Papa-Francesco-incontra-i-diplomatici

بمناسبة اللقاء السنوي لتبادل التهاني بالعام الجديد

12 يناير /كانون الثاني 2015

بالقصر البابوي

 

أصحاب السعادة، أيها السيدات والسادة،

أشكركم على حضوركم في هذا اللقاء التقليدي الذي يسمح لي في بداية كل عام جديد أن أوجّه إليكم وإلى عائلاتكم والشعوب التي تمثلونها تحية طيّبة مع أحرّ التمنيات. أرغب بالتعبير عن امتنان خاص للعميد، صاحب السعادة السيد جان كلود ميشال على الكلمات اللطيفة التي وجهها إلي باسم الجميع، كما وأشكر كلاً منكم على الالتزام المستمرّ والسخي، بروح تعاون متبادل، في العمل من أجل تعزيز وتنمية العلاقات بين بلدانكم والمنظمات الدولية التي تمثلونها والكرسي الرسولي. والتي توطدت أكثر خلال العام الماضي إن بفضل نمو عدد السفراء المقيمين في روما أو من خلال التوقيع على معاهدات ثنائيّة جديدة ذات طابع عام شان تلك التي تمّ التوقيع عليها في يناير الماضي مع الكاميرون، وتفاهمات خاصة كالتي تمّ التوقيع عليها مع مالطا وصربيا.

أرغب اليوم بأن أردد بقوة كلمة غالية علينا: سلام! إنها تصلنا بصوت أجواق الملائكة التي تعلنها في ليلة الميلاد (را. لو 2، 14) كعطيّة ثمينة من الله، وفي الوقت عينه، يشيرون بها إلينا كمسؤولية شخصيّة واجتماعية تطلب منا الاهتمام والعمل. ولكن بالإضافة إلى السلام، تخبرنا المغارة قصة واقع مأساوي آخر: قصة الرفض. في بعض الأيقونات، في الغرب كما في الشرق – أفكر على سبيل المثال بأيقونة الميلاد الرائعة لأندريه روبليف – لا يظهر الطفل يسوع مضجعًا في مهد، بل موضوعًا في قبر. إن الصورة التي تهدف إلى ربط العيدين المسيحيين الأساسيين – الميلاد والفصح – تُظهر بأنه بالقرب من القبول الفرح للولادة الجديدة، هناك المأساة التي يواجهها يسوع، المهان والمنبوذ حتى الموت على الصليب.

إن روايات الميلاد عينها تُظهر لنا قلب البشريّة القاسي الذي يتعب لقبول الطفل. فقد أُقصي على الفور وتُرك خارجًا في البرد، مُجبرًا على أن يولد في إسطبل لأنه لم يكن له موضع في المضافة (را. لو 2، 7). وإن تمّ التعامل مع ابن الله بهذا الشكل، فماذا عن العديد من إخوتنا وأخواتنا! هناك طبع في الرفض يجمعنا ويحملنا على ألا ننظر إلى القريب كأخ نقبله، بل لنتركه خارج أفق حياتنا الشخصيّ، ونحوّله إلى منافس ومرؤوس نسيطر عليه. إنها ذهنيّة تولّد ثقافة الإقصاء تلك التي لا توفّر شيئًا أو أحدًا: من الكائنات إلى البشر وصولاً إلى الله نفسه. ومنها تولد بشريّة مجروحة تمزّقها باستمرار توترات ونزاعات من كل نوع.

في روايات الطفولة في الإنجيل، يمثل الملك هيرودس هذه التوترات والنزاعات، فما إن شعر بتهديد سلطته من قبل الطفل يسوع حتى أمر بقتل جميع أطفال بيت لحم. يتوجه الفكر فورًا إلى باكستان، حيث قُتل منذ شهر أكثر من مئة طفل بوحشية لم يسبق لها مثيل. أرغب بتجديد تعازيّ الشخصيّة لعائلاتهم كما أؤكد صلاتي من أجل العديد من الأبرياء الذين فقدوا أرواحهم.

