كلمة الكاردينال مورفي أوكونور إلى المجلس الإسلامي

نحن المسيحيون والمسلمون تجمعنا أمور كثيرة مشتركة، كمؤمنين وكبشر. فنحن نعيش في العالم نفسه المطبوع ببوادر أمل كثيرة ولكن أيضاً بمؤشرات قلق عديدة… إننا نؤمن بالإله نفسه، الإله الواحد، الإله الحي"

 Zenit.org 

فيما يلي القسم الثاني من كلمة الكاردينال مورفي أوكونور إلى المجلس الإسلامي في بلاد الغال (ويلز) التي ألقاها بتاريخ 9 يونيو في جامعة كارديف.

* * *

إن الأمر الأساسي الذي يوحدنا لا يكون دائماً بديهياً للناس، ولكنه أمر شدد عليه البابا يوحنا بولس الثاني عندما توجه إلى تجمع حاشد لشباب مغاربة في مدرّج في كازابلانكا في العام 1985 حين قال: "نحن المسيحيون والمسلمون تجمعنا أمور كثيرة مشتركة، كمؤمنين وكبشر. فنحن نعيش في العالم نفسه المطبوع ببوادر أمل كثيرة ولكن أيضاً بمؤشرات قلق عديدة… إننا نؤمن بالإله نفسه، الإله الواحد، الإله الحي، الإله الذي خلق العالم والذي يحمل مخلوقاته إلى ملء الكمال." لقد تحدث بطريقة مؤثرة إلى هؤلاء المسلمين الشباب عن الإيمان: "أود أن أتحدث إليكم عن الله نفسه، فوق كل شيء؛ عنه هو، لأنه هو من نؤمن به، أنتم المسلمون ونحن الكاثوليك…" وكرر لهم سبب زيارته: "أنا آتي إليكم اليوم كمؤمن. وما أريده بكل بساطة هو أن أشهد اليوم على ذاك الذي أؤمن به، وعلى ما أتمناه لرفاه الشعوب، إخوتي، وعلى ما أعتبره، إستناداً إلى خبرتي، مفيداً للجميع".

ويروقني أن الكلمة إلى الشباب المسلمين في كازابلانكا قد ركزت على ما يجمع بين المسيحيين والمسلمين فوق كل شيء آخر، وهو إيمانهم بالإله الواحد واعتبارهم أن الله خالقهم. ولكن على المرء أن يكون أيضاً منفتحاً على الإختلافات، كالإختلاف بين المسيحيين والمسلمين في طريقة فهم ما يُقصَد بالإيمان بالإله الواحد على سبيل المثال. فطوال قرون عديدة، دهش المسلمون لسماعهم المسيحيين يعلنون أنهم يؤمنون بإله واحد مثلهم، ثم يبدأون بالحديث عن الله الآب والإبن والروح القدس. وعلى كل شخص منخرط في الحوار اللاهوتي بين المسلمين والمسيحيين أن يقبل بأن مسألة الثالوث يمكنها أن تشكل حجر عثرة.

والأهم بشكل خاص في أي حوار بيننا هو احترامنا للحقيقة، وبخاصة أمانتنا لهويتنا. فالحوار يصبح مثمراً فقط عندما يشعر كل الأطراف بأنهم قادرون على إعلان ما يؤمنون به أو ما يحدد هويتهم كمسلمين أو مسيحيين. وهذا يفترض بالطبع القدرة على الإصغاء من دون تصحيح وجهة نظر الشخص الآخر واستعداد لقبول التنوع معاً مع رغبة في التعلم من الآخر من دون الشعور بتاتاً بأنه يتمّ الإستخفاف بمعتقداتنا وقناعاتنا أو أنها تتعرض للإنتقاد.
وإذا ما رجعتُ في ذاكرتي إلى سنوات الدراسة، تذكرتُ تقليداً شائعاً للنقاش، حيث كانت القاعدة الرئيسية تخصيص الاحترام الكامل للمحاور الآخر، وفي الوقت عينه الشعور بملء الحرية تجاه إخضاع الأفكار الخاصة للنقاش . ولعلّ ذلك كان تدريباً جيداً على أصول الحوار الحقيقي حيث للإحترام أهمية قصوى ويمكن أن يدور نقاش مفتوح وصريح حول كل ما يقوله أي شخص. إن نصاً غاية في الأهمية حول هذا الموضوع يرد في رسالة القديس بطرس الأولى التي تعطي هذه النصيحة: "وكونوا دائماً مستعدين لأن تردّوا على من يطلب منكم دليل ما أنتم عليه من الرجاء، ولكن ليكن ذلك بوداعة ووقار".

