papa.curia.2017

الخميس 21 ديسمبر / كانون الأول 2017


 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

إن الميلاد هو عيد الإيمان بابن الله الذي تجسّد كي يعيد للإنسان كرامته البنويّة التي فقدها بسبب الخطيئة والعصيان. الميلاد هو عيد الإيمان في القلوب التي تتحوّل إلى مغارة كي تستقبله، في النفوس التي تسمح لله بأن يجعل بذور الرجاء، والمحبة والإيمان تنبت من جذع فقرهم.

اليوم هو مناسبة جديدة كي نتبادل المعايدات الميلاديّة وكي أتمنّى لجميعكم، ولجميع معاونيكم، وللسفراء البابويّين، ولكلّ الأشخاص الذين يخدمون في الكوريا ولجميع أحبّائكم، عيدَ ميلادٍ مقدّس وفَرِحٍ، وسنةً جديدة سعيدة. ليفتح عيد الميلاد هذا أعيننا كيما نتخلّى عن مّا لا حاجة له وما هو كاذب ومؤذ وزائف، كيما نرى ما هو صادق وصالح وحقيقي. أطيب التمنيات حقًّا!

أيّها الإخوة الأحباء،

بما أنّي قد تكلّمت سابقًا عن الكوريا الرومانية في الداخل، أودّ هذه السنة أن أشارككم بعض الأفكار حول واقع الكوريا في الخارج، أي علاقة الكوريا مع الدول، ومع الكنائس الخاصّة، ومع الكنائس الشرقيّة، ومع الحوار المسكوني، ومع الديانة اليهودية، ومع الإسلام والديانات الأخرى، أي مع العالم الخارجي.    

إن أفكاري ترتكز بالتأكيد على المبادئ التأسيسية والقانونيّة للكوريا ولتاريخ الكوريا بالذات، إنما أيضًا على الرؤية الخاصّة التي حاولتُ أن أشارككم بها في السنين الأخيرة، في إطار الإصلاح الحالي.

وإذ أتكلّم عن الاصلاح، يأتي إلى ذاكرتي عبارة ودّية ومهمّة للمونسنيور فريديريك-فرنسوا-كزافييه دي ميرود: “إن تحقيق الاصلاح في روما هو كتنظيف أبو الهول في مصر بفرشاة أسنان”[1]. هذا يبيّن كم يتطلب الأمر من الصبر، والتكرّس، والعناية، لتحقيق هذا الهدف، لأنّ الكوريا هي مؤسّسة قديمة، ومعقّدة، وجليلة، تتكوّن من أشخاص يأتون من ثقافات، ولغات، وعقليّات مختلفة، ولكونها مرتبطة، هيكليّا ومنذ نشأتها، بأولوية خدمة أسقف روما في الكنيسة، أي العمل “المقدّس” الذي أراده الربّ المسيح بذاته من أجل خير بنية الكنيسة بأسرها (من أجل خير الجسم كلّه)[2].

إن الطابع العالميّ لخدمة الكوريا ينجمُ بالتالي عن الطابع الكاثوليكي للخدمة البطرسية. فكوريا منغلقة على ذاتها تخون هدف وجودها وتقع في المرجعيّة-الذاتيّة، وتحكم على ذاتها بالتدمير الذاتي. الكوريا، بطبيعتها، هي منطلقة نحو الخارج، لأنها وطالما مرتبطة بالخدمة البطرسية، بخدمة الكلمة والبشارة بالإنجيل: الله العمانوئيل الذي يولد بين البشر، والذي صار إنسانًا كي يبيّن لكلّ إنسان قربه المتجذّر، ومحبّته اللامحدودة، ورغبته الإلهيّة بأن يخلُص جميع البشر ويبلغوا إلى السعادة السماوية (را. 1 طيم 2، 4)؛ الله الذي يشرق شمسه على الأخيار والأشرار (را. متى 5، 45)؛ الله الذي لم يأتِ ليُخدم بل ليخدُم (را. متى 20، 28)؛ الله الذي أقام الكنيسة كي تكون في العالم، لا من العالم، وكي تكون أداة خلاص وخدمة.

