thumb (1)

إنّ الصور المقدسة توجّه إحاسيس المؤمنين نحو الحقيقة من خلال الجمال

بقلم رودولفو بابا *

روما، الأربعاء 21 ديسمبر 2011 (ZENIT.org)

ـ الفن المسيحي هو واقع يستطيع أن يقوم بخدمة كبيرة للكنيسة. هو دعوة بكل ما في الكلمة من معنى. وذا من الضرورة بمكان أن نتوصل لفهم أفضل لما هي الغايات التي يتولاها الفن في تنفيذ مثل هذه الخدمة الهامة؛ وما المهام التي يجب أن تقوم بها الصور المرسومة و/ أو المنحوتة، لكي يمكن القول أنّها فعلاً مُنجَزة في هذا المعنى؛ وما هي المظاهر التي ينبغي أن يضعها الفنانون نصب عيونهم عند تصميمها وإنجازها.

إنّ تعليم الكنيسة الكاثوليكية يقدّم إرشادات هامة في الفقرات التي تصف الأماكن الملائمة للصلاة: “فالكنيسة، بيت الله، هي تحديداً مكان صلاة الطقوس الدينية للجماعة الرعوية. […] وللصلاة الشخصية، فهذا المكان يمكن أن يكون “زاوية للصلاة”، من خلال الكتاب المقدس والأيقونات، للتواجد هناك، في الخفية قدام أبينا السماوي” 1؛ ويتحدث تعليم الكنيسة الكاثوليكية في ما بعد عن التأمل فيقول: “التأمل قبل كل شيء هو بحث. […] وعادة نساعد أنفسنا على القيام به من خلال بعض الكتب التي لا يخلو منها المسيحيون: الكـتاب المقـدس وخاصة الإنجيل، ومن خلال الأيقـونات المقـدسة، والنصوص الليتورجية، وإلخ.” 2

من المثير للاهتمام ملاحظة أنّ “الأيقونات” أي الصور المقدسة، قد وضعت تماماً في قلب الممارسة العملية للمؤمن: في الليتورجية المقدسة، وكذلك كوسيلة للصلاة وللتأمل. فالحاصل من هذا أنه عندما ترسم صورة مقدسة، لا ينبغي البحث عن غير العادي أو الغريب، لأن هذا من شأنه أن يكون غير ملائم للمؤمنين لأداء الصلاة أو التأمل؛ فهو بالأحرى بحاجة إلى العكس من ذلك، أي إلى لغة صحيحة وبارعة في تفسير علم الأيقـونات، وقادرة على تقديم المعنى في الاستمرارية مع إرث الأيقونات المسيحية الضخم.

إنّ الكاردينال غابرييل باليوتـّي هو خبير حقاً في المسائل الفنية، ففي حديثه الشهير جداً حول الصور المقدسة والدنيوية ، يدخـل في تحديد الغايات لصورة مقدسة مؤكداً أنها ينبغي أن ” توجِّه الأشخاص نحو الرحمة وإرشادها إلى الله” لكي يؤدوا “العبادة الواجبة لله”. وبعبارة أخرى فإنّ الصور المقدسة تحرّك مشاعر المؤمنين، بتعليمهم الخير، وتوجيههم نحو الحقيقة من خلال الجمال.

هذا الكلام المماثل ذاته هو موجود أيضاً في الدستور حول الليتورجية المقدسة Sacrosanctum Concilium للمجمع الفاتيكان الثاني، الذي يوكد فيه على ما يتعلق بالصور المقدسة وبغايتها: “أنها بحكم طبيعتها لها علاقة بالجمال الإلهي غير المتناهي، الذي ينبغي أن يكون بطريقة ما تعبيراً من خلال أعمال الإنسان، وحيث أنّ أكثر توجّهها نحو الله، ونحو الاستزادة في حمده وفي مجده، كما أنه لا غاية أخرى كانـت معينة إلا تلك التي تساهم المساهمة الفعالة قدر الإمكان، بواسطة أعمالها، لتوجيه عقـول البشر دينياً نحو الله”.3

لذلك فالغرض من الصور هو واضح: فهي يجب أن تقوم بالواجب الذي هو بالضبط تلك المهمة القيّمة حيث يتولها دائماً الفن المسيحي الحقيقي والذي وما يزال يقوم بها أشارة للتواضع.

