لكنيسة الأقباط الكاثوليك بمصر

بسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد آمين

أودّ أن أبدأ هذه الكلمة ساجداً وشاكراً للعزة الإلهية التي شاءت أن تناديني لهذه الخدمة وشكراً لجميع الذين كان لهم نصيب في تكويني وتوجيهي في خدمة الرب والإنسان والوطن حتى هذه الساعة وأودّ أن أخص بنوع خاص غبطة أبينا البطريرك الكاردينال أسطفانوس الثاني غطاس. مشاعر كثيرة في ٌلبي أودّ أن أعبر عنها بالشكر لغبطته ولكن أفضل أن أعبر عنها بهذه الكلمة البليغة التي كتبها غبطة البطريرك الأنبا موسى الأول داود رئيس مجمع الكنائس الشرقية بالفاتيكان لغبطته لأنها تحمل مشاعرنا جميعاً: “غبطة البطريرك اسطفانوس الثاني، وقد منح قداسة البابا بيندكتوس السادس عشر الشركة الكنسية لخليفتكم غبطة البطريرك أنطونيوس نجيب، أودّ بصفة خاصة أن أعبر لكم عن تقديري العميق، وتقدير مجمع الكنائس الشرقية، لكل ما قمتم به غبطتكم في خدمة الكنيسة القبطية الكاثوليكية. إن تكريس حياتكم لخدمة الله وشعبه جلها موضع إجلال وعرفان بالجميل من كل الذين يعملون لخير الكنيسة. فمنذ مطلع شبابكم رغبتكم في أن تكرسوا ذاتكم للرب وإلتحقتكم بإكليريكية القديس لاون الكبير وقادكم هذا السبيل إلى روما، قلب الكنيسة الكاثوليكية، حيث حصلتم على الشهادات الأكاديمية، لتعودا أستاذاً في إكليريكية طهطا، المدينة التي شهدت مولدكم، ولأنكم كنتم ترغبون في إتباع المسيح بصورة أفضل اخترتكم الانضمام لجمعية الآباء اللعازريين لكي تسيروا على خطى القديس منصور دي بول، وتميزتم بغيرتكم على النفوس وبحبكم الرعوي، فاختاركم مجمع أساقفة الأقباط الكاثوليك لتكونوا من أعضائه وانتخبكم أسقفاً لكرسي إيبارشية الأقصر حيث قمتم بهذه الرسالة ما يقرب من عشرين عاما، ولما تأكدت كفاءتكم في الإدارة كأمين عام لمجلس الأساقفة وكمدير رسولي للبطريركية، في ظروف دقيقة، اختاركم أحوتكم الأساقفة بطريركا للإسكندرية خلفا لطيب الذكر البطريرك الأنبا اسطفانوس الأول وعلى مدى ما يقرب من عشرين عاما كنتَ رئيسا وآباء للكنيسة القبطية الكاثوليكية المحبوبة، تمارسون هذه المسئولية الكبيرة بكل شجاعة وتجرد، حتى أن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني أراد أن يعبر لكم عن تقديره السامي فأقامكم كردينالا لكنيسة روما المقدسة الجامعة. ولا شك أنكم الآن تشعرون بارتياح كبير وانتم ترون كل الأساقفة والكهنة الذين قمتم أنت بتكريسهم وكم تبعث على الرضى رؤية الكنائس والمؤسسات…. وبنوع خاص الثمار الملموسة لعملكم مع المؤمنين الذين توليتم رعايتهم خلال هذه السنوات. فباسمي وباسم سيادة المطران أمين عام هذا المجمع الأمين المساعد وكل المعاونيين أجدد كل تمنياتي لغبطتكم ملتمساً من الرب أن يغمركم بنعمته حتى تظلوا، وأنتم الآن البطريرك الشرفي، مصدراً للحكمة والمشورة في الكنيسة القبطية الكاثوليكية.
يا صاحب الغبطة، بكل تأثر أعبر لكم من جديد عن محبتي الأخوية في المسيح ربنا.
الكاردينال أغناطيوس موسى داود
بطريرك أنطاكية الشرفي للسريان الكاثوليك
ورئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاثوليكية
8 أبريل 2006”

“وما اخترتموني أنتم بل أنا أخترتكم لتذهبوا ولتثمروا ويدوم ثمركم” (يو15/ 16)

في إنجيل القديس يوحنا يوجه السيد المسيح هذه الكلمات لتلاميذه في خطابة الأخير، قبل أحداث الموت والصلب والقيامة الخلاصية المجيدة التي نعيش في نور وأفراح عيدها، يعلم الرب أننا لسنا نحن الذين نختاره بل في الحقيقة هو الذي يختارنا، هو الذي يدعوا وينادي ويقيم للخدمة التي يردها لكي نذهب نحن حاملين فكره وروحه وأمانة رسالته فتثمر سلاما وفرحا، إخوة ووحدة، وفضيلة وقداسة، ورحمة وحنانا، وحبا وتضحية، ومثل هذه الثمار لا تسقط أبداً، بل تبقى وتدوم وفيها يدوم حضوره وحبه.