فيما كنت أحيّي مؤخّرًا آباء ورؤساء الكنائس الشرقيّة الكاثوليكيّة[3]، مفكّرًا بالتحديد في هذا الهدف -الخاص بخليفة بطرس وبالكوريا، أي الخدمة- استخدمت عبارة “أولويّة شمّاسية (خدمية)”، راجعًا فورًا إلى تشبيه محبّب للقديس غريغوريوس الكبير، أي لصورة خادم خدّام الله. هذا التعريف، في بعده الكريستولوجي، هو قبل كلّ شيء عبارة عن الإرادة المصممة على التمثّل بالمسيح، الذي اتّخذ صورة عبد (را. فل 2، 7). عندما تكلّم بندكتس السادس عشر عن هذه الصورة، قال إنها لم تكن، على لسان غريغوريوس، “عبارة تقوى، إنما إظهار واقعيّ لطريقة عيشه وتصرّفه. فقد كان متأثّرًا للغاية بوداعة الله، الذي صار بالمسيح خادمًا لنا، وغسلنا، ويغسل أقدامنا القذرة”[4].

يجب أن يميّز تصرّفٌ مماثل من الخدمة أيضًا جميعَ الذين، بطرقٍ مختلفة، يعملون في الكوريا الرومانية والتي، كما يذكّر القانون الكنسي، إذ تعمل باسم وبسلطة الحبر الأعظم، “تقومبوظيفتها من أجل خير الكنائس وخدمتها” (مدوّنة القانون الكنسي ق. 360 ورا. مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، ق. 46). أولويّة شمّاسية “خاصة بالبابا”[5]، وشماسيّة أيضًا وبالتالي تلك المرتبطة بالعمل الذي يتمّ داخل الكوريا الرومانية وخارجها (adintra -adextra). موضوع الشماسيّة في الخدمة والكوريا، يقودني إلى نصّ قديم نجده في ديدسكالية الرسل (Didascalia Apostolorum) حيث يتمّ التأكيد: “ليكن الشمّاس أذنَ وفمَ الأسقف، قلبَه وروحَه”[6]، لأن الشركة والتناغم والسلام في الكنيسة مرتبطين بهذا الانسجام. الشمّاس هو حارس الخدمة في الكنيسة[7]. ولا أعتقد أنه من قبيل الصدفة أن الأذن هي عضو السمع، وهي أيضًا عضو التوازن؛ والفم عضو التذوّق والتكلّم.  

يضيف نصٌ آخر أن الشمامسة هم مدعوّون إلى أن يكونوا أعين الأسقف[8]. العين تنظر كي تنقل الصور للعقل، فتساعده على القيادة وعلى اتخاذ القرارات بما فيه خير الجسد بأسره.  

العلاقة التي يمكن استنتاجها من هذه الصور هي علاقة شركة وطاعة بنويّة من أجل خدمة شعب الله المقدّس. ما من شكّ، إذا، أن العلاقة التي يجب تكون بين جميع الذين يعملون في الكوريا الرومانية عليها أن تكون مماثلة، انطلاقًا من المسؤولين في الدوائر والرؤساء، وصولًا إلى أصحاب المناصب العامة والجميع. فالشركة مع بطرس تقوّي وتعضد الشركة بين جميع الأعضاء وتفعّلها.

من وجهة النظر هذه، تساعد استعارةُ صور “حواسّ الكائن البشريّ” على أن يكون لنا حسّ الانفتاح، والانتباه إلى ما يوجد خارجيًا. فحواسّ الكائن البشريّ، في الواقع، هي أوّل ما يربطنا بالعالم الخارجيّ (adextra)، هي بمثابة جسر نحوه؛ هي ما يسمح لنا بخلق العلاقات. الحواسّ هي التي تساعدنا على فهم الواقع، كما وعلى إيجاد مكاننا فيه. وليس من قبيل المصادفة أن يستعين القدّيس اغناطيوس دي لولا بالحواسّ في تأمّله بأسرار المسيح وبالحقيقة[9].

هذا الأمر مهمّ جدًّا لتخطّي المنطق المختل والمبتذل، منطق المؤامرات والحلقات الصغيرة التي تمثّل في الواقع –بالرغم من كلّ تبريراتها ونواياها الصالحة- سرطانًا يقود إلى المرجعيّة الذاتيّة، والذي يتسرّب أيضًا إلى الهيئات الكنسية، ولا سيما في الأشخاص الذي يعملون فيها. عندما يحدث هذا، فإننا نفقد فرحَ الإنجيل، فرح نقل المسيح للآخرين وفرح كوننا في شركة معه؛ نفقد سخاء تكرّسنا (را. رسل 20، 35 و2 قور 9، 7).      

