تاريخ الكنيسة المصرية – الجزء الرابع

أ- مرحلة النُسّاك أو العزلة الانفرادية
نجد رجالاً كثيرين يبحثون عن الكمال في الخلوة والصلاة فيبتعدون قليلاً عن مسكنهم ويعيشون متجردين من كل شيء. نعرف منهم الأنبا بولا الذي ترجم حياته القديس إيرينيموس والتقى به القديس أنطونيوس بإلهام إلهي وأخبرنا القديس أثناسيوس عن المقابلة الأولى بينهما.
ومن أمثاله الشيخ الذي تتلمذ على يديه أنطونيوس فترة من الزمن- كذلك الشيخ بلامون الذي قاد خطوات باخوم الأولى.
يقول بعض المؤرخين أن كثيرين ابتعدوا عن المدينة خوفاً من الوشاية بهم كمسيحيين. هذا السبب ربما كان حقيقياً للبعض منهم أثناء عصر الاضطهاد ولكنه كان سبباً ثانوياً إذ حتى بعد الاضطهاد استمروا في خلوتهم وعبادتهم ومن العجب أنه بعد عصر الاضطهاد والحصول على السلام القسطنطيني، زاد عدد هؤلاء المتوحدين لما رأوا من فتور في الكنيسة: فهم إذ حرموا من نعمة الاستشهاد التي كانوا يتوقون إليها، أرادوا استشهاداً من نوع آخر. إظهاراً لحبهم للمسيح.
فكان الاستشهاد اليومي مدى الحياة في طهارة تامة وأصوام وتقشفات وصلاة مستمرة حتى بلغوا إلى الكمال المسيحي: وهذا ما نراه واضحاً في حياة المؤسس الحقيقي للحياة الرهبانية وهو الأنبا أنطونيوس الكبير “كوكب البرية” (251-356).
وُلد القديس أنطونيوس بقمن من محافظة بني سويف حالياً سنة 251، من عائلة تقية وغنية. مات والداه وهو في سن مبكرة. ذهب يوماً إلى الكنيسة فسمع الإنجيل: “إن كنت تريد أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل شيء واعطه للمساكين وتعال اتبعني” (مت21:19). وكان في الثامنة عشر من عمره. فشعر أن هذا النداء موجه إليه شخصيا. فللوقت نهض وتخلى عن ماله وباع كل شيء وزّع ثمنه على المساكين. ثم أودع أخته الوحيدة إلى دار بعض النساء المكرسات وترك المدينة وسكن في صحراء مجاورة، متفرغاً لله بالصلاة والعمل وهناك صار عرضة لتجارب كثيرة من الشيطان ليحوله عن عزمه. ولكنه تغلّب عليها كلها بقوة كلمة الله. وذاع خبره في المنطقة حتى كان الكثيرون يأتون إليه طالبين إرشاداً أو بركة.
فعزم على أن يبتعد أكثر إلى مكان أكثر انزواءً. فبعد مسيرة تسعة أيام وصل إلى مكان يُسمى بيسبير فوجد قبراً من قبور قدماء المصريين، فسكن فيه وأغلق كل منافذه وكان أحد أصدقائه يأتي إليه ببعض الخبز كل ستة أشهر. وظل هناك عشرين سنة: عائشاً حياة النُسّاك الأولين.
الرهبنة:
غير أن أنطونيوس لم ينعم طويلاً بالخلوة التي تاقت إليها نفسه لأن الناس أخذوا يبحثون عنه حتى وجدوه. ورفض أولاً مقابلتهم. ولكن تحت إلحاحهم اضطر إلى مقابلتهم وتقاطر عليه الناس من مصر أولاً ثم من البلاد الأخرى.
فمنهم من يطلب نصيحة ومنهم من يطلب بركة ومنهم من يطلب شفاء كما جاءه أيضاً فلاسفة يناقشونه في أمور الدين. وكان الجميع يتعجبون من حكمته ووداعته. وكثيرون أرادوا أن ينضموا إليه لكي يتتلمذوا على يديه. وفهم أن هذه هي إرادة الله في أن يؤسس لهم نظاماً خاصا يساعدهم في طريق الكمال المسيحي.
