المقدمة

لم تنقض بعد مئة وخمسون سنة «منذ ان فكّر البابا بيوس التاسع بالنظر في بعث شؤون الطوائف الشرقية بمساع جديدة، ودعم طقوسهم وتعديل تقاليدهم والعودة الى انظمتهم»، فرأى انه لا بدّ أوّلا من جمع القوانين الكنسية ونشرها». «و هذا الحبر الحكيم، لم يفُته ان نقطة الانطلاق انما هي المراجع اليونانية الأولى، التي اقتبس الشرق منها من اقصاه الى اقصاه الشيء الكثير»(1). لذلك قام جان بابتيست G.P.Pitra احد الرهبان البندكتيين، وأصبح فيما بعد كردينالا، [قام] بأمر من الحبر الاعظم بالبحث عن المصادر القانونية الشرقية المشتّتة، وبمساعدته جمع ابحاثه ونشرها تحت رعايته في مجلّدين(2) ، بعنوان «تاريخ القانون الكنسي اليوناني ومصادره».

ثم ان الحبر الروماني، بعد ان تحقّق من كل شيء، «حفاظا على وديعة الايمان الكاثوليكي كاملة وبلا عيب، ورغبةً منه في تطوّر النظام الكنسي وازدهاره، وتألّق الطقوس على أقدس وأنصع وجه»(3) ، شكّل مجموعة خاصّة من الآباء الكرادلة، اطلق عليها اسم «مجمع نشر الايمان للشؤون الطقسية الشرقية»، وذلك بالدستور الرسولي «الأحبار الرومانيون »Romani Pontifices، (6 يناير 1862) وحدّد لهم نطاق الاعمال الواجب عليهم معالجتها، كما أمر ان تضمّ المجموعة بصفة دائمة وبتعيين من الحبر الاعظم، الكردينال “المدبّر”، «مهمّته الاشراف الدائم على الدراسات اللازمة لجمع القوانين الكنسية الشرقية، والبحث – عند الضرورة – في جميع الكتب الشرقية من اي نوع كانت، سواء ما تعلّق منها بتراجم الكتاب المقدس او التعليم المسيحي او التنظيم الكنسي»(4).

ومع نشأة الدراسات في القوانين الشرقية، رأى بعض اساقفة الكنائس الشرقية، ممّن طُلب منهم اقتراح بعض المسائل على المجمع الفاتيكاني الأوّل، ان قضيّة اعادة النظر في القانون الكنسي الشرقي لا بدّ ان تُناقَش في المجمع نفسه. من اشدّ المؤيّدين لهذا الرأي كان البطريرك غريغوريوس يوسف، بطريرك الكنيسة الملكية، الذي عبّر عن اسفه الشديد لافتقارنا الى قانون كنسي خاص وملائم لكل من الطوائف الشرقية (5).كذلك جوزيف پاپ چيلاچي J. P. Szilagyi اسقف ماجنو فارادين للشرقيين، الذي طالب ببعث عدد كبير من مواد التنظيم الكنسي، مقترحا قانونا كنسيا شبه كامل (6).

ثم ان اللجنة التحضيرية للمجمع الفاتيكاني الاول، اي «لجنة الإرساليات والكنائس ذات الطقس الشرقي»، اعترفت في الجلسة السادسة بان الكنائس الشرقية في حاجة ماسّة الى مجموعة من القوانين الكنسية،يقوم عليها تنظيمها الكنسي، اعني مجموعة تتمتّع بحجّية كبرى وكاملة، لجميع شعوبها، وملائمة للظروف المعاصرة (7).

على ان هذه اللجنة، مع تقدّم الابحاث، عـدلت في وقت لاحق عن هذا الرأي، مقترحة بالحري نظاما واحدا للكنيسة بأسرها (8)، ممّا جعل عـدّة اصوات لها شأنها ترتفع في قاعة المجمع، تأييدا لحماية النظام الكنسي الشرقي.

من ألمع الذين تحدّثوا بهذا المعنى، البطريرك يوسف اودو، رئيس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، إذ دافع في الجلسة السادسة عشرة للمجمع بقوّة عن التنوّع «فيما لا يمسّ الايمان»، لكونه «دليلا قاطعا لقوّة الله وقدرته الفائقة في وحدة الكنيسة الكاثوليكية»، وطالبا بادئ ذي بدء لكنيسته البطريركية «ان يُسمح له ويُعطى مهلة» لإعداد «قانون كنسي جديد» ملائم للقوانين القديمة ومتطلّبات المجمع، وتقديمه ليوافق الآباء عليه (9).

ثم توقّف المجمع الفاتيكاني الاول قبل تمامه لتدهور الأوضاع، فأحبّ ليو الثالث عشر، ذو الاطلاع الشامل الواسع في الشؤون الشرقية عن طريق «مجالس البطاركة الشرقيين»، ان يرفع اسنى المديح «للشؤون الشرقية المشروعة المتنوّعة، الطقسية منها والقانونية»، لما تُضفيه على كنيسة الله من طابع كاثوليكي «جامع» متألّق (10).

ثم برعاية الحبر نفسه الحكيمة ونظرا لرغبة الجميع في اعادة النظر في التنظيم القانوني للكنائس الشرقية وترجيح الجميع ان تقوم بهذا العمل كل كنيسة على حدة، ثم تقدّمه للكرسي الرسولي للنظر فيه، عُقدت عدة مجامع محلّية، من ابرزها مجمع شرفة للسريان، المنعقد سنة 1888، ومجمع ليوبوليس للروتينيين، الذي التأم سنة 1891، ومجمعا آلبا يوليا للكنيسة الرومانية، المنعقدان سنة 1882 و 1900، واخيرا المجمع الإسكندري للاقباط، المُحتفَل به سنة 1898. وآخر هذه المجامع التي اعادت النظر في مسائل التنظيم الكنسي لكلّ كنيسة إعادة شبه كاملة، كان مجمع الارمن، الذي امر بعقده في روما البابا القديس بيوس العاشر، سنة 1911، لتُعالَج فيه «حقوق البطاركة والاساقفة، ورعاية الشعب المُتقنة، ونظام الاكليروس والمؤسسات الرهبانية، واحتياجات الإرساليات، ورونق العبادة الالهية والطقوس المقدّسة» (11).