اسمحوا لي أن أقول كلمتين حول خطر آخر، أي خونة الثقة أو المستغلين لأمومة الكنيسة، أي الأشخاص الذين يتمّ اختيارهم بكلّ دقّة كي يعطوا قوّة للبنية وللإصلاح، ولكن –إذ لم يفهموا سموّ مسؤوليتهم- يسمحوا للطموح وللمجد الباطل أن يفسدهم. وعندما يتمّ إبعادهم بكلّ رقّة، يزعمون زورًا أنّهم ضحايا النظام، و”البابا الذي يجهل الأمور”، و”الحرس القديم”… بدلا من الاعتراف بذنبهم، وقول: “خطيئتي عظيمة“. وإلى جانب هؤلاء الأشخاص هناك من ثمّ آخرون ما زالوا يعملون في الكوريا، ويتمتعون بكافة الوقت كي يعودوا إلى الطريق الصحيح، علهم يجدوا في صبر الكنيسة فرصة للتوبة وليس للانتفاع منها. هذا بالطبع دون أن ننسى الغالبيّة العظمى، والأكثرية، من الأشخاص الأمناء الذين يعملون بالتزامٍ جديرٍ بالثناء، وبأمانة، وبكفاءة، وبتكرّس، وأيضًا بكثيرٍ من القداسة.

من المناسب بالتالي، إذ نعود إلى صورة الجسد، الإشارة إلى أن “الحواسّ المؤسّسية”، التي يمكن مقارنتها بنوع ما بدوائر الكوريا الرومانية، عليها أن تعمل وفقًا لطبيعتها ولغايتها: باسم وسلطة الحبر الأعظم، ودومًا من أجل خير الكنائس وخدمتها[10]. هي مدعوّة لأن تكون في الكنيسة كهوائيّات أمينة وحسّاسة: تبثّ وتستقبل.

هوائيات تبثّ، إذ لها الصلاحيّات بنقل مشيئة البابا والرؤساء بأمانة. وكلمة “أمانة”[11] بالنسبة للذين يعملون في الكرسي الرسولي “تتحلّى بميزة خاصّة، باعتبار أنهم يضعون في خدمة خليفة بطرس قسمًا كبيرًا من طاقاتهم، ومن وقتهم الخاصّ، ومن خدمتهم اليوميّة. إنها مسؤوليّة خطيرة، إنما أيضًا هبة خاصّة، تنمّي، مع مرور الوقت، علاقة وديّة مع البابا، وثقة داخليّة، والشعور نفسه، تعبّر عنه جيّدا كلمة »أمانة«”[12].

إن صورة الهوائيّات تقود أيضًا إلى الحركة الأخرى، الحركة المعاكسة، أي الاستقبال. وهي مسألة الاصغاء إلى حاجات الكنائس والعالم، وأسئلتهم، وطلباتهم، وصرخاتهم، وأفراحهم ودموعهم، بحيث يمكن نقلها إلى أسقف روما بهدف السماح له بأن يقوم بشكل عمليّ أكثر بمهامه ورسالته “كبدء وأساس دائم ومنظور لوحدة الإيمان والشركة”[13]. عبر قابليّة كهذه، التي هي أهمّ من الجانب الإدراكي، تدخل دوائر الكوريا الرومانية بسخاء، في مسيرة الاصغاء تلك وفي السينودسيّة التي سبق وتكلّمت عنها[14]. 

 

أيها الإخوة الأعزاء،

لقد استخدمت عبارة “الأولويّة الشمّاسية“، وصورة الجسد، والحواسّ والهوائيّات كي أشرح بالتحديد أنه، كي نصل إلى حيث الروح يخاطب الكنائس (أي التاريخ)، وكي نحقّق هدف الخدمة (أي خلاص النفوس)، من الضروري، لا بل لا غنى عن، أن نميّز علامات الأزمنة[15]، روح الشركة في الخدمة، المحبّة في الحقيقة، الانصياع للروح القدس والطاعة للرؤساء بثقة.

من المفيد هنا أن نذكّر بأن أسماء الدوائر ومكاتب الكوريا الرومانية نفسها تحمل معنى الواقع الذي عليهم أن يعملوا من أجله. إنها مسألة أعمال أساسيّة ومهمّة للكنيسة كلّها، لا بل للعالم أجمع.

كونُ مجال عمل الكوريا هو شاسع للغاية، فسوف أكتفي بأن أحدّثكم هذه المرّة وبشكل عام حول الكوريا في الخارج، أي حول بعض جوانبها الأساسيّة والمختارة؛ ولن يكون من الصعب، في المستقبل القريب، أن أكمّل وأتعمّق في مجالات عمل الكوريا الباقية. 

