sinodocopto2

الزائر والنائب الرسولي لبطريركية الإسكندرية للأقباط الكاثوليك

1-توطئة:

أمة بلا تاريخ موثق هي أمة بلا هوية أو انتماء، الكنيسة القبطية الكاثوليكية تحتاج إلي متحف يطلق عليه «المتحف القبطيّ الكاثوليكيّ»، ويُصمم المبني على الطراز الحديث بأحدث التكنولوجيا، ويضمّ كل المخطوطات والوثائق التاريخية والمراسلات القبطية الكاثوليكية الخطية التي جرت بين الأقباط الكاثوليك والكرسي الرسولي، وأيضًا كل الصور الفوتوغرافية القديمة والحديثة منها للنواب الرسوليين والبطاركة والمطارنة والأساقفة، وأيضًا كل الكتب المطبوعة القديمة التي كتبها الآباء الأولون من كهنة وأساقفة وبطاركة. وهذا يجعل الأجيال القادمة تتعرف على تاريخ أجدادها وتنتمي لإيمانهم وتصبح هوية لجيل قادم.

إنني أندهش دهشة كبيرة جدًا حين أتطلع على تراث أجدادي العظماء، تراث فطاحلة كنيستي القبطية الكاثوليكية، الذين سبقوا عصرنا هذا، ونحن في أمس الحاجة لهم، حتى نقتدي بهم في كل شيء.

رغم أنه لم يظهر الكمبيوتر أو شبكة الانترنت في ذلك الزمان، فكان أجدادنا يسجلون تاريخ أجدادهم وآباءهم، واليوم نلاحظ تراث أجدادنا أسدل عليه الغبار والجهل لهذا التراث العظيم، وحسب رأي يجب تكلف لجنة بتجميع هذه الوثائق وتنشر على المواقع الإلكترونية حتى يتعرف الجميع على جذور هذه الكنيسة.

وأخذ هؤلاء يحتفظون بالحوادث والأخبار في ذاكرتهم لينقلوها إلي أبنائهم وأحفادهم جيلاً بعد جيل. ثم توالت الأزمان وانبثق فجر الحضارة وبدأ الإنسان يتعلم الكتابة ويسجل مما يسمعه ويراه وما يحتفظ به في ذاكرته على الحيطان والجدران، وفي العظام والجلود والألواح فبدأت الإنسانية عهدًا جديدًا يسمى مبدأ التاريخ، وأما العصور التي سبقت ذلك العهد فتسمي عصور ما قبل التاريخ. فالعصور التاريخية إذن تبدأ منذ تعلّم الإنسان كتابة – وهذا في اصلاح المؤرخين– وكأنما أرادوا أن يسدلوا الستار على تلك الأزمنة المتوغلة في القدم، والتي لم تسجل فيها أخبار الشعوب والأمم لأنها كانت – أنباء يحيط بها الغموض ولا تستند إلي أساس سليم. بل يشوبها الحدس والتخمين والكذب والافتراء وتفتح الباب على مصراعيه إلي الأوهام والأباطيل.

وإذا كان التاريخ هو الزمان وما وقع فيه من الحوادث فلا عبرة إذن بطول الزمان أو قصره، ولا عبرة – كذلك – بضآلة الحادث أو ضخامته. ذلك أن الزمن الطويل إنما يتكون من الساعات القصيرة، وكذلك الحوادث الكبيرة إنما تتكون من تجمع الحوادث الصغيرة بعضها إلي بعض في نطاق زماني ومكاني محدود.

فالتاريخ ينبغي أن يعرف بـ”الوصف الأدبي لأي نشاط إنساني ثابت سواء أقام به الأفراد أو الجماعات، والذي يتجلي في تطور أية جماعة أو فرد، ويؤثر على تطورها. ففي هذا المعني فقط يستطيع التاريخ أن يكون موضوع دراسة علمية بالمعني الدقيق“ وهذا التعريف للتاريخ وحده ينبغي أن يكون في ذهن من يتكلم عن التاريخ والمؤرخين والتأريخ، رغم أنه لا يمكن أن ننكر أن الفكرة العامة المعرفة.