بالإضافة لبُعد الرفض الشخصي ينضمّ هكذا حتمًا البعد الاجتماعي، ثقافة ترفض الآخر، تبتر الروابط الحميمة والحقيقيّة، لتبدّد المجتمع بأسره وتفكّكه وتولّد العنف والموت. ونجد صداها الحزين في العديد من الأحداث اليوميّة، ولم تكن آخرها المأساة التي وقعت في باريس منذ أيام قليلة. فلا يُنظر للآخرين “ككائنات تتمتّع بكرامة متساوية، كأخوة وأخوات في البشرية، بل يُنظر إليهم كأغراض” (رسالة اليوم الثامن والأربعين للسلام، 8 ديسمبر / كانون الأول 2014، عدد 4). والإنسان الحر يصبح عبدًا تارة للموضة وطورًا للسلطة، تارة للمال وأحيانًا لأشكال الديانة المُضلّلة. إنها المخاطر التي أردت التذكير بها في الرسالة الأخيرة لليوم العالمي للسلام، المخصّص لآفة الأشكال المتنوّعة للاستعباد المعاصر. فهي تولد من قلب فاسد غير قادر على رؤية الخير وفعله والسعي إلى السلام.

نلاحظ بألم التبعات المأساويّة لذهنيّة الرفض هذه و”لثقافة الاستعباد” (رسالة اليوم الثامن والأربعين للسلام، 8 ديسمبر / كانون الأول 2014، عدد 2) في فيض النزاعات المستمر. كحرب عالمية بكل معنى الكلمة، تُخاض بشكل متجزّئ، وتطال، بالرغم من أشكال ودرجات متنوعة، مناطق عديدة من الأرض، بدءً من أوكرانيا القريبة التي أصبحت مسرحًا مأساويًّا للنزاع والتي أتمنى لها، من خلال الحوار، بأن تتوطّد الجهود القائمة لوقف الأعمال العدوانيّة وتبادر الجهات المتورّطة بأسرع وقت، بروح احترام متجدّد للشرعية الدوليّة، إلى مسيرة ثقة صادقة ومتبادلة وإلى مصالحة أخويّة تسمح بتخطّي الأزمة الحالية.

يتوجه فكري بشكل خاص إلى الشرق الأوسط، انطلاقًا من أرض يسوع الحبيبة، التي فرحتُ بزيارتها في مايو / أيار الماضي والتي لن نتعب أبدًا من ابتهال السلام من أجلها. لقد طلبناه بقوة وزخم مع الرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز، والرئيس الفلسطينيّ محمود عباس، يحركنا الرجاء الواثق بأن تُستأنف المفاوضات بين الطرفين من أجل وقف العنف والوصول إلى حل يسمح للشعب الفلسطيني كما للشعب الإسرائيلي بالعيش أخيرًا بسلام، ضمن حدود محدّدة بوضوح ومُعترف بها دوليًّا، فيصبح هكذا “حل الدولتين” فعالاً.

تجتاح الشرق الأوسط للأسف نزاعات أخرى، تدور منذ زمن طويل وتبعاتها مخيفة بسبب انتشار الإرهاب ذات الصبغة المتطرّفة في سوريا والعراق. هذه الظاهرة هي نتيجة ثقافة الاقصاء المُطبّقة على الله. إن التطرف الديني، في الواقع، وقبل أن يقصي الكائنات البشريّة مرتكبًا مجازر فظيعة، يرفض الله نفسه، وجعله يقتصر على ذريعة إيديولوجية صرفة. إزاء هذه العدوانيّة الظالمة التي تطال أيضًا المسيحيين ومجموعات عرقيّة ودينيّة أخرى في المنطقة، كالأيزيديين، على سبيل المثال، من الأهمية بمكان إيجاد جواب إجماعيّ، يوقف، في إطار القانون الدوليّ، انتشار العنف ويحل الوفاق ويداوي الجراح العميقة التي سببها تتابع النزاعات. لذلك ومن هذا المكان أوجّه نداء للجماعة الدولية بأسرها كما للحكومات المعنيّة لكي تأخذ على عاتقها مبادرات ملموسة من أجل السلام وللدفاع عن الذين يتألمون من تبعات الحرب والاضطهاد ويُجبرون على ترك منازلهم وبلادهم. في رسالة أرسلتها قبل عيد الميلاد بقليل، أردت أن أعبّر عن قربي الشخصي وأؤكد صلاتي لكل الجماعات المسيحيّة في الشرق الأوسط والتي تقدم شهادة إيمان وشجاعة ثمينة، وتقوم بدور أساسي في صنع السلام ومصالحة ونمو في المجتمعات المدنيّة التي تنتمي إليها. شرق أوسط بدون مسيحيين سيكون شرقًا أوسطًا مشوّهًا ومعوّقًا! وفي طلبي من الجماعة الدولية لكيلا تكون عديمة المبالاة إزاء هذه الحالة، اتمنى أن يدين القادة الدينيّون والسياسيّون والمفكرون لا سيما المسلمين كل تأويل أصوليّ ومتطرّف للدين موجّه لتبرير أعمال العنف هذه.

