thumb (29)

” وكانت جماعة المؤمنين قلبا واحدا وروحا واحدة ” (أعمال4: 32)

– يسعدنى أن أبدأ لقاءاتى مع كنائس الإيبارشية بهذا اللقاء معكم . كنت أود أن اقوم بهذه الخدمة منذ بداية رسالتى البطريركية . وإنما كان يلزمنى أن أتعرّف بالكفاية على الملامح الأساسية للإيبارشية . والحمدلله أننى أعتمد الآن على الدور الرعائى الكبير الذى يقوم به نيافة الأنبا بطرس فهيم .
– أود أن اخصّص هذا اللقاء للكلام معكم عن الرعية .
– ما هى الرعية ؟ الرعية هى كنيسة المسيح القائمة فى مكان معيّن … هذا هو الاعتبار الأساسى الذى يجب أن يكون واضحا فى فكرنا … عندما أتكلم عن رعية الفجالة ، فانا لا أتكلم عن المبنى الحجرى القائم فى 7 شارع يوسف سليمان … وإنما أتكلم عن ” كنيسة المسيح ” … يجب إذن أن يكون مفهوم الكنيسة واضحا عندنا ، لنفهم ما هى الرعية … نسأل إذن : ما هى الكنيسة .
– الكنيسة هى أولا وجوهريا جسد المسيح … ليست بالطبع جسده البشرى المولود من السيدة العذراء مريم … ولكنه جسد روحى ، نسميه جسد المسيح السرى … وهذا ما يؤكده بنوع خاص القديس بولس الرسول … يعلن : “كما أن الجسد واحد وله أعضاء كثيرة ، هى على كثرتها جسد واحد ، فكذلك المسيح . فنحن كلنا .. تعمّدنا بروح واحد ، لنكون جسدا واحدا ، وارتوينا من روح واحد ” ( 1 كورنثوس 12 : 12 – 13 ) .
– ومن هنا يظهر أيضا ما يميّز الكنيسة عن الجسد البشرى . فالجسد الطبيعى يقوم من جملة الأعضاء المتحدة معا ، هو نفسه يشكل الرأس والأعضاء . أما الكنيسة ، جسد المسيح الروحى والسرى ، فهى تقوم فقط من المسيح وفى المسيح . نحن كلنا أعضاء ، أما الرأس فهو المسيح نفسه . يقول بولس الرسول : “(المسيح) هو رأس الجسد ، أى الكنيسة ” ( كولوسى 1 : 18 ) . ومَن يدمجنا فيه هو الروح القدس بسر العماد المقدّس . ويبقى المسيح نفسه ” رأس الكنيسة ، التى هى جسده ومِلؤه ” ( أفسس 1 : 22 – 23 ) … ولهذا يقول القديس بولس : ” أنتم مع القديسين رعية واحدة ، ومن أهل بيت الله ” ( أفسس 2 : 19 ) .
– الكنيسة ليست فقط شبيهة بالجسد ، إنها يسوع المسيح فى جسده الروحى والسرى . منه تقبل الحياة ، ولا تعيش إلا من أجله . هى يسوع المسيح الذى يبقى حيا وعاملا فى كنيسته . هو الرأس ، تخضع له الكنيسة وتطيعه … ويرتبط الاثنان برباط الحب . ويتخذ القديس بولس هذا المثال قدوة للأزواج : “الرجل رأس المرأة كما أن المسيح رأس الكنيسة ، وهو مخلّص الكنيسة ، وهى جسده .. أيها الرجال ، أحِبوا نساءكم ، مثلما أحب المسيح الكنيسة وضحّى بنفسه من أجلها ، حتى يزفـّها إلى نفسه كنيسة مجيدة لا تجعّد فيها ولا أشبه ذلك ، بل مقدّسة لا عيب فيها ” (أفسس 5 : 23 – 27 ) .
– من هذا التعليم الواضح ، نخرج بنتائج عملية : ليست الكنيسة المبنى ، بل هى الأشخاص … وليست الكنيسة جمعية أو رابطة أو مؤسّسة ، تتكون من جملة أفرادها . وإنما هى المؤمنون بالمسيح ، المندمجون فيه روحيا وسريا بعمل الروح القدس فى سر المعمودية … وليست الكنيسة مجتمعا جمهوريا يستطيع أن يقرّر ما يشاء بالاتفاق الجماعى . إنها تخضع للمسيح الرأس ، وللنظام الرئاسى الذى أراده لها … وهو أراد أن يكون البعض رسلا ، والبعض أنبياء ، والبعض معلمين ، وهكذا ( 1 كورنثوس 12 : 28 ) .