 

الكوريا والعلاقات مع الدول:

تلعب في هذا المجال دورًا أساسيًّا، الدبلوماسيةُ الفاتيكانيّة التي تحاول بصدقٍ وباستمرارٍ أن تجعل من الكرسي الرسولي بانيًا للجسور وللسلام وللحوار بين الدول. وكونها دبلوماسيّة من أجل خدمة الإنسانيّة والبشر، ودبلوماسية اليد الممدودة والباب المفتوح، فهي ملتزمة بالإصغاء، والفهم، والمساعدة، والإعانة، والتدخّل السريع والمحترِم، في أيّ وضع كان، كي تقرّب المسافات وتحيك الثقة. إن مصلحة الدبلوماسية الفاتيكانية الوحيدة هي أن تكون حرّة من أيّة مصلحة دنيويّة أو مادّية.

الكرسي الرسولي هو بالتالي حاضر على الساحة العالميّة كي يتعاون مع جميع الأشخاص والدول اصحاب الإرادة الصالحة، وكي يؤكّد على الدوام أهميّة الحفاظ على “بيتنا المشترك” من أيّة أنانيّة مدمّرة؛ وكي يؤكّد أن الحروب تحمل فقط الموت والدمار؛ وكي يستخلص من الماضي الدروس الضرورية التي تساعدنا على أن نعيش الحاضر بشكل أفضل، وأن نبني المستقبل بقوّة ونحافظ عليه من أجل الأجيال القادمة.     

وتشكّل اللقاءات مع رؤساء الدول والوفود المختلفة مع الزيارات الرسولية، أداة لها وهدفا.

وقد تمّ، لهذا السبب، إنشاء القسم الثالث لأمانة سرّ دولة حاضرة الفاتيكان، بهدف إظهار اهتمام البابا ورؤساء أمانة سرّ الدولة وقربهم من الموظّفين الذين يلعبون دورًا دبلوماسيّا كما ومن الرهبان والراهبات والعلمانيّين والعلمانيّات الذين يعملون في السفارات الباباوية. قسمٌ يهتمّ بشؤون الأشخاص العاملين في الخدمة الدبلوماسيّة في الكرسي الرسولي أو يتحضّرون له، بتعاون وثيق مع قسم الشؤون العامّة ومع قسم العلاقات مع الدول[16].  

يقوم هذا الاهتمام الخاص على البعد المزدوج لخدمة العاملين في المجال الدبلوماسي: فهم رعاة ودبلوماسيّين، في خدمة الكنائس الخاصة والدول التي فيها يعملون.     

 

الكوريا والكنائس الخاصّة:  

إن العلاقة التي تربط الكوريا بالأبرشيّات هي ذات أهمّية أساسية. فالأبرشيات تجد في الكوريا سندًا لها ودعمًا ضروريًّا قد تحتاج إليه. وترتكز هذه العلاقة على التعاون، والثقة، لا على التفوّقية أو العدائيّة. ونجد مرجع هذه العلاقة في المرسوم المجمعيّ حول خدمة الأساقفة الرعويّة، حيث يتمّ، بشكل أوسع، تفسير عمل الكوريا كخدمة تتمّ “لمصلحة الكنائس وفي خدمة الرعاة المقدّسين”[17].

إن النقطة المرجعيّة للكوريا الرومانية بالتالي، ليست أسقف روما وحسب –الذي منه تستمدّ السلطة-، إنما أيضًا الكنائس الخاصّة ورعاتها في العالم أجمع، والتي تعمل من أجل صالحها.

وقد أشرت إلى هذه الميزة –ميزة تقديم “الخدمة للبابا والأساقفة والكنيسة الجامعة والكنائس الخاصّة والعالم أجمع”- في أوّل لقاءٍ من لقاءاتنا السنويّة، عندما أوضحت أننا، “في الكوريا الرومانية، نتعلّم، و’نتنفّس‘ بشكل خاص هذا البعد المزدوج للكنيسة، هذا التداخل بين العالمي والخاص” وأضفت: “أظن أنها من أجمل الخبرات لمن يعيش ويعمل في روما”[18].   

وفي هذا المنحى، تمثّل زيارات الأساقفة التقليديّة للأعتاب الرسولية، فرصةً عظيمة للقاء، والحوار والغنى المتبادل. لهذا السبب فضّلت أن يكون هناك، خلال اللقاء مع الأساقفة، حوار إصغاء متبادل، حرّ، متحفّظ، صادق، يتخطّى البرامج البروتوكولية وتبادل الخطابات والتوصيات المعتاد. مهمّ أيضًا هو الحوار بين الأساقفة ومختلف الدوائر. عندما استأنفتُ الزيارات التقليدية لهذا العام، بعد التوقف اثناء سنة الرحمة، قال لي الأساقفة بأنهم قد حظوا باستقبالٍ وإصغاءٍ جيّدين في جميع الدوائر. وهذا يفرحني للغاية. وأشكر جميع رؤساء الدوائر الحاضرين!