لو ألقينا نظرة على اعمال هذه المجامع وقراراتها، مقارنة بالمجامع الاخرى المنعقدة سابقا، كأعمال مجمع جبل لبنان للموارنة ومقرّراته، الذي التأم سنة 1736 واعتمده البابا بينيديكتوس الرابع عشر «اعتمادا خاصا» (12) ، ومجمع عين تراز للروم الملكيين، الذي احتُفل به سنة 1835، لخرجنا بانطباع مفاده ان التراث القانوني لجميع الكنائس الشرقية، المستند في ذلك العصر على قوانين الكنيسة الاولى، كان قد اعتراه نوع من الغموض مّما ادّى الى اضطرار السلطة الكنسية العليا إلى اللجوء إلى عدة تنظيمات قانونية بعدد «الطوائف» الشرقية، القائمة في كنف الكنيسة الكاثوليكية. اما بالنسبة للكنيسة اللاتينية، فان «مجموعة القوانين الكنسية» التي كان قد باشرها البابا القديس بيوس العاشر بهمّة ورأي سديد، بكتابه الرسولي «المهمّة الشاقّة Arduum sane munus، بتاريخ 19 مارس سنة 1904، فكان قد بدأ في نفس الوقت تدوينها بخطى حثيثة.

وفي سنة 1917، لم يُصدر البابا بنيديكتوس الخامس عشر «مجموعة القانون الكنسي للكنيسة اللاتينية» فحسب، «ملبّيا تشوّق العالم الكاثوليكي بأسره» (13) ، بل أبدى اهتماما كبيرا بالكنائس الشرقية ايضا، فهي، كما جاء على لسانه، «بذكراها الممتدّة الجذورالى العصورالقديمة، تشعّ بأنوار من العلم والقداسة الساطعة الى حد تُنير معه بضيائها حتى ايّامنا هذه الأقطار المسيحية الاخرى، رغم ما مرّ عليها من زمن» (14). ثم انشأ هو نفسه «المجمع المقدس للكنيسة الشرقية»، بتاريخ 1 مايو 1917، مانحا اياه «جميع الصلاحيات التي تتمتّع بها سائر المجامع المختصة بالكنيسة اللاتينية»، باستثناء بعض الامور اليسيرة، كما جاء في «مجموعة القانون الكنسي» (القانون 752 البند 2) الصادرة في عيد العنصرة من السنة نفسها. بذلك أمكن بطرق ملائمة النهوض بأمور كان من المحال او شبه المحال ان تنهض بها كل كنيسة شرقية على حدة، لما في طبيعة الامور القانونية من صعوبة.

بالإضافة الى ذلك شهر اكتوبر من السنة نفسها، قرّر انشاء «مقرّ خاصّ للدراسات العليا في الشؤون الشرقية» في مدينة روما نفسها، اي المعهد الحبري للدراسات الشرقية، «إحياءً للأمل في بعث ما كان عليه الشرق الكاثوليكي العريق من ازدهار»، طالبا ان يـُبحث و يـُدرّس فيه، إلى جانب الموادّ الاخرى، «القانون الكنسي لجميع الشعوب المسيحية الشرقية» (15).

ثم ان المجمع المقدس للكنيسة الشرقية، في السنوات الاولى لنشأته، قدّم للكنائس التي أُهمِل فيها التشريع القانوني، او تضمّن امورا كثيرة زائلة أوبالية أومنقوصة، او ظنّت انها قادرة على المضيّ قدما على هدى «مجموعة القانون الكنسي [اللاتيني]» الصادرة حديثا، ربّما بإهمال تقاليدها الخاصّة، قدّم لها ردودا أوحى بها إعداد قوانين جديدة في سيندوسات الكنائس المختلفة، جريا على عادة العصور الأولى، لعرضها فيما بعد على الكرسي الرسولي لإعادة النظر فيها.

ومع مرور الزمن، غلب في جميع الكائس الرأي القائل ان افضل طريقة هي جمع كافة القوانين المشتركة أو يجب ان تكون مشتركة بين جميع الكنائس الشرقية، في «مجموع قوانين» واحد منتظم، يُوضع تحت رعاية الكرسي الرسولي، يُصدره فيما بعد الحبر الاعظم.

لهذا الغرض رأى بيوس الحادي عشر، في لقائه مع أمين مجمع الكنيسة الشرقية لويجي سينتشيرو L.Sincero، بتاريخ 3 اغسطس سنة 1927، بعد النظر في طلب رفعَته جماعة الكرادلة اعضاء المجمع المذكور في جلسة رسمية كانوا قد عقدوها قبل بضعة ايام، رأى ان تحرير القوانين الكنسية الشرقية ليس امرا ضروريا فحسب، بل اعتبره من اكثر الأمور إلحاحا، وقرّر ان يشرف عليه بنفسه.

وهكذا بدأ سنة 1929 بدأ بالفعل تحرير (codificatio) النظُم القانونية الشرقية.

في مستهلّ السنة نفسها، في الخامس من شهر يناير، أمر الحبر الاعظم باستشارة الرؤساء الشرقيين، وفي مقدمتهم البطاركة، «ليتبادلوا الآراء ويعبّروا بكامل الحرية عن رأيهم في هذا الشأن البالغ الأهمّية، مبيّنين في نفس الوقت ما هي، في اعتقادهم، الطريقة وما هو المنهج الواجب اتباعهما ليعود ذلك التشريع بالفائدة الى تلك الكنائس وإكليروسها وشعوبها، مع اعتبار خاص لتنظيم كل طائفة واحتياجاتها وامتيازاتها». وبتاريخ 20 يوليو صدرت الاوامر لبطاركة الطوائف المختلفة ورؤساء اساقفتها، ان يختار كل منهم لطائفته كاهنا مؤهلا يعمل في سبيل انجاز هذه المهمة (16).