2- حال الأقباط الكاثوليك

عين الكرسي الرسولي الأنبا أغابيوس بشاي نائبا رسوليا بقرار صادر 15 يناير 1866 وثبت تعيينه قداسة البابا بيوس التاسع (1846-1878) ببراءة بابوية في 27 فبراير 1866 وأقيم أسقفا بموجب براءة بابوية في 3 نوفمبر 1866. وقد حضر الأنبا أغابيوس بشاي (1864-1887) المجمع المسكوني الفاتيكاني الأول (1869-1870)، وعندما عين الكرسي الرسولي الأنبا أغابيوس بشاي المدير الرسولي لبطريركية الأقباط الكاثوليك فضّل قداسة الحبر الأعظم البابا بيوس السابع فصل شئون البطريركية عن ولاية النيابة الرسولية الفرنسيسكانية ومنحها الحكم الذاتي منذ سنة1814[1]. وعلى أثر ذلك وقع كل من الآباء الفرنسيسكان والأنبا أغابيوس بشاي المدير الرسولي لبطريركية الأقباط الكاثوليك اتفاقية أيدها مجمع البروباغندة – تنص على إعطاء الإكليروس القبطي الكاثوليكي الكنائس والبيوت الآتية: في القاهرة الكنيسة وجزء من الدير، وفي طهطا الكنيسة مع الدير والمدرسة، ثم الكنائس مع السكن التابع لها، بكل من الهماص، والشيخ زين الدين، وأخميم، وجرجا، وفرشوط، ونقادة، وقمولا، وجراجوس، وطما، وسوهاج[2]. ويخبرنا الأب فرنسيس داساليمي مؤسس إرسالية الفرنسيسكان بالوجه القبلي بأن عدد طلبة مدرسة الفرنسيسكان بالقاهرة في سنة 1697 كان 55 تلميذًا، يتلقون دروسهم في فناء الدير، وكان يقوم بالتدريس مدرسان علمانيان، أما مواد التدريس فهي: اللغة العربية، والتعليم المسيحي، واللغات القبطية والإيطالية، والألحان الكنسية. ثم في سنة 1736 كانت قد أسست مدارس جرجا وأخميم وفرشوط، وفي سنة 1760 أنشئت أيضًا مدارس طهطا ونقادة، وقد وبلغ عدد المدارس التابعة للإرسالية في سنة 1839ستة عشر مدرسة نظامية، يقوم بالتدريس فيها مدرسون مدربون جلهم من الأقباط. وقد افتتحت الإرسالية من سنة 1860إلي 1864 مدرسة بالسويس وأخري بقمولا وثالثة بجراجوس. وقد بلغ عدد الطلبة بمدرسة طهطا 133 طالبًا وطالبة 60 من الذكور و73 من الإناث[3].

جرت مشاحنات بين الأنبا أغابيوس والقاصد الرسولي، والرهبة الفرنسيسكانية، والكهنة الأبرشيين، وهذه المشاحنات جعلت الأنبا أغابيوس بشاي يقدم استقالته في يوم 22 من شهر نوفمبر لسنة 1879. وهذا الحدث جعل أبناء الكنيسة ينقسمون إلي حزبين متنافرين. وشعر مجمع انتشار الإيمان بروما بهذا الخطر. ولما كانت مسألة الأقباط الكاثوليك في القطر المصري من أهم المسائل التي أشغلت أفكار الكرسي الرسولي في ذلك العهد أرسل الطيب الذكر والأثر البابا لاون الثالث عشر متعمدين من قبله إلي مصر لإصلاح الحال: أولاً السيد دوتلى ثم السيد لوﭭيكوس بيافي قاصد سورية. فلم ينجحا بمهمتهما.

