وحدانية وشمولية خلاص يسوع المسيح والكنيسة

مدخل

1. أوكل الرب يسوع تلاميذه قبل صعوده إلى السماء أن يعلنوا الإنجيل للعالم أجمع قبل أن يعمدوا كل الأمم: “اذهبوا في العالم كله واعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين، فمن آمن واعتمد يخلص، ومن لم يؤمن يُحكم عليه” (مر 15:16-16)؛ “إني أوليت كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به، وهاءنذا معكم كل الأيام إلى نهاية العالم” (مت 18:28-20؛ لو 46:24-48؛ يو 18:17، 20،21؛ أع 8:1). إن رسالة الكنيسة العالمية تُولد من إرسال يسوع المسيح لها وتتم عبر القرون من خلال إعلان سر الله الآب والابن والروح القدس وسر تجسد الابن كحدث خلاصي للبشرية جمعاء. هذه هي العناصر الرئيسية للإيمان المسيحي: “نؤمن بإله واحد الله الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يُرى وما لا يُرى. نؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور: نور من نور إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر الذي به كان كل شيء. هذا الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس. ومن مريم العذراء تأنس وصُلب عنّا على عهد بيلاطس البنطي. تألم وقُبر وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السموات، وجلس عن يمين أبيه، وأيضاً يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء. نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الآب. نسجد له ونمجده مع الآب والابن الناطق في الأنبياء. وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية. ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. آمين”[1].

2. لقد أعلنت الكنيسة هذه الحقائق عبر القرون وشهدت بأمانة لإنجيل يسوع. في نهاية الألف الثاني الميلادي مازالت هذه الرسالة بعيدة عن الوصول إلى الكمال[2]. من أجل هذا فإن صرخة بولس الرسول الإرسالية فيما يخص الالتزام الإرسالي لكل معمد: هي أكثر معاصرة من أي وقت مضى “فإذا بشرت، فليس في ذلك لي مفخرة، لأنها فريضة لابد منها، والويل لي إن لم أبشر” (1كور16:9). هذا ما يشرح العناية الخاصة التي توليها الرئاسة والهيئات الكنيسة لتشجيع وتدعيم رسالة الكرازة للكنيسة بالأخص بالنسبة للتقاليد الدينية في العالم[3]. وإذا أخذنا في الاعتبار القيّم التي تشهد بها وتقدمها تلك التقاليد الدينية للإنسانية بأسلوب منفتح وإيجابي، فإن الإعلان المجمعي عن علاقة الكنيسة بالديانات الغير مسيحية يؤكد: “إن الكنيسة الكاثوليكية لا ترفض شيئاً مما هو حق ومقدس في هذه الديانات. إنها تنظر بعين الاعتبار الصريح باحترام إلى طرق الحياة والسلوك، إلى تلك الشرائع والعقائد التي وإن اختلفت في نقاط كثيرة عما تؤمن به الكنيسة وتطرحه، لكنها كثيراً ما تعكس شعاعاً من تلك الحقيقة التي تنير لكل البشر”[4]. واستكمالاً لهذا الخط، فإن الالتزام الكنسي بإعلان يسوع المسيح: “الطريق والحق والحياة” (يو6:14)، يسري اليوم على الممارسة العملية للحوار بين الأديان، الذي لا يحل محل ولكن يرافق إعلان الإنجيل إلى الأمم، لأجل “سر الوحدة” الذي منه ندرك أن كل الرجال وكل النساء المخلّصين يساهمون ولو بطرق مختلفة في نفس السر الخلاصي ليسوع المسيح عبر الروح القدس”[5].

 هذا الحوار الذي يشكّل جزءاً من رسالة الكنيسة في إعلان الإنجيل[6]، يحمل في طياته اتجاهاً للتفهّم وعلاقة تعارف وتبادل لما يثري داخل إطار الخضوع للحق واحترام الحرية[7].

3. من خلال الممارسة والتعمّق النظري للحوار بين الإيمان المسيحي والتقاليد الدينية الأخرى، تتوالد أسئلة جديدة، يُسعى لإيجاد إجابات عنها من خلال تبني طرق جديدة في البحث وتقديم مقترحات وسلوكيات تفترض تمييز دقيق. في هذا البحث يأتي هذا الإعلان ليذكّر الأساقفة واللاهوتيين وكل المؤمنين الكاثوليك ببعض المحتويات العقائدية التي لا يمكن التنازل عنها والتي يمكن أن تساعد التفكير اللاهوتي في اكتشاف حلول متطابقة مع معطيات الإيمان وقادرة على الإجابة على التحديات الملّحة للثقافة المعاصرة. ليس الغرض من الأسلوب العرضي لهذا الإعلان بحث الإشكالية المتعلقة بوحدانية وعالمية خلاص الرب يسوع والكنيسة، ولا اقتراح حلول للمسائل اللاهوتية التي يمكن مناقشتها بحرية ولكن هدف هذا الإعلان هو إعادة طرح عقيدة الإيمان الكاثوليكي في هذا الخصوص مشيراً في الوقت ذاته إلى بعض المشاكل الأساسية التي تظل مفتوحة للبحث العميق، ودحض بعض الأوضاع الخاطئة والغامضة. لهذا فإن الإعلان يتناول العقيدة المعلنة مما أصدرته السلطة الكنسية من وثائق بهدف الإلحاح والتركيز على بعض الحقائق التي تشكّل جزءاً من التراث الإيماني للكنيسة.

4. إن الإعلان الدائم للإنجيل في الكنيسة يتعرّض اليوم للخطر من قبل نظريات نسبية أو تناسبية، تهدف إلى تبرير التعدّدية الدينية، ليس فقط بالواقع بل أيضاً بالمبدأ. وبهذا المنطق تعتبر هذه النظريات أموراً وحقائق مثل السمة الخلاصية النهائية لوحي يسوع المسيح، طبيعة الإيمان المسيحي في مواجهة معتقدات الديانات الأخرى، طبيعة الوحي في الكتاب المقدس، وحدة الشخصية بين الكلمة الأزلي ويسوع الناصري، الوحدة والشمولية لسرّ يسوع المسيح، الوساطة الخلاصية العالمية للكنيسة، عدم الفصل بين ملكوت الله وملكوت المسيح والكنيسة، جوهر وحقيقة الكنيسة الواحدة الوحيدة للمسيح موجود في الكنيسة الكاثوليكية الجامعة. يمكن البحث عن جذور هذه النظريات الخاطئة في بعض المعطيات ذات الطبيعة الفلسفية، أو اللاهوتية التي تعوق الفهم والقبول العاقل للحق الموحى به. يمكن الإشارة إلى بعض هذه المعتقدات الخاطئة: التأكيد على عدم إمكانية حد الحقائق الإلهية في صيغ معينة أو إدراكها، حتى بواسطة الوحي المسيحي، الاتجاه إلى النسبية في مواجهة الحق بمعنى أن ما هو حق بالنسبة للبعض، ليس هو كذلك بالنسبة لآخرين؛ التناقض الجذري المفترض بين العقلية المنطقية الغربية وبين العقلية الرمزية الشرقية؛ الذاتية التي تعتبر أن العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، وبهذا تمسي غير قادرة على النظر إلى العلا للوصول إلى حقيقة الكائن”[8]، العجز عن فهم وقبول وجود أحداث في التاريخ تتكلم عن نهاية العالم؛ رفض البعد الميتافيزيقي لحدث تجسّد الكلمة الأزلي في التاريخ. وتخفيض ذلك إلى مجرد ظهور الله في التاريخ “الروح الانتقائية”؛ يؤدي ذلك كله إلى الخسوف الكلي لمن يتخذ في بحثه اللاهوتي أفكاراً مستجلبة من تيارات فلسفية أو دينية متعددة دون أن يتنبه سواء لصحتها المنهجية أو إلى توافقها من عدمه مع الحقائق المسيحية؛ كذلك أخيراً الميل إلى قراءة وتفسير الكتاب المقدس دون الرجوع إلى التقليد الكنسي وتعاليم الكنيسة. أمام هذه الافتراضات التي تقدم نفسها في صور متعددة الأشكال مرة في صورة تأكيدات ومرة في صورة افتراضات… مما أدى إلى تطوير بعض الافتراضات اللاهوتية في مواضيع الوحي المسيحي وسر يسوع المسيح وسر الكنيسة وتقديمها كحقائق مطلقة لخلاص شامل، مما ألقى بظلال الشك وعدم الثقة.

