50 عاماً على مرور المجمع الفاتيكاني الثاني

ألمانيا – الأب منويل بدر
 
 بمناسبة مرور نصف قرن (50 سنة) على افتتاح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، يسرّ موقع أبونا – إعلام من أجل الإنسان، أن يبدأ بنشر سلسلة مقالات حول أهمية هذا المجمع – الثورة الكنسية السلمية التي انطلقت عام 1962، ولا تراجع إلى اليوم عن الأخذ بإرشادات وتوجيهات المجمع لما خلقه في وسط الكنيسة وعلاقاتها من “همة جديدة” وسياسة انفتاح كبيرة تميّز عمل الكنيسة وأبنائها الساعين إلى عيش حياتهم وشهادتهم “بفرح ورجاء”.

ونبدأ اليوم بسلسلة مقالات أرسلها للموقع الأب منويل بدر، أحد كهنة البطريركية اللاتينية، والذي يعمل منذ عدة سنوات في أبرشية بادربورن في ألمانيا. مع الشكر له ولكل من سيثري الموقع بإسهاماته بمناسبة اليوبيل الذهبي للمجمع.

منذ القرن السادس عشر، أي منذ انشقاق لوثر (1546-1482) عن الكنيسة الكاثوليكيّة في القرن الساّدس عشر، تحصّنت الكنيسة وراء قوانين وقرارات أعلنتها أبديّة لا يجوز ولا يحق تغييرها بدون ضرورة واقعيّة ماسّة. مثلاً قرّرت الكنيسة أن تبقى لغة القدّاس والطّقوس المميّزة هي اللاّتينيّة. وقرّرت كيفيّة موقف المحتفل بالقدّاس أي الكاهن، وهي أن يدير ظهره للحضور ووجهه إلى الصليب. هذا ولا ننسى قانون قبول المناولة إجلالا وتقوى على اللّسان فقط.

 
أدّى تغيير وتجديد هذه القوانين والتّعليمات أثناء انعقاد المجمع الفاتيكاني الثّاني إلى تفسّخ وانشقاق جديد في قلب الكنيسة نفسها بين فئة المتقدّمين الذين أرادوا تجديد هذا الموقف، وبين المحافظين وعلى رأسهم الكاردينال الفرنسيLe Fevre  الذي رفض المسّ بقرار الكنيسة بعد انشقاق لوثر وحرمه من الكنيسة الكاثوليكيّة. لأنه قرأ في بند من قرارات المجمع التريدنتيني: هذه الطريقة هي مؤبّدة في الكنيسة. فأصبح هو لوثر الثاني، حيث أحدث انشقاقاً داخلياً، لم يقبل لا هو ولا أتباعه ولا خلفاؤه حتى اليوم التراجع عن هذا الرأي الخاص الخاطئ، فينهي تعنّثه الإنشقاق الجديد، الذي كانت الكنيسة بغنى عنه، والقبول بقرار ضرورة التجديد الذي أقرّه أباء المجمع الفاتيكاني الثّاني بالإجماع وأخرج الكنيسة من دائرتها المغلقة والسّماح باستعمال اللّغة المحليّة المفهومة للطّقوس في كل أمّة وشعب.
 
نعم كانت اللغة اللاتينية هي العلامة المميّزة للتعرّف على وجود الكنيسة الكاثوليكية في أي مكان في العالم، ولكنّ هذا القرار ليس وحياً إلهيّاً أو عقيدة إيمانيّة حتّى لا يجوز المسّ بها، بل هو تنظيم كنسيّ مؤقّت، كان له مكانته في حياة الكنيسة. ولكنّ الظروف اختلفت اليوم وأصبح التغيير والتّطبّع حاجة ملحّة. فالّلغة الّلاتينيّة على ما أدّت من خدمات للكنيسة والّلاهوت في الماضي، عادت اليوم، من بعد الدّور الّذي لعبته في التّاريخ، من الّلغات المائتة، كما يقول المثل، النّادر استعمالها والنطق بها لصعوبة تعلّمها.
 
بعد ما يقارب ال400 سنة على بعض القرارات والقوانين، الّتي أكل الدّهر عليها وشرب، كانت الكنيسة حتماً بحاجة إلى تجديد داخلي، إلى الظهور بوجه جديد يجاري التقدم التكنولوجي والغيارات الطبيعية التي غزت العالم بسرعة وغيّرت وجهه من حولها. هناك مثل معروف يقول: من يبقى واقفاً فلن يصل إلى الهدف!.
 
