"من هنا… نشأت جذور أوروبا المسيحية"

بافوس، قبرص، السبت 05 يونيو 2010 (Zenit.org)

ننشر في ما يلي الكلمة التي ألقاها يوم أمس رئيس الأساقفة الأرثوذكسي القبرصي كريسوستوموس الثاني خلال احتفال مسكوني في الموقع الأثري لكنيسة آجيا كيرياكي كريسوبوليتيس.

***

صاحب القداسة، بندكتس بابا روما القديمة،

أهلاً وسهلاً بكم في جزيرة القديسين والشهداء!

أهلاً وسهلاً بكم في الكنيسة الأولى في الأمم التي تأسست على يد الرسل برنابا وبولس ومرقس!

أهلاً وسهلاً بكم في كنيسة الرسل التي أرشد منها الروح القدس الرسل بعد تأسيسها إلى الانفصال عن إخوتهم وأرسلهم إلى الأمم!

وإذ أرسلهما الروح القدس، "توجها إلى ميناء سلوكية، وسافرا بحراً باتجاه قبرص. ولما وصلا الجزيرة نزلا في سلاميس، وأخذا يبشران بكلمة الله في مجامع اليهود… واجتازا الجزيرة كلها حتى وصلا بافوس" (أع 13: 4، 6).

صاحب القداسة، في هذه الرقعة كان يقع مجمع اليهود، ومن هذا المكان بشر القديسان برنابا وبولس اليهود بكلمة الله.

"إلا أن كلمة الله لا تكبلها القيود" (2 تيم 2، 9). لم يكن ممكناً أن يبقى روح محبة الرب المتجسد والمصلوب والقائم من بين الأموات، مقتصراً على اليهود. لقد أتى يسوع المسيح إلى العالم "لتكون الحياة الأبدية لكل من يؤمن به" (يو 3، 15).

لقد أوصاهم الروح القدس بتبشير الأمم. هكذا، وعندما استدعى الحاكم الروماني سرجيوس بولس، "الرجل الذكي" وفقاً للقديس لوقا، الرسل "ليكلماه بكلمة الله" (أع 13، 7)، ذهبا بسرور إلى المكان الذي تقوم فيه الإدارة السياسية للجزيرة في سبيل التبشير بكلمة الرب للمرة الأولى بين غير اليهود أيضاً.

عندها، تبادل برنابا وبولس أدوراهما. لم يكن المكان هنا للقبرصي وإنما للمواطن الروماني.

منذ ذلك الحين، أصبح بولس قائد المهمة. كذلك غير اسمه. فلم يعد يدعى شاول في العهد الجديد، بل بولس!

في هذه المدينة، اجترح الرسولان المعجزة الأولى، كما هو مذكور في العهد الجديد. هنا، تعمد أول مواطن أوروبي باسم الثالوث الأقدس. هنا، سقط أول معقل للوثنية، وارتفع مكانه مجد الصليب بكل أبهته، وانتشر تدريجياً ليعم سائر أنحاء أوروبا ويصوغ مستقبلها التاريخي.

صاحب القداسة، من هنا نمت جذور أوروبا المسيحية، ومن هنا تفتحت براعمها الروحية. لقد قامت أسس صرح الحضارة المسيحية في أوروبا على هذه البقعة التي نقف عليها الآن متأثرين بالحس التاريخي. لذلك، تدعى قبرص بحق "بوابة المسيحية في أوروبا".

هنا في بافوس، بعد الأحداث الرائعة التي جرت، صار بولس رسول الأمم، وذهب ليزرع بذور خبز الحياة في كنيستكم وفي مختلف أصقاع أوروبا.

صاحب القداسة،

ابتداءً من سنة 45 م، أي عندما وطئ الرسل هذه الجزيرة، ولغاية اليوم الحاضر، تسلك كنيسة قبرص مساراً مسيحياً طويلاً ومثمراً. على مر تقدمها الطويل، عانت العديد من المحن والصعاب، وعاشت ليال مظلمة، واختبرت عدة فتوحات "في النار والماء"، لكنها بهدي الروح القدس بقيت واستمرت في إعطاء شهادتها المسيحية الأرثوذكسية، وإنجاز رسالتها التي منحها الله إياها.

لكن قبرص وكنيستها تختبران مع الأسف منذ سنة 1974 أصعب الأزمنة في تاريخهما.

فإن تركيا التي هاجمتنا بوحشية واحتلت بقوة السلاح 37% من أراضينا، تباشر – بتسامح ما يدعى العالم "المتحضر" – بتنفيذ خططها الخطيرة لضم أراضينا المحتلة أولاً وقبرص جمعاء ثانياً.

في جزيرتنا، وكما فعلت في أنحاء أخرى، تنفذ تركيا مخططاً من التطهير العرقي. فقد أخرجت المسيحيين الأرثوذكس من ديار أجدادهم وأحضرت – وما تزال تحضر – مئات آلاف المستوطنين من الأناضول، مما يبدل طابع قبرص الديموغرافي. إضافة إلى ذلك، قامت بتبديل كل أسماء المعالم التاريخية إلى أسماء تركية.

إن إرثنا الثقافي ينهب بلا هوادة، ومعالمنا المسيحية تدمر أو تباع في أسواق تجار الآثار غير المشروعين، وذلك في محاولة لتحرير الجزيرة من آخر الآثار اليونانية أو المسيحية.

في هذه المحنة الرهيبة التي تسبب الكثير من الألم لكنيستنا المسيحية منذ سنة 1974، نرجو ألا يشيح الرب الصالح والكلي الرحمة بوجهه عن شعبنا المتألم، بل يمنحنا السلام والحرية والعدالة، ويعطينا المحبة المكملة الموهوبة بحضوره في قلوبنا.

صاحب القداسة، في كفاحنا هذا الذي يتابعه الشعب القبرصي بإرشاد قادته، سنكون ممتنين جداً لدعمكم الفعال. ونرتقب مساعدتكم في سبيل ضمان الحماية والاحترام لمعالمنا المقدسة وإرثنا الثقافي، من أجل سيادة القيم التعاقبية لروحنا المسيحية. هذه القيم تنتهكها تركيا حالياً – البلاد التي تتوق إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

صاحب القداسة،

في هذه اللحظات السارة من وجودكم بيننا مع حاشيتكم، يرغب رئيس الجمهورية والحكومة والسينودس المقدس وتجمع كنيستنا التقي، وأرغب أنا أيضاً في تجديد الترحيب الحار بكم وتمني إقامة هنيئة لكم.

+ كريسوستوموس رئيس أساقفة قبرص

أبرشية قبرص المقدسة

4 يونيو 2010

نقلته إلى العربية غرة معيط (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2010