غياب البابا.. بين تحديات الكنيسة ومخاوف الدولة في مصر

 

بقلم إميل أمين
القاهرة، الاثنين 23 أبريل 2012 – جريدة الشرق الأوسط

في وقت مفصلي من تاريخ مصر، يرحل البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، يرحل بعد أكثر من أربعة عقود، 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 1971 – 17 مارس (آذار) 2012، جلس فيها على عرش الكنيسة المصرية، ومع رحيله تطفو على السطح تساؤلات مقلقة كثيرة، لا سيما أن علامة استفهام كبرى ترتسم في سماوات الحياة المصرية حول: «هل الأقباط اليوم متفقون أم مفترقون»؟ لعل هذا السؤال المطروح الآن وبقوة سيحدد ليس فقط ملامح وهوية الدور الذي سيلعبه البابا القادم فقط، بل إلى أبعد من ذلك فإنه سوف يشكل ملامح لهوية متجددة للكنيسة القبطية، التي تفقد الآن رجلا كاريزماتيا، أضفى إليها بمواقفه وأقواله وأعماله بعدا جديدا، فخرجت من سياق المحلية إلى الإقليمية فالدولية.

والمعروف أنه وطوال العقد الماضي ظهرت داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تيارات علمانية معارضة لاشتغال الكنيسة بالسياسة، وهذه لم توفر نصائحها للبابا القادم بأن يكون أبا روحيا وليس زعيما سياسيا، إذ أن هذا الدمج حتما ولا بد أنه سيقود إلى صراعات طائفية، وإن لم يعن ذلك أن لا يكون له دور وطني إيجابي بشكل عام، ورأي سياسي بنوع خاص بوصفه مواطنا مصريا، وإن كان على درجة بابا للأقباط.
ولهذا فإن الحلقة الأخطر ربما سنراها الأيام والأشهر القليلة القادمة، حيث سيدور الجميع في إطار الرؤى التي ستحكم انتخاب البابا القادم، والآليات المحددة لها، وهي قضية شائكة ومثار خلاف بين القوى القبطية سواء الإكليروس، أي رجال الدين، أو العلمانيين الذين ليسوا هم بكهنة أو أساقفة.
ومما لا شك فيه أن الدولة المصرية وطوال عهد مبارك ربما اختزلت الأقباط عن بكرة أبيهم في شخص البابا، وفي المقابل كان البابا صمام أمان، ومانعا للصواعق الكثيرة، لا سيما منذ اللحظات الأولى لعام 2011. إذ جرت في الدقائق الأولى من ذلك العام مذبحة كنيسة القديسين في الإسكندرية، وطوال العام الانتقالي الماضي جرت حوادث مزعجة من هدم لكنائس وحرق لأخرى ورفض لوجود مسؤول قبطي كمحافظ في قنا، وبلغت المأساة ذروتها فيما جرى أمام ماسبيرو من مذبحة.
كانت هذه جميعها كفيلة بإشعال وطن، غير أن كاريزما البابا كانت قادرة على التحكم في الأعصاب المنفلتة، وتحكيم العقل، وتهدئة المشاعر، وإن تحمل الرجل الآلام وكابد المشقات وحده، حتى عبرت سحابة الفتنة ربوع مصر، أو هكذا يخيل للبعض. على أن رحيل البابا شنودة في هذا التوقيت الحساس الذي تسعى فيه مصر إلى اختيار رئيس يلقي بتبعات جسام على من تركهم من قيادات كنسية، فالبابا كان قادرا بما له من حضور روحي أن يجمع كلمة الأقباط بدرجة أو بأخرى على اسم معين لمرشح بعينه، وحتى لو كان بالفعل قد فقد نسبة ما من ذلك النفوذ في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) من الانتلجنسيا القبطية، وقيادات وأعضاء الحراك الشبابي القبطي الذي رفض أن يتلقى أوامر من الإكليروس المتمترسين خلف جدران الكنائس.
ونتيجة لذلك، فإن الكتلة التصويتية للأقباط لم يعد أحد يملك توجيهها أو معرفة إلى من ستصوت، ولهذا قالت بعض الأصوات: إنه غياب في غير وقته، ما يضع مصر بين فترتين انتقاليتين للدولة والكنيسة معا، وفي آن واحد. ومع رحيل البابا شنودة تطفو على السطح ملفات كثر ستشكل ولا شك عقبات وتحديات يمكن تمثيلها بمثلث ثلاثي الأضلاع، الكنيسة، الدولة، الأقباط.