يوم 28 أكتوبر 1958 اعتلى الكرسي الرسولي كبابا، الرّقم 261 بعد القديس بطرس خلفاً للبابا بيوس الثاني عشر، الذي كان قد توفي يوم 9 أكتوبر 1958، كاردينال مسنّ بعمر 77 سنة، كان يشغل آنذاك منصب بطريرك على مدينة البندقيّة الإيطاليّة المشهورة. اسم هذا الكردينال كان رونكالّي Angelo Giuseppe Roncalli. وقد اتّخذ  بعد انتخابه اسم يوحنّا الثالث والعشرين. ولكبر سنّه (وهنا نقول ولثخانته، فهو كان يعتذر من الأربع موظّفين الّذين كانوا يحملونه على الأكتاف في المقعد العالي المسمّى  Sedia Gestatoriaفي الإحتفالات حتّى تتمكّن النّاس من مشاهدته (كان الكل يعتقد أنّه سيكون بابا انتقاليا ولفترة عبوريّة تمهيديّة قصيرة فقط. لكن ما من أحد كان يقدر أن يتنبّأ بالثورة الدّاخليّة والتجديدات الجذريّة الّتي ستتم في الكنيسة على يد هذا الشيخ الجليل والذي أعطي لقب البابا اللطيف(Papa buono) . بل ما من أحد كان يعتقد أنه  سيكون ذاك الملهم، الّذي سيقوم بخطوة تاريخيّة لا مثيل لها، وهي المناداة بعقد مجمع مسكوني، سيخرج الكنيسة بثوب ناصع وحلّة جديدة، كانت بأشدّ الحاجة لها.
 
فلقد فاجأ البابا الجديد العالم يوم 25-1-1959 وهو يوم عيد ارتداد القديس بولس، حينما أطلّ على الحشود في ساحة الفاتيكان واعتلى منصّة شبّاك مكتبه وأعلن بصوت جهور خبراً ما كان يخطر على البال، قال: “عندما فتحت دفّتي هذا الشّباك دخل ريح جديد في مكتبي وهكذا أريد أن يدخل ريح جديد في كنيسة المسيح الموكلة لي، ريح الرّوح القدس الذي حدث يوم العنصرة في أورشليم. إني أعلن للعالم بأننا نريد عقد مجمع مسكوني ثاني”!. ومن تلك اللحظة أعطي اللقب الإضافي “بابا المجمع”. بهذه الكلمات أشعل البابا فتيلة قنديل جديد في الكنيسة ليضيء لها الطريق الذي ستسلكه بعد اليوم. فيمكن أن نقول أن فكرة البابا هذه هي إلهام من الرّوح القدس. وبكلمات قصيرة بسيطة واضحة، راح البابا يصف للسامعين حزنه على إغلاق الكنيسة الطويل للكثير من الأبواب والطرقات تجاه التيارات العلمية الجديدة والدّيانات الأخرى. فهذا الموقف لا يخدم مصلحة وجودها في العالم الّذي تعيش فيه ولا يتطابق مع نيّة المسيح التبشيرية لكسب البشر لرسالته وملكوته. إنّ الإنكماش على نفسها وعدم انفتاحها على ما يجري حولها سبّبا لها فشلاً لعدم فهمها لغة العصر ومشاكله الجديدة. فما عادت لا الجدالات اللاهوتية ولا التشديد على حرمان الهرطقات الجديدة هي مفتاح الحل، بل الحل هو الإنفتاح على العالم والتقرب إليه. – لا شك أن البابا كان قد فهم ما هو موكل عليه من قبل المسيح، أي إدارة ورعاية كنيسته: “أنت الصفاة، وعلى هذه الصّفاة سأبني كنيستي”(متى 18:16 ، يوحنا 21:21).
 
من هنا، تابع البابا خطابه، ضرورة انعقاد مجمع مسكوني منفتح على العالم والعمل معه للوصول إلى تجديدات جذريّة، مضيفاً العبارة: هذا يتطلّب تجديداً روحياً في الكنيسة. وبما أن هذا التجديد هو عطيّة من عطايا الرّوح القدس، فقد تمنّى البابا أن يصبح هذا المجمع حادثاً مهماً أي عنصرة جديدة في كنيسة اليوم. هذا وقد اختتم البابا خطابه بهذه الصّلاة: “اللهمّ جدّد عجائبك في هذا الزمان بإحداث عنصرة جديدة، وامنح كنيستك، بشفاعة مريم أمّ يسوع، أن تتحلّى وتتقوّى بالصّلاة من أجل توسيع ونشر ملكوتك، الذي هو ملكوت حق وحياة، ملكوت قداسة ونعمة، ملكوت عدل وحب وسلام”. (مقدّمة عيد يسوع الملك). ثمّ بارك الحشود ورجع إلى مكتبه ليوقّع دعوة رسميّة لكل المسؤولين في الكنيسة ليخبرهم بهذا القرار البابوي ويتهيّأوا للاشتراك في أعمال المجمع المزمع عقده.
 
