلى بيانات إستنكار أو طلب استرحام من أجل تعديل مادة أو باب من الدستور أو من أحد القوانين؟، ألسنا من الأصلاء؟، ألا يجب أن يكون الدستور مُنصفاً للجميع؟، فأبناء الوطن متساوون في الحقوق والواجبات وأنتم أدرى بذلك مني أنا الإنسان البسيط.

 

   ما أتمناه…

* أن أجد كنيستي في العراق في مسيرة وحدة الكلمة، فإنجيلنا واحد ومسيحنا واحد وعماذنا واحد وقرباننا واحد، وكنائسنا بيوت عبادة للثالوث الأقدس وآباؤنا في إيمانهم واحد. فزمن الإضطهاد ليس زمن الكراسي والرئاسات.فالبابا فرنسيس يقول:”إن دماء شهداء المسيحيين واحدة”، فلم يقل هذه دماء الكاثوليكي وأخرى دماء الأرثوذكسي أو الآثوري، وهذا ما يدعونا إلى أن نجعل من رئاساتنا “كلمة خادمة” إذ يقول الرب:”مَن كان فيكم كبيراً فليكن خادماً” (مرقس 43:10) وأيضاً “أنا بينكم مثل الذي يخدم” (لوقا 27:22). فالسريان بكنائسهم المختلفة والكلدان والأرمن كلهم يحملون مع الصليب قطعة قماش علامة للمسيح الذي مسح أرجل تلاميذه بمنشفة واحدة. نعم، وهذا زمن الشهادة ما هو إلا رسالة يحملها إلينا المسيح عبر الأحداث لنُدرك عظمة توحيد الكلمة، وكما قلتُ “الكلمة الخادمة”.

* أن أجد كنيستي في العراق تضع المؤمن المناسب في المكان المناسب، فهو لا يملك مالاً بل هو مال الدولة في يديه وما عليه إلا أن يكون أميناً ونزيهاً وأن يبتعد عن القرابة والنسب، عن الطائفية والعشائرية المقيتة، عن المحسوبية والمصلحية،فالمسؤول خادم أمين للمحتاج وليس لبقاء الدنيا الزائلة، وفي نفس الوقت من حقنا أن نفتخر بطقوس كنائسنا وبقومية شعبنا ليس إلا!.

* أن أجد كنيستي في العراق تحمل الإنجيل قبل القنديل، وأن تحمل الحقيقة في وجه الأقوياء كما يقول غاندي، والمشبوهون الذين يرسمون لأنفسهم قداسة المسيرة وهم “في الداخل ذئاب خاطفة” (متى 15:7)،كما يقول ربنا، يذهبون ويرحلون ويمرحون ويسرقون، يلعبون كما يشاؤون فهم في حسابتهم مخلصون، منزَّهون، ويرون الأمور بعينين مفتوحتين، ويرفعون صلاتهم بيدين مفتوحتين، ويقفون أمام قدس الأقداس وأمام أنظار الفقراء والعشّارين والمشاهدين المصلّين، أزكياء النفوس وقديسي الزمن والحقيقة هي مزيَّفة بأشخاصها وأعمالهم، ولا يدرون أن “الرب هو فاحص القلب ومختبر الكلى” (ارميا 10:17)، وما الإنسان إلا حامل المصالح، وأما الرب فحامل الحقيقة، والقداسة الحقة هي في السيرة والمسيرة، وكما يقول قداسة البابا فرنسيس:”هؤلاء لا يحملون من فضائل المسيحية شيئاً وهم عار على المجتمع الكنسي”.

* أن أجد كنيستي يداً واحدة وكلمة واحدة أمام رؤساء الزمن وفي حقيقة الإيمان، فالرب قال:”ليكن الجميع واحداً”(يو21:17)، فالحقيقة أن نكون مجتمعين وليس فراداً، فمن المؤكد أن الكل يحملون غيرة إيمانية ومآسي الشعب القاسية وهذا ما يدعونا إلى أن نكون في رسالة واحدة وليس أي شيء آخر.

* أن أجد وأقرأ أننا نُسمّى “أبناء الكنيسة” بمعنى أبناء كنيسة المسيح وليس “أبناء الطائفة”، فنحن لسنا تبّاع السياسة التي تُفرَض علينا شئنا أم أبينا، بل نحن أبناء “كنوشتو” أو عيتو (كنيسة)، كنيسة واحدة، أبناء كنيسة المسيح يسوع، وبذاك يكون رؤساؤنا، رؤساء كنائس وليس أمراء طوائف أو عشائر كما يقول غبطة أبينا البطريرك مار روفائيل الأول ساكو.

