img_6160pios

المونسنيور بيوس قاشا

         حلّ ما حلّ بنا بعد هزيمتنا من قُرانا ومدننا بسبب داعش الإجرامي، وما حلّ بنا ألقى بضلاله على كنائسنا ومسيرة عوائلنا وسبل معيشتنا وربح أرزاقنا، وأصبحنا نتساءل: أين دور كنائسنا ورؤسائنا؟، أين الكنيسة من جريمة داعش؟، هل خَفَتَ صوتُها من خوفِها أم تندب حظَّها ومسيرتَها بسبب ما حصل بتشتّت أبنائها؟، ولكن رؤسائها وبجاه حكمتهم جعلتهم يسألون عن أبنائهم، فطوبى لكنائسنا وطوبى لرؤسائنا، فلولا هذه الحكمة لتاهت شعوبنا في مجاهل الزمن وأماكن النزوح والهجرة والطائفية المقيتة بين الأحزاب والحركات، بين الجمعيات والإتحادات، بين العولمة والإيمان. والسؤال اليوم: متى ستُعيدنا الكنيسة أو رؤساؤنا إلى ديارنا ومنازلنا؟. إننا نعيش رجاءً مهزوزاً، فهي تُملي علينا آمالاً ربما لن تتحقق، وتنادي بالأرض التي لفظناها أو أرادونا أن نهاجر منها، وربما (لا سمح الله) نلوم كنائسنا ورؤسائنا، وكنا نحن السبب والمسبِّب، إذ لا يخلو العتاب من عتاب أنفسنا نحن أهل الديرة والدار، آل البيت والأبناء، أبناء المحلة والقرية والمدينة.

يعلّمنا إيماننا المسيحي أن الكنيسة هي جماعة المؤمنين، ويكونون جسداً واحداً في المسيح، وهي واحدة جامعة مقدسة رسولية، كما هي بيت الله المكرَّس للعبادة، وبيت الملائكة الذين يسبّحون معنا. لو عدنا إلى ماضي الآباء، فقد كانوا يعتبرون الكنيسة هي الأسقف يحاط به جماعة المؤمنين، وكلهم حول مذبح الله. فالكنيسة في معناها الحقيقي ليس فقط جماعة المؤمنين ولكن جماعة المؤمنين حول سرّ الأفخارستيا.

إذن، في الكنيسة تعيش جماعة المؤمنين التي تحيا حياة مقدسة، وتشترك في الأسرار الإلهية التي يمارسها كهنوت مقدس مثلما يتضح من قول القديس بولس لرعاة مدينته أفسس:”احترزوا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه” (أفسس 28:2). السؤال الذي يطرح نفسه وبكل ثقل إيماني ووجودي: أين هي الكنيسة من مسيرة الألم والنزوح؟، هل الكنيسة تستطيع اليوم أن تعيدني إلى دياري؟، لماذا الذي حصل بأبنائها؟، مَن هو السبب ومَن هو المسبِّب؟، ولماذا اليوم وليس أمس، وبعد 13 عاماً من النزاع المناطقي؟، أين هو الجواب الوافي الأكيد لحقيقة الواقع والواقعة؟.