 

وبعد 3 سنوات تحضيريّة مكثّفة بين الفاتيكان وجميع أساقفة العالم المعنيّين، نتج عنها 62 ملفّا أرسلت إلى سكرتارية المجمع، تحتوي على رغبات المدعوّين للتّباحث فيها. وفي آخر المطاف صدر عن كلّ الجدالات 16 وثيقة رسميّة تعتبر قرارات المجمع النّهائية والمرجعيّة للتّاريخ.

انعقد المجمع الفاتيكاني الثّاني في الفاتيكان يوم الحادي عشر من أكتوبر عام 1962. وهذا يعني أنّنا قريبا ما سنحتفل بمرور 50 سنة على هذا الحدث التّاريخي. لذا نودّ أن نلقي نظرة على أهم إنجازات هذا المجمع، الّذي حدّد له البابا في خطاب الإفتتاح: مهمّتين رئيسيّتين فإلى جانب تجديد الكنيسة داخليّا أسماه Aggiornamento (وهو لا يعني تأسيس كنيسة جديدة وإنّما إدخال الجديد المناسب على القديم فيها) بإبراز دورها الرّاعوي، أي أن الكنيسة، نظرا لرسالتها يجب أن تتجدّد داخليا على ضؤ الإنجيل. نعم الكنيسة بحاجة إلى تجديد داخلي. هذا التجديد يشمل إبراز دورها أمام تحدّيات العصر الملحّة والكثيرة وذلك بانفتاحها أكثر للحديث مع العالم. أمّا المهمّة الثّانية فهي محاولة التقرّب إلى الكنائس والّدّيانات المختلفة بفتح باب الحوار المسدود من مئات السّنين، ليس فقط معها، بل وأيضا مع العالم المؤمن وغير المؤمن. فهي منذ القرن السّادس عشر كانت تظهركلّ سلطتها بقوانين الحرمان لكلّ رأي أو وجهة نظر مخالفة لرأيها، وفي القرن الثامن والتّاسع عشر بقانون حرمان الوثنيّة والعلمنة. هكذا حمت نفسها خلف جدران منيعة، لم تسمح لأيّ تيّار آخر أن يخترقها أو يتعدّى على صلاحيّاتها، الّتي هي أعطتها لنفسها، فأصبح كلّ شيء فيها موحّدا مبنيّا على قوانين وأوامر لاتقبل الجدل، تظهر للعالم أنّها حقّا “الجمعيّة الكماليّة Società perfetta” الّتي لا ينقصها شيء، تلجأ إلى سلطة الحرمان لكلّ نظام غير ملائم لنظامها. وقد أصبح هذا الموقف المتعصّب مشكلة للكنيسة بالذّات في القرن العشرين. إذ من غير إرادتها، وجدت نفسها في عالم علماني، أصبحت حرّية التقرير والدّيمقراطيّة فيه من أولويّاته، لا يحتمل ولا يقبل باحتقان وحدانيّة السّلطة، في عالم راحت التكنولوجيا والعلوم فيه تتوحّد وتتعاضد وتنفي دور الدّين من وسطها. أضف إلى ذلك شقّ الإختلاط والإباحيّة طريقا واسعا في الحياة اليوميّة وأصبح رفضهما من الكنيسة أو وضع حدّ لهما مستحيلا. فأصبح ما علّمت الكنيسة من الأخلاق وأجبرت النّاس على ممارسته مرفوضا جملة وتفصيلا. كذلك نظرة العالم في الكنيسة ومقوّماتها كسلطة وحيدة منافسه له، اختلفت وأصبح قبولها وفهمها كسلطة واسعة النّطاق غير وارد، ممّا عنى انحلال عالم الكنيسة الوحداني بسرعة غير متوقّعة. هذه الأنظمة الجديدة راحت تنتظر جوابا أو حلاّ أو موقفا آخر من الكنيسة غير ما عوّدت النّاس عليه من عشرات السّنين “إذ لا أحد يضع خمرا جديدا في آونة قديمة” (متى 17:9). البابا يوحنا كان قد أدرك هذه المواقف ولذا كان الحديث عن أهمّيّة وضرورة انفتاح وعلاقة الكنيسة مع عالم اليوم من أوّل وثائق المجمع، الّتي صدرت عنه.