وفي السابع والعشرين من شهر ابريل، في مقابلة مع أمين المجمع المقدس للكنيسة الشرقية، شكّل الحبر الاعظم لنفسه «مجلسا رئاسيا» (17) خاصا للتشريع الشرقي، وكان قد فكّر به مليّا منذ سنة 1927، كان اعضاؤه الكردينال بطرس جاسپارّي P.Gasparri ولويس سينتشيرو L.Sincero و بونافنتورا تشيرّيتّي B.Cerretti، وألحق به لجنة مصغّرة مكوّنة من ثلاثة خبراء في الحقوق.

في السنة نفسها، بعد ان جمع «المجلس الرئاسي» كما يجب ردود الرؤساء الشرقيين، في فائدة هذا التشريع الشرقي، وإنجازه بمساعي الكرسي الرسولي، والمنهج الواجب اتباعه في قضية هامّة كهذه، وبحث فيها مليّا، عقد جلسة رسمية في اليوم الرابع من شهر يوليو، لم يتّضح له فيها فقط ان الشرق مؤِّيد لهذه القضية كل التأييد وبما يُشبه الإجماع، بل رفع للحبر الأعظم في هذا الصدد عدة اقتراحات.

وبعد البحث في هذه الامور كلها، قرّر الحبر الاعظم ما يلي، كما يتّضح من «اعلان» (18) السابع عشر من يوليو 1935:
1) ان يقوم الكهنة الذين اختارهم اصحاب النيافة الاساقفة لبعثهم الى روما، بإعداد الدراسات التي أُطلق عليها اسم «تحضيرية» عن تشريعات الكنائس الشرقية المختلفة وتقاليدها؛
2) ان يرسل الكهنة المندوبون سابقو الذكر، صيغ القوانين بعد تدوينها الى اصحاب النيافة اساقفتهم، ليُتاح لهم ابداء ملاحظاتهم عليها؛
3) ان يتم البحث عن المصادر التشريعية للكنائس المختلفة، لا سيّما القانونية منها، وتـُنشر على يد علماء وخبراء في مجالَي الحق القانوني والتاريخ» (19).
وفي مقابلة بتاريخ 23 نوفمبر 1929، عيّن بيوس الحادي عشر، كمشرفين على هذه الدراسات، «لجنة الكرادلة للدراسات التحضيرية للقوانين الشرقية» (20) ، المعلن عنها في «مجلّة اعمال الكرسي الرسولي» AAS الرسمية، منذ الثاني من شهر ديسمبر 1929 (ص 669). ترأس هذه اللجنة الكردينال بطرس جاسپارّي P.Gasparri بعضوية الكرادلة لويس سينتشيرو L.Sincero وبونافنتورا تشيرّيتّي B. Cerretti وفرنسيس ايهرلي Ehrle F وعُيّن كأمين سر لها الاب هامليت يوحنا تشيكونياني A.Cicognani، الذي كان آنئذ عميد المجمع المقدس للكنيسة الشرقية، واصبح فيما بعد كردينالا.
أُلحِق بلجنة الكرادلة مجموعتان من الخبراء، وفقا لضوابط حدّدها الحبر الاعظم في مقابلة بتاريخ 13 يوليو من السنة نفسها: اعني مجموعة من المندوبين الشرقيين، لإنجاز الاعمال التحضيرية المتعلّقة بمهمّة تدوين مجموعة قوانين الكنائس الشرقية في حدّ ذاتها، لتقديم المساعدة للآباء الكرادلة أعضاء اللجنة، ومجموعة المستشارين «لجمع المصادر للتشريع القانوني الشرقي».
ضمّت المجموعة الاولى اربعة عشر كاهنا، انتخبهم «في السينودس»، بإرادة صريحة من الحبر الاعظم، اساقفة الكنائس الشرقية المختلفة، «كممثّلين» حقيقيّين للاساقفة انفسهم، ليرتفع بذلك صوت الشرق مدوّيا في القانون الشرقي منذ البداية. وأُضيف الى هؤلاء الكهنة اربعة من الرهبان المقيمين في مدينة روما، من اطول الخبراء باعا في القانون الكنسي.
اما المجموعة الاخرى، فاستُدعي اليها كهنة من ذوي الخبرة والاطلاع على المصادر والثقافة العليا، واسنِدت اليهم – وفقا لرغبة الحبر الاعظم – مهمّة جمع مصادر التنظيمات القانونية الشرقية، لا للفائدة العلميّة فحسب، بل لتسهم فوق كل شيء اسهاما فعّالا في أعمال التشريع القانوني الشرقي.

واسماء هؤلاء الكهنة، الذين لهم الفضل الكبير في الاعمال التحضيرية للتشريع القانوني الشرقي، اعلِنت رسميا – بإيحاء من الحبر الاعظم في مقابلة الأول من مارس سنة 193 – في جريدة «لوسيرفاتوري رومانو» (21) ، بتاريخ الثاني من ابريل التالي.