اسمحوا لي هنا أيضًا، في هذا الزمن الخاص من حياة الكنيسة، أن ألفت انتباهنا إلى الجمعيّة العامّة العادية المقبلة لسينودس الأساقفة التي ستُعقَد حول موضوع “الشباب، والإيمان وتمييز الدعوات“. دعوة الكنيسة، والأساقفة والكنيسة بأسرها إلى إعارة انتباه خاص للشباب، لا يعني أخذهم فقط بعين الاعتبار، إنما أيضًا التركيز على موضوع حاسم لمجموعة معقّدة من العلاقات والحالات الطارئة: العلاقات بين الأجيال، الأسرة، المجالات الرعوية، الحياة الاجتماعية… وهذا ما تعلنه بوضوح الوثيقة التحضيريّة في مقدّمتها: “لقد قرّرت الكنيسة أن تسأل نفسها عن كيفية مرافقة الشباب في تمييز الدعوة إلى المحبّة وإلى العيش بالملء وقبولها، وأن تطلب من الشباب أنفسهم أيضًا أن يساعدوها في تحديد الوسائل الأكثر فعاليّة لإعلان البشارة اليوم. وسوف يكون بمقدور الكنيسة، بواسطة الشباب، الاصغاء إلى صوت الربّ الذي يرنّ صداه اليوم أيضًا. كما كان يومًا صاموئيل (را. صام 3، 1- 21) وإرميا (را. إر 1، 4- 10)، هناك اليوم أيضًا شبّان يعرفون كيف يميّزون علامات زمننا الحاضر التي يشير إليها الروح. فنقدر، إذ نصغي إلى تطلّعاتهم، أن نرى عالم الغد الذي يأتي للقائنا والدروب التي على الكنيسة أن تسيرها”[19].    

 

الكوريا والكنائس الشرقيّة:

إن الوحدة والشركة اللتان تسودان العلاقات بين كنيسة روما والكنائس الشرقيّة تشكّلان مثالًا ملموسًا من الغنى في التنوّع، للكنيسة بأسرها. فهذه الكنائس، عبر أمانتها لتقاليدها الخاصّة التي يعود تاريخها إلى ألفي سنة، ومن خلال الشركة الكنسية، تختبر وتحقّق صلاة يسوع الكهنوتية (را. يو 17)[20].  

وقد أشرت في هذا النحو، خلال اللقاء الأخير مع بطاركة ورؤساء الكنائس الشرقيّة، إذ كنت أتكلّم عن “الأولويّة الشماسيّة“، إلى أهميّة التعمّق بالمسألة الدقيقة المتعلقة بانتخاب الأساقفة الجدد وإعادة مراجعتها، والتي يجب أن تتوافق، من جهة، مع استقلاليّة الكنائس الشرقيّة، وفي الوقت عينه، مع روح المسؤوليّة الإنجيليّة، ومع رغبة تقوية الوحدة مع الكنيسة الكاثوليكيّة أكثر فأكثر. “وكلّ هذا، بتطبيق مقتنع لتلك السينودسيّة الأصيلة التي تميّز الكنائس الشرقيّة”[21]. إن انتخاب كلّ أسقف، يجب أن يعكس ويقوّي الوحدة والشركة بين خليفة بطرس وكامل أعضاء مجمع الأساقفة[22].   

العلاقة بين روما والشرق هي علاقة غنى روحيّ وليتورجيّ متبادل. في الواقع، إن كنيسة روما لا تكون بالفعل كاثوليكيّة دون غنى الكنائس الشرقيّة الذي لا يُقدّر بثمن، ودون شهادة الكثيرين من إخوتنا وأخواتنا الشرقيّين البطوليّة، الذين ينقّون الكنيسة بقبولهم الاستشهاد وتقديم حياتهم كي لا ينكروا المسيح[23].    