هذه كانت حالة الكنيسة في القرن العشرين، لا ترضي ولا تعزّي. كان تجديدها إذن ضرورة حتميّة. وقد حان الوقت لبداية جلسات المجمع والخروج بقرارات عمليّة مرضية ومناسبة، تختلف عن قرارات المجمع الفاتيكاني الأوّل الّتي كانت لاهوتيّة محضة، مثلا التشديد على مفهوم عصمة البابا من الخطأ حينما يتطرّق، كراعي الكنيسة العامّة وبإلهام الرّوح القدس، لإدانة تعليم مخالف للإيمان (مثلا الشّيوعيّة) والأخلاق (مثلا قتل الجنين والمسنّين). أما هدف المجمع الجديد فسيكون مختلفا عن سابقيه في نقطة مهمّة: إنّه لا يريد أن يعلن عقائد إيمانيّة جديدة ملزمة. هو سيكون راعويا محضا أي سيحمل توصيات وقرارات عمليّة. كما سيحاول إلغاء قوانين ما عادت ذات صلاحيّة أو فعاليّة مجدية لأحوال العالم اليوم(مثلا تخفيف قانون الصوم الإحباري وإبداله بتضحية أو تقدمة ماليّة).

ولمّا آن افتتاح المجمع، تحوّلت كنيسة القدّيس بطرس في روما، وهي أكبر كنيسة في العالم الكاثوليكي حتّى اليوم، أوّلا بأوّل، إلى قاعة عمل للمجمع، حيث انتشرت طاولات الجلوس فيها مزيّنة بالمايكروفونات والسّماعات على كل مقعد، كما في البرلمان، كما وركّزت الكاميرات في كل زاوية لنقل وقائع الجلسات، هذا إلى جانب أجهزة الكمبيوترات، الّتي ما كانت متقدّمة مثل اليوم، لكنّها كانت تسهّل نسبة عمليات الإحصاء والإستفتاء.

عندما تنادي الكنيسة لعقد مجمع مسكوني فهذا يعني تمثيل واشتراك كليّ لمسؤوليّي قارّات العالم، بالفعل والقول والعمل، على جميع أجناسهم وألوانهم ولغاتهم – يوم الإفتتاح 11. .10 1962 كانت الكنيسة، ولأوّل مرّة في تاريخها، ممثّلة بأكبر عدد يشترك في مجمع كنسيّ سابق، حيث قدم ما يوازي ال 3400 أسقفا وكردينالا، منهم 2498 كمشاركين فعليا ولهم حقّ التصويت في قبول أو رفض كل قرار يصدر (من هؤلاء المشتركين فعليا كان بطريرك اللآتينيّة الأورشليميّة المتوفّى البرتو غوري وسكرتيره الأب بطرس ميدبيال). هذا وكان لكل مطران مرافق كسكرتير أو مستشار خاص. وأما الباقون من مئات المدعوّين والمراقبين لسير أعمال المجمع عن كثب، فكانوا من باقي الفئات المدعوّة، رجال دين وعلمانيّون على اختلاف طبقاتهم، للمشاركة الغير فعليّة. هذا ولآوّل مرّة كان للإعلام والصحافة، المحلّية والعالميّة، حضور لم يسبق له مثيل في نشر تقارير وأخبار المجمع، الّتي راحت تحتلّ صدارة الجرائد والصّحف اليوميّة.

يوحنا الثالث والعشرون كان قد أعلن أن المجمع سيكون مجمع حوار مع الدّيانات والثّقافات الأخرى، فلا هو مجمع محلّي ولا هو مجمع وطني وإنّما مسكوني (Universal) أي لجميع بقاع الدّنيا. وفي البداية افتكر الكثيرون أنّه سيكون دعوة عمل عامّة واحدة لا ثاني لها لمدة محدّدة من الوقت، يتباحث فيها جميع المشتركين المسؤولين عن الدّيانات لتشجيع الوحدة المسيحيّة فيما بينها. لكن هذا كان تفكيرا خاطئا، إذ دام انعقاد المجمع ثلاث سنوات كاملة ، قسّمت على 4 جلسات طويلة كانت تبدأ دائما في الخريف وتدوم حتى عيد الفصح حيث يرجع الأساقفة إلى كنائسهم وأبرشيّاتهم لإنهاء الأشغال المتبقّية عليهم هناك ثم يعودون إلى روما لمتابعة الجلسات ومناقشة المواضيع المتعلّقة بحياة الكنيسة ودورها في العالم اليوم.

