"تدبير المحبة الإلهية أعظم من العواصف"

حاضرة الفاتيكان، الخميس 22 أبريل 2010 (Zenit.org)

ننشر في ما يلي التعليم الذي تلاه بندكتس السادس عشر يوم أمس خلال المقابلة العامة في ساحة القديس بطرس.

***

إخوتي وأخواتي الأعزاء،

كما تعلمون، قمت يومي السبت والأحد الفائتين برحلة رسولية إلى مالطا أرغب اليوم في التحدث عنها بإيجاز. كانت مناسبة الزيارة الرعوية الذكرى السنوية الـ 1950 لغرق سفينة الرسول بولس قبالة شواطئ الأرخبيل المالطي، ولإقامته في هذه الجزر لمدة ثلاثة أشهر تقريباً. جرى هذا الحدث قرابة سنة 60 ويروى بالتفصيل في كتاب أعمال الرسل (في الفصلين 27 و28).

على غرار القديس بولس، اختبرت بدوري ترحيب المالطيين الحار – والاستثنائي –، لذا أعبر مجدداً عن امتناني القلبي العميق لرئيس الجمهورية، والحكومة والسلطات الأخرى في البلاد، وأوجه شكراً أخوياً لأساقفة البلاد وجميع الذين شاركوا في تحضير هذا اللقاء الاحتفالي الذي جرى بين خليفة بطرس والشعب المالطي. إن تاريخ هذا الشعب لم ينفصل خلال 2000 سنة عن العقيدة الكاثوليكية التي تميز ثقافته وتقاليده. ويقال أن في مالطا 365 كنيسة "واحدة لكل يوم في السنة"، وهذا دليل واضح على الإيمان القوي!

كانت البداية مع غرق السفينة. بعدما انجرفت خلال أربعة عشر يوماً ودفعتها الرياح العاتية، جنحت السفينة، التي كانت تنقل الرسول بولس وغيره من الأشخاص إلى روما، على مرتفع رملي في جزيرة مالطا. لذلك، وبعد اللقاء الودي مع رئيس الجمهورية في العاصمة فاليتا – الذي تشكل إطاره الرائع بتحيات عدد من الفتيان والفتيات – ذهبت فوراً في رحلة حج إلى مغارة القديس بولس المجاورة لرباط لتمضية فترة صلاة مكثفة. وهناك تمكنت أيضاً من توجيه التحيات لمجموعة كبيرة من المرسلين المالطيين.

إن التفكير في هذا الأرخبيل الصغير القائم وسط البحر المتوسط، وفي وصول بذرة الإنجيل إليه، يثير مشاعر انذهال عظيم أمام تدابير العناية الإلهية السرية: فيصبح من العفوي تقديم الشكر للرب وللقديس بولس الذي حافظ على إيمانه ورجائه وسط العاصفة العاتية، ونقلهما إلى المسافرين معه. من غرق السفينة، أو بالأحرى من إقامة بولس في مالطا، نشأت جماعة مسيحية مندفعة ومتينة ما تزال أمينة للإنجيل بعد انقضاء 2000 سنة، جماعة تبذل جهداً لتجمعه بالمسائل المعقدة في الزمن المعاصر. هذا ليس سهلاً وبديهياً، لكن المالطيين يعرفون كيف يجدون الاستجابة للتحديات الجديدة في الرؤية المسيحية. والدليل على ذلك مثلاً هو حفاظهم على احترامهم الشديد للحياة التي لم تبصر النور بعد، ولقدسية الزواج، واختيارهم عدم إدخال الإجهاض والطلاق في النظام القضائي في البلاد.

لذا، كان الهدف من هذه الرحلة أن أثبّت في الإيمان كنيسة مالطا، المؤسسة النشيطة والمنظمة والقائمة في أراضي مالطا وغوزو. وقد احتشدت هذه الجماعة في فلوريانا، في ساحة الصوامع أمام كنيسة القديس بولس، حيث احتفلت بالقداس الإلهي الذي شهد مشاركة متسمة باندفاع كبير. وكان من دواعي الفرح والتعزية أن أشعر بحماسة هذا الشعب الذي يعطي انطباعاً بوجود عائلة كبيرة موحدة بالإيمان وبرؤيتها المسيحية للحياة. بعد الاحتفال، رغبت في لقاء بعض ضحايا الاعتداءات المرتكبة من قبل أعضاء في الإكليروس. فشاركتهم آلامهم، وصليت معهم مؤكداً لهم على تحرك الكنيسة.

