يجب على الحياة المسيحية أن تقيس ذاتها باستمرار على مقياس المسيح

 

 

الفاتيكان، الاثنين 26 سبتمبر 2011 (Zenit.org).

ننشر في ما يلي عظة قداسة البابا بندكتس السادس عشر في مطار فريزيخ السياحي نهار الأحد 25 سبتمبر 2011 في معرض زيارته الرسولية إلى ألمانيا.

* * *

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

إنها لمناسبة مؤثرة بالنسبة لي أن أحتفل بالافخارستيا، بذبيحة الشكر، مع الكثير من المؤمنين الوافدين من مختلف أنحاء ألمانيا والدول المجاورة. نود أن نوجه شكرنا بشكل خاص لله الذي فيه لنا الحياة، الحركة والوجود (راجع أع 17، 28). ولكني أود أن أشكركم أيضًا لأجل صلاتكم لخليفة بطرس، لكي يستطيع أن يستمر بالقيام بخدمته بفرح ورجاء واثق فيثبت الإخوة في الإيمان.

لقد صلينا في القداس قائلين: "يا رب، أنت الذي تكشف عن كلية قدرتك بشكل خاص في الرحمة والغفران…". سمعنا في القراءة الأولى كيف أن الله قد كشف في تاريخ إسرائيل قوة رحمته. لقد أوقعت خبرة سبي بابل الشعب في أزمة إيمان عميقة: لماذا حدثت هذه الكارثة؟ هل إن الله لم يكن بالحقيقة كلي القدرة؟

هناك لاهوتيون يصرحون ، أمام الأمور الرهيبة التي تحدث اليوم في العالم، بأن الله لا يستطيع أن يكون كلي القدرة. في وجه هذا الواقع، نحن نعترف بأن الله هو الضابط الكل (الكلي القدرة) خالق السماوات والأرض. ونحن فرحون ومعترفون بأنه كلي القدرة. ولكن يجب أن نعي في الوقت عينه أنه يمارس قدرته بشكل يختلف عما يفعله البشر عادة. فهو بالذات قد أقام حدًا لقدرته معترفًا بحرية الخلائق. ونحن فرحون وممتلؤون عرفانًا لأجل هبة الحرية. مع ذلك، عندما نرى الوقائع الرهيبة، التي تحدث بسبب الحرية، يعترينا الخوف.  فلنثق بالله الذي يظهر قدرته بشكل خاص في الرحمة والغفران. ولنكن واثقين، أيها المؤمنون الأعزاء: الله يريد خلاص شعبه. يتوق إلى خلاصنا، إلى خلاصي، إلى خلاص كل شخص. دائمًا، وبشكل خاص في أوقات الخطر والتغيير الجذري، الله قريب منا وقلبه يتحرك عطفًا نحونا، ينحني علينا. لكي يستطيع سلطان رحمته أن يلمس قلوبنا، لا بد من الانفتاح عليه، لا بد من الجهوزية الحرية للتخلي عن الشر، للنهوض من اللامبالاة ولافساح المجال لكلمة الله. يحترم الله حريتنا ولا يرغمنا على شيء. ينتظر الله "نعم" ـنا ويستعطيه، إذا جاز التعبير.