فرغت هذه اللجنة من الاعمال التحضيرية للتشريع الكنسي الشرقي، على مدى ست سنوات من الدراسات المضنية والمجهود الجبّار. ذلك ان جميع مواد التنظيم القانوني نوقشت اكثر من مرة، في 183 جلسة، وفقا للخطة التي رسمها مندوبو الكنائس الشرقية أنفسهم بالإجماع، ووُزّعت على وجه مناسب في عدة «صيغ»، وأُرسِلت الى اساقفة الشرق لإبداء الرأي. اما مصادر التنظيم القانوني، القديم منها والحديث، بعد ان فرزها اعضاء اللجنة ببالغ الدقّة وطبعها المجمع المقدس للكنيسة الشرقية في ثلاثة عشر جزءا من القطع الكبير، اصبحت منذ سنة 1934 لا في متناول اللجنة وحدها، بل لدى جميع معاهد الدراسات العليا ايضا. وهذا كله يشهد شهادة ناصعة لحرص البابا بيوس الحادي عشر ودأبه على التشريع القانوني الشرقي، اذ إنه عبر اربع وعشرين «مقابلة»، لم ينفكّ يطالب بالاطّلاع على اعمال اللجنة، غير مهمل أيّ مجهود للفراغ من الدراسات التحضيرية والشروع في اقرب وقت بتحرير «مجموعة القوانين الكنسية الشرقية» (22) ، كما شاء ان يسمّيها، «ريثما نجد تسمية افضل» (23).
وفي سنة 1935، في مقابلة بتاريخ السابع من شهر يونيو، رأى الحبر الاعظم تشكيل لجنة جديدة، تشرف على أعمال تدوين المجموعة وتحرير نصوص القوانين، بعد النظر مليّا في ملاحظات اساقفة الشرق على «الصيغ» سابقة الذكر. وبتاريخ السابع عشر من شهر يوليو من السنة نفسها، ظهر في مجلّة اعمال الكرسي الرسولي الرسمية (24) «اعلان» في هذا الصدد، حُدّدت فيه – بالإضافة الى الاسم – عضوية اللجنة وصلاحيتها.هذه «اللجنة الحبرية لتحرير”مجموعة القوانين الكنسية الشرقية”» (25) – كما سُمّيَت – لم تضمّ في البداية الا اربعة من الكرادلة كأعضاء وهم: لويس سينتشيرو L.Sincero رئيسا، واوجين پاتشيللي E.Pacelli – بيوس الثاني عشرفيما بعد – وچوليو سيرافيني G. Serafini وبطرس فومازوني بيوندي P.Fumasoni Biondi. لكن على مدى الثلاثين سنة التي استغرقها عمر هذه اللجنة، انضم اليها عدة كرادلة، كلما توفّي الواحد خلفه الآخر في عضوية اللجنة، وجميع بطاركة الكنائس الشرقية ايضا، عند انتهاء المجمع الفاتيكاني الثاني.

وعند وفاة الكردينال لويس سينتشيروL. Sincero، بتاريخ 7 فبراير 1936، جُعِل رئيسا للجنة الكردينال ماسّيمو ماسّيمي M. Massimi بتاريخ السابع عشر من الشهر نفسه، وتحت قيادته الحكيمة، أُنجِز معظم العمل الشاق المتعلّق بتحرير «مجموعة القوانين الكنسية الشرقية». والدليل على ذلك ثلاثة اجزاء معتبرة من المجموعة، اصدرها البابا بيوس الثاني عشر، قبل ان يقضي نحبه صاحب الفضل الكبير، الكردينال سابق الذكر.

خلفه الكردينال بطرس الخامس عشر اغاجانيان P. Agagianian، الذي رئس ايضا الكنيسة الارمنية الكاثوليكية حتى نهاية عام 1962، كما رئس اللجنة حتى وفاته بتاريخ 6 مايو 1971.

كأمين للجنة عُيّن الاب اكاكيوس كوسى A. Koussa B. A.، وقد تولّى هذا المنصب ببالغ الهمّة والجدارة حتى يوم تقليده منصب كردينال. ثم توقّفت اعمال تحرير مجموعة القوانين الكنسية الشرقية بسبب المجمع الفاتيكاني الثاني، وتولّى منصب «مساعد» (26) اللجنة الاب دانيال فالتين D.Faltin O. F. M. Conv.، من الفرنسيسكان الديريين، حتى انحلالها.
كمساعدين للكرادلة اعضاء اللجنة، عُيّن ثلاثة عشر خبيرا كمستشارين، اختير معظمهم من بين كهنة الكنائس الشرقية، ونُشرت اسماؤهم في «الاعلان» السابق الذكر (27). كانت مهمة المستشارين الرئيسية مناقشة ملاحظات الاساقفة الشرقيين على «الصيَغ» التي سبق وحُرّرت، واضافة اعتباراتهم عليها، لعرضها على الكرادلة اعضاء اللجنة. انجِزت هذه المهمّة بجدارة في ثمان وسبعين جلسة، كانت آخرها الجلسة المنعقدة بتاريخ 3 نوفمبر 1939.

عكف الآباء الكرادلة جاهدين على تحرير مجموعة القوانين الكنسية الشرقية، عبر ثلاث وسبعين جلسة، بتشجيع متصل من قِبَل الحبر الاعظم نفسه، الذي لم يزل يتابع جميع الاعمال التحريرية بلا انقطاع، برعايته الدائبة، وفحص بمبادرة شخصية منه، بنود القوانين بأسرها، وطلب ان تُحرّر مجموعة القوانين بجملتها منقسمة بالترتيب الى اربعة وعشرين بابا، على غرار معظم مجموعات التقليد الشرقي الاصيل.

وفي عامي 1943-1944 عُرضت هذه المجموعة – بعد طبعها في مجلد واحد – على اصحاب الكرامة اكاكيوس كوسى A. Coussa B. A.، من الرهبانية الحلبية الباسيلية، واميليوس هيرمان E.Herman S.J.، واركاديوس لارّاووناA.Larraona C.M.F.، للتدقيق والتمحيص فيها وتنسيقها. وبعد اعادة طبع نص المجموعة بأسرها، نقّحه الآباء الكرادلة سنة 1945 أكثر من مرة في تسع عشرة جلسة، الى ان قُدّم الى الحبر الأعظم في شهر يناير سنة 1948.
اما في ما يتعلّق بالإصدار، فاستقرّ الرأي على ان يتم على اجزاء. ولذلك امر الحبر الاعظم سنة 1949 بطبع القوانين المتعلّقة بالزواج، نظرا لشدّة الاحتياج اليها، ثم القوانين المتعلّقة بالمحاكمات، لمباشرة الأعمال القضائية، تمهيدا لإصدارها. [قوانين الزواج] أُدرِجت في الباب الثالث عشر من «صيغة» القانون المعَدّ للتحرير، والاخرى في الباب الحادي والعشرين.
كذلك منذ الثاني والعشرين من شهر فبراير سنة 1949 نفسها، في عيد الكرسي الانطاكي للقديس بطرس الرسول، صدرت قوانين «سر الزواج»، بالكتاب الرسولي (28) Crebrae allatae sunt، و اصبحت نافذة ابتداء من الثاني من شهر مايو التالي.