 

الكوريا والحوار المسكوني:

هناك أيضًا مجالات، ولا سيّما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، تلتزم فيها الكنيسة الكاثوليكيّة بصورة خاصّة. ومن بينها وحدة المسيحيّين التي هي “ضرورة أساسية لإيماننا، ضرورة تتدفّق من عمق كياننا كمؤمنين بالمسيح يسوع”[24]. إنها “مسيرة”، أجل، إنما هي مسيرة لا رجعة فيها، كما قد كرّره أسلافي أكثر من مرّة، هي مسيرة للأمام وليست في الاتّجاه المعاكس. ” الوحدة تتمّ خلال المسيرة، كي نتذكّر أننا، إذ نسير معًا، أي نلتقي كإخوة، ونصلّي معًا، ونتعاون معًا في بشارة الإنجيل وفي خدمة الصغار، نكون قد اتّحدنا فعلًا. أمّا الفوارق اللاهوتية والكنسيّة التي ما زالت تفرّق المسيحيّين، فلن يتمّ تخطّيها إلّا طوال هذه المسيرة، دون أن نعرف نحن اليوم، كيف ومتى، ولكن هذا سيحدث وفقًا لما يودّ الروح القدس أن يقترحه لخير الكنيسة”[25].

إن الكوريا تعمل في هذا المجال كي تعزّز اللقاء بين الإخوة، وكي تحلّ عقد سوء الفهم والعداوة، وكي تتصدّى للخوف من الآخر والأحكام المسبقة التي تمنع من رؤية غنى التنوّع، والغنى في التنوّع، وعمق سرّ المسيح والكنيسة الذي يبقى أكبر من أيّ تعبير بشريّ.  

إن اللقاءات التي تمّت مع الباباوات والبطاركة ورؤساء مختلف الكنائس والجماعات قد ملأتني فرحًا وامتنانًا على الدوام.

 

الكوريا والدين اليهودي، والإسلام، والديانات الأخرى:

إن علاقة الكوريا بالديانات الأخرى ترتكز على تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني وعلى ضرورة الحوار. “لأن البديل الآخر الوحيد لثقافة اللقاء هو ثقافة الصدام الفاشلة“[26]. الحوار المبنيّ على ثلاثة توجّهات أساسيّة: “ضرورة الهويّة، وشجاعة الاختلاف، وصدق النوايا. ضرورةُ الهويّة، لأنّه لا يمكنُ تأسيس حوار حقيقيّ على الغموضِ أو على التضحية بما هو صالح، من أجلِ إرضاء الآخر؛ شجاعةُ الاختلاف، لأنّه لا ينبغي أن أعاملَ مَن هو مختلفٌ عنّي، ثقافيًّا أو دينيًّا، كعدوّ، بل أن أقبلَه كرفيقِ درب، باقتناعٍ حقيقيّ أن خير كلّ فردٍ يكمنُ في خيرِ الجميع؛ صدقُ النوايا، لأنّ الحوار، كونه تعبيرًا أصيلًا للإنسان، ليس استراتيجيّةً لتحقيق غايات ثانوية، إنما مسيرةَ حقٍّ تستحقّ أن نتبنّاها بصبرٍ كي تحوّل المنافسة إلى تعاون”[27].

وقد شكّلت اللقاءات التي تمّت مع السلطات الدينية خلال الزيارات الرسولية المختلفة وخلال اللقاءات في الفاتيكان، دليلًا ملموسًا لهذا الأمر.

هذه ليست إلّا بعض الجوانب المهمّة من عمل الكوريا الخارجي، ولكنها ليست شاملة. لقد اخترت اليوم هذه الجوانب المتربطة بموضوع “الأولوية الشماسية“، و”الحواس المؤسّسية” و”الهوائيات الأمينة للبث والاستقبال“.

 

أيها الإخوة الأعزاء،

كما بدأت لقاءنا هذا متكلّمًا عن الميلاد كعيد الإيمان، أودّ أن أختتمه مشيرًا إلى أن الميلاد يذكّرنا أيضًا أن الإيمان الذي لا يدخلنا في أزمة هو إيمان في أزمة؛ والإيمان الذي لا يجعلنا ننمو هو إيمان عليه أن ينمو؛ والإيمان الذي لا يوقظ فينا التساؤلات هو إيمان علينا أن نضع عليه تساؤلات؛ الإيمان الذي لا يحيينا هو إيمان علينا أن نعيد إحياءه؛ الإيمان الذي لا يغير حياتنا هو إيمان علينا أن نغيِّره. في الواقع، إن الإيمان الفكريّ فقط أو الفاتر هو مجرّد اقتراح إيمان يمكن أن يتحقّق عندما يتوصّل لإشراك القلب والنفس والروح والكيان بأكمله، وعندما نسمح لله أن يولد ويولد من جديد في مذود القلب، عندما نسمح لنجمة بيت لحم أن تقودنا نحو المكان الذي يضّجع فيه ابن الله، ليس بين الملوك والرفاهية، إنما بين الفقراء والمتواضعين.