 خصّصت أوّل جلسة لدراسة وضع الكنيسة وتجديدها الملحّ من الدّاخل ثمّ تحديد مسؤوليّتها تجاه العالم اليوم، حسب كلمات البابا في خطاب الإفتتاح الّذي جاء فيه: “هذا المجمع سيسعى لبناء جسور بينه وبين العالم اليوم. وعلى العالم أن يعلم أن الكنيسة تراقبه عن كثب، لا لتتسلّط عليه بل لتخدمه، لا لتحتقره بل لتعطيه كرامته. فهي تعرف أنها مرتبطة في هذا العالم، لا عن طريق أي تطوّر خارجي أو لآنّها تعيش في هذا العالم وتستعمل نفس الخيرات، لكن لأنّها تعرف نفسها، انّها من البداية وإلى الأبد مرتبطة به داخليا. فلها مسؤوليّتها في تطوير العالم ومعه وذلك في بثّ التيّار الإلهي الّذي يجري فيها بشكل عجيب ويجعلها قادرة على ربط البشر في جماعة تمثّل الجماعة الإلهيّة الثّلاثيّة بروح واحدة”.

هذا وبعد محاورات ومجادلات حول علاقة الكنيسة مع العالم وافق آباء المجمع على أهمّ وثيقة عمل بعنوان “نور الأمم”-Lumen Gentium- فيها وضعت الخطوط العريضة ليس فقط لكيفيّة تعامل الكنيسة مع العالم اليوم بل وأيضا رسمت خطوطا عريضة واضحة للعاملين فيها، ابتداء من الأساقفة حيث أعطتهم السلطة الإستقلاليّة الموحّدة في قارّاتهم وأبرشيّاتهم لرسم خطوط العمل الرّاعوي المناسب فيها، وأهمّها ما يخص تهيئة الكهنة الثّقافية في المعاهد الإكليريكيّة والّتي، بعدما كانت موحّدة في العالم كلّه منذ القرن السادس عشر، لا تفرّق بين الثقافات والإحتياجات المحلّية، أصبح ممكنا إحداث معاهد تدريس مطابق للثقافة والتقليد المحلّي والإقليمي، وهذا يعني إغناء الكنيسة بثقافات متعدّدة الأطراف، مرتبطة داخليّا بالإيمان الواحد.

ومن مهام الأساقفة أيضا السّماح لعلمانيّين قديرين بإشغال وظيفة تدريس اللآّهوت في المدارس العليا ومدارس المعاهد الإكليريكيّة، الّتي تهيّئ الكهنة، بعد ما كان محصوراً على طبقة الإكليروس دون سواهم. ثمّ إحياء واكتشاف بعض الوظائف الكنسيّة القديمة مثلاً الشمّاسية الإنجيليّة الدّائمة ودورها الملح اليوم في العالم ومؤسّساته الإجتماعيّة (أعمال الرسل 6: 1-7). وتأسيس مجالس الرّعيّة في الطوائف، يتعاون أعضاؤها، الّذين يجب أن يكونوا يتحلّون بالإيمان العميق ومحبّة الكنيسة، مع الكاهن لإنعاش الحياة الرّوحيّة الدّينية فيها. ثمّ وظيفة القارئ والمعاون العلماني في الرّعية لمتابعة فرق دينيّة كالشبيبة وتحضير الأطفال للمناولة الأولى أو للتثبيت والإعتناء بالمسنّين وزيارة المساجين وغيرها.

لقد شعرت الكنيسة مسبقاً بالمهام الكثيرة الّتي ستقع على عاتقها حينما تنخرط في العالم لبثّ الرّوح الدّينيّة فيه. نعم لقد فهمت مسؤوليّتها تجاه التّيّارات الجديدة فيه. وأدركت أنّها ليست وحدها المسؤولة عن نشرالإيمان، وإنّما أبضا كل معمّد ومثبّت هو شريك لها بنشر الإيمان، ممّا اضطرّها إلى التوجّه إلى العلمانيّين، الّذين أسماهم المجمع شعب اللّه، ففتحت لهم مجالاً أكبر للعمل معها وأصبح دورهم بارزاً ومهمّا ليعاونوها ويعملوا معها يداً بيد، خاصّة في المؤسّسات الخيريّة والإجتماعيّة حيث هم يعيشون وبوسعهم أن يشهدوا بحياتهم للإيمان والشّراكة مع الكنيسة. وبما أن الكنيسة سمحت باستعمال اللّغة المحلّية. فهذا سيساعدهم أن يتكلّموا مع العالم بلغة الكنيسة والدّين وبطريقة أسهل.

تبعها الجلسة الثّانية وقد خصّصت لتجديد الطّقوس واللّيتورجيا الّتي كان حدّدها مجمع تريّينت (Trient 1512-1517) الّذي حرم في نهايته المصلح الكنسي الألماني المعروف لوثر والّذي إنشقّ وقتها وأسّس الكنيسة البروتستنتيّة. وقد تمّ ذلك بمساعدة ومساندة الحكّام المدنيّين والسّياسيّين له، الّذين كانوا غير راضين عن توسيع سلطة الكنيسة السّياسية في العالم. فوجدوا نزاع لوثر مع كنيسة روما مناسبة مؤاتية ليقفوا هم أيضا إلى جانب لوثر الّذي سبّب الإنفصال الدّيني، ألحقه الحكّام بالإنفصال السّياسي التّام عن كنيسة المسيح. ولقد أصبح انقسام الكنيسة الدّاخلي هذا مع لوثر من أصعب ما يقف في طريق توحيد البروتستانت مع كنيسة روما حتّى اليوم.