وهكذا بدأت المرحلة الثانية من الحياة الرهبانية،وهي العزلة الجماعية وسميت بالنظام الأنطواني وسمح لكل من يرغب في هذه الحياة الجديدة ببناء قلاية بجواره. وكثُر عدد هؤلاء الرهبان، كل منهم يحيا حياته الخاصة تحت إرشاد الأنبا أنطونيوس الذي كان الأب الروحي لجميعهم. وكان يجمعهم من وقت لآخر ويلقي عليهم العظات التي تساعدهم على محاربة الشيطان وكان يتلخص تعليمه في قراءة الكتاب المقدس والصلاة والتنسك في الأكل والمشرب. ومزج كل هذا بالعمل اليدوي كضفر السعف والخوص ولصنع الحصير أو السلال حتى لا يجد الملل إلى نفسهم سبيلاً.
وخاف أنطونيوس على نفسه من هذه الحشود التي تقطع عليه صلاته. فأراد أن يتوغل في الصحراء شرقاً. فوصل إلى جبل قسقام بالغرب من البحر الأحمر وظل في مغارة لا تزال موجودة حتى الآن. ولم تكن خلوته هذه تمنعه من الاهتمام بالكنيسة وخدمتها عند اللزوم فلا نتصور أن الراهب يهتم فقط بنفسه. ويذكر التاريخ أنه ذهب إلى الإسكندرية مرتين، مرة ليشجع الشهداء للثبات في الإيمان واحتمال الآلام حباً بالمسيح معرضاً نفسه مشتاقاً إلى الاستشهاد، ومرة أخرى ليؤيد أثناسيوس في كفاحه ضد الهراطقة الأريوسيين الذين أشاعوا أن أنطونيوس من أنصارهم. وكان يرجع بسرعة إلى خلوته قائلاً إن الراهب لا يستطيع العيش خارج صومعته كما أن السمكة لا تستطيع أن تعيش خارج الماء.
وكان القديس أثناسيوس قد زاره قبل ذلك سنة 333م وأوى عنده فترة من الزمن التماساً للأمن وهرباً من اضطهاد الأباطرة الآريوسيين. ولذلك عند منفاه في ترير وفي روما، كتب كتابه الشهير “حياة أنطونيوس” الذي عرّف العالم الغربي بأنطونيوس وتلامذته والحياة النسكية التي يعيشونها. مما جذب الكثيرين إلى صحاري مصر ليشاهدوا بأنفسهم هذه الحياة الملائكية.
ومن تلامذته المشهورين القديس أمونيوس وأنبا مقار المصري اللذين نصحهم أنطونيوس بتدبير إلهي أن يرجعوا إلى مكان خلوتهم في تتريا وبرية شهيت حيث تجمعت حولهم مجموعات وفيرة يعيشون على منوال تلاميذ أنطونيوس في هذه الحياة الجماعية مع المحافظة على الحرية الفردية فيجتمع الرهبان أيام السبت والأحد للقداس الإلهي وماعدا ذلك يتعاطون الصلاة الانفرادية والتنسك كل حسب استطاعته وسخائه تحت إرشاد أبيهم الروحي.
أنبا باخوم 292-326م أبو الشركة الرهبانية

ولما كانت هذه الحياة الانفرادية معرضة للأخطار الروحية منها التطرف والغرور والملل الذي يؤدي إلى الفتور واليأس والنكوص عن الدير. هيّأ الله الأنبا باخوم ليؤسس حياة الشركة الرهبانية الحقة كما هي منتشرة الآن في معظم أديرة العالم المسيحي والتي تدين بنظامها وروحها إلى الكنيسة القبطية.
وُلد باخوم سنة 292 من والدين وثنيين بإسنا بصعيد مصر. تثقف بالعلوم المصرية ولكنه كان يشعر بنفور من عبادة الأصنام. وفي العشرين من عمره اضطر إلى الالتحاق بالجيش الروماني تحت إمرة الإمبراطور مكسيموس، لمحاربة جيش ليسنيوس وقسطنطين وفي خدماته بالجيش، تأثر من معاملة المسيحيين للجنود حتى الغرباء منهم ومن تجردهم وسخائهم في سبيل الآخرين.
وبعد انهزام ماكسيمانس وخروجه من الجيش، لم يُرد الرجوع إلى أهله وأخذ يتعلم الديانة المسيحية حتى قبل العماد في بلدة شنسيت وقصد أن يحيا حياة الكمال المسيح، فذهب إلى أحد المتوحدين المشهورين يُدعى بلامون الذي بعد اختبارات كثيرة قبله كتلميذ له وعاش معلمه حياة الصلاة والنسك. وكان من عادة باخوم أن يبتعد في الصحراء في مكان يدعى “طابنيس” فسمع يوماً صوتاً من السماء يقول له “امكث في هذا المكان وابنِ ديراً لاستقبال كل من يرسلهم الله لك لخدمته” وشجعه بلامون على ذلك بعد أن عاش معه سبع سنوات وكان أول تلميذ انضم إليه هو أخوه يوحنا وتبعه كثيرون.