ولم يقويا على إعادة النظام وجمع القلوب المتنافرة. فطلب قداسة البابا من البطريرك الأورشليمي السيد منصور براكو أن يرسل لتلك المهمة أحد كهنته المحنكين فلبى البطريرك طلب قداسته وانتقى من بين كهنته السيد أنطون مرقس مؤثرًا إياه على غيره لما عهد به من الغيرة والحكمة في تدبير الأمور ولم يكن السيد مرقس يتلكأ عن تلبية أمر سيده فجمع حالاً ما قل من لوازمه وتوجه إلي حيث تدعوه مشيئة الله. ولما بلغ مصر رأى فوق ما كان يتصوره من الصعوبات. فكان يعالج في الأمر شدة ويقاسى فيه نصبًا. ولولا ثقته بالعناية فالإلهية وغيرته على خلاص النفوس لكان ترك مصر ورجع قافلاً إلي القدس دون أن يتكلف ما امتنع على غيره.

ولم يقع في حبالة أمل. ولكنه كلما اعتاص عليه أمر كان يزداد نشاطًا واجتهادًا. فكان يدعو إليه الكهنة ووجوه الطائفة كل يوم ويلقى عليهم الإرشادات الروحية والنصائح الخلاصية. ويجد في إزالة النفور المتأصل بين أبناء الطائفة من زمن مديد. ويتفقد المدارس ويزور النوادي معلمًا مرشدًا. ويحل ما تعقد من المشاكل بحكمته المعهودة. خلا ما كان يشغله من أمر المجاوبة على المراسلات الكثيرة التي كانت تتراكم عليه وعلى الخصوص من المراكز العليا. ففي يوم 12 من شهر فبراير لسنة 1880 عين المنسينيور أنطون مرقس زائرًا رسوليا للأقباط الكاثوليك، وهو كاهن من البطريركية اللاتينية الأورشليمية، لعله يهدي هذه الأمور ويدبر المسائل الروحية والإدارية لا سيما وأن الأجنبي لا يحتاج إلي فرمان من السلطة العثمانية كالعادة الجارية يومذاك أي حين يعين نائب رسولي يحوز على فرمان لهذا التعيين وسوف ننشر نصوص هذه الفرمانات التعينية الصادرة من الباب العالي للنواب الرسوليين للكنيسة القبطية الكاثوليكية بعد أن حصلت على عدة صور من هذه الفرمانات. ونجد الأنبا أغابيوس بشاي يسطر خطاب إلي السيد يوسف أفندي خزام بتاريخ 19 من شهر مايو لسنة 1880 وها نصه:

جانب ولدنا المبارك يوسف أفندي خزام.

بعد البركة الرسولية،

في10بشنس الجاري حضر لعندنا جناب القس “منسلا” من طرف نيافة القردينال (أي: الكاردينال) “سيماؤني” يسألنا عن تسليم المفاتيح تعلقنا (أي تخصنا) لجناب الزائر القس أنطون مرقس، وعن هذه، هي طرف ابن أخينا أنطون بشاي، قد كلفنا بنوتكم، رجانا استلامهم منه كما حررنا طيه في تاريخه وبصفتكم وكيلنا تنوبوا عنا في استلام ما يخصنا وما محفوظ في تلك المحلات، كما وعمل حسابنا عن القداديس الصغيرة والكبيرة التي لنا طرف الوقف واستلام حسنتهم. وفيما بعد نفيدكم عن صرفها لمن له علينا طلب . وبعد انتهاء كل ذلك، تسلموا جنابه المفاتيح طبقًا للأمر الشفا هي الذي عطي لنا”.

3-المنشور الرعوي للزائر الرسولي الذي أصدره للأمة القبطية الكاثوليكية:

 