لقد أحرزت الكنيسة لاحقاً توحيداً مقبولاً، مع كثير من باقي الدّيانات التي كانت قد انفصلت عنها لسبب أو لآخر، وذلك بالحوار معها دون اللجؤ إلى انعقاد مجامع مسكونيّة خاصّة. والبرهان هو ما نجده اليوم في تسميات الكنائس الّتي تحمل في طيّاتها كلمة “الكاثوليك” مثل الرّوم الكاثوليك، السّريان الكاثوليك، الأقباط الكاثوليك ..الخ. فهذا يعني أن الوحدة الدّاخليّة في الإيمان وتعاليمه قد نجحت مع هذه الفئآت وما بقي إلاّ لغة الطقوس تفصلهما عن بعض.

وأما مع الكنيسة البروتستنتيّة فهذا أمر صعب، زاده تعقيداً ثورة المصلح كالفين (1509-1564) السّويسري المتعصّب، والّذي يعتبر الخلف المباشر للوثر، فقام بحركة إصلاح شاملة، شدّد فيها على حذف الكثير من عقائد وقوانين كانت لا تزال تربط كنيسة لوثر مع الكنيسة الكاثوليكيّة. لذا فبالرغم من محاولات كثيرة من الكنيسة للتقرّب إلى البروتستانت لا تزال صبغة التّعصّب هذه هي الّتي تقرّر حدّ الاتصال والشراكة بين الفريقين. وعندما يجري الحديث عن إمكانيّة متابعة الحوار والوحدة تطالب الكنيسة البروتستانتيّة من الكنيسة الكاثوليكيّة الإعتراف الكلّي بها كما هي، كأنّ لم يحدث انشقاق من قبلها عن كنيسة المسيح ولا رفض لسلطة البابا وحذف الأسرار الرّئيسيّة كالكهنوت والإفخارستيّا من طقوسها. وهي لا تظهر أي حسن نيّة بالإعتذار عن أقوال لوثر الشّائنة بحق البابا والكنيسة ورفضه للإعتراف بالبابا كرئيس لكنيسة المسيح، ولسلطة الأساقفة أتباع الرّسل، الّذين لهم هم الحق، بتفويض من البابا (كنائب وممثّل المسيح)، أن يرسموا كهنة وأساقفة خلفاء جدداً، ليقيموا ذبيحة القدّاس. بينما ترفض الكنيسة البروتستانتيّة هذين النقطتين، إذ تقول كل معمّد هو كاهن.

وأمّا الكنيسة الكاثوليكيّة فتقول: كل مسيحي، بنعمة العمّاد والتثبيت، هو رسول ومبشّر، لا كاهن بسلطة. إذ هناك رتبة كهنوتيّة خاصّة للمدعوّين لسرّ الكهنوت بتوكيل من ألمسيح الّذي قال لهم: إصنعوا هذا لذكري! فهذه الإختلافات الجوهريّة بين الكنيستين تعرقل كلّ حوار وكلّ تقارب عقائدي بينهما. لذا كان فتح باب الحوار والتّقارب مع كل الكنائس وخاصة كنيسة لوثر من أهداف المجمع الرئيسيّة والمهمّة.

إنّ الصّداقة لا تمنع من أن أقول لصديقي كلمة الحق (قل الحق ولو على قطع رأسك، يقول المثل). فالمجمع إذن سيدرج مسألة التفاوض والتحادث مع الكل. طبعاً النتيجة الفجائية غير حاصلة لكن الخطوة الأولى ستبدأ.

 