عالم الغد؟

إن الأعمال التي نقوم بها اليوم ستحدد صورة العالم الذي سينمو الأطفال فيه غداً. فماذا عسانا نفعل معاً لنضمن أنهم سيتمكنون من الترعرع والنمو بشكل متكامل كأشخاص بشريين ومؤمنين في عالم الغد؟ لديّ اقتراحات ثلاث أعرضها عليكم

1. الإقتراح الأول لست أنا صاحبه ولكنه اقتراح يعني لي الكثير وأعتقد أنني أعرف السبيل لتطويره معاً. لا يخفى عليكم أنه بين الحين والحين تنعقد اجتماعات لممثلي الأساقفة في العالم وهي تسمى سينودس. وقد دعا البابا يوحنا بولس الثاني إلى اجتماعات سينودس خاصة بكل قارة. فانعقد سينودسان لأوروبا وبعد السينودس الثاني أصدر وثيقة بعنوان "الكنيسة في أوروبا" Ecclesia in Europa. وفيها تقييم للوضع الراهن وبعض الأهداف المحددة للكنيسة.

وفيها نقرأ: "ثمة حاجة واحدة على أوروبا أن تلبّيها إن أرادت الحصول على وجه جديد فعلياً: لا يمكن لأوروبا أن تتقوقع على نفسها… بل على العكس، عليها أن تبقى واعية تماماً على حقيقة أن دولاً أخرى وقارات أخرى تنتظر مبادراتها الجريئة من أجل أن تحصل الشعوب الأكثر فقراً على مقومات نموها وتنظيمها الإجتماعي ومن أجل بناء عالم أكثر عدالة وأخوة". وإنجاز هذه المهمة على أكمل وجه يتطلب "إعادة النظر في التعاون الدولي على ضوء ثقافة تضامن جديدة… وكذلك على أوروبا أن تصبح شريكاً ناشطاً في تعزيز وتفعيل العولمة في التضامن. ولا بدّ أن يتزامن ذلك مع…نوع من عولمة التضامن وقيم الإنصاف والعدالة والحرية ذات الصلة"".

وأعتقد أن فكرة عولمة التضامن مذهلة بحق، كما يسرّني أن أقول إن الوكالة الكاثوليكية للتنمية الدولية (كافود) قد أطلقت مشروعاً بعنوان "عِش ببساطة" يرمي إلى مساعدة الشعوب على التضامن مع الفقراء. ولطالما استوقفني أن الإسلام يطلب من أتباعه إلتزاماً مماثلاً بالتضامن مع الفقراء. وقد يبدو ذلك جلياً من خلال فكرة قيام نظام مصرفي يعمل وفق تعاليم الإسلام الأساسية.

وأنا لا أقول إنه عليّ أن أفتح حساباً في مصرف إسلامي، بل إنه لعله حان الوقت لكي يوحد الإقتصاديون المسيحيون والمسلمون جهودهم لنرى ما يمكن أن نتعلمه من خبراتنا المتبادلة في مجال الإلتزام الصادق في التضامن مع الفقراء. إن قراءة الصحف أو مشاهدة الأخبار على شاشة التلفزيون يجعلني أرتاع لمجرد التفكير في مصير هذا العدد الهائل من الشعوب في العالم الذين يعيشون في هذه الحالة المريعة. ولكنني أشعر بانزعاج أكبر وبالذنب إن لم أستطع التحرك حيال هذا الأمر. فأقوم بما قدّرتُ عليه وأعتقد أن هذه حالنا جميعاً ولكن ينتابني شعور بأننا نستطيع إنجاز المزيد المزيد إن عملنا معاً.

 

2. والخطوة الثانية التي يمكننا اتخاذها معاً لتحسين حالة عالم الغد من أجل أطفالنا هو العمل لتفعيل الحرية الدينية الحقيقية. وقد ذكرتُ للتو أن العديد من المسلمين البريطانيين يشعرون بسوء تمثيلهم أو أقله بأنه يساء فهمهم في وسائل إعلامنا وفي أوساط الرأي العام. لستم الوحيدين الذين يساورهم شعور كهذا، ولكن للأسف في الوقت الراهن يتعرض الإسلام لانتقادات أكثر من المسيحية أو غيرها من الأديان. والأسوأ من ذلك أننا في بعض الأحيان قد نشعر جميعاً أننا لسنا مقموعين أو مرغمين على السكوت، ولكننا على الأكيد لسنا أحرار للتعبير عن قناعاتنا الراسخة، أحياناً لأسباب مرتبطة بما يسمى بالصوابية السياسية وحسب.

أظن أن هناك سبلاً للعمل مع أولئك الذين يشكلون الرأي العام لحل الكثير من هذه المشاكل، وأنا أكيد من ضرورة القيام بذلك معاً. في آخر مجمع بارز للكنيسة الكاثوليكية، وهو المجمع الفاتيكاني الثاني الذي عقد في الستينيات، فوجئ العديد من المراقبين لأن البيان الصادر عن المجمع حول الحرية الدينية لم يكن نداء من أجل الحرية الدينية للكاثوليك بل للحرية الدينية للجميع. فالحرية الدينية تعتبر حقاً طبيعياُ لكل شخص بشري، ويتعين على الحكومات جمعاء أن تبادر إلى احترامها.