بسم الآب والأبن والروح القدس إله واحد آمين

الحقير في الكهنة أنطون مرقس

الزائر الرسولي للكنيسة

القبطية الكاثوليكية المقلد النيابة الرسولية في الديار المصرية

إلي أخوته المحترمين وابنائه الأعزاء من كهنة وعوام

السلام بالرب

أيها الأخوة المحترمون والأبناء الأعزاء

فاض قلبي الكلمة الصالحة. كلمة التسبيح والشكر للجلالة الإلهية لما أفاضه عليكم صلاحًا من الإنعام منذ أمد قريب بواسطة الرياضات الروحية. ولم يكن ينقطع بعد عن أفواهنا صوت التسابيح والتشكرات هذه. وها كم سببًا آخر للتهلل والابتهاج. إن بطرس الذى اؤتمن من الرب يسوع على مفاتيح ملكوت السموات وأعطي ملء السلطة بالحل والربط في السماء وعلى الأرض التقسم النفير الرسولي وبفم لاون خليفة رأس كنيسة الله في هذا الزمان الكثير الأوجاع والاضطراب نادي بأحسن وأبهج المناداة لقلب كل مسيحي أهل لهذا الاسم الشريف مشهرًا بسلطانه العالي في المسكونة كلها افتتاح الجيوبيليوم(اليوبيل) المقدّس افتتاح كنوز النعم الإلهية المكنونة في خزائن كنيسة الله. الكنوز الحاوية استحقاقات الوسيط الواحد بين الله والناس الانسان يسوع المسيح لاسمه السجود واستحقاقات خلانه القديسين الكرام وباقي الآنام الأطهار التي اكتسبوها بقوة آلام هذا الوسيط الإلهي عينه. ولما ازدانت ببهاء دمه الفائق الثمن ارتقت إلي أعلى مرتبة من الارتفاع وأضحت مقبولة لديه تعإلي أحسن القبول لما اتخذته من القيمة باتحاد فاعليها المختارين الأبرار بمبدأ كل برارة وبضائع الخلاص بتجسده الغير المدرك. فإطاعة لراعى الرعاة هذا خليفة الرب يسوع علي الأرض الذى تسمع صوته سائر اللغات وانبث في أقطار المسكونة كلامه. فها أنا آت إليكم لأبشركم بالفرح العظيم الذي سيكون لكل شعب الله مناديًا بينكم بافتتاح غفران الجيوبيليوم(اليوبيل) ببرهة زمن وجيز كان عن تدبير وباني لخيركم حتى إن الرياضات تكون استعدادًا للجيوبيليوم(اليوبيل) والجيوبيليوم(اليوبيل) تتميمًا للرياضات فيكون ذلك سببًا لنجاح البعض ثم لثباتهم بالتقوى والعبادة ولغيرهم استدعاء مكررًا وذا فاعلية أعظم ليقتربوا لله خالقهم وفاديهم الذي ابتعدوا عنه لتوغلهم في أمور هذا العالم الغرار والمغرور متناسين واجباتهم نحوه جل جلاله كي لا يبقى عذر لكل ذي جسد ويغلب الرب في محاكمته (مزمور 50) وإذ كان ذلك كذلك أصبحنا مديونين تتميمًا لواجباتنا نحوكم أيها الأخوة المحترمون والأبناء الأعزاء أن نوجه كلامنا إليكم لنوضح لكم عظم النعم الجزيلة الوافدة إليكم وكم هي ثمينة الأيام المقدسة الآتية حتى لا تحرموا نفوسكم من جزيل منافعها.

ففيما بين التدابير والسنن المقدّسة التي سنها الله لبنى إسرائيل بعد خروجهم من أرض مصر ليحفظوها وليعملوا بموجبها عند دخولهم أرض الميعاد سنة واحدة امتازت عن غيرها بمزيد الحكمة نظرًا لاستطاعتها علاج الانخلالات التي كان ممكنًا حدوثها من قبل الضعف البشري ومن قبل التقلبات الخاضع لها ضرورة كل مخلوق بمجرد طبعه. لأنه كان من شأنها أن تمنع رسوخ هذه الانخلالات ما بين شعب الله وتردّ كل شيء عندهم إلي نظامه الأصلي. ولذا نري إنه سبحانه وتعالي عندما أراد إشهار هذ السنة أتم ذلك بجزيل الاحتفال ليبقى ذكرها منطبعًا في قلوبهم.

وعليه أمر الله موسى كليمه وقائد شعبه وهو على قمة ذلك الجبل المقدّس طور سيناء قائلاً له بفمه الإلهي العزيز. مر بنى إسرائيل وقل لهم إذا دخلتم الأرض التي أنا معطيكم فلتسبت الأرض سبتًا للرب. واحسبوا لكم سبعة سبوت من السنين سبع سنين سبع مراتب فتكون لكم أيام سبوت السنين السبعة تسعًا وأربعين سنة. وانفخوا في بوق الهتاف في اليوم العاشر من الشهر السابع في يوم المغفرة. وقدّسوا سنة خمسين ونادوا بتحرير الأرض لجميع سكانها فتكون لكم يوبيلاً….. من أجل إنها كما أردف قائلاً من أجل إنها سنة الرد وتكون عندكم مقدّسة. (سفر الأحبار ص 25).