الحوار مع باقي الّديانات والإتجاهات

من أهداف المجمع المهمّة أيضا كان إنعاش وتشجيع كل ما يمكنه إنجاح الحوار والوحدة بين الجميع، مؤمنين وغير مؤمنين. إلى هذا التّاريخ كانت مواضيع كثيرة، منها موضوع التّطوّر بين الكائنات المخلوقة(كما ادّعى العالم داروين- الّذي قال الإنسان تطوّر من القرد- ووحدة الجنس البشري)، كذلك موضوع الوحدة والتّقارب والعلمنة والشّيوعيّة، غير واردة وكأنّ ما لها وجود في حياة الكنيسة وتعتبر خطوطا حمراء لا يجوز اجتيازها أو هدمها بسهولة، حتّى فاجأ البابا يوحنّا الثّالث والعشرون العالم بكلمة Aggiornamento أي سلوك أسلوب جديد وهو أسلوب الإنفتاح والحوار مع كلّ اتّجاه في عالم اليوم. إذ لا يمكن للكنيسة التأثير على العالم والعمل معه ما دامت مغلقة على نفسها، تسير بمحاذاته لا معه، دون أن تهتمّ به وبمشاكله. فكيف يمكنها أن تصبح الخميرة الفعّالة إذا لم تختلط به كالخميرة في العجين؟. فإذا أصبحت علاقة الكنيسة اليوم تسير ببساطة وبلا تعقيد، فهذا يعود بشكل خاص إلى أهداف المجمع الفاتيكاني الثّاني الّتي رسمها له البابا الملهم. لقد اختار اللّــه لكنيسته الرّجل المناسب في الوقت المناسب لإجراء إلإصلاحات والتجديدات المناسبة في الكنيسة. نعم هذه التجديدات جاءت في وقتها لأن البابا الجديد فهم علامات الزّمن وقال: كنيسة الغد لا تقدر أن تبقى كنيسة البارحة!.

هذا وقد تكرّرت عبارة محاولة الوصول إلى الوحدة في جميع الوثائق الست عشر الّتي أقرّها المجمع. وهذا يعني أنّ فكرة الوحدة رافقت كل جلسات المجمع وأصبحت محورا مهمّا وموضوعا بارزا فيه. أضف إلى ذلك اهتمام المجمع بمواصيع جديدة ملحّة كعلاقة الكنيسة بالإسلام الّذي وضعت خطوطه العريضة بورقة العمل Nostra Aetateوالّتي بيّنت علاقته مع إيمان العهد القديم عن طريق العلاقة الدّمويّة التي ربطت مؤسس هذه الدّيانة المدعو محمّد بإبراهيم أبي الأنبياء، وذلك حسب اعتقاد المؤمنين المسلمين أنهم نسل إبراهيم من إبنه إسماعيل البكر. فلأوّل مرّة في تاريخها أعطت الكنيسة كلاما إيجابيا عن هذه الدّيانة، بحيث أنّها تعبد الإله الواحد مثلنا. اما فهم هذا الإله فيختلف في الإسلام منه في الدّيانة االكاثوليكيّة. من هنا فتح المجال للحوار بين الدّيانتين. ثم أعلنت الكنيسة نيّتها في الحوار مع جميع العلوم والحضارات. هذا ما ورد في وثيقة Dignitatis Humanae (أي القيمة اليشريّة) فهذا إنفتاح ما كان معروفا ويتطلّب متابعة لا حدود لها. وقد أحدث ذلك بلبلة بين مؤيّدي ومعارضي هذا الإنفتاح وذلك لأنّ أكثر آباء المجمع كانوا من جيل نشأ وتثقّف في المدارس الإكليريكيّة على موقف تقليدي غير منفتح ويستصعب التجديد، إذا لم يرفضه. “لكنّ لا تخافوا، قال المسيح لتلاميذه قبل صعوده إلى السماء، فإنّ الرّوح القدس سيعلّمكم ويذكّركم بكل ما قلته لكم”.

هذه كانت اجمالا أهم قرارات ونتائج المجمع الفاتيكاني الثّاني قبل 50 سنة والّذي نقدر أن نعنونه كالتّالي: خطوة تراجع عن الماضي للسير في مستقبل واسع.

ممّا لا شكّ فيه أنّ المقصود من عقد المجمع كانفتاح باب التجديد في الكنيسة على مصراعيه، وهذا لايعني ثورة إصلاح جذريّة طالب بها لوثر، ويطالب بها لاهوتيّون ناشئون اليوم، ما اشتركوا شخصيّا أو فعليّا في جلسات المجمع بل هم الفئة اللآحقة الّتي عليها تطبيق تعليمات المجتمع. فإن حدثت بلبلة هنا أو هناك، يعزيها المعارضون إلى المجمع، لكنّها أصلا حدثت لأنّ هذه الأجيال (وأكثرهم كهنة) وهي المسؤولة عن تطبيق توصيات وتعليمات ووثائق المجمع، لم تفهمها على حقيقتها بل راحوا يطبّقونها ويسمحون بتطبيقها كما يحلو لهم. مثلا استعمال روايات أو تمثيليّة قصيرة أثناء القدّاس بديلا عن استماع كلمة اللّــه. في المدارس ما عاد الإهتمام بالمواضيع الدّينيّة يحتلّ المقام الأوّل في حصص الدّين وإنما المشاكل العالميّة المحضة: حماية الطبيعة، الدّفاع عن قتل الحيوانات(قتل الجنين محلّل رسميّا)… ألخ!
الكنيسة أرادت التجديد. والتجديد يعني التّوبة والرّجوع إلفردي والجماعي إلى الإنجيل. نعم هذا كان حجر أساس المجمع، الّذي فتح آفاقا جديدية أمام الكنيسة، حيث فتحت الباب على مصراعيه ومدّت يدها للعمل مع العالم، الّذي تعيش فيه والّذي أصبح الآن حقل عملها الرّئيسي. لقد وضعت يدها بيده للعمل والتّعاون معه من أجل نشر ملكوت اللّــه. وهكذا حدث تغيير في عملها الرّسولي. فأصبح من الواضح أن نجاح وتأثير الإيمان في المجتمع متوقّف لا على وضع حواجز بين حقله وحقل العالم وإنّما هدم هذه الحواجزوالجلوس على طاولة الحوار وجها لوجه والتّكلّم معه لوجود حلول وعوامل مشتركة. بالإضافة إلى التوجّه إلى البشر والإهتمام بمشاكلهم، كما توجّه اللّــه إليهم واهتمّ بهم.

