المتنيح مثلث الرحمات الأنبا أنطونيوس فلايفل

المتنيح مثلث الرحمات الأنبا أنطونيوس فلايفل

النائب الرسولي لبطريركية الإسكندرية للأقباط الكاثوليك

خاص بالموقع – الأب إسطفانوس دانيال جرجس عبد المسيح

ولد حوالي 1709، وعلى حسب وثائق جامعة تسالونيكي باليونان أنه من زفتى بالزقازيق، والتحق بالرهبنة الأنطونية (دير القدّيس أنطونيوس الكبير،كوكب البرية، بالبحر الأحمر).

رُسم كاهنًا بهذا الدير، وبعد نياحة الأنبا خريستوزولس(عبد المسيح)، مطران كرسي جرجا وأخميم وقفط وقوس ونقادة وإسنا وأرمنت وكل ضواحيهم للأقباط الأرثوذكس[1]، تم اختيار الراهب القس أنطونيوس فليفل أسقفًا على هذا الكرسي الشاغر ورُسم أسقفًا عن يد البطريرك الأنبا يؤانس 17(1727- 1745) وذلك في العام 1729. وأثناء وكالة المدير الرسولي الفرنسيسكاني الأب يوسف فرنسيس (1757-1761) المدير الرسولي لطائفة الأقباط الكاثوليك، انضم للكنيسة الكاثوليكية هذا الأسقف الجليل الأنبا أنطونيوس فليفل وذلك سنة 1758. وقد كتب المجمع الشرقي في يوم 14/4/1759، للأب يوسف فرنسيس الفرنسيسكاني عن سعادته لاهتداء هذا الحبر الجليل للكنيسة الكاثوليكية. وفي السنة عينها سافر لمدينة روما، وأقام بدير القدّيس إسطفانوس[2]. وقد جاء في تقرير “أوربانوشيري” سكرتير مجمع انتشار الإيمان بروما عن الحالة المسيحية في مصر عام 1760: « إن عدد الكاثوليك لا يزيد عن ألف وثلاثمائة، وعدد الأرثوذكس أربعين ألفًا» ويقول:« أنه في مصر القديمة يوجد ست أو سبع كنائس كاثوليكية، وأما اللاتين كنائسهم في القنصليات: قنصلية فرنسا وقنصلية البندقية، وللرهبان الكابوشيين كنيسة في مقرهم »[3]. وعين الأنبا أنطونيوس نائبًا رسوليًّا في اجتماع 24و 25أغسطس لسنة 1760وبقرار 11أبريل لسنة 1761 وأُرسل لمصر، ونال درجة النائب الرسولي على طائفة الأقباط الكاثوليك وأقام بالقاهرة إلى سنة 1769،على شرط أن يستعين بالأب روكسى قدسي، وقد عين مجمع انتشار الإيمان بروما الأب روكسي قدسي وكيلاً عامًا للأنبا أنطونيوس فليفل وذلك في أول أبريل سنة 1761. وكانت إقامته في مدينة القاهرة[4].

وبعد اهتداء هذا الشيخ الجليل للكثلكة وجاهر بإيمان هذه الكنيسة ولم يخش بطش الناقدين له، فحرمه البطريرك القبطي اليعقوبي  الأنبا مرقس السابع (1745- 1769) فاضطهده هذا البطريرك بمساعد الأتراك، ولذا قدّم أيضًا الأقباط اليعاقبة  الشكوى في حقه إلى الولاة الإسلام مفترين بكل التهم المختلفة والكاذبة فقبض على هذا الشيخ الجليل في السنة 1763 وسجن أحد عشر يومًا عذب فيهم عذابًا أليمًا قاسيًّا وتعرض داخل السجن بالجوع والعطش وحاولوا أن  يقتلوه، وعندما استطاع أن يتجرد من بين أيديهم تدارك حقدهم وسوء معاملتهم، فذهب إلى مدينة روما حتى وجد السلام فيها، ثم عاد مرة أخرى للقاهرة، ثم توجه إلى الصعيد ومكث في أخميم وفرشوط حتى عام 1774، وسافر إلى مصر وقدم استقالته في العام 1774 بسبب كبر سنه واعتلال صحته[5]. ثم ذهب إلى روما سنة 1777، ثم ذهب للموارنة حتى قضى حياته لديهم وكان الكل يشهدون له بالقداسة والعلم والحكمة. وساعد هذا  الأسقف الجليل الأنبا ميخائيل الطوخى في نسخ الكتب الطقسية. ورقد في الرب في يوم 5/10/1807[6].