إن كانت مالطا تعطي انطباعاً بكونها عائلة كبيرة، يجب ألا يفكر المرء أنها مجتمع "منعزل" عن العالم نظراً إلى بنيتها الجغرافية. هذا ليس صحيحاً، ويمكن التأكد من ذلك مثلاً من خلال العلاقات التي تجمع مالطا مع عدة بلدان، ومن خلال وجود الكهنة المالطيين في أمم عديدة. ففي الواقع أن العائلات والرعايا المالطية تمكنت من تربية العديد من الشباب على محبة الله والكنيسة، بحيث أن كثيرين منهم استجابوا بسخاء لدعوة يسوع وأصبحوا كهنة. من بين هؤلاء، اعتنق كثيرون العمل التبشيري "إلى الأمم"، في أراضٍ بعيدة، وارثين الروح الرسولية التي دفعت القديس بولس إلى حمل الإنجيل إلى حيث لم يصل بعد. هذا الجانب شددت عليه بقولي بأن "الإيمان يترسخ عندما يُمنح للآخرين" (رسالة الفادي، 2). على جذور هذا الإيمان، نمت مالطا وأصبحت حالياً منفتحة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تقدم لها إسهاماً ثميناً.

من الواضح أن كثيراً ما اضطرت مالطا إلى الدفاع عن نفسها على مر القرون – ويبرز ذلك في تحصيناتها. ويبدو أن الموقع الاستراتيجي للأرخبيل الصغير لفت انتباه مختلف القوى السياسية والعسكرية. لكن دعوة مالطا العميقة كانت الدعوة المسيحية أي دعوة السلام الشاملة! ففي مرات عديدة، خفق صليب مالطا الشهير الذي يربطه الجميع بهذه الأمة في خضم النزاعات والصراعات، لكنه بفضل الله لم يفقد معناه الحقيقي والثابت؛ فهو رمز المحبة والمصالحة، وهذه هي دعوة الشعوب التي تنال الرسالة المسيحية وتقبلها!

لكونها مفترق طرق طبيعي، تقع مالطا في وسط مسارات الهجرة: رجال ونساء يصلون إلى السواحل المالطية على مثال القديس بولس، بعد تحمل ظروف حياتية صعبة وأعمال عنف واضطهادات، مما يتضمن مشاكل معقدة على الصعيد الإنساني والسياسي والقضائي، مشاكل يصعب حلها، وإنما لا بد من السعي إلى حلها بمثابرة وعناد بتنسيق التدخلات على المستوى الدولي. فمن الجيد القيام بذلك في جميع الأمم التي تقوم دساتيرها وثقافاتها على القيم المسيحية.

إن تحدي إثبات صحة الإنجيل الأبدية في التعقيدات المعاصرة هو مذهل للجميع، وبخاصة للشباب. في الواقع أن الأجيال الجديدة تدرك ذلك بصورة أكبر، لذلك رغبت بحصول لقاء مع الشباب في مالطا على الرغم من زيارتي القصيرة. فكان وقت حوار مكثف وعميق ازداد جمالاً بفعل الأجواء التي جرى فيها – مرفأ فاليتا – وبفعل حماسة الشباب. وكان لا بد لي من تذكيرهم بتجربة القديس بولس في فترة شبابه: تجربة استثنائية وفريدة من نوعها وقادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة في كل الأزمنة بفضل هذا التغيير الجذري الذي تلا اللقاء مع المسيح القائم من بين الأموات. لذلك، رأيت أن شباب مالطا هم ورثة مغامرة القديس بولس الروحية، المدعوون على مثاله إلى اكتشاف جمال محبة الله التي أعطيت لنا بيسوع المسيح، واعتناق سر الصليب، والانتصار بخاصة في التجارب والمحن، وعدم الخوف من "عواصف" الحياة أو من تحطم السفن لأن تدبير محبة الله أعظم من العواصف وتحطم السفن.

أيها الأحباء، باختصار، هذه هي الرسالة التي حملتها إلى مالطا. لكنني كما أشرت سابقاً استقيت الكثير من تلك الكنيسة، من شعب الله المبارك الذي تمكن من التعاون بفعالية مع نعمته. فليتقدما دوماً بسلام وازدهار، بشفاعة الرسول بولس، والقديس جورج بريكا، الكاهن وأول قديس مالطي، وبشفاعة مريم العذراء التي يكرمها المؤمنون في مالطا وغوزو بتفانٍ.

نقلته إلى العربية غرة معيط (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2010