فهذا الأمر الإلهي أخذ من حينه مفعوله الحرفي المادي وأخذت ابتدأها فيما بين الإسرائيليين تلك السنة العظيمة سنة اليوبيل سنة الفرح والتهليل في تلك السنة كان ينادى بالمغفرة العامة. وبها كان يرجع العبد إلي استقلاليته والأسير إلي حريته والبائس كان يعود إلي التصرف بأرزاقه والفقير إلي التملك على ميراثه وفي بحر تلك السنة ليس فقط كان يتلاشى كل ظلم بل كانت تتلألأ الرحمة بكامل بهائها مسبلة على نوع ما ستر الرأفة علي جلال العدل الوقور. الأرض وجميع سكانها يرتعون بسائر الخيرات بكل طمأنينة وراحة. وكنت ترى قدوم هذه السنة ينعش في قلوب بنى إسرائيل حاسيات الفرح والابتهاج ويحرّك ألسنتهم بأطرب الترنيمات وأعذبها.

هذه كانت مفاعيل الأمر الإلهي في سنة اليوبيل الموسوي في الأجيال السالفة لكنها مهما كانت عظيمة فلم تكن إلا دليلاً وإشارة ضعيفة عن مفاعيل أعظم وأبهى بما لا يقدر كان مزمعًا صدورها في أجيال غيرها. فكان محفوظًا في تدابير الحكمة الأزلية إن أمره تعالي السجود لأمره لا يبلغ إلي كماله الحقيقي التام إلا في الأيام السعيدة. أيام شريعة النعمة المنادى بها من ربنا والهنا يسوع المسيح. فسنّ الله ربنا هذه السنة ليس لإفادة الاسرائيليين فقط لكن بأولى نوع لخيرينا نحن أيضًا شعبه المسيحي المختارون منه والمدعوّون إلي حفظ شريعة أقدس وأشرف من تلك الموسويه بمقدار ما إن الجسم أشرف من خياله والحقيقة من رمزها. وإن الأمر كذلك فيؤكده لنا مليًا كلام الاناء المصطفي بولس الرسول المعظم القائل فهذه الأمور عرضت لهم رموزًا وكتبت لموعظتنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور. (كورنتس 1 ص 10)

فوافقنا لهذا التعليم الرسولي فسنة اليوبيل الموسوية هي رمز عن تلك الساعة السعيدة بل وينبوع كل سعادة للجنس البشرى التي بها صار لنا كلمة الله الأزلي واسطة للرجوع إلي البرارة الأصلية التي كنا سقطنا منها مانحًا لنا حق التبني والوراثة معه لأبيه السماوي وعتقنا من تلك العبودية التي بها كنا مستعبدين تحت أركان العالم. ومغفرة تلك السنة تومئ لنا عن تلك المغفرة التامة المغفرة الحقيقية التي من علوّ صليبه ومع اهراق دمه أفاضها علينا وعلى العالم أجمع مخلصنا هذا الودود ماحيًا صك الحكومة المكتوبة علينا ومنتصرًا علانية على الموت وعلى الخطية. (كولسي ص 2) أما راحة الأرض مع جميع سكانها في سنة اليوبيل أفليس أنها دليل واضح على راحة الضمير وعلى تلك الراحة الموعود بها لأولئك الذين يشاركون المسيح في آلامه ليصيروا أهلاً بعد الاتعاب والمشقات التي يكابدونها في هذا العالم أن يدخلوا معه إلي فرح ملكوته الدائم مقرّ كل راحة.