هذا لا يعني المساس بمحتوى الإيمان وإنّما خلق أسلوب راعوي جديد بلغة تتوافق مع لغة البشر اليوم ونوع تفكيرهم. وبدأت الكنيسة تفهم أن رسالتها ما عادت موجّهة فقط لأبنائها المطيعين كأنّهم هم وحدهم المعنيّين برسالة المسيح، فهم ليسوا وحدهم الشّعب المختار، الّذي يحقّ له الإحتكار الكامل دون واجب المشاطرة في العمل الرّسولي. إنّ رسالة المسيح موجّهة للجميع: إذهبوا واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّها!

كلمة آخيرة:

كثيرون يتساءلون: هل أخفقت الكنيسة بعقدها هذا المجمع، هل أخطأت الهدف؟ ام حقّقت ما أعلن عنه البابا في خطاب افتتاح هذا المجمع الخارق النطاق؟ إنّنا نقدر أن تقول: أنّه على الرّغم من السير البطئ في تحقيق أهداف المجمع الكبيرة، فإن نجاح رسالة الكنيسة العمليّة لا اللاّهوتيّة لا يستهان بها. فقد أحرزت خطوات عملبّة عملاقيّة فيما يخصّ تدخّلها في مشاكل العالم الّذي هو أيضا غيّر الطريق وراح يستشيرها ويأخذ برأيها في مواقف عديدة ويرقب بلهف إعطاء رأيها في المشاكل المتنازع عليها. نعم لقد راحت الكنيسة تضع أوّلا بأوّل بصمات اللّــه في عالمه الّذي خلقه ويريد خلاصه. فقوّتها في هذه الأوقات العصيبة الّتي تمرّ بالعالم هي ليست التّتبّع عن بعد وكثب ولكن المبادرة القياديّة الواعية بأنّها موكّلة وقادرة على زرع بذرة الإيمان في القلوب المتردّدة وتوجيهها، كما قال البابا بولس السادس يوم 1965.10.07 في خطاب اختتام المجمع: “في هذا الزّمان العصيب، الّذي أصبح نسيان اللّــه فيه هو القاعدة، احتفلنا بمجمعنا الكبير الّذي قام على تمجيد اللّــه ومدحه، فلا أحد شعر مثل الكنيسة بأنّه ملزم بالتعرّف على المجتمع والتقرّب إليه ليقدّره، ويدمج نفسه فيه ويخدمه ويبشّره بإنجيل اللّــه”.

إنّ نصوص وقرارات ووثائق المجمع الرّسميّة، بغض النظر عمّا سبق من إصدارها من جدال طويل بين المشتركين وتغيير في تنضيحها وتنسيقها وكتابتها، وآخيرا قبولها بالتصويت وتمريرها بأغلبيّة ساحقة دائما، هي مليئة بالحكمة والحيويّة حتّى اليوم! وسوف نحتاج الى وقت طّويل لاستيعاب وتحقيق ما أوصت به. لكن لا ننسى أنّ الرّوح القدس هو الّذي يدير الكنيسة ويرشدها لتحقيق ما هو ضروري ومناسب، في البقعة والوقت المناسب، لتبقى كنيسة المسيح المميّزة، الّتي رغم كل ما يقال عنها وما يفترأ به عليها من أقوال وانتقاد ومعاكسة ومعارضة، ستبقى المؤسّسة الإلهية بين البشر وفي هذا العالم، الّتي لن تقوى عليها كلّ قوات الجحيم.”ولن يكون لملكه انقضاء”.