أكيداً كان الناس سابقاً يهتمون بأمور دنياهم والحصول على أرزاقهم، فكان منهم فلاحون وأصحاب حِرَف بسيطة أو يملكون دكاكين فقيرة، وكان رزقهم حلال، لم تعرف مسيرتهم الفساد المالي أو الغش في التعامل والمعاملة كمدراء هذا الزمن، وقرابتهم لم تعرف لا الطائفية ولا المحسوبية أو العشائرية، بل كانوا كلهم يحترمون الآخرين بدرجاتهم وأماكنهم، وكانوا حينما يمرّ الكاهن في حارتهم يخلعون “جراويتهم” من رؤوسهم وينحنون، وإذا ما قال الكاهن أمراً ما أو وصيةً أطاعوا بكل احترام ودون جدل ولا نقاش، كما كانوا يستشيرون الكنيسة في كل شاردة وواردة، ومنها ينهلون الجواب الشافي في قبول الصلح بين المتخاصمين. كانوا أناساً بسطاء ومؤمنين، والميرون شاهد على جبينهم، فكانت الشهادة سبيل الحياة، ويعشّرون ما يملكون عملاً بوصية الكنيسة، وهمّهم الوحيد أن يكونوا أوفياء لإيمانهم وأمناء لمسيحيتهم، يعملون من أجل خلاصهم، طائعين ومطيعين لرؤوسائهم، وإن جادلوا رؤوساءهم فبالاحترام واللياقة والحُسنى، مملوئين من إيمانهم، غيورين على إنجيلهم ومسيحهم، ولكن لما بلغوا مسيرة العولمة أو بالأحرى دخلت العولمة إلى قدس أقداس حياتهم، وتحولت الحروب من قوس ومنجنيق إلى قاذفات وصواريخ، وانتقل العلم من الطب الشعبي إلى الطب الإلكتروني، وتوصل الإنسان في تغيير مسار الإتصالات من الحَمَام الزاجل إلى الإلكترونيات والذبذبات وأجهزة تنصّت غريبة عجيبة بحجم الذبابة ممكن أن تنقل لك جواب أسئلة الإمتحان الوزاري بغشّ مؤدَّب، وأكثر من ذلك فقد وجد الناس ضالّتهم في هذا العلم القادم إليهم بمسيرة سهلة وتركوا جانباً عاداتهم العائلية واحترامهم للدرجات والمرتبات وأصبحوا لا يبالون بها، فأخذ كبار العمر يقولون: لقد ماتت القِيَم ورحلت الأخلاق، ولا حرية إلا أن نكون آلهة نؤلّه مَن نشاء، فما الذي حدث؟، ولماذا تغيرت قِيَم الناس وعلم البساطة وحقيقة الإيمان إلى الحرية المزيفة، وإلى علم الضياع والثراء والجنس والخطيئة، وإلى الإيمان بمَن نشاء، واختراع الإله الذي نريده، بل نؤله مَن نشاء وننسى الإله الحقيقي يسوع المسيح؟… وأمام هذه الأحداث تقف الكنيسة لتعلن بصوتها:”لا تتركوا إيمانكم وقِيَمكم. انتبهوا من الآلهة التي تعبدونها”، فالإله الحقيقي ما هو إلا يسوع المسيح الوسيط الوحيد (1تيم5:2) وهو في صميم الكنيسة بل هو صميم رسالتها وعمق إيمانها، ولا تخترعوا لكم كنائس جديدة مدّعين أن كنائسنا قد هرمت، فبنينا لنا كنائس خاصة بدل كنيسة المسيح الحقيقية التي هجرناها وأصبحت غريبة عنا.

إذن الكنيسة بناء مخصَّص للعبادة المسيحية، أي محل اجتماع المؤمنين الحالّ بينهم الروح القدس. يقول سفر أعمال الرسل:”فأقاما سنة كاملة يجتمعان إلى جماعة الكنيسة فعلّما جمعاً كبيراً” (أعمال 26:11)، وهو المبنى المشيَّد لهذا الغرض. ويقول بولس الرسول:”لكي نعلم كيف يجب أن نتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته” (1تيمو 15:3). وللكنيسة رسالة سامية هي السير بالمؤمنين نحو خلاص أنفسهم وأجسادهم في إعلان محبة الله للبشر أجمعين، إذ يقول البابا فرنسيس: الكنيسة بيت جميع الناس لأن المسيح هو لكل الناس، ولن يقوى عليها الشيطان ومكائده “وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (متى 18:16)، “كنيسة ممجَّدة لا عيب فيها ولا غضن ولاشي يشبه ذلك بل تكون مقدسة غير معيبة” (أفسس 21:5)… هذه حقيقة الكنيسة.