وبالكتاب الرسولي «غيرتنا Sollicitudinem Nostram » (29) ، المحرّر بإرادة رسولية بتاريخ 6 يناير 1950، في عيد ظهور الرب، صدرت قوانين المحاكمات وأُرجِئت سنة كاملة ثم اصبحت نافذة في السادس من يناير من السنة التالية.
وفي عيد القديس كيرلّس الإسكندري، الحبر ومعلّم الكنيسة، بالكتاب الرسولي Postquam Apostolicis Litteris، المحرّر بإرادة رسولية بتاريخ التاسع من فبراير سنة 1952 (30) صدرت القوانين الخاصّة «بالرهبان» و«اموال الكنيسة» و«معاني الألفاظ»، واصبحت نافذة منذ الحادي والعشرين من شهر نوفمبر من السنة نفسها، في عيد تقديم القديسة العذراء مريم الى الهيكل. والاقسام الثلاثة المعنيّة بهذا الكتاب الرسولي، كانت في صيغة القانون الجاري إعداده تشكّل على التوالي الابواب التالية:
الباب الرابع عشر: الرهبان المتوحّدون وسائر الرهبان؛
الباب التاسع عشر: الاموال الكنسية؛
الباب الرابع والعشرون: معاني الالفاظ.
واخيرا، بالكتاب الرسولي «لقداسة الإكليروس » (31) Cleri Sanctitati، بتاريخ 2 يونيو 1957، اصدر البابا بيوس الثاني عشر كهديّة بمناسبة عيده، القوانين المتعلقة «بالطقوس الشرقية» و«الاشخاص»، واصبحت نافذة في السنة التالية، في عيد بشارة مريم البتول القديسة. هذه القوانين كانت تشكّل في صيغة المجموعة الجاري تحريرها الأبواب الخمسة التالية:
الباب الثاني: الطقوس الشرقية؛
الباب الثالث : الاشخاص الطبيعيون والاشخاص الاعتبارية؛
الباب الرابع: الاكليروس على وجه عام؛
الباب الخامس: الاكليروس على وجه خاص؛
الباب السابع عشر: العلمانيون.
من الـ 2666 قانونا التي كانت تضمها سنة 1945 صيغة «المجموعة» الجاري تحريرها، صدر ثلاثة اخماس. اما القوانين المتبقّية، وعددها 1095، فبقيت في ارشيف اللجنة .
بإعلان المجمع الفاتيكاني الثاني من ِقبَل البابا يوحنا الثالث والعشرين، اصبح من المتوقّع ان يُعاد النظر في التنظيم القانوني الكنسي بأسره، على ضوء توجيهات المجمع ومبادئه، فعُلّقت الاعمال التحريرية بحد ذاتها لمجموعة قوانين الكنيسة الشرقية، لكن بغير ان تتوقف سائر مهامّ اللجنة، الجدير منها بالذكر: مهمّة تأويل اجزاء القانون التي قد تم اصدارها تأويلا رسميا، ومهمّة الاشراف على نشر «مصادر » القانون الكنسي الشرقي .

وفي منتصف سنة 1972، انشأ الحبر الاعظم بولس السادس اللجنة الحبرية لإعادة النظر في القانون الكنسي الشرقي، وقرّر في آن واحد انحلال اللجنة التي سبق وشُكّلت سنة 1935 «لتحرير» القانون. اعلِن ذلك في جريدة L’Osservatore Romano بتاريخ 16 يونيو 1972.

حُرص في اللجنة الجديدة على الطابع الشرقي. ذلك ان مجلس اعضاء اللجنة كان مكوّنا من بطاركة الكنائس الشرقية ورؤسائها الآخرين، وكان عدد اعضائه في البداية خمسة وعشرين، اصبح فيما بعد ثمانية وثلاثين، اضيف اليهم بعض الكرادلة من رؤساء دوواين الدائرة الرومانية ذات العلاقة بالكنائس الشرقية. اما مجموعة السبعين مستشارا الذين ضُمّوا الى اللجنة، فكان معظمهم من اساقفة الكنائس الشرقية وكهنتها، اضيف اليهم بعض الاكليريكيين والعلمانيين من الطقس اللاتيني، من ذوي الخبرة في التنظيم القانوني الشرقي.

ولا ننس عددا آخر من شخصيات مرموقة من الكنائس الشرقية الاخرى غير المتحدة اتّحادا تاما مع الكنيسة الكاثوليكية، دُعوا كمراقبين ليقدموا مساهمتهم في الاعمال المتعلقة بإعادة النظر في القانون الشرقي.

أُسنِد منصب رئيس اللجنة الى الكردينال جوزيف پاريكاتّيل G. Parecattil، رئيس اساقفة ارناكولام من الكنيسة المالابارية. شغل هذا المنصب بجدارة الى ان قضى نحبه (20 فبراير شباط 1987). وبوفاة الكردينال الرئيس، بقى منصبه شاغرا في ايام اللجنة الاخيرة.

أمّا منصب نائب الرئيس فعُيّن فيه انياس كليمينس منصوراتي I. C. Mansourati، الاسقف الفخري لافاميا في سوريا، ولبث في منصبه هذا مدة خمس سنوات. خلفه، بتاريخ 15 يونيو 1977، ميروزلاوس استيفان ماروسين M. S. Marusyn، الاسقف الفخري لكادوين (Cadoën)، من الكنيسة الاوكرانية، وشغل منصب نائب الرئيس حتى نهاية عام 1982. وبتاريخ 20 ديسمبر من السنة نفسها، عُيّن نائب رئيس اميل عيد E. Eid، الاسقف الفخري لصرفة من الموارنة.