ويبدو الناس في غالبية الأحيان متفاجئين لدى سماعهم أن هذا هو التعليم الكاثوليكي، فتراهم يغوصون في التاريخ بحثاً عن إثبات بأن الكنيسة الكاثوليكية لم تعطِ دائماً أفضل مثال على احترام حقوق الشعوب من الناحية الدينية. وقد يكون من السخافة والغلاظة أن ندعي عدم حصول إخفاقات صادمة في هذا الشأن في الماضي، ولكننا هنا بصدد النظر إلى المستقبل وإلى العالم الذي سينمو فيه أطفال الغد. وعلى السواء، قد لا يكون من الصواب التغاضي عن حقيقة أن ثمة أماكن لا يمكن للمسيحيين فيها أن يمارسوا ديانتهم بحرية أو أن يمارسوها بالأساس. في 21 يونيو 1995، بعث البابا يوحنا بولس الثاني بتحية إلى الحاضرين في افتتاح الجامع البهي الذي يطلّ اليوم على مدينة روما

"اليوم يتمّ تدشين جامع كبير. وهذا الحدث هو إشارة بارزة إلى الحرية الدينية المعترف بها هنا لكل مؤمن. ومن المهم أن يكون للمسلمين مكان عبادة خاص بهم في روما، في مركز المسيحية وخليفة بطرس، باحترامٍ كامل لحرية معتقدهم. وفي مناسبة مهمة كهذه، لا بد لسوء الحظ من أن نشير إلى أنه في بعض الدول المسلمة تغيب بوادر الإعتراف بالحرية الدينية.

ولكن العالم، وعلى عتبة الألفية الثالثة، يترقب هذه البوادر! لقد أصبحت الحرية الدينية في أيامنا مكرسة في العديد من الصكوك الدولية وإحدى ركائز المجتمع المعاصر. وإذ يسرني أن يتمكن المسلمون من التجمع للصلاة في الجامع الروماني الجديد، يحدوني الأمل جدياً بأنه سيتمّ الإعتراف بحقوق المسيحيين والمؤمنين كافة بإعلان إيمانهم بكل حرية في كل بقعة من الأرض".

إننا نثبت أننا نؤمن بالحرية الدينية عندما نكون مستعدين للحديث عن حق الآخرين في ممارستها، وليس فقط عن حقنا نحن. وإذا عرفنا كيف نعمل معاً لتأمين الحرية الدينية للجميع، نتمكن بالتأكيد من تحويل عالم الغد إلى الأفضل.

3. إن قمتَ يوماً بزيارة دير للرهبان البندكتان لاستقبلوك بصمت. وفي الأماكن البارزة في كل دير للبندكتان تطالعك كلمة قصيرة باللاتينية: باكس أو السلام. ويراد من جو الصمت الذي يطبع يوميات الرهبان خلق جو من السلام تكاد تلمسه ولكنه فقط إشارة إلى سلام داخلي أعمق بكثير. وعند المسلمين، أول ما يقوله الزائر لك هو "السلام عليكم". وهذا يدل على أن المسلمين والمسيحيين على السواء يريدون بالفطرة ومنذ القدم العيش بسلام وإحلال السلام أينما حلّوا.

أشكر الله لأنه جعلنا جميعاً، في السنوات الأخيرة، نحن قادة الجماعات الدينية الرئيسية في بريطانيا نقف صفاً واحداً أمام رجال السياسة ووسائل الإعلام وأمام مواطنينا الأعزاء ندعو أهل النفوذ إلى بذل قصارى جهدهم لإحلال السلام بدل مشاهد هدر الحياة الكارثية والشنيعة التي تأتينا بها نشرات الأخبار إلى عقر دارنا.

فهذه ليست مشيئة الله ولا ما نريده نحن. فهناك دوماً طريقة أفضل، وكما قال العديد من البابوات، إن الحرب لن تكون يوماً الحل الأنسب بل هي دائماً إعتراف بالهزيمة. وكلنا يعرف أن أطفال الغد يستحقون ما هو أفضل كما ندرك أن بإمكان الجنس البشري القيام بما هو أفضل. وما دمنا نردد ذلك معاً، نكون بصدد إرساء أسس سليمة تستطيع الأجيال القادمة أن تؤسس عليها.

إسمحوا لي أن أختم كلمتي في هذه الأمسية بالإستشهاد بقول للبابا يوحنا بولس الثاني في يناير 2001، لمناسبة تقديم سفير إيران الجديد لدى الكرسي الرسولي أوراق اعتماده إلى الأب الأقدس. وأظن أنه يختصر الكثير مما سبق وقلتُ. يقول الأب الأقدس:

"في الحوار بين الثقافات، سيدرك الرجال والنساء أصحاب النوايا الحسنة أن ثمة قيماً مشتركة بين مختلف الثقافات لأنها متجذرة في طبيعة الشخص البشري – وهي قيم تعبّر عن خصائص وميزات الإنسانية الأكثر أصالة وهي التضامن والسلام والتربية والمغفرة والمصالحة وقيمة الحياة ذاتها".

وأنا مقتنع بأن هذه القيم تقربنا بالفعل من بعضنا البعض. شكراً لإصغائكم!