1- وحي يسوع المسيح كامل ونهائي

5. لوضع علاج لهذه العقلية التي تؤمن بنسبية كل شيء حتى حقائق الإيمان المسيحي والتي يزداد انتشارها دوماً. يلزم التأكيد أولاً وأساساً على الطابع المطلق والكامل الذي تحقّق في سرّ يسوع المسيح المتجسّد. حيث يجب الاعتقاد بثبات بمقولة أن في سر يسوع المسيح ابن الله المتجسّد الذي هو “الطريق والحق والحياة” (يو6:14) يُوجد الوحي بملء الحق الإلهي: “فما من أحدٍ يعرف الابن إلا الأب ولا من أحدٍ يعرف الآب إلا الابن ومن شاء الابن أن يكشفه له” (مت 27:11). الله ما رآه أحد قط: “الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه” (يو 18:1) ففيه يحلّ جميع كمال الألوهية حلولاً جسدياً، وفيه تكونون كاملين. إنه رأس كل صاحب رئاسة وسلطان (كو 9:2-10).

 ويعلّم المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني الأمين لكلمة الله: “إن الحقيقة العميقة عن الله وعن خلاص البشر تشرق علينا عبر وحي المسيح الذي هو الوسيط وفي الوقت ذاته هو ملء هذا الوحي”[9]. ويستطرد “إن يسوع المسيح الذي صار جسداً والمرسل “كإنسان وسط البشر” “ينطق بكلام الله” (يو34:3) ويتمم العمل الخلاصي الذي أوكله له (يو36:5؛ 4:17) لذلك فمن يراه يرى الآب (يو9:14). إنه يتمم الوحي عبر وجوده نفسه في العالم وعبر إظهاره لنفسه من خلال: كلمة العمل والإشارة والمعجزة وبالأخص عبر موته وقيامته المجيدة من بين الأموات وأخيراً يتمّم إرسال الروح القدس روح الحق… الذي يكمّل الوحي ويؤكده بالشهادة الإلهية (…). إن التدبير المسيحي للخلاص، بوصفه العهد الجديد والنهائي، لن يزول أبداً، ولا محل لانتظار أي وحي جديد علني قبل الظهور المجيد للرب يسوع المسيح وعودته في المجد (1تيمو 14:6، بط13:2)[10].

لذلك السبب فإن قداسة البابا في رسالة الفادي يطرح على الكنيسة واجب إعلان الإنجيل، كملء الحق: “في هذه الكلمة النهائية لكشف الله عن ذاته، فإنه قدّم ذاته بالأسلوب الأمثل فقال للبشريين من هو وهذا الكشف الذاتي النهائي لله هو السبب الأساسي الذي من أجله تكون الكنيسة بطبيعتها مرسلة. إنها لا تستطيع أن لا تبشر بالإنجيل، أي ملء الحق الذي عرفنا الله إياه عن ذاته”[11] وحده وحي يسوع المسيح إذن هو “يضع في تاريخنا حقيقة عالمية ونهائية تحفّز العقل البشري كي لا يتوقف أبداً”[12].

6. القول بمحدودية وعدم اكتمال الوحي الذي جاء به يسوع المسيح  أو أنه يكتمل في الديانات الأخرى، هو تعليم مخالف لإيمان الكنيسة… والسبب الرئيسي لهذه القناعة هو محاولة إظهار أن حقيقة الله لا يمكن أن تحتويها وتظهرها في شموليتها وكمالها أي ديانة تاريخية: وبالتالي إذن ولا حتى المسيحية ولا من قبل يسوع المسيح نفسه. وهذا الوضع يناقض جذرياً ما سبق تأكيده من حقائق الإيمان التي تؤكد إنه في شخص يسوع المسيح يوجد تمام الوحي. وبرغم ذلك فإن الكلمات والأعمال ومجمل الحدث التاريخي ليسوع، حتى ولو ظل محدوداً بحكم كونه واقع بشري؛ لكن يظل محوره وموضوعه هو الشخص الإلهي للكلمة المتجسد، “إله حق وإنسان حق”[13].

 لهذا فإنها تحمل في ذاتها مطلق التدبير الخلاصي وكماله. حتى ولو ظلت أعماق السر الإلهي وتقاليد في حد ذاتها وليس من الممكن الوصول إلى مكامنها. فالحقيقة التي نعرضها عن الله لا يمكن إلغاؤها أو تخفيضها لأنها تقدم في أسلوب بشري. لكنها على عكس ذلك تظل فريدة ومليئة وكاملة لأن من يتكلم ومن يعمل هو ابن الله المتجسد. لهذا يتطلب الإيمان اعترافاً بأن الكلمة الذي صار جسداً، في كل سرّيته التي تبدأ من سر التجسد وتنتهي بسر التمجيد بالقيامة والصعود هو النبع والمصدر، المشترك، لكن في نفس الوقت الواقعي هو كمال كل وحي في خلاص الله للبشر[14] وأن الروح القدس، الذي هو روح المسيح، سوف يعلم الرسل وعن طريقهم الكنيسة كلها في كل الأزمنة، هذه “الحقيقة كاملة” (يو13:16).

7. الإجابة المناسبة على ما يقدمه الله من وحي هي “طاعة الإيمان” (رو5:1، رو26:16، 2كور 5:10-6) التي عن طريقها يترك الإنسان نفسه لله كاملاً وبحرية مقدماً له “احتراماً كاملاً للعقل والإرادة أمام الله الذي يوحي”. مقدماً موافقته الإرادية لما قدمه الله من وحي[15] إن الإيمان عطية النعمة: “وحتى يمكن قبول هذا الإيمان يحتاج الإنسان إلى نعمة الله التي تثير الإيمان وتسانده، ومساعدة الروح القدس الذي يحرّك قلب الإنسان ويوجهه إلى الله، يفتح عيون العقل ويمنح “الفرح لجميع الذين يعتنقون الحق ويؤمنون به”[16]. والطاعة الإيمانية تعني قبول الحق الموحى به بالمسيح، والذي يضمنه الآب، الذي هو الحق ذاته[17]: “الإيمان هو التبعية الشخصية من الإنسان لله؛ وبنفس المعيار وبلا أي تحفظ القبول الحر لكل ما أوحى به من الله من الحق”[18].