يتطرق يسوع في الإنجيل لهذا الموضوع الهام في التبشير النبوي. يخبر قصة أخوين دعاهما أباهما للعمل في كرمه. يجب الابن الأول: "كلا، لا أريد"؛ ولكنه من ثم يندم ويذهب إلى الكرم (مت 21، 29). الابن الآخر يقول للأب: "نعم، يا سيدي"، ولكنه لا يذهب (مت 21، 30). جوابًا على سؤال يسوع، مَن مِن الاثنين قد أتم إرادة أبيه، يجيب السامعون بحق: "الأول" (مت 21، 31). رسالة المثل واضحة: لا تكفي الكلمات، بل هناك حاجة للفعل، لأعمال التوبة والإيمان. يوجه يسوع هذه الرسالة إلى رؤساء الكهنة، إلى شيوخ الشعب الإسرائيلي، أي إلى الخبراء بالدين في شعبه. فهم يقولون أولاً "نعم" لإرادة الله. ولكن حياتهم الدينية تضحي روتينًا ولا يعود الله يهز كيانهم. ولذا يشعرون بأن رسالة يوحنا المعمدان ورسالة يسوع هما مصدر إزعاج لهم. ويختتم الرب مثله بكلمات جذرية: "إن العشارين والزواني يسبقونكم في ملكوت الله. فقد جاء يوحنا مبشرًا بدرب البر، ولكنكم لم تؤمنوا به؛ أما العشارون والزواني قد آمنوا به. وأنتم، إذ رأيتم هذه الأمور، لم تتوبوا ولم تؤمنوا" (مت 21، 31 – 32). إذا ما ترجمنا المثل في لغتنا المعاصرة، تضحي عبارة يسوع هكذا: لاأدريون، لا يعرفون سلامًا بسبب سؤال الله؛ أشخاص يتألمون بسبب خطاياهم ويتوقون إلى قلب نقي، هم أقرب من ملكوت الله من أشخاص يعيشون الإيمان كـ "روتين"، ويرون من الكنيسة فقط الهيكلية، دون أن يلمس الإيمان قلبهم.

وهكذا يجب على الكلمة أن تجعلنا نفكر كثيرًا، بل أن تهر كل كياننا. هذا الأمر لا يعني إطلاقًا أن من يعيش في الكنيسة ويعمل لأجلها هو دومًا بعيد عن يسوع وعن ملكوت الله. لا قطعًا! لا، بل إن هذا هو الوقت لكي نقول كلمة شكر عميقة لجميع المعاونين الملتزمين والمتطوعين، الذي من دونهم لا يمكن التفكير بالحياة الرعوية وبالحياة في الكنيسة بأسرها. تحتوي الكنيسة في ألمانيا على الكثير من المؤسسات الاجتماعية والخيرية، التي يُعاش فيها الحب نحو القريب بشكل فعال اجتماعيًا أيضًا ووصولاً حتى أقاصي الأرض. أود أن أعبّر لجميع الذي يلتزمون بالكاريتاس الألمانية وبالمؤسسات الأخرى، أو الذين يضعون وقتهم وقواهم بتصرف خدمات التطوع في الكنيسة، أود أن أعبّر لهم في هذا الوقت عن عرفاني وتقديري. هذه الخدمة تتطلب بشكل خاص مهارة موضوعية ومهنية. ولكن في روح تعليم يسوع هناك حاجة لأكثر من ذلك: هناك حاجة للقلب المنفتح الذي يسمح لحب المسيح أن يلمسه، وبهذا الشكل يهب ذاته للقريب المحتاج إلينا، أكثر من حاجته لخدمة تقنية: الحب، الذي نظهر فيها للآخر الله الذي يحبنا، أي يسوع المسيح.

فلنتساءل إذًا، انطلاقًا من إنجيل اليوم: كيف أعيش علاقتي الشخصية مع الله، في الصلاة، في الاشتراك بقداس الأحد، في التعمق بالإيمان من خلال التأمل بالكتاب المقدس، ودراسة تعليم الكنيسة الكاثوليكية؟ أيها الأصدقاء الأعزاء، إن تجدد الكنيسة، في المقام الأخير، يمكن أن يتحقق فقط من خلال الجهوزية للارتداد ومن خلال إيمان متجدد.

في إنجيل هذا الأحد – كما سبق ورأينا – نتعرف على أخوين يستتر وراءهما بشكل سري أخ ثالث. الأخ الأول يقول نعم، ولكنه لا يفعل ما قد أُمر به. الأخ الثاني يقول كلا، ولكنه يحقق إرادة أبيه. الأخ الثالث يقول نعم ويحقق أيضًا ما قد أُمر به. هذا الابن الثالث هو ابن الله الوحيد، يسوع المسيح، الذي جمع الكل هنا. يسوع، في دخوله إلى عالمنا، قد قال: "هاءنذا آتٍ لأفعل إرادتك يا الله" (عبر 10، 7). هذا "النعم"، لم يتلفظ به وحسب بل حققه وعاشه متألمًا حتى الموت. في النشيد الكريستولوجي في القراءة الثانية نقرأ: "هو الذي في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (فيل 2، 6 – 8). بتواضع وطاعة، أتم يسوع إرادة الآب، مات على الصليب لأجل إخوته وأخواته – لأجلنا – وخلصنا من كبريائنا ومن عنادنا. فلنشكره لأجل تضحيته، فلنحنِ ركبنا أمام اسمه ولنعلنه سوية مع تلاميذ الجيل الأول: "يسوع المسيح هو رب – لمجد الله الآب" (فيل 2، 10).