ويتعمّق أيضاً الكردينال باليوتـّي أكثر في الموضوع، فيشير بدقة إلى الوسائل المتاحة للفنان للتوصل على وجه اليقين إلى الغاية المبيّنة ويؤكد أنّ: “ذلك الذي قد حدّدناه بواجب الرسام. أي الوسيلة لوصول الهدف المذكور آنفاً، نعتقد أننا يمكن أن نفهم أفضل بإجراء مقارنة مع الكتـّاب الذين من خلال واجبهم كـفنانين، ينبغي عليهم أن يبهجوا ويعلموا ويؤثروا في النفوس. وبالمثل سيكون واجب الفنان وذلك باستخدام الوسائل نفسها في عمله […] لتوفير البهجة، والتعليم وتحرك المشاعر لمن سينظر إليه”. 4

إنّ “توفير البهجة والتعليم وتحريك المشاعر” يعني توليد المتعة الفكرية عن طريق الجمال المنسوب إلى الأشكال المرسومة، والتثقيف من خلال ذلك على الخير وعلى الإيمان الحقيقي، وتحريك النفوس أخيراً، وحثها نحو الأشياء المقدسة، أو الإحسان تجاه البشر والله.

بدءاً من التعاريف الإجمالية والتوجيهات العامة للأعمال قيد المباشرة بها، وتباعاً لكلام أكثر دقة الذي ينبغي الدخول في آلية الأشياء التي تتعلق مباشرة بالنظام الفني، لتحديد على نحو ملائم المعنى لقانون أساسيّ فنيّ.

يتابـع الكاردينال غابرييل باليوتـّي حديثه في هذا السياق، شارحاً كيف ولماذا ينبغي أن تكون اللوحة الفنية مشابهة للواقع وتصويرية، ومقدّماً دافعاً يفرض نفسه حتمياً كابتكار في إطارنا النظري المعاصر، على الرغم أنه كان قـد تأسـس منذ أربعة قرون مضت (وهذا ما يجعل الاكتشاف أيضاً أكثر حماسة): “إنّ فعل تناسب صحيح بحيث تبدو اللوحة مطابقة تماماً مع الأشياء التي نراها عادة، كذلك كما أن القراءة تتوافق مع الأشياء التي نسمعها في الكلام، ولهذا السبب عرّفها اليونانيون بـ (zographia) أي “الكتابة الحية”، وكما يصرّح بعض المؤلفين (19,8,Beda, De templo Salomoni )” 5.

فالتشابه يؤكد أنّ فن التصوير يضع الآلية عينها النفسية والروحية التي تحدث في القراءة: فيقدّم لنا الحديـث أشياء حية في نظر العقل، لأنها قادرة على وصفها متيحة لنا التعرف عليها كحقيقية. هـذا ما يحـدث للفن التصويري، ولكنه يعكس آلية مسار المعرفة، كما أن في الفن التصويري نتعرّف على الأشياء “التي نراها عادة، ومن هذا ثمّ نتعرّف على ما لا لم يمكن رؤيته أبداً، لأنه وقع في زمان ومكان آخرين”.

المراجع

1ـ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، رقم (2691).

2ـ المرجع نفسه، رقم (2705).

3ـ المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور حول الطقوس الدينية المقدسة Sacrosanctum Concilium ، 4/ كانون الأول/ 1963, رقم (122).

4ـ غابرييل باليوتـّي، الكلام حول الصور المقدسة والمدنسة (1582)، مكتبة مطبعة الفاتيكان, روما /2002/ صفحة /70/ .

5ـ المرجع نفسه صفحة /78/ .

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

*ردولفو بابا هو مؤرخ الفن ومدرس التاريخ في النظريات الجمالية لدى كلية الفلسفة في جامعة أوربانيان البابوية,في روما؛ رئيس أكاديمية أوربانا للفنون. رسّام وعضو عادي في الاكاديمية الحبرية للفنون الجميلة والآداب للـ Virtuosi al Pantheon . مؤلف لسلسة من اللوحات التصويرية للفن المقدس في العديد من الكنائس والكاتدرائيات. ومهتم بمسائل علم الأيقونات المتعلقة بفن النهضة والباروك الذي كتب حولها الدراسات والمقالات؛ وعلى وجه الخصوص حول ليوناردو وكارفاجّو، وتعاون مع العديد من المجلات؛ ويعقد منذ عام /2000/ زاوية أسبوعية في تاريخ الفن المسيحي في إذاعة الفاتيكان.