فالإيمان إذن “عطية الله” و “فضيلة فائقة الطبيعة يسكبها من عنده”[19] تتطلب تبعية مزدوجة: لله الذي يوحي وللحق الذي أوحى هو به، وذلك انطلاقاً من مصداقية الشخص الذي يقدم هذا الوحي. لهذا لا يجب أن نؤمن بأي أحد آخر سوى بالله؛ الآب والابن والروح القدس”[20]. يجب التمييز بقوة بين الإيمان اللاهوتي والاعتقاد في الديانات الأخرى. فالإيمان يعني قبول النعمة الموحى بها بوساطة النعمة التي تسمح “بالولوج إلى السرّ واستيضاحه”[21] أما الاعتقاد عند الديانات الأخرى فيعني مجموعة الخبرات والتحليلات والأفكار التي تشكّل كنزاً بشرياً من الحكمة والتدين، عاشها الإنسان وفكّر فيها طوال مسيرته في اكتشاف الحقيقة عن الإله وعن المطلق[22]. هذا التمييز بين الإيمان والاعتقاد غائب عن التفكير المعاصر، لذلك كثيراً ما يحدث الخلط بين الإيمان اللاهوتي الذي يعني قبول الحق الموحى به من قبل الله الواحد والثالوث، وبين المعتقدات عند الديانات الأخرى التي تشكّل خبرة دينية ما زالت في طور البحث عن الحق المطلق وعاجزة عن الوصول إلى الله الذي يكشف عن ذاته. وهناك من يدعو إلى تخفيض الاختلافات بين المسيحية وباقي الأديان حتى المحو.

8. وهناك من يقدم المعطيات عن قيمة الوحي الموجود في الكتب المقدسة لدى الأديان الأخرى. وهنا بالطبع يجب الاعتراف بأن بعض العناصر الموجودة في هذه النصوص هي أدوات استطاع من خلالها الكثيرون عبر القرون وحتى اليوم أن ينمو ويحتفظوا بعلاقتهم الدينية بالله. لذلك فإنه اعتباراً لأساليب الحياة والشرائع والعقائد الخاصة بهذه الديانات يؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني كما أشرنا أعلاه “بقدر ما تختلف في الكثير من النقاط عما تؤمن به وتعلمه الكنيسة، لكنهم كثيراً ما يعكسون شعاعاً من تلك الحقيقة التي تنير لكل إنسان”[23]. التقليد الكنسي يحدد الكتب المقدسة الموحى بها بكتب العهد القديم والعهد الجديد ككتب موحى بها من الروح القدس[24] والمجمع الفاتيكاني الثاني إذ يقبل هذا التقليد الكنسي يقدم الصيغة الإيمانية عن الوحي معلماً: “أن الكنيسة المقدسة الأم حسب التعليم الرسولي تعتبر كتباً مقدسة وقانونية كل كتب العهد القديم والجديد بكاملها وبكل أجزائها لأنها كتبت بوحي الروح القدس (راجع يو 31:20؛ 2تيمو 16:3، 2بط19:1-21؛ 15:3-16) وكاتبها جميعاً هو الله الذي سلمها للكنيسة”[25] وهذه الكتب “تعلم بثبات وبأمانة وبدون خطأ الحقيقة عن الله الذي في سبيل خلاصنا أراد أن يسجلها كتابة في كتبه المقدسة”[26].

لكن وبما أن الله يريد أن يجذب إليه كل الشعوب عن طريق ابنه يسوع المسيح ويريد أن ينقل إليهم كمال وحيه ومحبته. فإنه لا يأنف أن يكون موجوداً وبطرق متعددة الأشكال. ليس فقط في الأفراد بل أيضاً في الشعوب. عبر ثرواتهم الروحية التي تعبر عنها الديانات التي يتبعونها. بالرغم ما تعاني من “نواقص وأخطاء”[27]. وبالرغم عن ذلك فإن الكتب المقدسة لهذه الديانات تستلهم من سر المسيح أوجه الخير والنعمة الموجودة لديها.

2- دور الكلمة المتجسد والروح القدس في عمل الخلاص

9. كثيراً ما يبرز في بعض الأفكار اللاهوتية المعاصرة تيار يعتبر يسوع المسيح كشخصية تاريخية مميزة عبرت وانتهت، وقد كشف عن السر الإلهي بقدر ليس نهائي، ولكنه متكامل مع بعض الشخصيات التي كشفت بدورها عن السر الإلهي والخلاصي. أما السر اللانهائي والمطلق والأخير لله فسوف يظهر للبشرية بطرق مختلفة وعبر وجوه تاريخية مختلفة. يسوع الناصري يعتبر أحد هذه الأوجه. وبطريقة أكثر تحديداً، يُعتبر يسوع بالنسبة للبعض، واحداً من العديد من الوجوه التي تقمصها الكلمة عبر الزمن ليدخل في حوار خلاصي مع البشرية. ولكي يجدوا تبريراً لشمولية الخلاص المسيحي من جهة وللتعددية الدينية من جهة أخرى يقترحون مخططاً تدبيرياً للكلمة الأزلي يصلح للتطبيق خارج الكنيسة أيضاً وبدون أن يدخل معها في أي نوع من العلاقة وبهذا يكون المخطط الأولي للكلمة المتجسّد. أكثر شموليّة وعالمية من الثاني المحدود على المسيحيين فحسب حتى لو كان حضور الله في الثاني أكثر شمولاً.

10. هذه النظريات تتعارض تعارضاً مطلقاً مع الإيمان المسيحي. حيث يجب الإيمان القاطع بمنطوق الإيمان المسيحي القائل: إن يسوع الناصري، ابن مريم وحده هو الابن وكلمة الآب. الكلمة ، الذي “كان منذ البدء عند الله” (يو2:1) هو نفسه الذي “صار جسداً” (يو14:1). ففي يسوع “المسيح ابن الله الحي” (مت16:16) “يسكن جسدياً ملء اللاهوت” (كول 9:2). إنه “الابن الوحيد الذي في حضن الآب” (يو18:1)، “ابنه الحبيب الذي به خلصنا (…) وقد سُرّ الله أن يحل فيه كل ملء وبواسطته يصالح إلى نفسه كل الأشياء، مسالماً بدم صليبه كل ما هو على الأرض وما في السماء” (كول 13:1-14، 19-20). ولقد حدّد مجمع نيقيه الأول انطلاقاً من إيمانه بالكتب المقدسة ورفضه للتفسيرات الخاطئة والمختزلة، إيمانه بشخص يسوع “يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الآب، وحيد الآب، من نفس جوهر الأب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، به خلق كل شيء في السماء وعلى الأرض. الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد وصار إنساناً، تألم ومات وقام من بين الأموات في اليوم الثالث وصعد إلى السموات وسيأتي ليدين الأحياء والأموات”[28] واتباعاً لتعاليم الأباء نرى مجمع خلقيدونية يُقرّ “إن الابن الواحد الوحيد، ربنا يسوع المسيح هو نفسه كامل في لاهوته وكامل في ناسوته إله حق وإنسان حق (…)، مساوٍ للآب حسب اللاهوت ومساوٍ لنا حسب الناسوت (…)، مولود من الآب قبل كل الدهور حسب اللاهوت، وفي الأيام الأخيرة هو نفسه لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء أم الله حسب الجسد”[29]. ولهذا السبب عينه يؤكد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني أن المسيح “آدم الجديد” “صورة الله غير المنظور” (كول 15:1) “هو الإنسان الكامل، الذي أعاد لبني آدم صورة التشابه مع الله، التي شوهتها الخطيئة منذ البداية […] الحمل البريء، الذي عبر دمه المسفوك بإرادته استحق لنا الحياة وبه صالحنا مع الله ومع أنفسنا وحررنا من عبودية إبليس والخطيئة، وهكذا يستطيع كل واحد منّا أن يردد مع بولس الرسول: “ابن الله احبني وبذل ذاته من أجلي” (غل20:2)[30].