أدرك باخوم مساوئ الحياة الانفرادية من ملل وغرور وخطر التطرف في التقشفات وعدم ممارسة فضيلة المحبة فجمع تلاميذه في حياة جماعية وهكذا ظهرت لأول مرة حياة الشركة ولُقب باخوم بأبي الشركة الرهبانية وأقام لرهبانه ديراً يجمعهم سوياً وأقام لهم قانوناً بإرشاد سمائي كُتب باللغتين القبطية واليونانية ثم تُرجم إلى اللاتينية. يحدد واجبات كل منهم وواجبه نحو الرئيس وينظم لهم حياتهم من جهة الأكل والشرب والملبس والصلاة وقراءة الكتاب المقدس وكان للشغل اليدوي نصيب وافر فكان منهم الحداد والنجار والخباز ومنهم من يقوم بالفلاحة وبالنسيج. وكانت قوانين باخوم متسمة بالاعتدال مراعياً حالة كل فرد.
وعلى منواله قام شنودة الإتريبي بتأسيس دير البيت الأبيض بالقرب من أخميم. وكان راهباً مثقفاً يعرف باللغة اليونانية وملماً بالفلسفة اليونانية وبالشعر. هذا بالإضافة إلى صفاته الحميدة من تقديم العون للمعوزين وتقواه الشخصية. إلا أنه عُرف بصرامته نحو الرهبان والراهبات، متشدداً عن القوانين الباخومية كما عُرف بتمسكه باللغة القبطية وبمحاربته الشديدة للهراطقة والوثنيين وقام شخصياً ومع رهبانه بهدم الكثير من معابدهم. ووصل عدد الرهبان عند الفتح العربي إلى ما يزيد عن 30000 راهب.
وهذه بعض القوانين الباخومية:
1- شروط القبول في الدير: كن مفروضاً على كل من يتقدم للرهبنة أن يظل ثلاث سنوات تحت التمرين. وكان عليه في تلك الأثناء أن يتعلم القراءة والكتابة إن كان يجهلهما. فإن أثبت أهليته للترهب انتظم في سلك الرهبنة وترك البيت المقام إلى جانب بوابة الدير وسكن في قلاية من القلالي المعدة للرهبان. متعهداً بممارسة فضائل الطاعة والعفة والفقر الاختياري.
2- من حيث الطعام: كان يُقدم الأكل في مائدة الطعام مرتين في اليوم ظهراً وغروباً. وكان الحضور إلى المائدة اختيارياً واللحم والخمر ممنوعان إلا في حالة الاعتلال الصحي.
3- من حيث العمل اليدوي: كان العمل اليدوي مفروضاً على الجميع وكان يُعيّن وقت ما ساعة أو أكثر للعمل معاً رئيس ومرؤوسين. وكان للعمل اليدوي من ناحية يبعد الملل والرهبان ومن ناحية أخرى يتعايشون به ويساعدون به الفقراء ويمارسون الضيافة نحو الغرباء.
4- التعليم: كان مقرراً على كل من كانوا تحت التمرين أن يحضروا ثلاث دروس يومياً. أما من ترهبوا فكانوا يحضرون دروساً في تفسير الكتب المقدسة والتعاليم المسيحية يومي الأربعاء والجمعة. وهذا التقليد الذي وضعه الأنبا باخوم قد جعل من الأديرة فيما بعد محط رجال العلم والفضيلة. وكانت المكتبة مفتوحة للجميع.
5- العبادة: قسّم الأنبا باخوم العبادة إلى قسمين العبادة العامة والعبادة الخاصة. وكانت فرائض العبادة العام تُقام ثلاث مرات في اليوم صباحاً وظهراً ومساءً. أما فرائض العبادة الخاصة فكان أمرها موكولاً لكل راهب وكانت خدمة ذبيحة القداس الإلهي تُقام في يومي السبت والأحد.
6- العقاب: كان العقاب ضرورة لابد منها في هذه الحياة الجماعية. وهو على ثلاث درجات: الأولى: التوبيخ أو الحرمان من الأكل.
