noel

باسم الآب والابن والروح القدس لإله واحد أمين

 

من الأنبا إبراهيم  اسحق

بنعمة الله، بطريرك الإسكندرية وسائر الكرازة المرقسية للأقباط الكاثوليك، إلى أخوتنا المطارنة والأساقفة، وإلى أبنائنا الأعزاء القمامصة والقسوس، الرهبان والراهبات والشمامسة، وإلى جميع أبناء الكنيسة القبطية الكاثوليكية في مصر وبلاد الانتشار..

النعمة والبركة والسلام

” ها إن العذراء تحبل وتلد ابنا

ويدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” (متى1 : 23)

مـقـدمة

في مغارة مهجورة، والناس نيام والكون يلفه الظلام، عذراء اصطفاها الله لتلد الابن الكلمة المولود فى الذات الإلهي، يسوع المسيح، تجسد كلمة الله وصار انسانا مثلنا في كل شئ ما خلا الخطيئة وحدها.

فى ليلة الميلاد هتفت السماء بأعظم رجاء بُلغ به البشر: المجد لله في العلا وعلى الأرض سلام للبشر المستقيمي النوايا، الذين ينشدون سلام القلب ويرغبون في فعل الخير، فلهولاء مولد المسيح عربون رجاء ومنارة هداية. إن حدث الميلاد في وقته كان ضئيلاً ولم يتوقع له أحد ان يخلف أثراً: مجرد طفل فقير يرى النور فى ركن خفي من الامبراطورية الرومانية التى كانت عاكفة على إحصاء رعاياها لتدعيم سلطانها حاسبة إياه خالداً. واندثرت الامبراطورية وشاع فى كل المسكونة الاحتفال بمولد ذلك الطفل العجيب.

ومنذ تلك الليلة المتوهجة في تاريخ البشر، اتحد الله بالانسان اتحاداً بلا انفصام. فما من انسانية حقة بمعزل عن الله، ولا من ألوهية حقة بمعزل عن احترام الانسان وخدمته. غير أن خدمة الانسان تفقد كل معناها، إن لم تتحد باستمرار، وإن لم تظل تتغذي من مصدرها الأصيل، حب الله.

أولاً: ميلاد السيد المسيح هو عظمة تواضع الله

احتار الفلاسفة والمفكرون حول سر التجسد، وهل يستحقه الانسان الخاطىء الضعيف..؟ ولكن المسيح أثبت لنا بحياته وتواضعه مدى عظمة مجد الله وتواضعه. وتواضع الله ليس ضعفاً بل إرادته أن يتحد به الانسان الذي يحمل رسالة الحياة وأمانتها فى إيمان وعمق ورجاء ثابت.

فان كان الوحي الالهي قد أشار إلى خطيئة آدم وحواء وهى الكبرياء والرغبة فى الألوهية دون الله، فلا تزال كبرياء الانسان تمزق وجدان البشر. ففي الحضارات المتتالية كم من بشر ألّهوا أنفسهم، ومع التقدم والرقي اتخذت الكبرياء طرقاً جديدة. بعضهم ينادي برفض الايمان والدين، وبعض آخر ينكر وجود الله ويوم الدينونة.

بعض جعل العبادة للمال واللذة والسلطة، فلم تنقطع الحروب بين البشر، ولن تنقطع طالما ظن الناس أنه بالامكان الاستغناء عن الله. وإن كان الله القدوس قد خلق الانسان حرّ الارادة فهو تبارك إسمه يحترم هذه الحرية. ولذا فالخلاص ليس قهراً والايمان لا يكون اكراهاً. والذين يرتكبون المعاصى اعطيت لهم الحرية والحياة للتوبة، والله لا يرغم أحداً على محبته وطاعته، فالله المحبة هو الله التواضع.

فئتان من البشر اكتشفتا الطريق الى مغارة بيت لحم، الرعاة البسطاء المعترفون أنهم لا يفقهون شيئاً، والمجوس العلماء المعترفون أنهم لا يفقهون كل شئ. الله لا يتحدث الى من يدّعون معرفة كل شئ، لذلك لا يسمع المتكبرون صوته، بل المتواضعون الحقيقيون وحدهم يسمعونه.

إن كبرياء البشر لا تبنى سوى بروج بابل ومدن الفوضى والحقد، في حين أن اعتمادنا على الله في تواضع وثقة، يكشف لنا حقيقتنا ويقيمنا في ديار الحب البنّاء، ويجعل من حياتنا على غرار طفل بيت لحم جسراً بين السماء والأرض.