وفي هذا الموضوع أعلن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بوضوح “أنه ضد الإيمان المسيحي إلحاق أي نوع من الفصل بين الكلمة وبين يسوع المسيح […] فيسوع هو الكلمة المتجسد، شخص واحد غير منقسم […] فالمسيح هو يسوع الناصري وهو كلمة الله الذي صار إنساناً من أجل خلاص جميع البشر […]. وبينما نستكشف ونقدر المواهب المتنوعة وبالأخص الغنى الروحي ، الذي منحه الله لكل الشعوب، فإننا لا نستطيع أن نفصل كل ذلك عن يسوع المسيح، الذي هو مركز تدبير الله الخلاصي ومحوره”[31]. وبرغم هذا فإنه ضد الإيمان الكاثوليكي إلحاق أي نوع من الفصل بين عمل الكلمة الخلاصي كجوهر، وبين عمل الكلمة المتجسد. فمع التجسّد تكون كل الأعمال الخلاصية لكلمة الله متحدة دوماً مع طبيعته البشرية التي اتخذها من أجل خلاص جميع البشر. فالشخص الوحيد الفاعل في كلا الطبيعتين، البشرية والإلهية، هو شخص الكلمة الواحد[32]. لهذا فإن النظرية التي تنسب إلى الكلمة كذات إلهية نشاطاً خلاصياً بعيداً عن ناسوت المسيح حتى بعد التجسد، هي مخالفة لإيمان الكنيسة[33].

11. بالمعنى نفسه يجب قبول الإيمان بالعقيدة الإيمانية حول وحدة التدبير الخلاصي الذي أراده الله الواحد والثالوث والتي تحوي كمصدر ومحور لها عقيدة تجسد الكلمة، وسيط النعمة الإلهية في عملية الخلق والخلاص (كول15:1-20) الذي يجمع في ذاته كل الأشياء (أف10:1) الذي صار لنا حكمة وبراً وقداسة وفداءً (1كور 30:1) لذلك فإن سر المسيح يحمل في ذاته وحدة داخلية تمتد منذ الاختيار الأبدي في الله إلى الظهور الثاني: “ففيه [في الآب] اختارنا قبل إنشاء العالم، لنكون قديسين وبلا عيب أمامه في المحبة” (أفس4:1). وبه صرنا ورثة… (أفس11:1) (ونص رو 29:8-30). والرئاسة الكنسية، أمينة للوحي الإلهي، تؤكد أن يسوع المسيح هو الوسيط وهو مخلص العالم أجمع: “كلمة الله، الذي به خلق كل شيء، صار هو نفسه جسداً، ليحقق بنفسه، كإنسان كامل، خلاص الجميع ويجمع كل شيء في ذاته. الرب […] هو الذي أقامه الآب من الموت، ورفعه وأجلسه عن يمينه وأقامه دياناً للأحياء والأموات”[34]وهذه الوساطة الخلاصية تعني شمولية ووحدانية الذبيحة الخلاصية للمسيح رئيس الكهنة الأبدي (عب20:6، 11:9، 12:10-14).

12. هناك أيضاً من يتطلع إلى طرح نظرية فيما يخص تدبير الروح القدس بصيغة أكثر عالمية أو شمولية مما سبق طرحه في موضوع الكلمة المتجسد المصلوب والقائم. وهذه النظرية مرفوضة بدورها لأنها ضد الإيمان الكاثوليكي الذي يعتبر التجسد الخلاصي للكلمة كحدث ثالوثي. ففي العهد الجديد يشكّل سرّ يسوع الكلمة المتجسد مجال حضور الروح القدس ومبدأ حلوله على البشرية ليس فقط في الزمن المسياني (أع32:2-36) (يو 39:7، 22:20، 1كور 4:10، 1بط 10:1-22). بل أيضاً فيما يسبق مجيء المسيح في التاريخ.

لقد أعاد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني إلى الضمير الإيماني للكنيسة هذه الحقيقة الإيمانية الأساسية. ففي عرضه لتدبير الله الخلاصي للبشرية كلها، يربط المجمع بقوة ومنذ الوهلة الأولى بين سرّ المسيح وسر الروح القدس[35]. فكل عمل المسيح الرأس في بناء جسده السري أي الكنيسة عبر القرون يبدو كتحقيق يقوم به في شركة مع الروح القدس[36]. وبالتالي فإن عمل يسوع المسيح الخلاصي بواسطة ومع الروح القدس يمتد متجاوزاً الحدود المرئية للكنيسة إلى كل الإنسانية عبر السرّ الفصحي الذي به يجمع المسيح منذ الآن كل مؤمن ويمنحه رجاء القيامة، يؤكد المجمع في هذا الخصوص: “وهذا لا يسري على المسيحيين فحسب بل على البشر ذوي الإرادة الحسنة الذين تعمل النعمة في قلوبهم بصورة غير منظورة. فالمسيح مات بالفعل عن الجميع ودعوة الإنسان الأخيرة هي واحدة للجميع أي الدعوة الإلهية، لذا وجب أن نتمسك بأن الروح القدس يقدم للجميع إمكانية الدخول في علاقة بالصورة والطريقة التي يعرفها الله عبر السرّ الفصحي”[37].

واضح إذن الرباط بين سرّ الكلمة المتجسّد الخلاصي وسر الروح القدس الذي لا يعمل سوى لتحقيق التأثير الخلاصي للابن المتجسّد في حياة كل الناس الذين يدعوهم الله لمصير واحد سواء كانوا قد عاشوا قبل تجسّد الكلمة في التاريخ أو بعد مجيئه: كل هؤلاء ينعشهم روح الآب الذي يفضه الابن بكامل حريته. لهذا السبب تؤكد السلطة الكنسية بثبات ووضوح على عقيدة وحدة تدبير الله الخلاصي، “إن حضور الروح وعمله لا يلمس الأفراد فقط بل أيضاً الجماعات والتاريخ، الشعوب والحضارات والديانات […] فالمسيح القائم يعمل في قلوب البشر بنعمة روحه […] والروح هو الذي يفيض موزعاً “بذور الكلمة” الموجودة في الطقوس والثقافات معداً إياها للنضوج في المسيح”[38]. وبالرغم من اعترافه بعمل الروح القدس في الكون وفي التاريخ البشري بمجمله يستأنف المجمع كلامه[39] “إنه الروح عينه الذي عمل في سرّ التجسّد وفي حياة وموت وقيامة يسوع وهو يعمل في الكنيسة. فهو إذن ليس بديلاً للرب يسوع ولا هو مالئ لفراغ بعينه بين المسيح والكلمة كما يفترض البعض. والروح الذي يعمل في قلوب البشر وفي تاريخ الشعوب كما في الثقافات والأديان، يلعب دوراً في الإعداد للإنجيل لا يمكن له إلا أن يتخذ من المسيح مصدراً ومنطلقاً ككلمة متجسد بعمل الروح “ليقدم بذاته “كإنسان كامل” الخلاص للجميع وفي ذاته يجمع كل الملء الكوني”[40].

وفي الختام لا يمكن تقديم عمل الروح القدس خارجاً أو موازياً لعمل المسيح. فتدبير الله الخلاصي هو واحد وثالوث وتم تحقيقه عبر سر التجسّد وموت وقيامة ابن الله الذي تحقق بمعونة الروح القدس وتم نشره ليشمل البشرية جمعاء والكون بأثره: “لا يستطيع البشر الدخول في وحدة مع الله إلا عن طريق المسيح وبفعل الروح القدس”[41].

3- وحدانية وعالمية السر الخلاصي ليسوع المسيح

13. تنتشر النظرية التي تنفي وحدانية وعالمية سر يسوع المسيح الخلاصي: وهي نظرية ليس لها أي أساس كتابي حيث يجب الإيمان بأن يسوع المسيح، ابن الله هو الرب والمخلص الوحيد وعبر تجسّده وموته وقيامته أكمل تاريخ الخلاص الذي بلغ به إلى ملء الكمال. وهذه العقيدة يجب الإيمان بها إيماناً ثابتاً كحقيقة أساسية من إيمان الكنيسة.