كتب أنجيلو سيليزيو في الحاج الكاروبيني: “الأمر يتعلّق بك فقط: آه لو أن قلبك يصبح مذودًا، لولد الله من جديد على الأرض” (دار النشر Paoline، 1989، ص.ص. 234- 235، 170).

مع هذه الأفكار، أجدّد أمنياتي الميلاديّة الحارّة لكم ولجميع أحبّائكم.

شكرًا  

***********

© جميع الحقوق محفوظة – حاضرة الفاتيكان 2017


 


[1] را. جوزيبّي دالّا طورّي، حول تاريخ الدرك الحبري، 19 أكتوبر/تشرين الأوّل 2017.

[2] “لقد وضع السيد المسيح في الكنيسة، لرعاية شعب الله وانمائه، خدماً مختلفة تهدف إلى خير الجسد كله“، الدستور العقائدي نور الأمم عدد 18.

[3] را. تحية، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2017.

[4]المقابلة العامة، 4 يونيو/حزيران 2008.

[5] را. يوحنا بولس الثاني، كلمة البابا خلال الجلسة العامة لمجمع الكرادلة، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1985، عدد 4.

[6] ديدسكاليا 2، 44: (Funk, 138 -166): (را. و. رودفورد، ليتورجيا وعلم نهاية الأزمنة، مجلة Augustinianum 18 [1978]، 153- 161؛ نفس الكاتب، ماذا نعرف عن أماكن العبادة المسيحية في زمن ما فبل قسطنطين؟ في مجلة L’Orient Syrien 9 [1964]، 39- 60).

[7] را. اللقاء مع الكهنة والمكرسين، بمناسبة عيد البشلرة، كاتدرائية ميانو، 25 مارس/آذار 2017.

[8]را. خدمات الرتب الكهنوتية في الكنيسة القديمة، نصوص لآباء الكنيسة من القرون الثلاثة الأولى لإنريكو كاتانيو، الطبعة الـ Paolina، 1997، ص. 696: “رسالة من كليمنضس إلى يعقوب 12 (Rehm 14- 15):”أما بالنسبة لشمامسة الكنيسة، ليكونوا مثل أعين الأسقف، يعرفون كيفية رؤية كل شيء من حولهم، متحققين من أعمال كل فرد من الكنيسة، إن كان أحد على وشك الخطيئة: وبهذه الطريقة، إن أوقفه تحذير الذي يرأس، ربما لن يكمل [خطيئته]“”.

[9] را. اغناطيوس دي لييولا، الرياضات الروحية، عدد 121: “التأمل الخامس هو تطبيق الحواس الخمس على التأملين الأول والثاني“.

[10] في التعليق على الإنجيل بحسب القديس متى، للقديس جيروم، هناك مقارنة غريبة بين حواس الكائن البشريّ الخمسة وعذارى المثل الإنجيلي، التي تصبح جاهلات عندما لم تعد تتصرّف وفقًا للهدف المحدّد لهنّ. (را. تعليق على إنجيل متى 25: الآباء اللاتين 26، 184).

[11] إن مفهوم الأمانة هو متطلّب للغاية وبليغ لأنه يؤكد ثبات الالتزام التي تم التعهد به مع مرور الوقت، وهو يشير إلى فضيلة كما قال بندكتس السادس عشر: “إنه يعبّر عن الرابط الخاص الذي ينشأ بين البابا ومعاونيه المباشرين، سواء في الكوريا الرومانية أم في التمثيل البابوي”. كلمة البابا إلى أعضاء جماعة الأكاديمية الكنسية الحبرية، 11 يونيو/حزيران 2012.

[12]نفس المرجع.

[13] المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي نور الأمم، عدد 18.

[14] “الكنيسة السينودسية هي كنيسة إصغاء، تدرك أن الاصغاء هو أكثر من السماع. إنه إصغاء متبادل، يتعلّم منه الجميع. الشعب المؤمن، وأعضاء مجمع الأساقفة، وأسقف روما: كلّ يصغي للآخرين؛ والجميع يصغي للروح القدس، روح الحق (يو 14، 17)، لمعرفة ما يقوله الروح للكنائس (رؤيا 2، 7)” (كلمة البابا، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2015).