يجب على الحياة المسيحية أن تقيس ذاتها باستمرار على مقياس المسيح: "فلتكن فيكم المشاعر عينها التي كانت في المسيح يسوع (فيل 2، 5)، بحسب ما يكتب بولس في مطلع النشيد الكريستولوجي. وقبل بضعة آيات، يحضنا: "إذا كان عندكم شأن للمناشدة بالمسيح ولما في المحبة من تشجيع، والمشاركة في الروح والحنان والرأفة، فأتموا فرحي بأن تكونوا على رأي واحد ومحبة واحدة وقلب واحد وفكر واحد" (فيل 2، 1 – 2). كما كان المسيح متحدًا بالكامل بالآب وطائعًا له، كذلك يجب على تلاميذه أن يطيعوا الله وأن يكون لهم شعور واحد فيما بينهم.

أيها الأصدقاء الأعزاء، مع بولس أتجرأ أن أحضكم: أتموا فرحي بأن تكونوا متحدين في المسيح! ستتخطى الكنيسة في ألمانيا التحديات الحاضرة والمستقبلة وستبقى خميرة في المجتمع، إذا تعاون في وحدة الكهنة، المكرسون والعلمانيون المؤمنون بالمسيح بأمانة لدعوتهم الشخصية؛ إذا تعاونت الرعايا والحركات وأغنت بعضها البعض؛ إذا حافظ المعمدون والمثبتون في شركة مع الأسقف على شعلة الإيمان دون تبديل وسمحوا لها أن تنير معارفهم الغنية وقدراتهم. ستستمر الكنيسة في ألمانيا بأن تكون بركة للجماعة الكاثوليكية العالمية إذا بقية بأمانة متحدة بخليفة بطرس وبالرسل، وإذا اعتنت بأشكال مختلفة بالتعاون مع دول الرسالة وإذا سمحت بانتشار "عدوى" فرح الإيمان في الكنائس الشابة.

مع الدعوة إلى الوحدة، يربط بولس أيضًا الدعوة إلى التواضع فيقول: " لا تفعلوا شيئا بدافع المنافسة أو العجب، بل على كل منكم أن يتواضع ويعد غيره أفضل منه، ولا ينظرن أحد إلى ما له، بل إلى ما لغيره" (فيل 2، 3 – 4). الوجود المسيحي هو "وجود لأجل": هو أن نكون لأجل الآخرين، هو التزام متواضع لأجل الآخر ولأجل الخير العام. أيها المؤمنون الأعزاء، التواضع هو فضيلة لا تتمتع بتقدير كبير في أيامنا، وفي كل حقبات التاريخ بشكل عام. ولكن تلاميذ الرب يعرفون أن هذه الفضيلة هي، إلى حد ما، الزيت الذي يجعل عمليات الحوار تحمل ثمارها، وتُخصب التعاون والوحدة القلبية. "Humilitas" هي الكلمة اللاتينية للتواضع، وهي تتعلق بالتراب، أي بالقرب من الأرض، من الواقع. المتواضعون يقومون والقدمان تلامسان الأرض. وبشكل خاص يصغون للمسيح، لكلمة الله، التي تجدد باستمرار الكنيسة في كل عضو من أعضائها.

فلنطلب إلى الله الشجاعة والتواضع للمسير في درب الإيمان، لكي نغرف من غنى رحمته ونبقي أنظارنا ثابتة على المسيح، الكلمة التي تجدد كل الأشياء، والتي هي بالنسبة لنا "الطريق، الحق والحياة" (يو 14، 6)، والتي هي مستقبلنا. آمين.

* * *

نقله من الإيطالية إلى العربية روبير شعيب – وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية – 2011.