فبمجرّد وقوفنا على هذه الأسرار المقدسة الجليلة يتبين لنا بأحسن وأجلي بيان أن تلك الخيرات الموعود بها لبنى إسرائيل في سنة اليوبيل الموسوي فمهما كانت شهية وعزيزة لديهم ليس فقط أنها رمز ضعيف وكظل طفيف بالنسبة إليها بل إن هذه الأسرار المنوّه عنها بتلك الرموز هي وحدها لائقة بجلال وقداسة وسخاء ذاك الإله الذي لإظهار شدة محبته نحونا تنازل عن عرش مجده وصار كواحد منا. مات من أجلنا على صليب وسكبها علينا مع مجاري دمه الثمين. كون تلك المنادى بها على طور سيناء هي خيرات أرضية وفانية. أما هذه المنحدرة من علي الصليب فهي سماوية ومؤبدة.

هذه النعم والخيرات الفائقة الوصف هي هي بعينها مقدمة لكم الآن أيها الأخوة المحترمون والأبناء العزاء حيث أن الحبر الروماني بافتتاح اليوبيل المسيحي قصد أن يضع أمام تأملاتكم وتجاه ناظرة إيمانكم تلك الأسرار ذاتها التي كانت مدار العمل العجيب والمدهش العقول عمل فداء الجنس البشري الذي تم على عود العار وخوله المجد والانتصار حتى يمكنكم بواسطة تأمّلاتكم هذه أن تحركوا قلوبكم إلي البغضة للخطيئة لتحصلوا ليس على غفران ما صدر منكم من النقائص فقط بل وعلى كل قصاص استوجبته أفعالكم في كامل ما عبر من الأيام. ومن بعد تطهير وتنقية ضمائركم من أدرانها واصلاح ذواتكم تكونون آلة مقبولة عند الله لإصلاح غيركم بواسطة أمثالكم المقدّسة الباهرة. وتجعلون ابتهالاتكم أهلاً إلي أن تستجاب إذا ما بسطتموها أمام الرب الرحوم بقلوب منسحقة ومتضعة قاصدين خير إخوانكم الضالين ومتطلبين ردّ غضبه المرفوع على الرؤوس والمرهوب حلوله على المسكونة أجمع. وبالإجمال فالحبر الروماني بافتتاحه هذا الجيوبيليوم(اليوبيل) قصد إنكم تجددون بالروح فيكم وفي غيركم مفاعيل آلام مخلصكم علي أتم منوال.