أشكال وحشيّة مشابهة غالبًا ما تحصد ضحايا بين الصغار والضعفاء، لا تغيب للأسف حتى في مناطق أخرى من العالم. أفكّر بشكل خاص بنيجيريا حيث لا يتوقف العنف الذي يضرب السكان بلا تمييز، وحيث يستمر نمو الظاهرة المأساويّة لاختطاف الأشخاص وغالبًا فتايات يافعات لتصبحنَ سلعًا للبيع. إنها تجارة مقيتة لا يمكن أن تستمرّ! آفة ينبغي اقتلاعها لأنها تضربنا جميعًا من العائلات الفرديّة وصولاً إلى الجماعة العالميّة (را. خطاب البابا للسفراء الجدد المعتمدين لدى الكرسي الرسولي، 12 ديسمبر / كانون الأول 2013).

أنظر من ثمَّ بقلق إلى النزاعات الأهليّة الكثيرة التي تهمّ مناطق أخرى من أفريقيا، بدءًا من ليبيا التي تمزقها حرب داخليّة طويلة تسبب آلامًا لا توصف وسط السكان ولها تبعات خطيرة على توازن المنطقة الدقيق. أفكّر بوضع جمهوريّة أفريقيا الوسطى المأساوي حيث من المؤلم أن نرى كيف أن الإرادة الصالحة التي حرّكت جهود الذين يريدون بناء مستقبل سلام وأمن وازدهار تقابلها أشكال رفض ومصالح أنانيّة من قبل الذين يهدّدون بإحباط انتظارات شعب معذب يتوق إلى بناء مستقبله بحريّة. يوقظ أيضًا اهتمامًا خاصًا الوضع في جنوب السودان وبعض مناطق السودان والقرن الأفريقي وجمهورية الكونغو الديمقراطيّة حيث لا يتوقف نمو عدد الضحايا بين السكان المدنيين وآلاف الأشخاص، بينهم العديد من النساء والأطفال، يُجبرون على الهرب والعيش في ظروف من العوز المدقع. وبالتالي أتمنى التزامًا مشتركًا للبلدان الأفراد والجماعة الدوليّة لكي يوضع حدًّا لجميع أشكال الصراعات والكراهية والعنف ويتمّ الالتزام في سبيل المصالحة والسلام والدفاع عن كرامة الشخص المتسامية.

كما ولا يجب أن ننسى بأن الحروب تحمل معها جريمة فظيعة وهي الاغتصاب. إنها إساءة خطيرة لكرامة المرأة التي لا تُغتصب فقط في جسدها، بل في نفسها أيضًا مسببة صدمة يصعب محوها وتبعاتها هي ذات طابع اجتماعي أيضًا. للأسف نجد أيضًا أنه حيث لا وجود للحرب لا تزال هناك العديد من النساء اللواتي يتألّمن بسبب العنف الذي يتعرضن له.

إن النزاعات الحربية بأسرها تُشكّل صورة رمزيّة لثقافة الإقصاء، بسبب الأرواح التي تُسحق عمدًا من قبل من يملك القوة. ولكن هناك أشكال خفيّة للرفض تغذي هذه الثقافة أيضًا. أفكر أولاً بالطريقة التي غالبًا ما يُعامل بها المرضى، المعزولون والمهمّشون كالبُرص الذين يحدثنا عنهم الإنجيل. بين بُرص زمننا هناك ضحايا هذا الوباء الجديد والمخيف وباء الإيبولا، الذي، وخصوصًا في ليبيريا وسييراليون وغينيا، قد حصد أكثر من ستة آلاف ضحيّة. أرغب اليوم بأن أشيد وأشكر أولئك العاملين الصحيين الذين، بالإضافة إلى الرهبان والمتطوّعين، يقدمون كل ما باستطاعتهم للعناية بالمرضى وعائلاتهم، لاسيما بالأطفال الذين تيتّموا. في الوقت عينه، أجدّد ندائي للجماعة الدوليّة لكي تؤمّن العناية الإنسانية المناسبة للمرضى ويكون هناك التزام مشترك للقضاء على المرض.