وفي سنة 1791 قام بطريرك الأقباط اليعاقبة الأنبا يؤانس الثامن عشر (1769- 1796) برسامة الأنبا يوساب أسقفًا على كرسي جرجا الشاغر[7]، وذهب هذا الأسقف إلى مقر كرسيه فأخذ يطوف إلى المدن، والقرى، والنجوع التابعة لكرسيه، ويصاحبه في التطواف هذا القمص فيلوثاؤوس إبراهيم بغدادي صالح[8] . وحدثت مشاجرات ومخاصمات ومنازعات بين القبط الكاثوليك والقبط اليعاقبة يومذاك حتى أنّها وصلت إلى والي مصر السلطان محمود الثاني (1785- 1839) ووقعت بين أيدينا وثيقة مهمة جدًا تطلعنا عن نمو الكثلكة في جنوب الصعيد  وها نص الوثيقة  الذي يحوي اتفاق الكنيسة القبطية الكاثوليكية والكنيسة القبطية اليعقوبية : « إلى جناب حضرة الأب كبير اخوتنا القسوس والرهبان، وحضرة الأبناء المحترمين كافة الشعب المسيحي تابع الكرسي البطرسي بمدينة جرجا وأخميم وطهطا وفرشوط ونقادة بالوجه القبلي بارك الله عليهم. بعد تجديد البركات الروحانية عليهم وكثرة الأشواق إليهم ليس خافي عليكم الداعي تسطير هذه الحروف هو أنه بسبب الاختلافات الواقعة  والمنازعات الحاصلة بمدينة جرجا وأخميم من قبل بعض زيجات صارت بين القبط اليعاقبة وبين القبط الكاثوليكيين ووقع مشاجرات ومضادات وشكايات جاء منها الضرر إلى الفريقين والآن أنا البادري كيرلس رئيس عام رهبان المرسلين بمصر والصعيد والخواجا كارلوى شنتى قنصل طائفة النمسا بحضور حضرة الأب المكرم البادري اكليمنطس رئيس عام سابقًا اتفقنا مع قدس حضرة سيدنا الأب البطريرك الأنبا يوأنس خادم الرتب المرقسية بكرسي مصر المحروسة دام قدسه آمين. ومع حضرة أولادنا المحترمين المكرمين المعلّم إبراهيم الجوهري والمعلّم جرجس أخيه رؤساء طائفة الأقباط بمصر وعملنا باتفاق واحد هذه الشروط الآتي ذكرها:

الشرط الأول: إن المتزوجين سابقًا من الفريقين يكونوا تحت إرادة نفوسهم إذا رأوا أن يصلّوا في كنيسة الكاثوليكيين أو في كنيسة القبط اليعاقبة بمرادهم ولم أحد له عليهم اغتصاب في ذلك.

الشرط الثاني: إن من الآن فصاعدًا لا أحدًا من القبط الكاثوليكيين يتزوج من بنات القبط اليعاقبة ولا أحدًا من القبط اليعاقبة يتزوج من بنات القبط الكاثوليكيين ولا أحد من القسوس معه إجازة يكلل لبنت من بنات الكاثوليكيين إلى قبطي يعقوبي ولا يكلل من بنات القبط اليعاقبة إلى قبطي كاثوليكي. وعند عقد زواج الرجل والإمرأة يتبعوا بعضهم إما في كنيسة اليعاقبة أو في كنيسة الكاثوليكيين ويكون ذلك بغير اغتصاب بل بإرادتهم لأجل منع الشرور.

الشرط الثالث:أن لا يدخلوا قسوس اليعاقبة بيوت الكاثوليكيين ليكرزوا، ولا قسوس الكاثوليكيين يدخلوا بيوت القبط اليعاقبة لأجل الكرازة لئلا يحصل بسبب ذلك نزاع.

الشرط الرابع أن لا يكون اغتصاب لا على الرجال ولا على النساء إن الكنيسة البطرسية أو الكنيسة اليعقوبية بل الاختيار لهم في ذلك محل ما يريدوا أن يصلوا لأن الله خلق الإنسان مخير بارادته كذلك المكاتب كل طايفة تقرى أولادها عندها.