نعم إن المسيح مات مرة واحدة للخطيئة إنما استحقاقاته لم تفرغ مع موته ولم تضعف ولم تحجب مفاعليها إلي تلك المرة بل هي دائمة غير زائلة وفعالة مدى الأحقاب كلها. لأنه جلّ ثناؤه بتقدمة واحدة جعل المقدّسين كاملين إلي الأبد (عبرانيين ص10) أي إنه أعطي لمؤمنيه واسطة عظمي غير منتقضة ليحصلوا على كمال القداسة باستحقاقات آلامه إذا ما خصصوها لنفوسهم بأفعالهم الشخصية فاتحًا تحت أقدام صليبه ينبوعًا لبيت داود ولسكان أورشليم لنضح الخطية والنجاسة. فكان عالما تسامي علمه بضعف جبلتنا وإنه لكنا هلكنا إن لم نتقوّ ونتجدّد بحميم دمه الإلهي. ولهذا خلف لنا في كنيسته كنوز استحقاقاته غير المتناهية لنلتجئ إليها في احتياجاتنا المتنوعة. وارتضى من مزيد جوده لا غير أن تضاف إليها استحقاقات خلانه الذين صاروا شبيهين له وطابقوا حياتهم بحياته. فقلت إن ذلك نجم من مزيد جوده لا غير. لأنه لمن الحقائق الواضحة الوقادة إن استحقاقات المسيح لصدورها من إله متأنس هي كافية بذاتها وغير مفتقرة إلي مدد ما أو إلي مسعف. وإن استحقاقات القديسين لا تزيدها شيئًا من القيمة والكرامة والقبول أمام العدل الإلهي. لكنه لما تسربل كلمة الله بإسكيم ناسوتنا آخذًا لحمًا ونفسًا بشريين من أحشاء الكاملة الطهارة مريم زهرة الآنام ورفع طبيعتنا إلي رتبة أبناء الله واشركنا على نوع ما بطبعه الإلهي كما تفوّه بذلك هامة الرسل بطرس المغبوط لما قال. وبه وهبت لنا المواعيد العظيمة الثمينة لكى تصيروا بها شركاء بالطبيعة الإلهية (بطرس 2 ص 1) حينئذ أعطى لأفعالنا إذا ما أبرزها بحال النعمة والقداسة ثمنًا عظيمًا وشرفًا أثيلاً ومتفاوتًا على قياس النعمة الحالة في قلوب فاعليها. وبقوة آلامه منحها نعمة القبول لدى أبيه السماوي. فطبقًا لذلك تضاف استحقاقات القديسين إلي كنوز مخلصنا ومخلصهم الوحيد لا كإضافة جزء إلي كمية ناقصة بل كإضافة الفرع إلي أصله والغصن إلي الكرامة. إذ كان المسيح الكرمة (يوحنا 15) والقديسون من أجمل أغصانها. وإذا أردنا مثالاً يوضح لنا هذه الاضافة غير الناجم عنها انثلام شرف أو كمال المضاف إليه فلنرفع أعيننا إلي أفق هذه السماء المنظور فإننا نري أن الله سبحانه عند تنظيمه هذا العالم العجيب النظام أضاف إلي نور الشمس الكامل بذاته نور الكواكب الساطعة ومع ذلك هي مستنيرة منه ولا تزيده بل هو يزيدها جمالاً. فعلى هذا المثال ولو أن المشابهة لم تكن كاملة المطابقة في سائر أطرافها فشمس البر يسوع المسيح السجود لاسمه القدوس بقوة آلامه يشرك قلوب قديسيه بحرارة قلبه المقدّس. بحرارة تلك النار التي أتى إلي هذا العالم ليلقيها في الأرض (لوقا ص21) ولا يريد إلا أن يتقد سعيرها ويمنح أفعالهم البارة قوة استحقاقية نابعة من فيضان بحور استحقاقاته وراجعة إليها تصديقًا لما قاله التلميذ الحبيب: ومن امتلائه نحن كلنا أخذنا (يوحنا ص1).

فإذ تقرّرت هذه المبادئ العليا الجلية ووضعت كأركان متبينة يتلخص أنه بكل صواب قد اعتاد الأحبار الرومانيون في الأجيال الغابرة عند نظرهم الضيقات المهولة الملمة بكنيسة الله وبالألفة البشرية أن يلتجئوا بأحفل وأجل نوع إلي جوده تعالي وأن يحرّضوا إلي فعل ذلك المؤمنين قاطبة في سائر أنحاء المسكونة حتى إنهم باتحادهم سوية بروح التقوي عينه وباتفاق أصوات الضراعة والابتهال يردّوا غضبه الإلهي المستوجب عليهم لكثرة الشرور والخطايا. ثم لكي يستعطفوا بأوفر سهولة رضوانه جل جلاله قد اعتادوا أيضًا أن يضعوا دائمًا أبدًا أمام تأملات المسيحيين آلام واستحقاقات ذلك الحمل النقي الإلهي الذى أراد أن يموت مذبوحًا باختياره ليغسل بدمه الثمين رجسات بنى آدم ويجدّد وجه الأرض. ثم استحقاقات عبيده المحقين الذين أما إنهم ذبحوا كرماله أما إنهم نقلوا مدّة حياتهم وصوّروا بذاتهم كمال حياته الطاهرة وصاروا لنا سندًا قدوة وقادة في منهج البر والطهارة. وباستعلان هذه الكنوز الوافرة الوفيه لا بل الغير المستوفية كانوا يفتحون لخير المؤمنين لجج المراحم الإلهية ينابيع الصفح والمسامحة. مخصصينها لهم بسخاء جزيل بواسطة الاقتراب للأسرار الإلهية. وبواسطة بعض تروّضات دينية جزيلة الفائدة وسهلة الوفاء وذلك شفقة وتلطفًا بحال الخطأة التعساء كما يليق بنوّاب ذلك الإله الذي تناسى على نوع ما جبروته وأذل مجده حبًا بالخطأة.

