روما، الجمعة 23 سبتمبر 2011 (Zenit.org)

ننشر في ما يلي الكلمة التي وجهها البابا بندكتس السادس عشر إلى الممثلين عن الجماعة اليهودية في برلين الذين التقى بهم عصر أمس الخميس في مقر برلمان برلين.

***

سيداتي وسادتي،

يسرني هذا اللقاء معكم هنا في برلين. وأوجه شكراً من القلب إلى الرئيس الدكتور ديتر غرومان على كلماته الترحيبية اللطيفة. فهي تظهر لي كيف نمت الثقة بين الشعب اليهودي والكنيسة الكاثوليكية اللذين يتقاسمان جزءاً لا يستهان به من تقاليدهما الأساسية. في الوقت عينه، نعلم جميعاً أن الشركة المحبة والمتسامحة بين إسرائيل والكنيسة، في الاحترام المتبادل لكيان كل واحدة منهما، ينبغي عليها دوماً الاستمرار في النمو، ولا بد من إدراجها بعمق في إعلان الإيمان.

خلال زيارتي إلى كنيس كولونيا قبل ست سنوات، تحدث الحاخام تيتلبوم عن الذكرى كإحدى الركائز الضرورية ليتأسس عليها مستقبل سلمي. واليوم، أتواجد في مكان مركزي للذكرى، لذكرى فظيعة: فمن هنا، تم التخطيط والتنظيم للمحرقة، للقضاء على المواطنين اليهود في أوروبا. قبل الإرهاب النازي، كان يعيش في ألمانيا حوالي نصف مليون يهودي كانوا يشكلون شريحة ثابتة في المجتمع الألماني. وبعد الحرب العالمية الثانية، اعتبرت ألمانيا "بلاد المحرقة" حيث أصبح العيش فيها مستحيلاً بالنسبة إلى يهودي. في البداية، لم تبذل عملياً أي جهود حثيثة لإعادة تأسيس الجماعات اليهودية القديمة، على الرغم من القدوم المتواصل لأفراد يهود وعائلات يهودية من الشرق. كثيرون بينهم كانوا يريدون أن يهاجروا ويؤسسوا لأنفسهم حياة جديدة، بخاصة في الولايات المتحدة أو في إسرائيل.

في هذا المكان، لا بد من التذكير أيضاً بمطاردة اليهود في "ليل البلور" من 9 ولغاية 10 نوفمبر 1938. قلائل هم الذين أدركوا مستوى فعل الاحتقار هذا، كما فهمه رئيس مجلس كهنة برلين، برنارد ليشتنبرغ الذي هتف من منبر كاتدرائية القديسة هيدويغ: "الهيكل يحترق في الخارج – وهو أيضاً بيت الله". إن الحكم الإرهابي للاشتراكية الوطنية كان قائماً على أسطورة عرقية كان في عدادها رفض إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، إله يسوع المسيح والمؤمنين به. كان أدولف هيتلر المسمى بـ "الكلي القدرة" صنماً وثنياً كان يرغب في الحلول محل الله البيبلي، خالق جميع البشر وأبيهم. مع رفض احترام هذا الإله الواحد، يغفل الناس دوماً عن احترام كرامة الإنسان. وما يستطيع الإنسان الرافض لله أن يفعله، وما يبدو عليه وجه شعب في "رفض" هذا الإله، أظهرتهما الصور المرعبة التي انبثقت عن مخيمات الاعتقال في نهاية الحرب.

أمام هذه الذكرى، لا بد من الاعتراف بامتنان بأن العقود الأخيرة شهدت تطوراً جديداً يسمح بالتحدث عن ازدهار جديد للحياة اليهودية في ألمانيا. ولا بد من الإشارة إلى أن الجماعة اليهودية في هذه الحقبة عينها بذلت جهوداً جديرة بالثناء لدمج المهاجرين القادمين من شرق أوروبا.