ومتى كان صوت النداء واضحا وجليلا ليس من الممكن أن يكون الجواب “لا”.
“أنا خادم لك يا رب فليكن لي كما تقول”
“هاأنذا فأرسلني ”
“ها أنا آتياً لأعمل مشيئة الله”
وها هو الرب بتدبيره وعنايته يختار هذا اليوم الأول من مايو وفي عيد العمال ليرسلني كما أرسل عماله إلى كرمه: “أذهبوا أنتم أيضا إلى كرمي” ليذكّرني أنني لست إلا عاملا في كرم الرب.
ما الذي تعلمته من هذا النداء؟
تعلمت أن الخطة الوحيدة الصحيحة للإنسان هي أن يدخل في خطة الله وأن يعمل إرادته. فخطة الله خير خطة للإنسان. يقول أشعياء النبي: “يقول الرب: لا أفكاري أفكاركم ولا طرقي طرقكم، كما علت السماء عن الأرض علت عن طرقكم عن طرقي أفكاري عن أفكاركم”.
تعلمت أنه إذا كان من المستحيل أن نقول لله “لا” فمن الصعب أن نقول له “نعم”. خصوصا عندما يعرف المرء حدوده وضعفه من جهة، وجسامة المسئولية ومتطلباته من جهة أخرى. ولكن أعرف أنني متى قلت نعم بكل ايمان وثقة وتسليم أصبح من السهل أن أعيشها بعد ذلك. سيحملني الإيمان والثقة والتسليم.
يقول المرنم في المزامير: “يرسل ملائكته ليحلوك على أيديهم”
هناك الملائكة السمائيون لأن الله الذي وعد أمين وهو قال: “أعلمك وأريك الطريق، أرشدك وعيني عليك”
وهناك الملائكة الأرضيون، وهم القلوب الصادقة والمخلصة، والمستعدة للمشاركة والعطاء بسخاء، وما أكثرها والحمد لله.
وتعلمت أن الله لا ينتظر مقدراتنا ليعمل بها بل إيماننا وطاعتنا وحبنا. فبولس الرسول يصرح: “قال لي الرب: في الضعف يظهر كمال قوتي”. ويقول بطرس الرسول: “إلقوا كل همكم عليه وهو يعتني بكم”.
ما البرنامج الذي وضعه الرب في قلبي ليرشدني؟
البرنامج هو الشعار الذي أرشدني إليه الرب، منذ بداية خدمتي الأسقفية، أخذاً عن رسالة القديس بولس إلى كنيسة أفسس: “نعمل الحق بالمحبة”.
فالحق يحرر “تعرفون الحق والحق يحرركم”: يحرر من الخوف والتخاذل، يحرر من الكذب والتظاهر، يحرر من تسلط الآخرين ومن تسلط الذات.
والمحبة هي جوهر الإيمان، يقول القديس يوحنا في رسالته الأولى: “نحن نعرف محبة الله لنا ونؤمن بها، الله محبة، من ثبت في الإيمان ثبت في الله، وثبت الله فيه”.
ومحبة الله لا تنفصل عن محبة الناس، كما يؤكد السيد المسيح: “أحبَّ الرب إلهك بكل قلبك وبكل عقلك وبكل نفسك، هذه هي الوصية الأولى والعظمى، والوصية الثانية مثلها، أحبَّ قريبك مثلما تحب نفسك”. على هاتين الوصيتين تقوم الشريعة كلها وتعليم الأنبياء.
وإذا كان الحق يحرر فالمحبة تعمّر.
تعمر القلب والنفوس، تعمر البيوت والعائلات، تعمر الكنائس والمساجد، تعمر المؤسسات والأنظمة، تعمر القرى والأحياء والمدن، تعمر الدول، وعالم الإنسان وعالم بني البشر “الإخوة”.
ماهي المهام التي يترتب عليّ القيام بها؟
هي المهام التي تترجم بها الكنيسة مهام الراعي الصالح: التقديس والتعليم والتدبير.
· مهمة التقديس:
السعي الدائم للحياة الشخصية والقيادة الروحية بما يحقق طلب الرب: “كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل”.
السير إلى كمال الحياة بتأدية الأعمال اليومية بروح الله وبقلب صادق وبكل إخلاص وامانة، والعمل كمثال الرب وحياته.
· مهمة التعليم:
لا أخطر من الجهل على الإنسان فهو مصدر الأخطاء في المفاهيم والأحكام والمشاعر والسلوك والتعامل والفعل ورد الفعل. لذلك كان التعليم مهمة أساسية في كافة المجالات: في الدراسة والعلم والثقافة والحضارة، في السلوك والآداب الحسنة، والدين والعقيدة والتدين كممارسة هم أيضا ركن أساسي في مهمة التعليم، ليكون المفهوم الديني والحياة الدينية مصدرا للسلام والعدل والمودة والإخاء والقبول والحوار والمشاركة والتعاون.