عُيّن امينا للجنة الاب ايفان چوچك I. Žužek، من الآباء اليسوعيين، وكان في البداية نائب الامين، وهو أمين منذ 22 اكتوبر 1977.

كانت المهمة التي اسندها الحبر الاعظم للجنة اعادة النظر جذريا، لا سيما على ضوء المجمع الفاتيكاني الثاني، في جميع مراسيم القانون الكنسي الشرقي، سواء اجزاؤه المطبوعة او تلك الاقسام التي بلغت على يد اللجنة السابقة المرحلة النهائية من التحرير لكنها لم تصدر .

وبمناسبة افتتاح اعمال اللجنة الرسمي، في كنيسة السكستينا، بتاريخ 18 مارس 1974، وضع الحبر الاعظم بولس السادس الخطوط الاساسية لمسار إعادة النظر باسره، وشرحها بكلمة مؤثّرة. طلب الحبر الاعظم من كلّ اللجنة ان تقوم قبل كل شيء بمهمتين وهما: [اولا]، إعادة النظر في قانون الكنائس الشرقية الكاثوليكية على ضوء آراء آباء المجمع الفاتيكاني الثاني، [ ثانيا] على ضوء التقاليد الشرقية الاصيلة .

ثم إنّ الحبر الاعظم لشدّة حرصه على خلاص النفوس، الذي يمثّل الغاية القصوى من القواعد الكنسية بأسرها، شدّد بنوع خاصّ على النهضة الجديدة والمنعشة في الحياة المسيحية التي توخاّها وعزّزها المجمع الفاتيكاني الثاني بالنسبة إلى الكنيسة جمعاء. ذلك انه أمر بان يجاري هذا القانون متطلّبات الحياة المعاصرة وظروف الامكنة والازمنة الحقيقية المتغيّرة بسرعة فائقة وبلا انقطاع، ويحافظ على تلاؤمه واتفاقه مع التقاليد السليمة، منسجما في نفس الوقت انسجاما تاما مع تلك المهمة الخاصة المنوطة بمؤمني الكنائس الشرقية، الا وهي «دعم وحدة جميع المسيحيين، لا سيما الشرقيين منهم، وفقا لمبادئ مرسوم… المسكونية» (32).

عقدت اللجنة بكامل اعضائها جلسة رسمية بتاريخ 18-23 مارس 1974، اشترك فيها – بلفتة كريمة من الحبر الاعظم – جميع مستشاري اللجنة ايضا، وبعض المراقبين من الكنائس الشرقية الغير كاثوليكية، مع استبعاد الصوت التقريري، ووافقت بما يشبه الاجماع على بعض المبادئ الواجب الاخذ بها في توزيع مستشاري اللجنة على «مجموعات البحث» المختلفة، لصياغة القوانين وتدوينها.

اهم هذه المبادئ، التي حُرّرت بثلاث لغات ونشرت كاملة في اعمال اللجنة (33) ، كانت:
1) ما ورد في مجموعة القوانين الواحدة لجميع الكنائس الشرقية، باعتباره [منبثقا] من تراث قانوني مقدس واحد، يجب لا محالة ان يجاري ظروف الحياة المعاصرة ايضا؛
2) يجب حقا ان يكون للقانون طابعه الشرقي، اي ان يتفق ومتطلبات المجمع الفاتيكاني الثاني، في وجوب الحفاظ على التنظيمات الخاصة بالكنائس الشرقية، «لانها مؤيّدة بكرامة القِدَم، وهي اكثر ملائمة لتقاليد ابنائها واصلح لتوفير خيرهم الروحي» (34). لذلك، على مجموعة [القوانين] ان تعبّر عن تنظيم منبثق من القوانين المقدسة والتقاليد المشتركة في جميع الكنائس الشرقية؛
3) كما يجب ان تتفق المجموعة كل الاتفاق مع المهمة الخاصة التي اناطها المجمع الفاتيكاني الثاني بالكنائس الشرقية الكاثوليكية، اي دعم وحدة جميع المسيحيين، لا سيما الشرقيين منهم، على هدى مبادئ مرسوم المجمع في «المسكونية»؛
4) وبديهي ان يكون للمجموعة طابعها القانوني، تحمي به وتحدّد بشكل واضح حقوق وواجبات الاشخاص الطبيعيين والاشخاص الاعتبارية، فيما بينهم وتجاه المجتمع الكنسي؛
5) في صياغة القوانين يجب ان تُوضع في الاعتبار في مجموعة القوانين – الى جانب العدالة – المحبة والانسانية والقناعة والاعتدال ايضا، تعزيزا لخلاص النفوس الى اقصى حد بواسطة العناية الرعوية ؛ لذلك لا يجوز فرض احكام ملزمة إلزاما قهريا، ما لم يقتض ذلك الخير العام والتنظيم الكنسي الشامل؛
6) يجب ان تحافظ المجموعة على ما يسمونه مبدأ «الاستعانة» subsidiarietas، ولذلك لا ينبغي ان تضُم الا القوانين التي يجب – في تقدير الراعي الاعلى للكنيسة الجامعة – ان تكون مشتركة لدى جميع الكنائس الشرقية الكاثوليكية، وإحالة الامور الاخرى بأسرها الى الشرع الخاص بكل كنيسة .