وليس معنى ذلك أن الأقباط لهم نسيج مجتمعي مختلف، أو أنهم يشكلون «جيتو» قائما بذاته في الحياة المصرية، لكن تبقى هناك ملفات عالقة تتقاطع مع أضلاع المثلث المشار إليه ومنها على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي:
– تصاعد حركات الإسلام السياسي، ووصولها لمقاعد الحكم، وهذا معطى جديد لم يكن قائما بدوره في العقود الأربعة الماضية، وهنا يتساءل الأقباط وغيرهم كيف سيضحى شكل العلاقة بين البابا الأرثوذكسي وحكومة إسلامية التوجه؟ مع الأخذ في الاعتبار أيضا كافة التطمينات التي أشار إليها «الإخوان» والسلفيون لجهة الأقباط.. فهل سيخلي البابا الطريق للأقباط بوصفهم مواطنين للتعاطي إن سلبا أو إيجابا مع هؤلاء وأولئك أم سيظل كما كان البابا شنودة وصيا عليهم غالب الوقت ولأسباب ترتبط بمعطيات تلك الأوقات.
– يرحل البابا شنودة وتبقى قضية بناء الكنائس للمسيحيين في مصر قائمة لم تحسم ولم يصدر بشأنها قرار، أو يسن لها تشريع، وهي قضية كثيرا ما كانت السبب وراء انتشار الفتن الطائفية واندلاع المواجهات الدينية، والآمال الآن معلقة على التحدي الملقى في البرلمان المصري بغالبيته الإسلامية.. فهل سيدخل «الإخوان» والسلفيون التاريخ بإنصاف الأقباط بقانون يحمي ممارساتهم لشعائرهم الدينية داخل كنائسهم، متميزا على حكومات سابقة اتهمت من قبل كثيرين بأنها كانت وراء الفتن الطائفية؟
– ثالث تلك الملفات على سبيل المثال يتعلق بالأحوال الشخصية للأقباط وقانونها، وهو ملف كاد أن ينفجر مؤخرا، فالكنيسة في مسائل الزواج والطلاق ترتكن إلى شريعة الإنجيل وحده، ولا تستطيع أن تخالف تعاليم السيد المسيح وحده، وإن تركت الحرية لمن يريد الزواج مدنيا وبعيدا عنها لكنها لا تعتبر زواجه مقدسا وفاعلا داخل مجتمعها، والإشكالية هنا أنه أحيانا تصدر أحكام بإجازة الطلاق لا تنفذها الكنيسة لأنها تخالف شريعة الإنجيل.
وتطول الملفات الملغومة، ومنها ما يتصل بدعوى التمييز ضد الأقباط، ومنها شأن الدستور القادم، وبقية مناحي الحياة المصرية، غير أن بعدا دوليا يبقى مطلا برأسه من نافذة الأحداث على هامش رحيل البابا شنودة… فماذا عن هذا؟
لا شك أن البابا شنودة الثالث هو بابا الأقباط في الوقت الذي انفجرت فيه ظاهرة العولمة وصنوها الهجرة الدولية، وهو البابا الذي تسلم الكنيسة القبطية ولها خارج مصر فقط عدة كنائس لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ويتركها اليوم وعددها خارج مصر يتجاوز المائة وخمسين كنيسة وبضعة أديرة وأجيال مصرية الأصل مزدوجة الجنسية والهوية أيضا، منتشرة في قارات الأرض الست، مما جعل البعض يرى أن هناك دياسبورا قبطية اختيارية لا إجبارية حول العالم، وبذلك تختلف عن الدياسبورا اليهودية التاريخية التي جرت تحت قسوة وبطش الرومان عام 1971.
على أن هذا الحضور يمكن أن يكون سلاحا ذا شقين، فأقباط المهجر كما اصطلح على تسميتهم ليسوا جميعا على قلب رجل واحد، فهناك بينهم فصائل وتنويعات، بعضهم وطني مغرق في وطنيته، لكن طريقة تعاطيه مع الوطن مصر وما يجري فيها يتم من خلال آليات وسياقات تتناسب وأجواء الديمقراطية الغربية التي يعيشون فيها وما بها من حرية رأي وفكر وانتقاد إلى آخر مظاهر الديمقراطية الغربية السياسية.