الشرط الخامس: إن من الآن فصاعدًا لا أحد من الفريقين معاه إذن أن يراعي لا إلى حكام الشرع ولا حكام السياسة بل إن اقتضى الأمر في منازعة أو خصومة أحدثها بينهم العدو الخبيث خزاه الله فأنتم تخاطبونا وجماعتهم يخاطبونهم وكل حصل منه مخالفة يصير نحن الجميع ضده ويكون تحت القصاص لأن أملنا وغاية مطلوبنا من الآن وصاعدًا عدم منازعات والخصومات ونكون مع بعضنا بالمحبة الكاملة ونطلب من الله دوامها إلى النفس الأخير. وبركة الرب القادر على كل شيء تحل على كم وتشملكم نفسًا وجسمًا بشفاعة ذات الشفاعات معدن الطهر والجود والبركات سيدتنا كلنا وفخر جنسنا البكر البتول مريم وجميع الشهداء القدّيسين. آمين. حرر في 2 كريانوارنوس سنة 1794 مسيحية. إمضاءات ( ختم بالشمع الأحمر)»[9]. وفي الحقيقة أن الأنبا يوساب كان متعصبًا، حتى كان يقول على الأقباط الكاثوليك هم الأقباط الإفرنج ومازال هذا اللقب موجود في قرى الصعيد، وهو أيضًا كان له دور في قطع المساعي الوحدوية وقد وفانا التاريخ الكنسي بأن الأب روفائيل بسكي القبطي الكاثوليكي عند بعثته لروما ما بين السنة 1806والعام 1807أرسل مع الأب روفائيل بسكي برسالة رقيقة من المجمع المقدس إلى البطريرك القبطي اليعقوبي مرقس الثامن (1796-1809). وفي يوم 26/10/1815 سطّر المعلّم اسحق الملقب بالمعلّم غالي سرجيوس فلثاؤوس رسالة إلى المجمع، مقترحًا عليه أن يبعث برسالة إلى البطريرك القبطي اليعقوبي بطرس السابع (1809-1852) في شأن المساعي الوحدوية. وفي أول شهر مايو لسنة 1819، حثّ المجمع مرة أخرى المعلّم غالي، الملقب قيم مصر العام، على التحدث إلى البطريرك بالإتحاد. وأضاف المجمع: « لعلّ العناية الإلهية قد أعادت إلى سيادتك هذه التكريمات، حتى إذا ما التهبت بحبة مضطرمة، استطاعت، في المناسبات، أن تستخدم جميع الوسائل التي استحسنتها، لكي تستيقظ، في نفس البطريرك، استعداداته الطيبة التي أظهرها في الماضي». بالإضافة إلى ذلك يخبرنا غبطة أبينا البطريرك الأنبا كيرلس الثاني مقار، في مؤلفه «تاريخ كنيسة الإسكندرية» عن غيرة المعلّم غالي ومحبته المخلصة للحبر الروماني وللكنيسة الكاثوليكية، ونجد موقف الشهامة والرجولة في المساعي الوحدوية بين الكرسي الرسولي والأقباط اليعاقبة وها النص الذي سطره مثلث الرحمات صاحب الغبطة البطريرك الأنبا كيرلس الثاني مقار: « كان بعض الأقباط يتوقون إلى هذا الإتحاد،والخديوي ذاته يري أن مصر تتقدم وترتقي لو أنها اتصلت بمركز المسيحية. لذا حبذ مشروع الإتحاد وعضده، فاجتمع في سنة 1814أقطاب الطائفة القبطية، والتأم المجمع تحت رئاسة غبطة البطريرك بطرس والأساقفة للخروج بهذا المشروع إلى حيز التنفيز. ولما علم بذلك قداسة البابا أرسل خطابا إلى البطريرك يحثه فيه على التمسك إلى النهاية بنواياه الحسنة». ثم أن البطريرك المؤرخ العظيم بنص الخطاب المذكور بيوم 8 يوليو لسنة 1815، وأردف قائلا: «ولكن مع الأسف المرير لم ينجح المشروع، فقد قام المطران يوساب أسقف أخميم يناهض الوحدة. فبعد أن حررت وثيقة الإتحاد، ووقع عليها البطريرك وسائر الأساقفة وسلّمت إلي الأنبا يوساب للتوقيع عليها، مزقه، وقضي بذلك على وحدة الكنيسة القبطية، ومستقبل الأمة المصرية الزاهر المجيد». وقد كتب ريمون جنان عن المحاولة الأخيرة للمساعي الوحدوية الآتي: « المعلّم غالي القبطي الكاثوليكي هو الذي قام بها».