بكثير من التقدير، أود أيضاً أن ألفت إلى حوار الكنيسة الكاثوليكية مع اليهودية، الحوار الذي يتعمق. فالكنيسة تشعر بقرب كبير من الشعب اليهودي. ومع إعلان "في زماننا هذا" (Nostra Aetate) الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني، تم الالتزام بـ "سلوك درب محتومة من الحوار والأخوة والألفة" (الكلمة في كنيس روما، 17 يناير 2010). هذا ينطبق على الكنيسة الكاثوليكية جمعاء التي التزم فيها الطوباوي البابا يوحنا بولس الثاني بشكل نشيط واستثنائي بهذه الدرب الجديدة. كما ينطبق ذلك أيضاً على الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا المدركة جيداً لمسؤوليتها الخاصة في هذا الصدد. وفي المجال العام، يلاحظ بخاصة "أسبوع الأخوة" الذي ينظم سنوياً خلال أول أسبوع من شهر مارس من قبل الجمعيات المحلية للتعاون اليهودي المسيحي.

من الجهة الكاثوليكية، هناك أيضاً لقاءات سنوية بين الأساقفة والحاخامات، ومحادثات منتظمة مع المجلس المركزي لليهود. وخلال السبعينيات، تميزت اللجنة المركزية للكاثوليك الألمان بتأسيس منتدى "اليهود والمسيحيين" الذي أنتج بمهارة على مر السنين العديد من الوثائق المفيدة. كما لا يمكن نسيان اللقاء التاريخي للحوار اليهودي المسيحي الذي تم في مارس 2006، بمشاركة الكاردينال والتر كاسبر. وقد أتى هذا اللقاء بثمار جمة حتى زمن قريب.

إضافة إلى هذه المبادرات الملموسة الجديرة بالثناء، يبدو لي أنه ينبغي علينا نحن المسيحيين أن نفهم دوماً صلتنا الروحية مع اليهودية. فبالنسبة إلى المسيحيين، لا يمكن حصول انقطاع في حدث الخلاص. فالخلاص هو من عند اليهود (يو 4، 22). وحيث يُعتبر صراع يسوع مع اليهودية في زمانه بشكل سطحي كانفصال عن العهد القديم، يُختزل إلى فكرة تحرير تعتبر التوراة فقط كتقيد خاضع بالطقوس وبالتعليمات الخارجية. في الواقع، إن العظة على الجبل لا تلغي الشريعة الموسوية، لكنها تكشف إمكانياتها المستترة وتُبرز مقتضيات جديدة. وهي ترشدنا إلى أعمق أساس للعمل البشري، إلى القلب، حيث يختار الإنسان بين الطاهر والنجس، حيث ينمو الإيمان والرجاء والمحبة.

إن رسالة الرجاء التي تنقلها أسفار الكتاب المقدس العبري والعهد القديم المسيحي، تم استيعابها وتطويرها من قبل يهود ومسيحيين بطرق مختلفة. "بعد قرون من المعارضة، نعترف بواجبنا الذي يقضي بالعمل لكي تتحاور هاتين الطريقتين في إعادة قراءة النصوص البيبلية – طريقة المسيحيين وطريقة اليهود – لفهم مشيئة الله وكلمته على نحو صحيح" (يسوع الناصري، الجزء الثاني: من الدخول إلى أورشليم إلى القيامة، ص. 50). في مجتمع تزيد فيه العلمنة، يجب أن يعزز هذا الحوار الرجاء المشترك بالله. فمن دون هذا الرجاء، يفقد المجتمع صفته البشرية.

على العموم، نلاحظ أن التبادل بين الكنيسة الكاثوليكية واليهودية في ألمانيا سبق أن أتى بثمار واعدة. فقد نمت علاقات دائمة وقائمة الثقة. ومن المؤكد أن اليهود والمسيحيين لديهم مسؤولية مشتركة من أجل تنمية المجتمع، مسؤولية تتميز أيضاً ببعد ديني. فليتمكن جميع المعنيين من استكمال هذه الدرب معاً. وليمنح الواحد والكلي القدرة – Ha Kadosh Baruch Hu – بركته لهذه الغاية.

***

ترجمة وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)