وشهادات الكتاب المقدس في عهده الجديد تؤكد ذلك بوضوح “هوذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم” (يو1،29) أن الآب أرسل ابنه مخلصاً للعالم” (1يو14:4)، وفي حديثه أمام السينهدريم يقدم القديس بطرس تفسيراً لمعجزة شفاء المقعد منذ مولده التي تمت باسم يسوع (أع1:3-8) معلناً: “فلا خلاص بأحد غيره، لأنه ما من اسم آخر تحت السماء أعطي للبشر، ننال به الخلاص (أع12:4) ويضف الرسول نفسه أن يسوع المسيح “… إنما هو رب الناس أجمعين”؛ “… إنه هو الذي أقامه الله دياناً للأحياء والأموات”؛ “… كل من آمن به ينال باسمه غفران الخطايا” (أع36:10، 42، 43).

ويكتب القديس بولس في رسالته إلى أهل كورنثوس: “… نحن نعلم أن لا وثن في العالم، وإن لا إله إلا الله الواحد، وقد يكون في السماء أو في الأرض ما يُزعم أنهم آلهة، بل هناك كثير من الآلهة وكثير من الأرباب، وأما عندنا نحن، فليس إلا إله واحد وهو الآب، منه كل شيء وإليه نحن أيضاً نصير، ورب واحد يسوع المسيح، به كل شيء وبه نحن أيضاً (1كور 4:8-6). كذلك يؤكد يوحنا الرسول: “فإن الله أحب العالم حتى أنه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية، فإن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم بل ليخلص به العالم” (يو16:3-17). في العهد الجديد هناك ارتباط شديد بين إرادة الله لخلاص العالم أجمع وبين وساطة المسيح: “فإن الله يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا إلى معرفة الحق، لأن الله واحد، والوسيط بين الله والناس واحد، هو الذي جاد بنفسه فداء لجميع الناس” (1تيمو4:2-6).

بهذا الوعي الإيماني توجه المسيحيون الأوائل إلى شعب إسرائيل مبرهنين على اكتمال الخلاص الذي يتجاوز الشريعة كعطية وحيدة وعالمية يقدمها الآب عن طريق ابنه يسوع المسيح والروح القدس (راجع أف 3:1-14) وقدموها كذلك للعالم الوثني الذي كان يتوق إلى الخلاص من خلال عملية جماعية للآلهة المخلصة. وهذا الميراث الإيماني قدمته من جديد السلطة الكنسية: “إن الكنيسة تؤمن أن المسيح، مات وقام من أجل الجميع” (راجع 2كو 15:5) وهو يمنح للبشر عن طريق روحه، النور والقوة حتى يستطيع التجاوب مع دعوته السامية؛ فلم يعطى على الأرض اسم آخر للبشر يمكن أن يخلصوا (راجع أع 12:4). وهي تؤمن أنها تستطيع أن تجد في سيدها ومعلمها المفتاح والمركز والهدف لكل التاريخ البشري”[42].

14. يتوجب الإيمان إيماناً راسخاً إذن بأن إرادة الله لخلاص العالم أجمع، الله الواحد والثالوث قد تمت مرة واحدة إلى الأبد عبر سر تجسّد وموت وقيامة ابن الله. وإذا ما وضعنا هذه الحقيقة الإيمانية موضع الاعتبار فإن علم اللاهوت اليوم إذ يتأمل في وجود خبرات دينية أخرى وفي معاني تلك الديانات على مستوى التدبير الخلاصي لله، يجد في هذا التفكير حقلاً واسعاً من العمل تحت إشراف السلطة الكنسية. وقد أكّد المجمع الفاتيكاني الثاني أن “وساطة المخلّص الفريدة لا تمنع، بل بالأحرى تحث الخلائق على التعاون المتنوع والمشترك النابع من مصدر واحد”[43]. يجب توضيح مضمون هذه الوساطة بالمشاركة التي يجب أن تظل متجهة نحو وساطة المسيح الوحيدة: “ذلك لا ينفي إسهام وساطات أخرى من أشكال ونظم مختلفة. ولكن هذه لا تستمد معناها وقيمتها إلا بالمسيح، ولا يجوز اعتبارها متوازية مع وساطته أو مكمّلة لها”[44]. فالحلول التي تتكلّم على عمل إلهي خلاصي خارجاً عن وساطة المسيح الوحيدة هي إذن مناقضة للإيمان المسيحي الكاثوليكي.

 15. كثيراً ما يطالبون، في اللاهوت المعاصر، بتجنّب مفردات وتعبيرات مثل “وحدانية”، “شمولية” “مطلق” لأنها تعطي الانطباع أننا نصرّ أكثر من اللازم على معنى حدث يسوع المسيح الخلاصي وقيمته بالنسبة إلى الديانات الأخرى. لكن هذه المفردات تعبّر في النهاية عن الأمانة للوحي، لأن غايتها هي التوسّع الصادر عن ينابيع الإيمان ذاتها. في الواقع تعرّفت جماعة المؤمنين مباشرة على قوة يسوع الخلاصية المميزة. بهذه القوة، هو وحده، لكونه ابن الله المتجسّد والمصلوب والقائم من الموت، يعطي الوحي (مت27:11) والحياة الأبدية (يو12:1؛ 25:5-26؛ 2:17) للناس جميعاً ولكل واحد، وذلك بما ناله من رسالة الآب له وبقوة الروح القدس.

بهذا المقدار، يمكننا القول، بل يجب أن نقول: إن ليسوع المسيح مهمة واحد وفريدة نحو الجنس البشري وتاريخه: وهذه المهمة خاصة به، محصورة فبه، شاملة ومطلقة فهو في الواقع كلمة الله المتجسّد من أجل خلاص الجميع. والمجمع الفاتيكاني الثاني، إذ تلقى هذا الوعي الإيماني، يعلّم: “إن كلمة الله، الإنسان الكامل، الذي به كل شيء كُوّن، صار جسداً ليخلّص جميع الناس ويجمع كل شيء فيه، والرب يسوع هو نهاية التاريخ والحضارة، هو نقطة ارتكاز الجنس البشري، هو فرح جميع القلوب لأنه يقود توقانها إلى الكمال. هو الذي أقامه الآب من بين الأموات وأجلسه عن يمينه وجعله ديان الأحياء والأموات”[45]. “وهذا الطابع الفريد هو الذي يؤتي المسيح هذا المدى المطلق والشامل، مع وجوده في التاريخ، يكون مركز التاريخ بالذات وغايته. “أنا الألف والياء، الأول والآخر، البداية والنهاية” (رؤ13:22)[46].

4- وحدانية وفرادة الكنيسة

16. إن الرب يسوع، المخلص الوحيد، لم يؤسس جماعة بسيطة من الرسل، بل أسّس الكنيسة كسر خلاصي: إنه نفس حاضر في الكنيسة والكنيسة حاضرة فيه (راجع يو 1:15، غلا 28:3، أفس15:4،16، أع 5:9). لذلك فإن ملء سر المسيح الخلاصي أمر يخص الكنيسة أيضاً والمتحدة دون انفصال بربها وسيدها، بحيث، يستكمل حضوره وعمله الخلاصي في الكنيسة ومن خلالها (راجع كول 24:1-27)[47] التي هي جسده (راجع 1كور 12:12-13، 27؛ كول 18:1)[48]. مثلهم في ذلك مثل الرأس وأعضاء الجسد الحي (للذين حتى لو لم يكونا واحداً إلا أنهما لا ينفصلان، فالمسيح والكنيسة لا يمكن الخلط بينهما ولا الفصل أيضاً ويشكلان كياناً واحداً “مسيح كامل”[49]. وهذه الوحدة الغير قابلة للانفصال يعبّر عنها العهد الجديد بمثل الكنيسة كعروس للمسيح (راجع 2كور 2:11، أفس 29:5، 25، رؤ 2:21،9)[50].