اما بالنسبة إلى تقسيم قوانين المجموعة وترتيبها، فلا بد من ان نلاحظ أوّلا، ان مجموعة قوانين الكنيسة الشرقية، التي كُلّفت اللجنة بإعادة النظر فيها، بعد ان تمت دراستها اكثر من مرة على يد اللجنتين السابقتين منذ عام 1929، قُسمت، بإرادة الحبرين الأعظمين بيوس الحادي عشر وبيوس الثاني عشر، لا الى عدة «كتب»، على غرار القانون الكنسي اللاتيني، بل الى اربع وعشرين بابا. ذلك ان بيوس الحادي عشر، بتاريخ 8 فبراير 1937، قرّر بصراحة ان تُرتّب المجموعة وتُقسم الى ابواب. اما بيوس الثاني عشر، ففي مقابلة السادس والعشرين من شهر ديسمبر 1945 (35)، اعتمد هذا التقسيم الى 24 باباً، وكان هو شخصيا قد اخذ به وألِفه في اللجنة، قبل انتخابه حبرا اعظم، وتابعه فيما بعد عبر اعمال اللجنة باسرها، بعناية متصلة وبلا كلَل، وأقرّه – بعد ان نقل الحبر نفسه بعض اقسام المجموعة من باب الى آخر – بالصورة التي قبلها ووافق عليها كرادلة اللجنة بالإجماع، لدى اجتماعهم في جلسة رسمية انعقدت بتاريخ 20 نوفمبر من نفس السنة .

لم يكن هناك اي داع لدى الاحبار الاعظمين للشك في صلاحية هذا التقسيم والترتيب. لا بل ان مجموعة البحث [التابعة] لمستشاري اللجنة، اجتمعت لهذا الغرض ووافقت على هذا الترتيب، لكونه ملائما، باكثر من دليل جدير بالاعتبار لظروف الحياة المعاصرة أيضا. وفي عام 1980 قدّم الاسقف ميرزلاوس استيفان ماروسين، نائب امين اللجنة، تقريرا واضحا في هذا الصدد لسينودس الاساقفة. ونال هذا الترتيب حظوة لدى الاجهزة الاستشارية، ولم يكد يجد اي معارضة. اما اعضاء اللجنة، فوافقوا عليه كـ«خطة عمل»، في الجلسة الرسمية المنعقدة في شهر نوفمبر 1988 .

إعادة النظر في النص الاول لمجموعة القوانين، على يد مستشاري اللجنة، استغرقت ستّ سنوات. شكّل المستشارون عشر مجموعات بحث وبذلوا جهدا جبّارا، فعقدوا بلا انقطاع نحو ماءة جلسة، [في لقاءات] مدة كل منها في الغالب خمسة عشر يوما .
قُسم النص على وجه عملي الى ثماني صيغ وقُدّم على مراحل مختلفة الى الحبر الاعظم، للموافقة عليه وارساله الى الاجهزة الاستشارية، اي الى جميع اساقفة الكنائس الشرقية ودواوين الدائرة الرومانية ومعاهد الدراسات العليا في روما، والرؤساء العامين لاتحادات الرهبانيات. طُلب من هذه الاجهزة ابداء الملاحظات و الرأي في ما ارسِل لها من صيَغ، في غضون ستة اشهر .

وإليك بالترتيب الصيَغ التي أرسِلَت الى الأجهزة الاستشارية:
في شهر يونيو 1980 «صيغة قوانين العبادة الإلهية ولا سيّما الأسرار المقدّسة»؛ وفي شهر ديسمبر 1980 «صيغة قوانين المتوحّدين وسائر الرهبان وأعضاء هيئات الحياة المكرّسة»؛ وفي شهر يونيو 1981 «صيغة قوانين تبشير الأمم وسلطة الكنيسة التعليميّة والمسكونية»؛ وفي شهر سبتمبر 1981 «صيغة قوانين المبادئ العامّة والأموال الكنسيّة» و «صيغة قوانين الجزاءات العقابية في الكنيسة»؛ وفي شهر نوفمبر 1981 «صيغة قوانين الإكليريكيين والعلمانيين»؛ وفي شهر فبراير 1982 «صيغة قوانين الدفاع عن الحقوق اي المحاكمات»؛ وفي شهر اكتوبر 1984 «صيغة قوانين تكوين الرئاسة بدرجاتها في الكنائس الشرقية».

لا شيء إلاّ الملاحظات التي وصلت الى اللجان بحجمها الهائل وأهمّيتها البالغة وجدّيتها المثبَتة بالأدلّة تُبرز الطابع الجماعي في إعادة النظر في «المجموعة». جميع مطارنة الكنائس الشرقية وسائر الأجهزة الاستشارية ساهمت بشكل جادّ وفعّال في إعادة النظر في «المجموعة». وفي هذا الصدَد لا بد من لفت النظر الى ان نشر الصيَغ سابقة الذكر انما كان الغرض منه شهر أعمال اللجان ليُتاح للجميع، لا سيما الخبراء في القانون الكنسي، ان يُبدوا رأيهم ويساهموا في نجاح «المجموعة».

جميع الملاحظات، بلا استثناء، بعد تصنيفها وترتيبها دُفِعت مرّة أخرى الى مجموعات بحث خاصّة لإعادة النظر فيها ودراستها بدقّة وفقا لتوجيهات الأجهزة الإدارية. في هذه المجموعات مستشارو اللجنة وبعض السادة من ذوي الخبرة الخاصّة في الشؤون موضوع البحث أعادوا النظر في نص «المجموعة». والنص المعاد النظر فيه على هذا النحو كان يظهر في ما ترفعه اللجنة من تقارير في مجلّة «الإعلانات» Nuntia .