بالإضافة إلى الأرواح التي تُقصى بسبب الحروب والأمراض، هناك أرواح العديد من النازحين واللاجئين. مرة أخرى، يمكن فهم النتائج بالنظر إلى طفولة يسوع التي تشهد لشكل آخر لثقافة الإقصاء يدمّر العلاقات و”يحلّ” المجتمع. في الواقع، أمام وحشيّة هيرودس، اضطُّرت العائلة المقدّسة للهرب إلى مصر، لتتمكن بعدها من العودة بعد بضع سنوات (را. مت 2، 13- 15). إن نتيجة أوضاع الصراعات، التي أشرنا إليها آنفا، تكمن غالبًا في نزوح آلاف الأشخاص من موطنهم. أحيانا لا يبحث هؤلاء عن مستقبل أفضل، بل عن مستقبل وحسب، إذ إن البقاء في وطنهم يعني الموت المحتّم. كم من الأشخاص يموتون خلال رحلات “لا إنسانية” ويخضعون للانتهاكات من قبل أشخاص يأسرونهم ويطمعون بالمال؟ وهذا ما أشرت إليه خلال زيارتي الأخيرة إلى البرلمان الأوروبي، وذكّرتُ بأنه “لا يسعنا أن نقبل بأن يتحول البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة كبيرة” (الخطاب أمام البرلمان الأوروبي، ستراسبورغ، 25 نوفمبر / تشرين الثاني 2014). وثمة أيضًا معطيات أخرى تبعث على القلق: فالعديد من المهاجرين، خصوصا في الأمريكتين، هم من الأطفال الذين يسافرون بمفردهم ما يجعل منهم فريسة سهلة للمخاطر، وهم بحاجة إلى مزيد من العناية والاهتمام والحماية.

وإذ يصل المهاجرون غالبا بدون أوراق ثبوتية إلى مناطق غريبة لا يجيدون لغتها، من الصعب أن يجدوا حسن الضيافة وفرص للعمل. وفضلا عن مخاطر الهرب، يجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة مع مأساة نبذهم. لذا من الأهمية بمكان أن تتبدل المواقف تجاههم، بغية الانتقال من اللامبالاة والخوف إلى القبول الصادق للآخر. وهذا يتطلب بطبيعة الحال أن “توضع تشريعات ملائمة تعرف في الوقت نفسه كيف تحمي حقوق المواطنين (…) وتضمن استضافة المهاجرين” (المرجع نفسه). وإذ أتوجه بالشكر إلى الأشخاص الذين لا يترددون في تعريض حياتهم للخطر ويمدون يد النجدة للاجئين والمهاجرين أحث الدول والمنظمات الدولية على التصرف بحزم من أجل حلّ هذه الأوضاع الإنسانية الخطيرة وعلى تقديم المساعدة اللازمة لبلدان المنشأ من أجل تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتخطي الصراعات الداخلية التي تشكل المسبب الرئيس لهذه الظاهرة. “لا بد من التعامل مع المسببات لا مع النتائج وحسب” (المرجع نفسه). وهذا يسمح للمهاجرين أيضا بالعودة إلى أوطانهم والمساهمة في نموها وتنميتها.

فضلا عن المهاجرين والنازحين واللاجئين ثمة العديد من “المنفيين المخفيين” (صلاة التبشير الملائكي، 29 ديسمبر / كانون الأول 2013) الذين يعيشون في منازلنا وعائلاتنا. أفكر، بنوع خاص، بالمسنين والمعوقين وبالشبيبة أيضًا. فالمسنون يتعرضون للنبذ عندما يُنظر إليهم كعبء و”كحضور مزعج” (المرجع نفسه)، فيما يُستبعد الشبان ويُحرمون من إمكانات العمل من أجل بناء مستقبلهم. كما لا يوجد فقر أسوأ من الحرمان من العمل ومن كرامة العمل (را. الخطاب إلى المشاركين في اللقاء العالمي للحركات الشعبية، 28 أكتوبر / تشرين الأول 2014)، ومن جعل العمل شكلا من العبودية. وهذا ما أردتُ أن أذكّر به خلال لقاء تم مؤخرا مع الحركات الشعبية، الساعية إلى البحث عن حلول ملائمة لبعض مشاكل زماننا، بما في ذلك آفة بطالة الشبيبة والعمل الخفي الآخذة بالاتساع، ومأساة العديد من العمال، لاسيما الأطفال، الذين يُستغلون بدافع الجشع. كل ذلك يتعارض مع الكرامة البشرية ويتمخض عن ذهنية تضع المال في المحور وتقدّم الربح الاقتصادي على الإنسان نفسه.