بالتالي فمع الارتباط بين وحدانية وعالمية وبساطة المسيح الخلاصية، يجب الإيمان إيماناً قاطعاً كجزء من العقيدة الكاثوليكية بوحدانية الكنيسة التي أسسها المسيح. فكما أن هناك مسيح واحد، توجد كنيسة واحدة كجسد وعروس له: “كنيسة واحدة كاثوليكية ورسولية”[51]. وفيما يلي ذلك فإن وعد الرب بألا يهجر كنيسته أبداً (راجع مت 18:16، 28:20) وأن يقودها بروحه (راجع يو13:16) يعني أنه حسب الإيمان الكاثوليكي، فإن وحدة ووحدانية وكل ما يتبع كمال الكنيسة لا يجب أن تختل أبداً[52].

على المؤمنين أن يؤمنوا بوجود استمرارية تاريخية مؤسسة ومبنية على كلامه الرسولي[53]. من الكنيسة التي أسسها السيد المسيح إلى الكنيسة الكاثوليكية: “إنها هي الكنيسة الوحيدة للمسيح […] التي أعطاها مخلصنا بعد قيامته لبطرس لرعايتها (يو17:21) مؤتمناً إياه وباقي الرسل للعمل على نشرها وقيادتها (راجع مت 18:28..)، لقد أقامها للأبد كعمود للحق وأساس له (1تيمو 15:3).

وهذا المعنى للكنيسة المتبعة والمنظمة داخل العالم كجماعة يتحقق في subsislitim في الكنيسة الكاثوليكية، التي يرأسها خليفة بطرس والأساقفة المتحدين معه بالشركة”[54] واستخدام تعبير “subsistim” يريد المجمع المسكوني الثاني الوصول إلى التناغم بين حقيقتين عقيديتين: أولاهما: إن كنيسة المسيح برغم الانقسامات الموجودة بين المسيحيين تستمر في البقاء بكامل معناها في الكنيسة الكاثوليكية وحدها بكامل معاني الحضور. وثانيهما: “وجود الكثير من عناصر التقديس والحق خارج صحبة الكنيسة”[55]  أو بالأحرى في الكنائس والجماعات الكنسية التي ليست بعد في وحدة كاملة مع الكنيسة الكاثوليكية[56] ولكن فيما يتعلق بتلك الكنائس، يجب التأكيد أن “قيمة تلك الكنائس تنبعث من نفس ملء النعمة والحق الذي سُلّم للكنيسة الكاثوليكية”[57].

17. توجد إذن كنيسة واحدة للمسيح وهي موجودة في الكنيسة الكاثوليكية التي يرأسها خليفة بطرس والأساقفة المتحدون معه بالشركة[58]. أما الكنائس التي لا تدخل ضمن هذه الوحدة الكاملة مع الكنيسة الكاثوليكية، لكنها تتحد بها عبر روابط عميقة كالتأكيد على مبدأ الخلافة الرسولية وحقيقة الوجود الفعلي للمسيح في سر الإفخارستيا، فهي كنائس جزئية حقيقية[59] لهذا فهناك أيضاً في تلك الكنائس حضور عامل لكنيسة المسيح رغم غياب الوحدة الكاملة مع الكنيسة الكاثوليكية حيث لا يقبلون العقيدة الكاثوليكية القائلة بأولوية بابا روما حسب إرادة الله، في رئاسة الكنيسة جمعاء[60]. لكن فيما يخص الجماعات الكنسية التي لم تحافظ على الأسقفية الصحيحة ولا على نقاء العقيدة الإفخارستية[61] فإنها ليست كنائس بالمعنى الحقيقي؛ لكن برغم ذلك فإن المعمدين في تلك الكنائس يشكلون جزءاً من جسد الرب، ولهذا فإنهم يدخلون في نوع من الوحدة الغير الكاملة مع الكنيسة[62]. فالعماد موجّه أساساً إلى اختيار ملء الحياة في المسيح وذلك بشهادة كاملة بالإيمان وبالإفخارستيا وبملء الشراكة مع الكنيسة[63].

“لا يمكن للمؤمنين إذن أن يتصوروا كنيسة المسيح وكأنها مجموع الكنائس والجماعات الكنسية- المتباينة ولكنها متحدة بصورة ما-؛ وليس لديهم الحق في الحكم بأن كنيسة المسيح لا وجود لها اليوم وليس لديهم الحق في أن يعتقدوا أن كنيسة المسيح لا وجود لها اليوم في أي مكان. بالتالي يجب أن تكون موضوع بحث فقط من قبل الكنائس والجماعات”[64] “فعناصر هذه الكنيسة التي سبق تحديدها موجودة بالفعل، مترابطة بكمالها في الكنيسة الكاثوليكية، وبدون هذا الكمال في الكنائس الأخرى”[65]. “لهذا فإن هذه الكنائس والجماعات المنفصلة، بقدر ما نعتقد أن لديهم من النقص، فإنهم داخل السر الخلاصي، ليسوا عراه تماماً من الوزن والمعنى. حيث أن روح المسيح لا يستبعد أن يستخدمهم كأدوات للخلاص، وقيمة ذلك تنبع من ملء النعمة والحق الذي ارتبط بالكنيسة الكاثوليكية”[66]. إن نقص الوحدة وغيابها بين المسيحيين يعتبر حرماً في الكنيسة، ليس بمعنى أن تكون محرومة من وحدانيتها، ولكن “بقدر ما يشكّل هذا الانقسام عقبة في تحقيق العالمية الكاملة لحضور الكنيسة في التاريخ”[67].

5- الكنيسة ملكوت الله وملكوت المسيح

18. تكمن رسالة الكنيسة في “إعلان ملكوت المسيح والله وتثبيته بين جميع الناس وفي هذا الملكوت فإن الكنيسة تشكّل البنية الأولية”[68] فمن جهة حيث نرى أن الكنيسة هي “سر أي علامة ووسيلة للاتحاد العميق مع الله والوحدة مع الجنس البشري”[69] فهي إذن علامة الملكوت ووسيلته: مدعوة لإعلان الملكوت وتثبيت أركانه. ومن الجهة الأخرى فإن الكنيسة هي “الشعب المشمول بوحدة الآب، والابن والروح القدس”[70] فهي إذن “ملكوت المسيح الحاضر حالياً بشكل سري”[71] وهي بهذا تشكّل البنية الأولية لهذا الملكوت. ولملكوت الله بُعد اسكاتولوجي أخروي ألا وهو: أنه حقيقة حاضرة في الزمن لكن تحقيقه الكامل سيتم مع انتهاء الزمان واكتماله”[72].

ومن خلال النصوص الكتابية والشهادات الأبائية وكذلك من خلال التعاليم الكنسية لا يمكن البلوغ إلى معانٍ ملتبسة لتغيير ملكوت السماوات، ملكوت الله، ملكوت المسيح ولا لعلاقتهم بالكنيسة، التي هي نفسها سر لا يمكن حده في تصور محض بشري. لكن يمكن قبول أكثر من تفسير لاهوتي حول هذه المواضيع. لكن لا يمكن لأي من هذه التفاسير المحتملة أن ينفي أو يفرغ محتوى الرباط العميق بين المسيح، الملكوت والكنيسة. بالحق فإن “ملكوت الله الذي نعرفه عن طريق الوحي لا يمكن فصله عن المسيح ولا عن الكنيسة… فإذا ما انفصل الملكوت عن يسوع، فلا يوجد بعد ذلك الملكوت الذي كشفه هو لنا وينتهي الأمر بتشويه معنى الملكوت بخطر تحويله إلى هدف إنساني محض أو أيديولوجية، وتشويه شخصية المسيح الذي لا يعود يبدو كسيد يجب أن يخضع كل شيء تحت سلطته (راجع 1كور 27:15) وبالمثل لا يمكن فصل الملكوت عن الكنيسة. والكنيسة ليست هدفاً في حد ذاتها لأنها في خدمة تحقيق ملكوت الله وسيلة وعلامة وبنية أولية. وبينما هي مميزة في كيانه عن الملكوت وعن المسيح فإن الكنيسة متحدة اتحاداً لا ينحل مع كليهما”[73].