ثم إنّ الصيَغ بعد إعادة سبكها صُنّفت على وجه ملائم في نصّ واحد من ثلاثين بابا وسُلّمت الى مجموعة بحث خاصّة أطلق عليها اسم [جماعة] «التنسيق». كانت مهمّة هذه الجماعة ضبط وحدة «المجموعة» وتلاحمها الداخلي وتجنّب التناقضات واللَبس وحصر معاني كلّ من الألفاظ القانونية في معنى واحد قدر المستطاع، وحذف ما هو مكرّر او غير مجد، وتوحيد الإملاء وعلامات الوقف. وفي شهر اكتوبر سنة 1986 طُبعت «صيغة مجموعة قوانين الكنائس الشرقية» (36) وقُدّمت للحبر الاعظم، فأمر في السابع عشر من الشهر نفسه، عيد القديس اغناطيوس الانطاكي، ان تُرفع لاعضاء اللجنة للفحص والحكم .
طٌُرحت ملاحـظات اعـضاء اللجـنة بعـد ترتيبها بشكل مناسب، على مجموعة خاصة من الدارسين المستشارين لفحصها، أُطلِق عليهم اسم لجنة «فحص الملاحظات» (37) واجتمعوا مرتين لمدة 15 يوما. كانت مهمّة هذه المجموعة النظر في الملاحظات مليّا واقتراح التعديلات الملائمة للقوانين او – في حالة التزام النص – ذكر الاسباب التي دعت الى عدم قبول الملاحظات موضوع النقاش. ثم جُمعت الملاحظات مع آراء هذه المجموعة في كرّاسة واحدة وارسِلت الى اعضاء اللجنة في شهر ابريل 1988، وطُرحت عليهم للبحث والحكم في جلسة رسمية عُقدت بعد بضعة اشهر.

في نفس الوقت «مجموعة التنسيق» (38) التي لم تتوقّف قطّ عن العمل، اقترحت عدة تعديلات على نص القوانين، معظمها متعلّق باسلوب الكتابة ؛ اما بعضها فكان يمس جوهر القوانين ؛ فرأت «بحكم المنصب» وجوب الاخذ بها، حفاظا على الانسجام التام بين القوانين، وسدّا للثغرات القانونية باحكام ملائمة قدر المستطاع. جُمعت هذه [التعديلات] كلها وأُرسِلت الى اعضاء اللجنة في شهر يوليو 1988، طُرحت عليهم للنظر والحكم .

ثم عُقدت جلسة رسمية من الثالث الى الرابع عشر من شهر نوفمبر سنة 1988، في قاعة القصر الرسولي الملقبة بـ «Bologna»، دعا الحبر الاعظم اعضاء اللجنة الى عقدها ليقرّروا بالاقتراع ان كان نص مجموعة القوانين المعدّل بأسره اهلا لأن يُرفع الى الحبر الاعظم بأقرب وقت، ليُنشر في الوقت والشكل اللذين يراهما مناسبَين. في هذه الجلسة عمّت مناقشة تلك المسائل التي اقترح لا أقل من خمسة أعضاء اللجنة [مناقشتها]. بعد الاقتراع على النص النهائي لمجموعة القوانين، ليُبدي اعضاء اللجنة رأيهم في كل من الابواب على حدة، كانت النتيجة كما يلي: جميع الابواب نالت موافقة اغلبية الاعضاء، وغالبا بالأجماع.

ثم ان النص الاخير، بعد تعديله وفقا لرغبات اعضاء اللجنة وتسميته « مجموعة قوانين الكنائس الشرقية» (39) ، وطبعه بما يسمونها «الوسائل المعلوماتية» في عشر نسخ، رُفع بتاريخ 28 يناير 1989 الى الحبر الروماني مع طلب إصداره .
والحبر الاعظم نظر شخصيا في هذا النص الاخير، بمساعدة بعض الخبراء وبالاستماع الى نائب رئيس اللجنة الحبرية لإعادة النظر في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، وامين سرها، وأمر بطبعه. واخيرا، بتاريخ 1 اكتوبر 1990، قرّر إصدار مجوعة القوانين الجديدة بتاريخ الثامن عشر من الشهر نفسه.

الحواشي:
(1) راجع: Pitra, Iuris المقدمة.
(2) نفس المرجع.
(3) راجع: “أعمال بيوس التاسع”، الجزء الثالث، ص 402- 403.
(4) المرجع نفسه ص 410.
(5) 49 Mansi ص 200.
(6) المرجع نفسه 49، 198.
(7) المرجع نفسه 49، 1012.
(8) المرجع نفسه 50، 31×، 34×، 45× -46، 74×- 75×.
(9) المرجع نفسه 50، 515 – 516.
(10) الكتاب الرسولي “كرامة الشرقيين Orientalium Dignitas”، 30 نوفمبر 1894، المدخل.
(11) الرسالة Vobis plne، 30 اغسطس 1741
(12) الرسالة Singularis Romanorum، 1 سبتمبر 1741
(13) الارادة الرسولية “Cum Iuris Canonici” 15 سبتمبر 1017.
(14) الإرادة الرسولية Dei Providentia 1 مايو 1917.
(15) الارادة الرسولية “الشرق الكاثوليكي Orientis Catholici” 15 اكتوبر 1917.
(16) أعمال الكرسي الرسولي 21 (1929) 669.
(17) Consilium Praesidentiae
(18) Notificatio
(19) اعمال الكرسي الرسولي 27 (1935) 306 – 307.
(20) Commissio Cardinalitia pro Studiis Praeparatoriis Codificationis Orientalis
(21) L’Osservatore Romano
(22) Redactio Codicis Iuris Canonici Orientalis
(23) مقابلة الخامس من شهر يونيو سنة 1935.
(24) 27 (1935) 306 – 307.
(25) Pontificia Commissio ad Redigendum Codicem Iuris Canonici Orientalis
(26) Adsistens
(27) أعمال الكرسي الرسولي 27 (1935) 308.
(28) أعمال الكرسي الرسولي 41 (1949) 89 – 119.
(29) أعمال الكرسي الرسولي 42 (1950) 5 – 120
(30) أعمال الكرسي الرسولي 44 (1952) 65 – 150
(31) أعمال الكرسي الرسولي 49 (1957) 433 – 600.
(32) الكنائس الشرقية OE، 24.
(33) اعلانات “Nuntia” رقم 3.
(34) ؟؟؟؟ الكنائس الشرقية OE، 5
(35) اعلانات “Nuntia” رقم 26، ص 82 – 83.
(36) Schema Codicis Iuris Canonici Orientalis
(37) De expensione observationum
(38) Coetus de Coordinatione
(39) Codex Canonum Ecclesiarum Orientalium