محمد ابو رمان

موقع عمون الإخباري

 

"قرأت تعليقاً لمراسل احدى الصحف الكاثوليكية الأمريكية على جولة البابا بندكتس السادس عشر في الأردن وإسرائيل والأراضي الفلسطينية يقول فيه: إذا استطاع البابا أن يعود الى روما من دون أن يُشعل حرباً في الشرق الاوسط، فإن كثيرين سيعتبرون جولته هذه ناجحة"!

 

بتلك الكلمات القلقة، يشير المعلّق السياسي، الياس حرفوش، في صحيفة الحياة اللندنية، إلى "حقول الألغام"، التي كانت تنتظر البابا بينديكس السادس عشر في طريقه إلى منطقة الشرق الأوسط.

 

وكما كان البابا حذراً ودقيقاً في تصريحاته وتحركاته، بالرغم أنّ البعض لم يعدم أموراً يؤكد فيها تحفظاته وانتقاداته للزيارة، فإنّ المسؤولين الأردنيين كانوا على أهبة الاستعداد مبكّراً للزيارة، وقد أعدّوا لها جيّداً، بالتنسيق على أعلى المستويات مع المراجع المسؤولة في الفاتيكان.

 

الأردن: استثمار متعدد الأبعاد للزيارة البابوية

الجميع عمل على استثمار الزيارة بأقصى الدرجات، وفي الأردن استطاعت المؤسسات الرسمية العليا بناء رسالة إعلامية عالمية مزدوجة الأهداف.

 

البعد الأول يتمثل بالتأكيد على أهمية "موقع المغطس" بصفته موقعاً دينياً، تكرّس مع زيارة البابا الحالية ليكون محجّاً لتعميد ملايين المسيحيين الكاثوليك في العالم، ما يمكن أن يشكل مورداً اقتصادياً سياحياً كبيراً للأردنيين.

 

أمّا الرسالة الثانية، فتتمثل بتأكيد تمايز "النموذج الأردني" في "العيش المشترك" بين المسيحيين والأردنيين وسيادة قيمة التسامح والإخاء الوطني بين الديانتين، وهو ما أكّده الترحيب الكبير بالبابا من قبل المسلمين والمسيحيين معاً.

 

مما منح الزيارة بعداً أكثر أهمية وميزة خاصة هو الاهتمام الملكي الملحوظ بها، حيث كان الملك الأردني وأفراد عائلته جميعاً في استقبال البابا في المطار، فيما تولّى الديوان الملكي بصورة خاصة متابعة الزيارة وترتيباتها، بإشراف خاص من الأمير غازي بن محمد، وهو الشخصية الرفيعة الأهم، والمسؤول عن الملف الديني في المملكة.

 

يؤكد على الانطباع الإيجابي حول الزيارة الكاتب والمحلل السياسي، جميل النمري، إذ يرى في تصريح خاص بسويس أنفو أنّ الزيارة كانت ناجحة، بخاصة "أنّ المسؤولين الأردنيين حرصوا على منحها السمة الدينية، والابتعاد عن اللغط السياسي، كما أبرزت الزيارة القدرات التنظيمية والإدارية الأردنية الرفيعة، ما منحها نجاحاً إعلامياً وسياسياً، مع مشاركة رسمية وأهلية واسعة".

 

ويعتبر النمري "الزيارة ناجحة، أيضاً، من جهة تأكيد أهمية الأردن كأرض مقدسة للمسيحيين في العالم، بخاصة منطقة المغطس وجبل نيبو، ولذلك أهمية دينية، حضارية وسياحية كبيرة، ستنعكس في المستقبل على الاقتصاد الأردني".

 

زيارة البابا تخللتها خطابات متبادلة حول العلاقة بين الأديان والتعايش المسيحي الإسلامي، وأقيم قدّاس كبير في "ستاد عمان الدولي" حضره قرابة خمسون ألفاً من الأردنيين، وزار البابا مسجداً كبيراً في العاصمة عمان، إلاّ أنّ عدم خلعه الحذاء أثار ردوداً إعلامية متضاربة ومتباينة.

 

وفي المجمل، يرى النمري أنّ البابا في تصريحاته وتحركاته نجح في إفشال المراهنين من المتعصبين على اصطياد ما يمكن أن يحولوا فيه الزيارة إلى مشكلة كبيرة، و"إن كان الأمر لم يخل من تلك التصيدات، كما حصل عندما دخل البابا المسجد دون أن يخلع الحذاء، وفي خطاب الإسلاميين الذين طالبوا البابا بالاعتذار مباشرة عما اعتبر إساءة للرسول الكريم محمد، صدرت من البابا قبل سنوات وأثارت ردود فعل غاضبة واسعة، ولم يرحبوا باستقباله في عمان".