والعائلة نفسها تتعرض غالبا للإقصاء، بسبب ثقافة فردية وأنانية آخذة بالانتشار، تقطع الروابط وتميل إلى تسهيل ظاهرة انعدام المواليد، فضلا عن تشريعات تعطي امتيازات لأشكال مختلفة من المساكنة عوًضا عن دعم العائلة بطريقة ملائمة تعود بالفائدة على المجتمع كله.

من بين الأسباب الكامنة وراء ظواهر من هذا النوع هناك العولمة المتّسقة التي تنبذ الثقافات ذاتها وتقضي على العناصر الخاصة بهوية كل شعب التي هي الإرث الأساسي لكل تنمية اجتماعية سليمة. في عالم مطبوع بالاتساق ويفتقر إلى الهوية، من السهل أن نستشعر بمأساة وإحباط العديد من الأشخاص الذين فقدوا معنى العيش. وهذه المأساة تتفاقم بدافع الأزمة الاقتصادية المستمرة، التي تولّد انعدام الثقة وتعزيز الصراعات الاجتماعية. وقد تمكنتُ من ملاحظة تبعاتها هنا أيضا في روما، من خلال لقاء العديد من الأشخاص الذين يعيشون أوضاعًا من العوز، وأيضا خلال الرحلات المختلفة التي قمت بها في إيطاليا.

أود أن أتوجه إلى الأمة الإيطالية العزيزة بأمنيات مفعمة بالأمل، كي لا يستسلم الشعب الإيطالي، في ظل أجواء الارتياب الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، للقنوط وتجربة المواجهة، بل ليعيد اكتشاف قيم الاهتمام المتبادل والتضامن التي تشكل أساسا لثقافته وللتعايش الحضاري وتولّد الثقة بالقريب والمستقبل، لاسيما وسط الشبيبة.

وإذ أفكّر بالشبيبة، أود الإشارة إلى زيارتي لكوريا، حيث تسنى لي، في شهر أغسطس / آب الماضي، أن التقي بآلاف الشبان المجتمعين لمناسبة يوم الشبيبة الآسيوية السادس، وحيث ذكّرتُ بضرورة تثمين الشباب “والسعي إلى نقل إرث الماضي إليهم وتطبيقه في مواجهة تحديات الزمن الحاضر” (اللقاء مع السلطات، سيول 14 أغسطس / آب 2014). لذا من الأهمية بمكان أن نفكر “بفعالية طريقة نقل قيمنا لأجيال المستقبل وبأي نوع من المجتمع نستعد لنسلّمهم إياه” (المرجع نفسه).

في هذا المساء بالذات سوف يعتريني فرح الانطلاق مجددا باتجاه آسيا لزيارة سريلانكا والفيليبين لأشهد بهذا عن الاهتمام والحرص الرعوي اللذين أتابع من خلالهما شؤون شعوب تلك القارة الشاسعة. أود أن أعبر لتلك الشعوب ولحكوماتها مرة جديدة عن توق الكرسي الرسولي إلى تقديم إسهامه خدمةً للخير المشترك والتناغم والتوافق الاجتماعي. وبنوع خاص أتمنى أن يُستأنف الحوار بين الكوريتين، وهما بلدان شقيقان يتحدثان اللغة نفسها.

أصحاب السعادة، أيها السيدات والسادة،

لا نريد، في بداية عام جديد، أن يطغى على رؤيتنا التشاؤم والشوائب وقصور زماننا هذا. نريد أيضا أن نشكر الله على ما وهبنا إياه، وعلى الفوائد التي أفاضها علينا وعلى الحوارات واللقاءات التي أتاحها لنا، وعلى بعض ثمار السلام التي منحنا فرح تذوّقها.

لقد اختبرت شهادة بليغة بأن ثقافة اللقاء ممكنة، خلال زيارتي لألبانيا، أمة مليئة بالشباب الذين هم أمل المستقبل. وعلى الرغم من الجراح التي عانت منها في تاريخها المعاصر، فالبلاد مطبوعة بـ”التعايش السلمي والتعاون بين المنتمين إلى ديانات مختلفة” (خطاب إلى السلطات، تيرانا، 21 سبتمبر / أيلول 2014) في أجواء من الاحترام والثقة المتبادلة بين الكاثوليك، الأرثوذكس والمسلمين. إنها علامة هامة بأن الإيمان الصادق بالله ينفتح نحو الآخر، يولّد الحوار ويعمل من أجل الخير، فيما يولد العنف دائما من تشويه الدين من أجل غايات أيديولوجية ترمي فقط إلى سيطرة الإنسان على الإنسان. وبطريقة مماثلة، خلال الرحلة الأخيرة إلى تركيا، الجسر التاريخي بين الشرق والغرب، تمكنت من رؤية ثمار الحوار المسكوني وما بين الأديان، بالإضافة إلى الالتزام حيال اللاجئين القادمين من بلدان أخرى من الشرق الأوسط. وقد وجدتُ روح الضيافة هذا في الأردن أيضا، الذي زرته في بداية حجي إلى الأرض المقدسة، كما أيضا من خلال الشهادات الواردة من لبنان الذي أتمنى له تخطي الصعوبات السياسية الراهنة.