19. إن توكيد العلاقة الوثيقة بين الكنيسة والملكوت لا يعني بالطبع نسيان أن ملكوت الله، حتى من منظوره التاريخي، لا يمكن تشخيصه بالكنيسة في حقيقتها الاجتماعية المرئية. فلا يمكن بالطبع استبعاد “عمل المسيح والروح القدس خارج الحدود المرئية للكنيسة”[74]  لذلك فمن الواجب الأخذ في الاعتبار أن “الملكوت يخص الجميع: الأشخاص والمجتمعات والعالم بأثره. والعمل من أجل تحقيق هذا الملكوت يعني الاعتراف بالديناميكية الإلهية والعمل على تحقيقها فهي حاضرة في التاريخ البشري وتقوم بتحويله. وبناء الملكوت يعني العمل على التحرر من الشر في كل صيغة. وباختصار فإن ملكوت الله هو إظهار وتحقيق مرسومه الخلاصي في كل ملئه”[75].

          وفي اعتبارنا للعلاقات بين ملكوت الله، ملكوت المسيح والكنيسة، من الضروري البعد عن التركيز ذي الصبغة الجانبية، كما في مثل حالة بعض المفاهيم التي تقدم الملكوت على أنها هي مركزه وبالتالي تؤكد على صورة كنيسة لا تفكر في ذاتها لكنها مشغولة كلياً بأن تشهد لهذا الملكوت وتخدم تحقيقه. “إنها كنيسة للآخرين، كما أن المسيح هو “إنسان من أجل الآخرين” […] فبجانب ما في هذه المفاهيم من عناصر إيجابية فإن فيها الكثير من الجوانب السلبية وبالذات الصمت عن يسوع والملكوت اللذين يتحدثان عنهما والتركيز على الألوهية المركزية لأنهم يقولون أن المسيح لا يمكن فهمه لمن لا يتبع الإيمان المسيحي، بينما الشعوب والحضارات والديانات المختلفة يمكن أن تتلاقى حول الحقيقة الإلهية الواحدة، بغض النظر عن اسمها. لهذا الدافع عينه فإنهم يفضلون سر الخلق الذي يتجلى في مختلف الثقافات والمعتقدات لكنهم يصمتون أمام سر الفداء. إلى جانب ذلك فإن الملكوت كما يتصورونه ينتهي باستبعاد الكنيسة والتقليل من قيمتها كرد فعل على افتراض معين “مركزية الكنيسة” الذي يحضر الماضي، ولأنهم يعتبرون الكنيسة ذاتها كعلامة لا تخلو بدون شك من الإبهام”[76].

إن هذه القضايا وتلك المفاهيم ضد الإيمان الكاثوليكي لأنها تنفي فرادة العلاقة الموجودة بين المسيح والكنيسة وبين ملكوت الله.

6- موقف الكنيسة والأديان من الخلاص

   1.   ما ذكرناه حتى الآن يفرض ضرورة وجود مراحل على الطريق التي على علم اللاهوت أن يقطعها لتوضيح العلاقة بين الكنيسة والديانات الأخرى وبين الخلاص. يجب قبل كل شيء أن نؤمن إيماناً راسخاً بأن “هذه الكنيسة في مسيرتها على الأرض ضرورية للخلاص. فالمسيح وحده وسيط الخلاص وهو حاضر لنا في جسده أي الكنيسة. وهو نفسه إذ شدّد بصريح العبارة على ضرورة الإيمان والعماد (مر 16/16؛ يو3/5)، قد أكّد لنا في الوقت عينه ضرورة الكنيسة التي يدخل إليها الناس بالعماد الذي هو الباب”[77]. لا يجب أن تتعارض هذه العقيدة إذن مع إرادة الله الخلاصية الشاملة (1تيم 2/4)؛ لذا “لابد من التمسّك بهاتين الحقيقتين أي إمكانية الخلاص الحقة في المسيح للناس أجمعين وضرورة الكنيسة للخلاص”[78].

“الكنيسة هي سرّ الخلاص الشامل”[79]، إذ، بطريقة سرية وبتبعية، وهي مرتبطة دوماً بيسوع المسيح مخلصها الذي هو رأسها، لها في مخطط الله علاقة لا غنى عنها لخلاص كل إنسان[80]. أما بالنسبة إلى الذين ليسوا أعضاء الكنيسة بطريقة صريحة ومنظورة، فالخلاص بالمسيح يمكن إدراكه بفضل نعمة لها علاقة سرية بالكنيسة، ولكنها لا تدخلهم فيها شكلياً بل تنيرهم بطريقة ملائمة لحالتهم الروحية ولإطارهم الحياتي. وهذه النعمة تأتي من المسيح وهي ثمرة ذبيحته ومعطاة بواسطة الروح القدس”[81] وهي مرتبطة بالكنيسة التي تتجذّر في رسالة الابن ورسالة الروح القدس وفقاً لقصد الله الآب”[82].

   2.   على غرار نقل نعمة الله الخلاصية إلى غير المسيحيين، هذه النعمة التي يعطيها دوماً الروح القدس بعلاقة سرية بالكنيسة، يكتفي المجمع الفاتيكاني الثاني بالتأكيد على أن الله يعطيها “بطرق يعرفها هو”[83]. ويحاول علم اللاهوت التعمق في هذه الفكرة. لذا يجب أن نشجع هذا العمل اللاهوتي حيث يقود بدون أدنى شك إلى فهم أفضل لمقاصد الله الخلاصية ولأشكال تحقيقها. مع ذلك، وبعد كل ما ذكرنا إلى الآن حول وساطة يسوع المسيح وحول “العلاقة الفريدة والوحيدة”[84] بين الكنيسة وملكوت الله بين الناس- الذي هو أساساً ملكوت المسيح المخلص الشامل- يصير من الواضح أن اعتبار الكنيسة طريقاً للخلاص من بين طرق أخرى هو مضاد للإيمان الكاثوليكي. إذ تُعتبر الأديان آنذاك مكملة للكنيسة وحتى معادلة لها جوهرياً، حتى وإن تلاقت وإياها في ملكوت الله الإسكاتولوجي.

لا شك أن التقاليد الدينية المختلفة تحتوي على عناصر تدين تأتي من الله[85] وتعرضها وهي تؤلف قسما مما “يعمله الروح في قلوب البشر وفي تاريخ الشعوب وفي الثقافات والديانات”[86]. ولا شك أيضاً أن بعض الصلوات وبعض الطقوس في الديانات الأخرى تستطيع أن تشكّل إعداداً للإنجيل، كونها مناسبات وتعاليم تشجع قلوب الناس على الانفتاح على عمل الله[87]. مع ذلك لا تستطيع أن نعزو إليها أصلاً إلهياً أو فعالية خلاصية تعمل بذاتها كما يحدث للأسرار المسيحية[88]. من جهة ثانية، لا نقدر أن نجهل أن هناك طقوساً تنجم عن خرافات أو عن أخطاء مماثلة (1قو 10/20-21) تكوّن بالأحرى عائقاً في وجه الخلاص[89].