[15] را. لو 12، 54- 59؛ متى 16، 1- 4؛ الدستور الرعائي فرح ورجاء، عدد 11: “إنَّ شعبَ الله الذي يُحركه الإيمان يعلمُ أن روحَ الربّ الذي يملأ الكون يقوده، ولذلك يجتهدُ في أن يميِّزَ في الحوادث متطلبات عصرنا ومقتضياتِه التي يتقاسمها وسائر الناس. ويجتهد أيضاً في أن يُميز فيها ما هي العلامات الحقيقية لحضورِ الله أو لتصميمه. فالإيمان يُلقي أضواءً جديدةً على كلّ شيء ويُطلعنا على إرادةِ الله حولَ دعوةِ الإنسان الكاملة موجِّهاً هكذا عقلَنا نحو حلولٍ في غايةِ الإنسانية“.

[16] را. الرسالة الباباوية، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2017؛ البيان الصحفي الصادر عن أمانة سر الدولة، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

[17] المجمع الفاتيكاني الثاني، المرسوم المسيح الرب، 9.

[18] كلمة البابا إلى الكوريا الرومانية، 21 ديسمبر/كانون الأول 2013؛ را. عظة البابا بولس السادس بمناسبة عيد مولده الثمانين، 16 أكتوبر/تشرين الأوّل 1977: “أجل، لقد أحببت روما، في توق دائم للتأمل بسرها المتعالي وفهمه، دون التمكن بالطبع أن اخترقه وأن أعيشه، ولكن بشغف دائم، وما زال حالي، لاكتشاف كيف ولماذا “المسيح هو روماني“” (دانتي أليغييري، الكوميديا الإلهية، »المطهر«، XXXII، 102)… “ضميركم الروماني”، ليكن في أصله المواطنة الأصيلة لهذه المدينة المصيريّة، أو الإقامة المستمرّة أو الضيافة التي تلقونها فيها؛ “ضمير روماني” له الفضيلة هنا بنشر الشعور بإنسانية عالمية لمن يعرف كيف يتنفّسها (تعاليم بولس السادس،XV 1977،LEV، ص. 957).

[19]الوثيقة التحضيرية، سينودس الأساقفة، الجمعية العامة العادية الخامسة عشر: الشباب، الإيمان، وتمييز الدعوات، المقدمة.

[20] من جهة، إن الوحدة التي تجيب على عطية الروح، تجد تعبيرا طبيعيا وكاملا لها في “الاتحاد الراسخ مع أسقف روما“ (بندكتس السادس عشر، الارشاد الرسولي ما بعد السينودس الكنيسة في الشرق الأوسط، عدد 40). ومن جهة أخرى، أن نندرّج في شركة جسد المسيح بأكمله، يجعلنا ندرك واجب تعزيز الوحدة والتضامن ضمن مختلف المجامع البطريركية، »من خلال التفضيل الدّائم للتشاور حول المسائل ذات الأهميّة الكبرى للكنيسة، من أجل عمل جماعيّ ومُتّحد« (نفس المرجع).  

[21]اللقاء مع بطاركة الكنائس الشرقية الكاثوليكية ومع رؤساء الأساقفة، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2013.

[22] مع الرؤساء والآباء، ورؤساء الأساقفة والأساقفة الشرقيّين، وبشركة مع البابا، ومع الكوريا وفيما بينهم، إننا كلّنا مدعوّون “لطلبِ البِرَّ والتَّقْوى والإِيمانَ والمَحَبَّة والصَّبْرَ والوَداعة” (را. 1 طيم 6، 11)؛ ولتبنّي نمط حياة رصين على مثال المسيح، الذي افتقر كي يغنينا بفقره (را. 2 قور 8، 9)… وللشفافية في إدارة الخيرات وللاهتمام بكلّ ضعف وحاجة” (اللقاء مع بطاركة الكنائس الشرقية الكاثوليكية ورؤساء الأساقفة، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2013).

[23] إننا “نرى العديد من أخواتنا وإخوتنا المسيحيّين في الكنائس الشرقيّة يعانون من اضطهاد مأساوي ومن شتات يزيد قلقنا” (عظة قداسة البابا فرنسيس خلال القداس بمناسبة مئوية تأسيس المعهد الشرقي الحبري بازليك ماريا ماجوري، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017)؛ “لا يمكن لأحد أن يغض النظر عن هذه الحالات” (رسالة البابا فرنسيس بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المعهد الحبري الشرقي والمجلس الحبري للكنائس الشرقية

[24]  كلمة البابا خلال الجمعية العامة للمجلس الحبري لتعزيز وحدة المسيحيين، 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

[25]نفس المرجع.

[26]  كلمة البابا للمشاركين في المؤتمر العالمي للسلام، مركز مؤتمرات جامعة الأزهر، القاهرة، الجمعة 28 أبريل/نيسان 2017.

[27]  نفس المرجع.