 

بنعمة الله

أخوكم الأب إسطفانوس دانيال جرجس عبد المسيح

خادم مذبح الله بالقطنة والأغانة – طما

stfanos2@yahoo.com

 


[1] ظلّ هذا الكرسي شاغرًا حتى سيم الأنبا يوساب الأبح سنة 1791.

[2] راجع عبد المسيح دانيال،«تاريخ الكنيسة القبطية الكاثوليكية (1560-1777)»، مجلة الصلاح، السنة 79، أكتوبر،2008، ص 18-22، وارجع أيضًا عبد المسيح دانيال جرجس،« بطاركة وأساقفة الكنيسة القبطية الكاثوليكية (1722-2006)»، جريدة حامل الرسالة، العدد 2526، 27/5/2007، السنة 49،ص4، وراجع، إسطفانوس دانيال (الأب)، «الكنيسة القبطية الكاثوليكية في القرن الثامن عشر(1) »، جريدة حامل الرسالة السنة 51، 6 ديسمبر2009، العدد 2658، ص4.

[3]   Les Missions d Egypt et enthiopie en 1678 d apres Ie rapport de Mgr Cerri، Secretaire de  lacangnegatio de peap، de propaganda Fide، au pape nnocent X 1 – Dans Documents omnis Terra gg – 4، Novembre 1973

[4] راجع مجموعة من المؤلفين،« تاريخ الكيسة القبطية الكاثوليكية »، أعمال المجمع السكندري، القاهرة، ص67.

[5] راجع الكسندر اسكندر(الأنبا)، « تاريخ الكنيسة القبطية»، الجزء الثاني، القاهرة، 1961،ص65-66.

[6] راجع، بطرس سعد الله (الأب)، «اليوبيل الماسي للكلية الإكليريكية للأقباط الكاثوليك (1899-1974)»، القاهرة، 1974، ص 13، وبطرس سعد الله (الأب)، «تاريخ الإكليروس للأقباط الكاثوليك (1724-1962)»، القاهرة، 1963، ص70، وكلية العلوم الإنسانية واللاهوتية، «اليوبيل المئوي للكلية الإكليريكية»، القاهرة، 2001، ص14-15، ويوحنّا كابس ( الأنبا )، «لمحات تاريخية عن النواب الرسوليين  لطائفة الأقباط الكاثوليك في القرن التاسع عشر»، القاهرة، 1987، ص138، ومجموعة من المؤلفين، «دليل إلي قراءة تاريخ الكنيسة، المجلد الثاني: الكنائس الشرقية الكاثوليكية»، دار المشرق، بيروت، 1997، ص179-180.

[7] ولد يوسف في سنة 1735 بقرية النخيلة- أبو تيج – أسيوط، وفي سنة 1760 التحق بالرهبنة بدير القديس أنطونيوس الكبير بقرية بوش”حاليا قرية ناصر بالقرب من مدينة بني سويف” وسُيم أسقفًا في سنة 1791، ورقد في الرب يوم 10 مارس 1826، وله من العمر 91 عامًا. ( راجع زخارياس الأنطوني(القس)، «يوسابيات»، الجزء الثاني، القاهرة، ص 45-67).

[8] ولد في مدينة طنطا سنة 1737، سُيم كاهنًا في شهر يونيو 1862 عن يد الأنبا يؤانس(1854-1894)  مطران المنوفية، ونال رتبة القمصية في سنة 1865 عن يد المطران المذكور، وتنيح في يوم 10 مارس 1904. (راجع ميشيل ذكي عبد الملاك، « القمص فيلوثاوس إبراهيم»، القاهرة، 2002، ص 1-29).

[9] راجع « الجوهريات دفاع المعلمين الجوهرين عن كيان العائلة القبطية»، مجلة نهضة الكنائس، في عددها الصادر يوم  6 يونيه لسنة 1956، ص 171-172، وراجع أيضًا « على هامش التاريخ: الكثلكة والمعلم غالي»، مجلة صديق الكاهن، فبراير/ مارس، القاهرة، 1961، ص12-13.