ثانياً: ميلاد المسيح يجسد الرحمة الالهية

ختمت الكنيسة الكاثوليكية سنة اليوبيل الاستثنائي التي كُرست للتأمل في رحمة الله ونشر كل ألوان هذه الرحمة فى أنحاء الأرض. وتظل رحمة الله واضحة في تاريخ البشر قديماً وحديثاً.

اختار الله ان يدخل زمان وجغرافية البشر، وكأنه اختار أن يكون انساناً ضعيفاً ليتحد بكل الضعفاء على الأرض، وقريباً وعطوفاً على الخطاة، وملجأ الذين لا معين لهم لأنه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا، ليقترب منه كل ضعيف أو متألم دون خوف أو احساس بالمهانة.

ميلاد المسيح خلاص للانسان وتحرير له من عبودية الخطيئة وسموٌ بقيمته وكرامته، وكأنه خلق جديد كما يقول بولس الرسول “من كان في المسيح فهو خليقة جديدة” 2كو 5: 17

إن تعاليم المسيح في أمثاله وخاصة في مثل السامري الصالح (لو10: 25-37) الذي يطرح فى نهايته سؤالاً: أىٌ من هؤلاء الثلاثة مارس الرحمة والمحبة؟ إنه الانسان الذي يحب كل إنسان حتى عدوه. فالرحمة صفة جوهرية خاصة بالله القدوس، يسكبها في قلوب المؤمنين الحقيقيين والصالحين فيصبحون رحماء على مثاله. لهذا فالمسيح هو المثل الالهي الذي جسّد الرحمة الحقيقية بكل معانيها: ميلاده الفقير يتحد بالأطفال الفقراء واللاجئين فى كل عصر ومكان، وحياته التى يجوب فيها يصنع خيراً، وتعاليمه التي اخترق بها العنصرية وتعصب الأمم، وجعلها سراجاً منيراً للعصور بعده لكي تسير نحوها.

جاء المسيح حقاً نوراً للعالم، من لحظة ميلاده إلى فجر قيامته. التجسد هو فعل حب الهي، بفضله نستطيع أن نلمس حضور الله في دقائق حياتنا اليومية.

ما أحوج عالمنا اليوم الى التأمل فى ميلاد السيد المسيح وحياته وتعاليمه، فالبشرية فى حاجة إلى صياغة جديدة للعلاقات بين الانسان وأخيه الانسان، علاقات تحترم كرامة كل شخص وتقدس معنى الحياة. فهذا العالم فى حاجة إلى أن ينبذ العنف والقسوة والظلم، وأن يرسي حقوق الشخص البشري، وأن تتعمق في الأجيال الصاعدة ثقافة العدل والرحمة والسلام.

لـيتـمجـد الـله فـي الأعـالـي

ولـيحـل عـلـى الأرض الـســلام

وتـسـود بـيـن الـبـشـر الـمســرة.

 

خـتـامـاً:

نرفع صلاتنا متحدين مع قداسة البابا فرنسيس، الذي يصلي من أجل وطننا العزيز في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها بلادنا.

نرفع صلاتنا متحدين مع قداسة البابا تاوضروس الثاني، بابا الاسكندرية وسائر الكرازة المرقسية للأقباط الأرثوذكس، وكل أبناء الكنيسة في مصر، من أجل شهداء الحادث الارهابي الغادر في الكنيسة البطرسية، مؤمنين أنهم يشاركون القديسين في فرح الملكوت، كما نصلي لكي يغمر الله قلوب عائلاتهم بسلامه وعزائه, وأن يمنح الشفاء لكل المصابين.

نبعث الى السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي وكل المعاونين له في قيادة مصرنا الغالية رسالة محبة وتأييد، وإلى كل شرفاء هذا الوطن العاملين من أجل كرامة المصريين، طالبين من الله أن يعمل كل مصري في موقعه بجد وأمانة لكي نواجه بشجاعة ما نحن فيه من تحديات وصعوبات، لتعبر مصر إلى مستقبل أكثر ازدهاراً وتقدماً.

نصلي من أجل الأمهات والآباء الذين يسهرون على تربية أبنائهم لبناء مستقبلهم، كما نبعث لأبنائنا فى بلاد الانتشار رسالة محبة وسلام ونقول لهم أمام العالم إن مصر فى طريق البناء والتقدم، وإنها خالدة بعرق أبنائها واتحادهم ووعيهم بمسئوليتهم، بشفاعة وصلوات أمنا مريم العذراء وجميع القديسين.

وكـل عــام وحـضـراتـكـم بـكـل خـيــر.

كـوبـري الـقـبـة في 24 ديسمبر 2016

الأنبا إبـراهـيـم اسـحـق

بـطـريـرك الاسـكنـدريـة للأقـبـاط الـكـاثوليك  بـمصـر وبـلاد الانـتـشــار