– والكنيسة حياة شركة : إذا كانت الكنيسة هى جسد المسيح الروحى والسرى ، فهى بالتالى حياة شركة بين الرأس والأعضاء ، وبين الأعضاء فيما بينهم … وهذا ما نسمّيه بالشركة الرأسية مع الله ، والشركية الأفقية مع الإخوة .
– وهنا أيضا تنبع حياة الشركة فى الكنيسة من اتحادنا فى المسيح ، ولا سيما فى سرى العماد المقدس والافخارستيا أى القربان المقدس … وهذا ما يؤكده ويوضحه بولس الرسول فى أماكن كثيرة .
– فعن العماد يقول : ” نحن كلنا تعمّدنا بروح واحد ، لنكون جسدا واحدا، وارتوينا من روح واحد ” (1 كورنثوس 12 : 13 ) … ” تعمّدنا لنتحد بيسوع المسيح ” (رومة 6 : 3 ) .
– وعن الافخارستيا يقول : ” كأس البركة التى نباركها ، أما هى مشاركة فى دم المسيح ؟ والخبز الذى نكسره ، أما هو مشاركة فى جسد المسيح ؟ فنحن على كثرتنا جسد واحد ، لأن هناك خبزا واحدا ، ونحن كلنا نشترك فى هذا الخبز الواحد” ( 1 كورنثوس 10 : 16 – 17 ) … سر القربان المقدس هو ينبوع وقمّة كل الحياة المسيحية والكنسية … مَن يعيش مِن الافخارستيا فى خدمة الإنجيل والكنيسة ، ينمو فى حب الله وحب القريب ، ويبنى بذلك حياة الشركة .

– النتيجة العملية لهذه الحقيقية ، هى أننا لا نستطيع أن نعيش الشركة مع المسيح فى مقاسمة خبز الحياة ، من غير أن نعيش الشركة مع إخوتنا فى مقاسمة الخبز اليومى … يجب أن نترجم شركة الأسرار المقدسة فى شركة أفعال المحبة العملية … نحن نلتقى بيسوع الرأس بصفة مستمرة فى شخص أعضائه الجياع ، والعِطاش ، والغرباء ، والعريانين ، والمرضى ، والسجناء ، وأشباههم … ” كل مرة عملتم هذا لواحد من إخوتى هؤلاء الصغار ، فلى عملتموه ” ( متى 25 : 35 – 40 ) … وحياة الشركة هى أيضا شركة روحية ، تفرض شركة الصلاة معا ، والصلاة بعضُنا من أجل بعض.
– وفى ضوء حياة الشركة ، نفهم بصورة أفضل معنى الصدقة التى يوصينا بها المسيح ، والتى تذكـّرنا بها الكنيسة فى رفاع الصوم الفصحى القريب … إنها ليست مجرد التبرع ببعض المال أو المعونة العينية . إنها إعلان وتأكيد لمسيحيتنا ، التى تربطنا فى جسد المسيح الواحد ، وفى محبة المسيح الواحدة ، المتفتحة لجميع البشر ، الأشرار قبل الأخيار .
– ومن هنا أيضا واجب التعاون والتضامن فيما بيننا … يدعونا بولس الرسول قائلا : ” كلنا أعضاء بعضنا لبعض ” ( أفسس 4 : 25 ) … ” لتهتم الأعضاء كلها بعضها ببعض . فإذا تألم عضو ، تألمت معه جميع الأعضاء . وإذا أُكرِم عضو ، فرحت معه جميع الأعضاء . فأنتم جسد المسيح ، وكل واحد منكم عضو منه ” (1كورنثوس 12 : 25 – 27 ) .
– وحياة الشركة فى الكنيسة تعنى أيضا حياة التكامل … يقول القديس بولس : ” فكما أن لنا أعضاءً كثيرة فى جسد واحد ، ولكل عضو منها عمله الخاص به ، هكذا نحن فى كثرتنا جسد واحد فى المسيح ، وكلنا أعضاء بعضنا لبعض . ولنا مواهب تختلف باختلاف ما نلنا من نعم ” ( رومة 12 : 4 – 6 ) .
– ويقول أيضا : ” المواهب الروحية على أنواع ، ولكن الروح الذى يمنحها واحد . والخدمة على أنواع ، و لكن الرب واحد . والأعمال على أنواع ، ولكن الله الذى يعمل كل شىء فى جميع الناس واحد . كل واحد ينال موهبة يتجلى فيها الروح للخير العام ” ( 1 كورنثوس 12 : 4 – 7 ) .
– وبالتالى ، يقول القديس بطرس : ” ليضع كل واحد منكم فى خدمة الآخرين ما ناله من نعمة ، كوكلاء صالحين على نعم الله المتنوعة .. حتى يتمجّد الله فى كل شىء بيسوع المسيح ” ( 1 بطرس 4 : 10 – 11 ) .