الثانية: سجن الراهب في صومعته والضرب إن لم يرتدع.
الثالثة: الفصل من الدير.
7- التنظيم: تجلت عبقرية الأنبا باخوم في ما وضع من نظام دقيق للأديرة: فقد قسّم الإدارة إلى محلية ومركزية فكانت الإدارة المحلية مسؤولة عن الدير الخاص برهبانها أما الإدارة المركزية فقد كانت مسؤولة عن جميع الأديرة التي شيدها الأنبا باخوم. وكانت الطاعة قاعدة التعامل بين الرهبان أما رئاسة الإدارة المحلية فكانت موكولة إلى أحد رهبان الدير ويعاونه فيها وكيل له. وكان لكل دير أمين لبيت المؤونة (الربيتة) وأمين آخر للمكتبة. وإلى جانب هذين الأمينين المدرسون الذين يقومون بتدريس الرهبان والخبازون والنجارون والفلاحون وغيرهم.
كان لكلّ فئة رئيس مسؤول مباشرة لدى رئيس الدير أو وكيله. ولما تزايد عدد الرهبان واختلفت أجناسهم أنشئ في كل دير نظام الأسر- الأسرة اليونانية والسريانية واللاتينية والحبشية. وعلى الرئيس العام أن يزور هذه الأديرة مرتين في السنة، مرة في عيد القيامة ليشترك الجميع في الاحتفالات بهذا العيد المجيد، ومرة أخرى في أواسط شهر أغسطس للوقوف على أحوال الأديرة وتنظيم العمل للعام المقبل وتعيين بعض الرؤساء الجدد.
وقد لقي هذا النظام نجاحاً كبيراً وزاد عدد الرهبان وأقام لهم أديرة جديدة فأسس أنبا باخوم في حياته تسعة أديرة للرجال واثنين للنساء. وكان يعاونه تلميذاه الشهيران هورسيسيوس وثاودوروس اللذين خلفاه في الرئاسة بعد وفاته.
شهرة الرهبنة في العالم غرباً وشرقاً
استفاد القديس أثناسيوس من منفاه في ترير في بلاد الغال.. وفي روما لتعريف الغرب بالرهبان المنتشرين في مصر من الإسكندرية إلى أسوان. فطلب منه بعض سامعيه أن يكتب لهم كتاباً عن سيرتهم. فكتب لهم “حياة أنطونيوس” فنال رواجاً كبيراً جعل الكثيرين يذهبون إلى مصر للتعرّف بأنفسهم على هؤلاء القديسين والبعض أرادوا أن يقتدوا بسيرتهم وبدأت تتكون مجموعات تحيا على نظام الرهبان المصريين.
ومن ضمن الزوار المشهورين الذين حضروا إلى مصر وعاشوا مدة حياة الرهبنة لينقلوها إلى بلادهم فيما بعد بلاديوس أسقف بيتيثيا Bithyssie الذي مكث بين رهبان مصر أربع عشرة سنة وألف كتابه الشهير “التاريخ اللزياكي “سيرة الآباء القديسين” الذي يعرفنا بالكثيرين من الرهبان كما حضر كاسيانوس الذي قضي خمسة عشر عام في 385 إلى 400 وقد وضع كتابين ضمنهما كل خبرته الروحية ونتائج تلمذته الروحية وهما “المؤسسات ومحادثات” وبعد رجوعه إلى مرسيليا أسس ديريه دير القديس بقطر ودير الليرات الشهير وتعتبر هذه الكنائس أساساً لكثير من القوانين الرهبانية في الغرب ومرجعاً أساسياً لمعرفة حياة آباء الصحراء.
وأما من الشرق فقد حضر القديس هيلاريون الذي أسس أديرة في فلسطين وكذلك القديس باسيليوس الذي أنشأ الأديرة في آسيا الصغرى بقوانين مستمدة من قوانين أنبا باخوم مع بعض التعديلات المناسبة لطباع بلاده ملحاً أكثر على النظام العام وعلى فضيلة الطاعة التي اعتبرها أسهل وسيلة للقداسة مع تطبيق أعمال التقشف التي كانت تُمارس في الأديرة المصرية. وعن هذه القوانين الباخومية والباسيلية أخذ مؤسسو الرهبنات في الغرب، أمثال أغسطينوس وبندكتوس.
القمص/ إسكندر وديع
الجزء الأول – الجزء الثاني – الجزء الثالث – الجزء الرابع