هل يجوز أن تعلّموا أولادنا سبل الطائفية والعشائرية والحزبية!، فالنرجسيات لا مجال لها في قاموس المسيح المُحبّ والخادم، ولا تدرّسوهم حيث الأنا والذات، فالمسيح لم يقل يوماً أنا كاثوليكي أو أنا أرثوذكسي أو أنا ناصري أو أنا من بيت لحم،ولم يقل أنا كلداني أو أنا سرياني أو أنا آثوري أو أنا أرمني، كذلك لم يقل أنا عبراني أو يهودي أو سامري أوكرمليسي أو قره قوشي أو عينكاوي أو مصلاوي _ وإنْ كانت هذه كلها واجبة وثابتة وحقيقية _ ولكن الحقيقة الأولى إننا للمسيح. فالمسيح مات من أجل الجميع ومن أجل خطايانا (رو23:3؛ و2كو14:5) وأيضاً”حياتي هي المسيح” (فيليبي20:1-23)وليس شيئاًآخر. فللعنف أشكال مختلفة ومؤدَّبة في كثير من الأحيان ولكنه عنف بحدّ ذاته، والعنف ليس العلاج لعالمنا المُفتَّت يقول البابا فرنسيس(رسالة السلام؛ 1 كانون الثاني 2017).نعم، لقد أُصِبنا بأمراض وعاهات،نُهبت أموالنا، وسُرقت أرواحنا، ورحلنا قبل زمانناإلى حيث الآخرة. فالمرض أكل في أجسادنا، والحقد والكراهية تعشعش في قلوبنا وعقولنا، والحزبية والطائفية والمصلحة أضاعت حتى ساعات مستقبلنا وآمال أجيالنا التي ستحاكمنا يوماً، فلا تغيير حصل بل كل ينتهي من حيث يشاء، و”حيث الجثة هناك تجتمع النسور” هكذا يقول الإنجيل المقدس (لو 37:17؛ متى 28:24).

 

   الخاتمة

فلنسأل: لماذا الذي حصل؟، هل أدركتم أننا ضحايا السياسة البائسة والمصالح الفاسدة المزيفة وأصبحنا حَمَل إبراهيم؟،أكيداًإنني أؤمن أن حقل المعركة الحقيقي هو القلب البشري لأنه من باطن الناس ومن قلوبهم تنبعث المقاصد السيئة (مر21:7)، كما أؤمن بأن راحيل ستبقى تبكي على بنيها ولن تكفّ عن البكاء ما دامت المسيرة عاطفية واحترامية ومصلحية، إذ نخاف أن نقول أننا خدام ولسنا رؤساء، والحقيقة تكمن في أن الخدمة هي رئاسة ليس إلا!، ونخاف أن ننبّه الفاسد والمخطئ “بسبب المصلحة والقربى والجيرة”، ففي ذلك أضعنا حتى أبناء الديرة، وجعلنا من الحقيقة كلمة عارية، كيف ونحن أبناء القيامة. نعم، إنها ظروف قاسية نعيشها ونحياها ولم نكن نتوقعها، ومَن منا كان يتوقع أن يحصل ما حصل؟، فشعبنا يتألم وهو قلق على مستقبل الساعة قبل مستقبل الغد… إنه يستحق أن نقف معه ليس عبر البيانات والإستنكارات والنداءات والزيارات الموسمية واستقبال الأصدقاء والأحبّة والأقربين، فلندرك إننا خدّام وليس أصحاب مصالح، رؤساء كنائس وليس أمراء عشائر وطوائف، ولنعلم أن مسيحيتنا رمز لإيماننا، ولتكن كنيستنا _ وليس طائفتنا _ بيت مسيحنا ومسيحيتنا، فيها نحيا وفيها نموت، لها نمدّ أيادينا وإليها تتوجه عقولنا، فنحن أهلاً لها وهي كنيستنا، إنها أمّنا، هكذا يقول البابا بولس السادس، نعم أمّنا ليس إلا!… وعذراً نعم عذراً، ولكن سأبقى أسأل:ما الذي حصل من ذلك اليوم إلى الآن؟، وما هو التغيير؟.فلتتحد أيادينا وقلوبنا، ولنعمل مجتمعين في حمل رسالة واحدة وفي مسيرة واحدة أمام كبار الزمن والمسؤولين، فنكون بذلك من العاملين بقول المسيح الرب “أنتم في المسيح يسوع قريبين”(أفسس13:2)، وأنا أومن أنكم جديرين بالمحبة والإحترام، وإنكم من أجلنا كنتم وستبقون كنيسة واحدة ليس إلا!، نعم كنائس في المسيح الواحد لا طوائف… نعم وآمين.