 

"كان على البابا زيارة غزة…"

بالرغم من حذر الإعلام الأردني في التعاطي مع الانتقادات لزيارة البابا، للحساسية الدينية، ولاعتباره ضيفاً على الملك شخصياً، إلاّ أنّ هذا لم يمنع من وجود اتجاه سياسي وإعلامي واسع يتحفّظ على الزيارة وينتقدها، وفي المقدمة جماعة الإخوان المسلمين التي عبرت عن رفضها للزيارة، عبر بيانات وتصريحات عديدة، بسبب تصريحات البابا المسيئة للرسول الكريم قبل سنوات، والتي لم يصدر عنه أي اعتذار رسمي، كما حصل واعتذرت الكنيسة الكاثوليكية لليهود حول قضايا معينة.

 

جميل أبو بكر، الناطق باسم جماعة الإخوان المسلمين، يقول في تصريح خاص بسويس أنفو إنّ الموقف الرافض لزيارة البابا يعود إلى تلك التصريحات المسيئة بدرجة رئيسة، فلولاها لاعتبرت الزيارة كزيارة أي رجل دين مسيحي آخر.

 

كما يتساءل أبو بكر عن مغزى تصريحاته حول التراث اليهودي الديني في الأردن، "فيما إذا كان المقصود منح مشروعية للإدعاءات اليهودية بأرض الميعاد في هذه البلاد"؟!

 

أبو بكر، وإن كان يرى أن تصريحات البابا المؤيدة لإقامة دولة فلسطينية والمتعاطفة مع سكان غزة، تخفف من سلبيات الزيارة، إلاّ أنه يرى بأنه "كان على البابا زيارة غزة، لا فقط إعطاء التصريحات المتعاطفة، كما فعل مع ضحايا الهولوكوست الإسرائيليين".

 

على الجهة المقابلة، يرى ياسر أبو هلالة، الكاتب والمحلل السياسي، ذو الخلفية الإسلامية، أنّ الحركة الإسلامية لم تلتفت إلى قضايا ملحة ومهمة في خطاب البابا، كان يمكن استثمارها لصالح مشروعها الإسلامي.

 

فوفقاً لأبو هلالة، في تصريح لسويس أنفو، فإن "من يقرأ خطابات البابا في الأردن يلمح خيطا واحدا ينظم حباتها لم يلتقطه الإسلاميون. ظل يرد على رأي متداول خلاصته أن الدين سبب شقاء الناس وتأخرهم، ومن خلال الأردن قدم نماذج عملية كيف يمكن لأهل الدين مسيحيين ومسلمين نفع مجتمعاتهم اعتمادا على الطاقة التي تولدها قيم الدين. كان بإمكان الإسلاميين أن يرحبوا بزيارة البابا لمراكز الأيتام في جمعية المركز الإسلامي. ويبحثوا معه مشاريع مشتركة لمواجهة الفقر والبؤس والمرض..".

 

بدلاً من الاكتفاء بالرفض والاحتجاج، يرى أبو هلالة أنه "كان بإمكان الإسلاميين أن ينتقدوا بجرأة تاريخ الكنيسة الكاثوليكية من الحروب الصليبية إلى محاكم التفتيش إلى محاضرة البابا الإشكالية. في المقابل عليهم أن يُظهروا مساهمتهم في محاربة داء الطائفية".

 

البابا يخصص الكاثوليك دون الارثوذكس

لم تقف حدود الاعتراضات عند الإسلاميين. إذ يؤكد المحرر السياسي لموقع عمّون الالكتروني، فايز الفايز، لسويس أنفو أنه تلقى العديد من الاتصالات المؤيدة من مسيحيين ارثوذكس لمقال له، تساءل خلاله عن تخصيص البابا الكاثوليك في كل خطاباته دون المسيحيين الأرثوذكس.

 

وبعد أن قام بمراجعة لأغلب نصوص خطابات البابا في عمان، وجد الفايز أنّها خُصِّصت للكاثوليك دون أي إشارة إلى الأرثوذكس، ما يثير أسئلة عديدة فيما إذا كانت الزيارة قد جاءت لتكريس الظلال والمعاني الإنسانية للأخوة الدينية بين بني البشر، بخاصة مع تأكيد البابا المستمر على التلاحم بين الكاثوليك واليهود حصرياً!

 

ويتوقف الفايز، أيضاً، عند قول البابا "إن الجماعة الكاثوليكية المحلية تعاني من الصعوبات والمخاوف التي تواجه سكان الشرق الأوسط".. ويتساءل: "ما هي تلك المخاوف المزعومة، وهل أنفلونزا الخنازير مثلا تصيب الكاثوليك ولا تصيب أبناء المسلمين والأرثوذكس من المدن الأردنية؟..

 

بالرغم من الانتقادات الموجهة العديدة للزيارة، ومن "الأسئلة المبعثرة" التي خلّفتها، على حد تعبير الفايز، فإنّ العديد من المراقبين يرون أنّ البابا نجح، على الأقل سياسياً، من الحدّ كثيراً من التداعيات السلبية المتوقعة لها، وضيّق زاوية الفرجار للمنتقدين والمعارضين، وتعامل بقدر من الذكاء والمرونة في خطاباته مع منطقة حبلى بالصراعات الدينية والطائفية والسياسية، ويبدو أنه يقفل عائداً إلى روما على أقل تقدير دون أن "يشعل حرباً في الشرق الأوسط"؟!