أما اليوم وقبل كل شيء، واجب الشكر والإحترام للكنائس القديمة التي تخلع فيها نعليك (موسى في سفر التكوين) قبل أن تطأ قدميكَ أرضها المقدسة، وتلبس ما هو مخصص لدخول قدس الأقداس ومذبحها، فقد علّمتنا الكتب وكذلك اللاهوت أن قدس الأقداس ما هو إلا سكنى الله “الخاص”، أما ما يحصل اليوم، فأبناؤنا يريدون أن تكون الكنيسة من بُناة تعاليمهم ومن صياغتهم، وإنجيلها يساير حياتهم العولمية، وقدسيتها لا مكان لها، وقدس أقداسها لا معنى له، ففي هذا يسعى بعض القائمين عليها أن تكون كنائسهم وحتى قدس أقداسها مسرحاً، ولباسهم لا يليق بالمكان المقدس بحركاتهم البهلوانية ذهاباً وإياباً، وساحة لمسيرتهم وعودتهم، ومرتعاً لمدعوّيهم وبالخصوص إذا كانوا غرباء عن الدار، جالسين يضحكون، يمرحون، يصفّقون، يثرثرون بما طاب من الحديث المعسول والمرغوب والمكروه، وكأنهم في مسرح مفتوح فيه تلتقي الناس لتسأل عن أحوال بعضها البعض قبل أن يدركوا أن هذا مكان الصلاة والصمت والهدوء والتأمل والحديث مع الخالق المعبود، ويرون أن كل شيء لديهم جميلاً، وأجواء الإختلاط بلا ضوابط بحركات غريبة عجيبة، مدّعين أنهم بعملهم هذا يبشّرون بالإنجيل الجديد للعهد الجديد، ما قبل داعش وما بعد داعش، وفي ذلك يدركون فيعقلوا، أنهم حاملو رسالة، ونسوا أو تناسوا أن ذلك ما هو إلا وثنيات، وتدنيس للقدسيات والمقدسات، والقائمون غير مبالين بل مشجعين لما يحصل ولما يشهدون، ومن المؤسف ان تكون تلك إرادة القائمين عليها، وكأن ذلك حقيقة الإيمان، ثم يبرّرون أنفسهم فيسرعوا _ وكما يحلو لهم _ في إتّهام الجمعيات المستورَدَة وإنْ كانت غير بريئة، والحقيقة تقال أصبحوا هم المستوردين والمخترعين، ونسوا أنه كان من الواجب أن يُخرجوا الخشبة من أعينهم قبل أن يُخرجوا القذى من أعين الآخرين (متى 5:7)، فأولئك تلك خدمتهم وذلك ديدنهم، أما نحن فالحقيقة مختلفة تماماً.

هناك مَن يريد من الكنيسة أن تتبع تعاليمهم وإرشاداتهم فهم الآمرون والمنفّذون، وما رسالتهم في الحضور إلى الكنيسة إلا مراقبة المؤمنين وراعيهم لكي يُصدروا أوامرهم بشكواهم بحقيقة الكنيسة التي هم فيها يؤمنون، متناسين أو ناسين أنهم مؤمنون، فلا هم مسيحيون ولا المسيح، مؤسِّس الكنيسة وبانيها ومركزها. وهنا يكمن التساؤل ونتساءل: يا ترى، أهذا هو دور المؤمن تجاه مسيرة كنيسته؟، أليس ذلك فشل في مسيرة الروح والمسيحية والإيمان؟، وهل الكنيسة المسيحية بالنسبة لهم سبيلاً لغايات وعنواناً لهوية؟، وهل الكنيسة هي كما أشاء أنا، أم كما يريدها يسوع المسيح بانيها؟، فأنا أذهب لأصلّي، لا أذهب لأمارس دور “الحاكم المنافق” و”شاهد زور” و”القاضي الظالم” (لوقا 6:18).

وإذا دعتهم الكنيسة إلى الصلاة والسجود والتأمل مؤمنة بما يقول الرب يسوع:”صلّوا كل حين ولا تملّوا” (لوقا 1:18) وأيضاً “إن هذا الجيل الشرير لا يخرج إلا بالصوم والصلاة” (مر29:9)، فتراهم لا يبالون، وإذا ما أدركوا فقلّة منهم. كما ويريدون من الكنيسة إقامة القداديس على هواهم وهديهم وحسب توقيتاتهم دون تطويل وتعريض، وإذا ما عتبتهم على عدم حضورهم إلى كنيستهم يبرّرون ذلك أن لهم أصدقاء في الكيف واللهو في معابد أخرى. وإذا ما كان الحديث معهم بالطاعة، تركوا كنيستهم ورحلوا إلى كنائس أخرى، زرافاتٍ ووحداناً، وإلى حيث الجمعيات، ففي ذلك كلها تكون النتيجة حتمية، ربحية، تأليهية، تشهيرية وتشويهية، وهناك يقدمون حساب وجودهم (متى 15:25)، حساب ذهابهم وإيابهم، ويوقّعوا بصماتهم بأنهم حضروا فيأخذون المقسوم راضين ومرضيين، مرتاحين متأوهين، لِمَا حصلوا عليه ولِمَا جنوا من أرباح لم يجنوها في عقر دارهم ودورهم، ويبرّرون عدم حضورهم وتعلّقهم بكنيستهم بقولهم “أنتم لا تعرفون أن تفسروا لنا الكتب” (لوقا 27:24)، ففي الجمعية الفلانية ينجحون في ذلك، والقائم على ذلك ليبرالي منفتح إلى حدّ الضياع ونسيان مركز دعوته، ويبدأون بشتم القائمين عليهم من كنيستهم والتقليل من إحترامهم وربما إتّهامهم بسرقة ما هو لهم حسب تفكيرهم، ويعتبرون أنفسهم أنهم حقيقة لا لبس فيها، وينسون ذواتهم أنهم أصبحوا آلة للنميمة والإفتراء.