– والكاهن هو الراعى ، خادم الشركة فى الكنيسة . فهو بالاتحاد مع المطران ومع باقى الرعاة ، يبنى ويرعى ويقود الشركة فى رعيته ، منسقا بين المواهب والخدمات والأنشطة والجمعيات ، وكل أوجه حياة ورسالة الرعية .

– كل هذه التوصيات التى يعطيها لنا السيد المسيح والرسل الأطهار ، تحدّد لنا أسلوب حياة الشركة التى تميّز الكنيسة … علينا أن نتذكرها ونعمل بها .
– وللختام ، لا يوجد أفضل من أن ننظر إلى المثال الذى تعطيه لنا جماعة المؤمنين الأولى ، لنسعى إلى أن نعيشه فى كنيسة رعيتنا ، وفى كل كنيسة رعية … يقول لنا كتاب أعمال الرسل : ” وكان المؤمنون كلهم متـّحدين .. يلتقون كل يوم فى الهيكل بقلب واحد ، ويسبّحون الله ، وينالون رضى الناس كلهم . وكان الرب كل يوم يزيد عدد الذين أنعم عليهم بالخلاص ” ( أعمال 2 : 44 – 47 ) … ” وكانت جماعة المؤمنين قلبا واحدا وروحا واحدة ” ( أعمال 4 : 32 ) .

– وهذه هى وصية القديس بولس التى نرددها فى مقدمة صلاة الأجبية أى الساعات : ” عيشوا عيشة لائقة بالدعوة التى دعاكم الله إليها . كونوا متواضعين ولطفاء وصبورين . فاحتملوا بعضكم بعضا بمحبة . واجتهدوا فى المحافظة على وحدة الروح برباط السلام . فأنتم جسد واحد وروح واحد ، مثلما دعاكم الله إلى رجاء واحد . ولكم رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة ، وإله واحد أب لجميع البشر وفوقهم .. لكل واحد منا نصيبُه من النعمة ، على مقدار ما وهب له المسيح ” (أفسس 4 : 1 – 7 ) .

– متى عاشت الرعية هكذا ، فهى كفيلة بأن تثير فى قلوب أبنائها وبناتها الرغبة فى التكريس لخدمة المسيح الكنيسة ، وخدمة ملكوت محبته . لأن من يعيش فى جماعة مسيحية متحدة حيّة ورسولية ، من السهل أن يسمع فيها نداء الرب ، ويجد حوله جوا روحيا يشجّعه على المجاوبة بسخاء على صوت الرب :”اتبعنى”.

– لذلك أوصى الرعية بأن تكرّس صلاة خاصة من أجل الدعوات المكرَّسة . فالمسيح نفسه أعلن لنا : ” الحصاد كثير لكن العمال قليلون . فاطلبوا من ربّ الحصاد أن يرسل عمالا إلى حصاده ” ( متى 9 : 37 – 38 ) … وأكدّ لنا : “أينما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمى ، كنت هناك بينهم ” ( متى 18 : 20 ) … يسوع ، رأس الكنيسة وراعيها الصالح ، يدعونا إذن أن نصلى ، متحدّين وبحرارة ، ليرسل دعوات لكنيسته .

– نبتهل إلى أمنا العذراء مريم ، أم الكنيسة ، أن تجمعنا تحت رعايتها ، مثلما جمعت الرسل . فقد ” كانوا يواظبون كلهم على الصلاة بقلب واحد .. مع مريم أم يسوع ” ( أعمال 1 : 14 ) . هى القادرة أن تفتح قلبنا ليجدد الروح القدس فينا فهم هويتنا المسيحية ، كأعضاء لجسد المسيح الروحى والسرى . فنعيش حياة الشركة ، والتضامن والتكامل ، والخدمة والمحبة ، وعلى مثال جماعة المؤمنين الأولى نصير قلبا واحدا وروحا واحدة … ومع مريم يقول كل منا : ” أنا خادم / ة الرب ، فليكن لى ، يا رب ، كما تقول ” ( لوقا 1 : 38 ) . آمين .