وهناك فصائل أخرى ومن أسف شديد يتم تطويعها لصالح جماعات ضغط لا تريد لمصر الخير، وبعضها يستغل للترويج لأحاديث الشقاق والفراق والانقسام، وقد وبلغ الأمر إلى القول من قبل بعضها بـ«الدولة القبطية المستقلة»، وهو حديث مؤلم قائم بذاته.
كان البابا شنودة بشخصيته الأثرة، وقوة شكيمته قادرا ولو بصعوبة كبرى في قيادة هؤلاء وأولئك، والآن يتساءل مراقب هل سيتمتع البابا القادم بما كان لسلفه في إحكام قبضته وبسط ولائه الروحي على الجميع أم لا؟
هنا تجد مصر نفسها في مواجهات خلافية تسبب لها مآزق دولية، لا سيما أن خلف البابا قوى رابضة تشتهي أن تتسيد على مصر.
الأمر الآخر، الذي كان البابا شنودة يتمتع به، هو تسخيره للعلاقات التاريخية مع الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية ورئاسة مصر لها في وقت ما لصالح مصر، لا سيما أن إثيوبيا تعني لمصر في زمن المؤامرات الدولية الآني الكثير، فمياه النيل قضية أمن قومي، وكم سعد الجميع في مصر برؤية الأب باولوس البطريرك الإثيوبي يترأس ضمن كثيرين صلاة جنازة البابا شنودة.. فهل سنرى للبابا القبطي القادم نفوذا مماثلا لنفوذ البابا شنودة هناك وأن يسخر ذلك النفوذ دوليا لصالح مصر كي لا تتعرض لجفاف مائي قاتل؟
ويبقى قبل الانصراف التساؤل عما يتطلع إليه المصريون بعمومهم، مسلمين ومسيحيين، ويتمنون على البابا الجديد؟
لعل السمات المطلوبة في هذا المنعطف، وربما المنزلق التاريخي الذي تعيشه مصر يتمثل في ضرورة توافر الحكمة والهدوء والمحبة والقدرة على الصفح والغفران والتعايش وقبول الآخر، وهي جميعها ما لفت إليها البابا الراحل في وصيته التي قرئت في مراسم الجنازة.
يحتاج المصريون ولا شك في هذه اللحظات إلى بابا ولا شك قادر على استلهام ورح وحكمة البابا شنودة في الداخل، والمضي على دربه عربيا ووطنيا، لا سيما تجاه قضايا كالقدس وعروبتها، واللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، والرفض للغزو الأجنبي، والتصدي لمؤامرات تفتيت مصر، وليس شرطا أن يكون نسخة مكررة من البابا شنودة بالضرورة.
يتطلع المصريون إلى هذا النموذج الأثير الذي عاش بينهم أربعة عقود، لا يوفر البعض منهم المخاوف من نموذجين آخرين يمكن أن تأتي «القرعة الهيكلية» بأي منهما:
– الأول هو «البابا الحكومي» إن جاز التعبير، أي الرجل الذي يأتمر بأمر الدولة في كافة تصرفاته ومخططاته ورؤاه، وهو نموذج كارثي، لأنه سيشق في هذا الحال صف الكنيسة الوطنية في الداخل وسيثير عليها ثائرة مهاجريها في الخارج ويجلب الكثير من الإشكاليات لمستقبل الأقباط في مصر.
– النموذج الثاني هو «البابا الصدامي»، أي البابا الذي لا يستطيع التحكم في تصرفاته وأهوائه وتوصياته وعند أقرب منعطف خلافي أو طائفي يسعى إلى إشعال الحرائق بردود فعله العنيفة، عوضا عن المساهمة في إطفائها ومعه تنطلق الفتنة الطائفية لتضحى أقرب ما تكون للحرب الأهلية، وخلال شهور من بابويته ربما تجد مصر ذاتها تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ويمضي سيناريو التقسيم الذي يسعى له أعداء مصر.
وعليه، فإن دعوات وتضرعات المصريين، مسلمين ومسيحيين، في هذا التوقيت الحساس أن يصل إلى بابوية الكنيسة الأرثوذكسية رجل يؤمن ومن جديد كما آمن البابا شنودة بأن «مصر ليست وطنا نعيش فيه بل هي وطن يعيش فينا».
رحم الله البابا شنودة الثالث رحمة واسعة وألهم المصريين سواء السبيل.