   3.   بمجيء يسوع المسيح المخلص، أراد الله أن تُصبح الكنيسة التي أسسها أداة خلاص للبشرية جمعاء (أع 17/30-31)[90]. هذه الحقيقة الإيمانية لا تُنقص أبداً من احترام الكنيسة الصادق لديانات العالم. لكن، في الوقت عينه، تنفي جذرياً بديهية اللامبالاة “المتبعة بروح البنوية الدينية التي تعتبر كل الأديان متساوية”[91]. وإذا صح أنه باستطاعة أتباع الديانات الأخرى قبول النعمة الإلهية، فالأصح من ذلك هو أنهم، موضوعياً، في فقر مدقع مقارنة بالذين هم داخل الكنيسة حيث ينعمون بملء وسائل الخلاص[92]. “على كل أبناء الكنيسة أن يذكروا أن عظمة وضعهم ترجع، لا إلى استحقاقاتهم الشخصية، بل إلى نعمة خاصة من المسيح التي، إن لم يتجاوبوا معها فكراً وقولاً وفعلاً، استحقت لهم لا الخلاص بل دينونة عظمى”[93]. نفهم هكذا أن الكنيسة، وفقاً لوصايا الرب (مت 28/19-20) ولما تتطلبه محبتنا لكل الناس، تبشر ويجب عليها أن تبشر دوماً بالمسيح الذي هو “الطريق والحق والحياة” (يو 14/6) فيه يجد الناس كمال الحياة الدينية وبه صالح الله كل شيء”[94].

“ويحافظ النشاط الرسولي اليوم ودائماً، وفي الحوار الديني، على قوته وضرورته كاملتين”[95] إذ “يريد الله خلاص الجميع وأن يصلوا إلى معرفة الحق” (1تيم 2/4). إنه يريد خلاص الجميع بمعرفة الحق. إن السلام نجده في الحق. لذلك فإن الذين يطيعون إلهام روح الحق، هم منذ الآن على طريق الخلاص؛ إنما على الكنيسة، التي وُكلت إليها هذه الحقيقة، أن تمضي إلى لقاء هذه الرغبة وتقدمها لهم. فلأنها تؤمن بمخطط الخلاص الشامل، عليها أن تكون مرسلة”[96]. والحوار، الذي هو جزء من الرسالة الإنجيلية، ليس سوى أحد أعمال الكنيسة في رسالتها إلى الأمم[97]. والمساواة، التي هي شرط للحوار، تعني الكرامة الشخصية المتساوية بين المتحاورين، وليس المساواة في العقيدة وبخاصة لا المساواة بين يسوع المسيح- الإله ذاته المتأنس- وبين سائر مؤسسي الديانات. والكنيسة المنقادة بالمحبة وباحترام الحرية[98]، عليها بادئ ذي بدء أن تبشر الجميع بالحقيقة التي أوحى بها الرب نهائياً وأن تُعلن ضرورة الاهتداء إلى يسوع المسيح والانتماء إلى الكنيسة بالعماد وسائر الأسرار، لكي يشترك المرء اشتراكاً كاملاً في الاتحاد بالله الآب والابن والروح القدس. كما أن التأكد من إرادة الله الخلاصية الشاملة لا يقلل من واجب واستعجال التبشير بالخلاص والاهتداء إلى الرب يسوع المسيح، بل إنه ينمي هذا الواجب.





[1] مجمع القسطنطينية الأول، دينسنجر رقم 150، التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية رقم 50.


[2] يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي: رسالة الفادي رقم 1، AAS 83 (1991)، ص340-349.


[3] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، إلى الأمم، إرشاد رسولي: في عصرنا، بولس السادس، نداء رسولي: إعلان الإنجيل AAS 18(1976)، ص5-76 ، يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي: رسالة الفادي.


[4] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، إرشاد رسولي: في عصرنا رقم 2.


[5] مجلس الحوار بين الأديان؛ مجلس إعلان الإنجيل للشعوب، بيان: الحوار والإعلان رقم 29 ، AAS84 (1992) ص414-446؛ راجع أيضاً المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني “الكنيسة في العالم المعاصر”: فرح ورجاء رقم22.


[6] يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي: رسالة الفادي رقم 55.


[7] المجمع البابوي للحوار بين الأديان؛ إعلان الإنجيل للشعوب، بيان: الحوار والإعلان، رقم 9.


[8] يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي: الإيمان والعقل رقم 5 AAS 91 (1999)، ص5-88.


[9] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني “دستور عقائدي في الوحي الإلهي”، رقم2.


[10] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الوحي الإلهي”، رقم 4.


[11] يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي: رسالة الفادي رقم5.


[12] يوحنا بولس الثاني، إرشاد رسولي: الإيمان والعقل رقم 14.


[13] مجمع خلقيدونية 301 ، أثناسيوس الإسكندري: التجسّد 54: 3 Source Chértienne :199، ص458.


[14] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الوحي الإلهي، رقم4.


[15] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، “دستور عقائدي في الوحي الإلهي”، رقم5.


[16] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، “دستور عقائدي في الوحي الإلهي”، رقم5.


[17] التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم44.


[18] التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم150.


[19] التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم153.


[20] التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم178.


[21] يوحنا بولس الثاني، الإيمان والعقل، رقم13.


[22] يوحنا بولس الثاني، الإيمان والعقل، رقم31-32.


[23] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، “الكنيسة في العالم المعاصر”: بيان في علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية رقم2، إلى الأمم رقم9، حيث يتحدث عن عناصر خيرة موجودة في طقوس وحضارات الشعوب، نور الأمم رقم16 حيث يشير إلى عناصر خير وحق موجودة لدى غير المسيحيين يمكن اعتبارها إعداد وتحضير لقبول الإنجيل.


[24] يوحنا بولس الثاني، تعليم كنبسة:رسالة الفادي رقم55، 56 وبولس السادس، إعلان الإنجيل 53.


[25] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، “دستور عقائدي في الوحي الإلهي”، رقم11.


[26] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، “دستور عقائدي في الوحي الإلهي”، رقم11.


[27] يوحنا بولس الثاني، رسالة الفادي55، 56، وبولس السادس إعلان الإنجيل رقم 53.


[28] مجمع نيقيه، قانون إيمان نيقيه، DH رقم 125.


[29] قانون إيمان خلقيدونية DH، رقم 301.


[30] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، فرح ورجاء، رقم 22.


[31] يوحنا بولس الثاني، رسالة الفادي ، رقم6.


[32] القديس لاون الكبير، رسالة لفلافيان DH، 249.


[33] القديس لاون الكبير، رسالة إلى الإمبراطور ليون الأول DH ، 318، “اللاهوت والناسوت مرتبطان منذ الحبل البتولي، بوحدة لا تنفصم بحيث لا يعمل اللاهوت منفصلاً عن الناسوت ولا الناسوت منفصلاً عن اللاهوت” انظر أيضاً 317 DH.


[34] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، فرح ومسره، رقم 45؛ المجمع المسكوني التريدنتيني، الخطيئة الأصلية، عدد3 DH، 158.


[35] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، نور الأمم، رقم 3-4.


[36] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، نور الأمم، رقم7، القديس إيريناوس “الشركة مع المسيح أي الروح القدس أودعت في الكنيسة” ضد الهراطقة الثالث، 24، SC المصادر المسيحية 211،427.


[37] المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، فرح ورجاء، رقم 22.


[38] البابا يوحنا بولس الثاني، رسالة الفادي، رقم 28، حول “زرع الكلمة” راجع أيضاً القديس يوستينوس، الدفاع2، 8، 1-42؛ 10/1-3، 13/3-6 طبعة E.J Good sped، 84، 85، 88-89.


[39] رسالة الفادي، رقم 28- 29.


[40] يوحنا بولس الثاني، رسالة الفادي، رقم 29.