· مهمة التدبير:
التدبير هو “خدمة المحبة”، محبة تلتزم بالقوانين المدنية، التي تنظم الحياة العملية والإجتماعية، وبالقوانين الكنسية، التي ترسم أنظمة الشئون الدينية من مؤسسات وشعائر وأحوال شخصية.
والقوانين ليست قيودا بل هي سياجا يقي من الأخطار والأضرار، وهو خطوط واضحة ترشد إلى الطريق الصحيح.
وهذا التدبير بوصفه “خدمة محبة” هو تدبير روحي، فيه الرئيس “أب” يحب ويرعى ويحتضن الجميع.
بأي أسلوب تدعوني الكنيسة إلى ممارسة هذه المهام؟
أسلوب المشاركة
أسلوب المشاركة هو ما يؤكد عليه بولس الرسول إذ يقول: “المواهب الروحية على أنواع ولكن الروح الذي يمنحها هو واحد، والخدمة على أنواع ولكن الرب واحد والأعمالعلى أنواع ولكن لله الذي يعمل كل سيء في الناس هو واحد”. وكل واحد ينال موهبة يتجلى فيها الروح للخير العام.
وبطرس الرسول يدعوا: “ليضع كل واحد منكم في خدمة الآخرين ما ناله من نِعمة كؤكلاء صالحين على نِعم الله المتنوعة”.
وأشكال المشاركة متعددة ومتنوعة باستمرار كمتطلبات الخدمة.
· أسلوب الخدمة:
هذا هو أسلوب الرئاسة الذي عاشه الرب وعلمنه لنا. يقول في إنجيل القديس يوحنا: “إذا كنتُ أنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فيجب عليكم أنتم أيضا أن يغسل بعضكم أرجل بعض، وأنا أعطيتكم ما تقتدون به، فتعملوا ما عملته لكم”.
يقول أيضا من أراد أن يكون عظيما فيكم فليكن لكم خادما، ليكن الأكبر فيكم كالأصغر، والرئيس كالخادم، من أراد أن يكون أول الناس فليكن أخرهم جميعا وخادما لهم.
· أسلوب الوحدة:
وهذه الوحدة هي قصد وخطة محبة الله وهي هدف حياة ورسالة السيد المسيح، والذي قبل الموت ليجمع شمل جميع ابناء الله.هدم الحاجز الذي يفصل بينهم، قضى على العداوة وجعلهم واحدا. ومع المتنيح قداسة البابا يوحنا بولس الثاني نؤكد أن الوحدة هي طريق الكنيسة غير القابل للعودة للوراء، ننطلق في هذا الطريق على رجاء أن يتغير فينا القلب والفكر والسلوك والتعاون والكلمة الملفوظة والمكتوبة، ونحترم فيها قدسية المعتقد وكرامة الأشخاص، تغير نابع من إيمان وثقة ورجاء: “والرجاء لا يخيب”، ويؤكد قداسته أيضا: “المحبة هي الدافع والمحرك والضامن لتغير القلوب: محبة الله ومحبة الإخوة، جميع الإخوة”. من المحبة تنبع إرادة الوحدة، المحبة صانعة الشركة بين الأشخاص والجماعات، المحبة هي التيار العميق جداً الذي يمنح حياة وقوة لنسير نحو الوحدة. أملنا هو أن يستمر الحوار الجاري الآن بين الكنائس وبين الأديان، وأن يتفتح على المشاركة في تعاون عملي من أجل خير الإنسان والوطن والبشرية، لصون الحياة والعدل والسلام، والطفولة والشباب والأسرة وكل القيم السامية.
· ما هي مجالات الخدمة؟
إنها أولا وأساسا “خدمة الله” ولا سيما في الخدمة الدينية التي يأتمنا عليها،
وهي “خدمة الإنسان” كل إنسان وكل الإنسان،
وهي “خدمة الوطن”، الوطن هو انتمائي الأول، منه جذوري الأولى منذ اللحظة الأولى من حياتي الأرضية، هنا أرادني الله، هنا عرفتُه، وأحببته وخدمتُه.
الوطن هو الجسم الحي الذي أعيش فيه ويعيش فيّ،
أفراحه هي أفراحي، وأفراحي أفراحه،
أحزانه أحزاني، وأحزاني أحزانه،
قوته قوتي، وقوتي قوته،
ما يُضعفه يُضعفني، وما يضعفني يضعفه،
آماله أمالي، وآمالي أماله،
يسهر عليّ وأسهر عليه،
يخدمني وأنا أجند نفسي في خدمته،
نبضات قلبه من أجلي، وأنا نبضات قلبي من أجله،
يحتضنني وأنا أحتضن كل أبنائه في محبة واحدة”.
ها قد قلت كل شي ولم أقل شيئا
ففي أخر الأمر الكلمة الحق ليست اللفظ بل الفعل، كما يقول يوحنا الرسول: “يا أبنائي، لا تكن محبتنا بالكلام أو باللسان بل بالعمل والحق”.
فليعنا الرب، عز وجل، على أن “نعمل الحق بالمحبة، فالمحبة تفرح بالحق، والمحبة لا تسقط أبداً”.
وليعطنا أن نسلك سبيل الحق سبيل الحب.
آمين.