يا أحبائي، نعم الكنيسة تعمل بالروح القدس، هذه ناحية أساسية فيها، وإنها تنمو في العدد، وهذه ناحية جانبية، وإنها مصدر الآيات والمعجزات، وتلك ناحية ثالثة “وجعل كل شيء تحت قدميه رأساً للكنيسة التي هي جسده” (أفسس 23:1)، كما هي خيمة موسى التي التقى فيها بربّه ليكون عوناً له وقوةً لساعده. فالكنيسة التي تتحدث بالروح القدس تصارع الخطيئة، فمن الكنيسة ترتفع صراخات البشر نحو الله في وقت الضيق، وعلى مذابحها تُرفَع وتُقدَّم ذبائح عن خطايا البشر، فتداوي جراحاتهم. فالكنيسة رسالة يحملها بعد إتمام صلواته وفرضه، ومهمة تشهد عن حب الله لنا جميعاً، فقد “أحبّ المسيح الكنيسة وسلّم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهِّراً إياها بغسل الماء بالكلمة ليجعلها كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن ولا شيء يشبه ذلك بل تكون مقدسة غير معيبة” (أفسس 27:5).

نعم، الكنيسة جسد المسيح القدوس “ليكون هيكلاً مقدساً في الرب” (أفسس 21:2)، يطهّر المؤمنين من كل خطيئة، “وبه أنتم أيضاً مثبتون معاً لتصيروا مسكناً لله في الروح” (أفسس 25:27)، فمهمتها الأولى تقديس النفوس وإشراكهم في خيور النظام الفائق الطبيعة، فهي تجعلنا أن ننمو بنور وقوة كلمة الله، وترشدنا إلى طريق الخلاص، وتحمينا من الشرور، وتعلّمنا القيام بأعمال الرحمة (البابا فرنسيس)، فهي في هذا مهتمة بمقتضيات حياة الناس اليومية… فلنجعل محبتنا واحترام كنائسنا في قدسيتها دليلاً أكيداً على حبّنا، فنحن لها ومن أجلها وفيها نكبر بالقامة والنعمة أمام الله وأمامها.

فلا يجوز أبداً أن نجعل من قدس الأقداس ما هو غير لائق لتشويه أمكنة عبادتنا مبرّرين ذلك بأعمالنا المؤلَّهة، ونكون نحن القادة في هذا المجال الوثني، فتصفيق الشعب والحاضرين ونحن نلعب ونمرح على صحن قدس الأقداس ما هي إلا وثنيات كما فعلها الرومان حينما كانوا يقدمون أو يرمون الشهداء المسيحيين أمام أفواه الأسود. فاحترامنا لقدس الأقداس هو احترامنا لمسكن الله، وعلى القائمين أن ينتبهوا بأن يملأوا قلوبهم صلاة ودعاء، وأن يكونوا أنموذجاً ومثالاً في السيرة والمسيرة، وإذا أرادوا أن يلهوا بمسيرة حياتهم فلكل كنيسة قاعة تجمعهم للإحتفال والترفيه وليس للهو والغناء، وأخيراً وأخيراً “فمَن لا يُحسن تدبير بيته فكيف يعتني بكنيسة الله” (1تيمو 5:3)… إنها أمّنا ومعلّمتنا، منها ننهل في سبيل الحياة، وفيها نرفع أدعيتنا إلى رب السماء.

ختاماً، للكنيسة رسالة سامية مقدسة، لذا يجب علينا نحن القائمين عليها أن نحافظ على قدسيتها كما يقول الكتاب “قم إخلع نعليك فالأرض مقدسة” (موسى في سفر التكوين). ولنتعلّم أن نكون في الصلاة قبل المؤمنين، نتهيأ للذبيحة الإلهية، فالكاهن الذي يصلّي تجد رعيته خلية صلاة، والقائم على الكنيسة يجب أن يتعلم “كيف يجب أن يتصرف في بيت الله الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته” (1تيمو 15:3)، لكي تبقى الكنيسة معبداً للتأمل والصلاة ليس إلا !!!.. نعم وآمين.