وهناك مثال عزيز على قلبي يُظهر كيف يمكن أن يبني الحوار ويشيّد جسورا، ألا وهو قرار الولايات المتحدة الأمريكية وكوبا الأخير بوضع حد لصمت متبادل استمر لأكثر من نصف قرن، وتحقيق التقارب من أجل خير مواطني البلدين. وفي هذا السياق يتوجه فكري أيضا إلى شعب بوركينا فاسو، الذي يعيش مرحلة من التحولات السياسية والمؤسساتية الهامة كيما يساهم روح متجدد من التعاون في تنمية مجتمع أكثر عدلا وأخوّة. وأشير أيضا بارتياح إلى التوقيع، خلال آذار مارس الماضي، على الاتفاق الذي يضع حدا لسنوات طويلة من التوترات في الفيليبين. وكذلك أشجعُ الالتزام لصالح سلام مستقر في كولومبيا، فضلا عن المبادرات الرامية إلى إعادة إحلال التوافق في الحياة السياسية والاجتماعية في فنزويلا. وأتمنى أيضا أن يتم التوصل في أقرب فرصة إلى تفاهم نهائي بين إيران وما يُسمى بمجموعة الخمسة زائد واحد بشأن استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، مقدّرا الجهود التي بُذلت لغاية الآن. كما أرحب بارتياح برغبة الولايات المتحدة في إقفال سجن غوانتانامو نهائيا، ملاحظًا الاستعداد السخي لدى بعض البلدان لاستقبال المعتقلين. أشكر تلك البلدان من كل القلب. أخيرا أود أن أعبر عن تقديري وتشجيعي للبلدان الملتزمة بشكل فاعل في تعزيز التنمية البشرية، والاستقرار السياسي والتعايش الحضاري بين مواطنيها.

أصحاب السعادة، أيها السيدات والسادة،

شهدت البشرية، في 6 من أغسطس / آب 1945، إحدى أفظع الكوارث في تاريخها. فللمرة الأولى، وبطريقة جديدة لا سابق لها اختبر العالم إلى أي مدى يمكن أن تصل القوة المدمّرة للإنسان. من رماد تلك المأساة المروعة، التي كانت الحرب العالمية الثانية، برزت بين الأمم رغبة جديدة في الحوار والتلاقي أدت إلى ولادة منظمة الأمم المتحدة التي سنحتفل هذا العام بعيدها السبعين. خلال الزيارة التي قام بها إلى القصر الزجاجي لخمسين سنة خلت ذكّر سلفي الطوباوي البابا بولس السادس بأن “دماء ملايين الأشخاص والمآسي التي لا تحصى ولا يمكن تصورها والمجازر التي لا فائدة منها والدمار المروع كلها ركائز للمعاهدة التي توحدكم، مع قَسَم لا بد أن يغيّر تاريخ العالم المستقبلي: لا حرب بعد اليوم، لا حرب بعد اليوم! السلام، السلام، ينبغي أن يقود مصير الشعوب والبشرية برمتها” (بولس السادس، خطاب إلى الأمم المتحدة، نيويورك، 4 أكتوبر / تشرين الأول 1965).

هذا ما أتمناه أيضا بثقة لهذا العام الجديد، والذي سيشهد متابعة عمليتين هامتين: صياغة أجندة التنمية لما بعد العام 2015 مع تبني أهداف التنمية المستدامة، والعمل على اتفاقية جديدة حول المناخ، وهو أمر ملح للغاية. والشرط الأساسي لهاتين العمليتين هو السلام الذي، وقبل أن ينبع من نهاية كل حرب يجب أن ينبع من ارتداد القلب.

بهذه المشاعر، أجدد لكل واحد منكم ولعائلاتكم وشعوبكم، أطيب التمنيات لعام 2015 مفعم بالرجاء والسلام.