فإن كان الأحبار العظام الأقدمون يمدحون بما صنعوا في الأجيال السالفة فمن لا يتلقى بمزيد التمنن مشروع الحبر الهمام لاون الثالث عشر ديدبان بيت الله الجالس حاليًا على كرسي بطرس بإعلانه هذا اليوبيل الفائق العادة ليستنهض به همة المؤمنين لكي يلتجئوا إلي حنوّه تعالي ليظفروا بعونه السماوي في أيامنا هذه. من ذا له ولو قليلاً من الالمام بما هي عليه الآن المسكونة بأسرها ولم يشكر فضله على ما عزم وأتم. كيف لا وكل يسمع بأذنيه ويري بعينيه ويلمس بيديه الشرور المتكاثرة بين البشر. جولوا بألحاظكم هذه الكرة الأرضية في جميع أطرافها تتأكدوا حالها التعيس المحزن والمخيف. فتنظرون المدن في قلق، والشعوب في اضطراب، والملوك مع رؤساء الأمم في حيرة وتعب، وظلام الضلال على القلوب منسدلاً، والقلوب خافقة مرتجفة، وأفكار العموم في كرب وبلبال، والدنيا كلها مرتجفة متمّوجة ومبينة بذاتها بكل دقة ما قاله أشعياء النبي.. تزعزعت الأرض تزعزعًا متمايلة كما يتمايل السكران وتدلدلت كأرجوحة النائم.. ولما ذلك.. لأن ثقل عليها ذنبها (أشعيا ص24).

وليس من متعنت يمكنه أن ينسب كلامنا إلي المبالغة إن شاء يخرق بحاذق نظره إلي ما هو تحت قشرة هذا التمدّن الكاذب الذي لا يبهر بلميعه الغرّار إلا كل أجهر غبى أو كل ذي قلب ملتو. لأنه إذا ثقبنا مع حزقيال النبي حائط هيكل عصرنا هذا المكتسي خارجه بالحرمة والوقار وتصفحنا بما تنطوي عليه غوامضه لظهرت لنا رجسات رجسات لا وصف لها ونظرنا داخله من كل صنف من الدبابات المسمة والحيوانات النجسة والأصنام القبيحة أعنى بها تعاليم الضلال الموبقة وكثرة الشبع الوخيمة ولجنات الشهوات الدنية متوطئة في هذا الهيكل ولسمعنا الصوت القائل وسوف تنظرون رجسات أعظم. (حزقيال ص8).

ودليله ما تبسطه أمامنا علي التواتر الوقائع اليومية، دليله مبادئ التعاليم الزائفة المصنعة لبذر زوان الغش والزيغان دليله التأليفات النفاقية التي كادت أن تملأ الأرض وتستفتل أذهان الكثيرين. دليله نشرات الخلاعة مع باقى جهازها السمج المخترعة لإلقاء الفساد في قلوب الأحداث الغفلاء ليسهل توليجهم على الهيجان والعصيان وعدم الخضوع لمدبريهم ورؤسائهم الشرعيين، دليله الآراء السخيفة الناجمة عن تعليم الفلاسفة الكذبة التي بموجبها يبيحون كل منكر وكل محترم مما فيه. فبالخزي عصرنا مما فيه حق الاشتراك بين البشر بالمال والعرض ومحو صورة الخالق الشريفة عن جبهة ابن آدم ونسب أصله نفسًا وجسمًا إلي وحوش البراري ومسوخ الفيافي، أما الدليل الذي لا دليل بعده فهو الازدراء والامتهان بالرب المتعالي وبوصاياه الطاهرة والمطهرة. ثم التعبد على أوجه متنوعة للشيطان اللعين ولأباطيله تحت شعائر لطيفة ومستترة فهذه الأدلة جميعها مهما ترآت لنا شنيعة وأعربت عن تعاسة العالمي فشناعتها تتزايد أضعافًا إذا اعتبرناها منحصرة وعلى نوع ما مسبوكة بدليل واحد وهو الاضطهاد المريع المهول الذي صارت له علامة وهدفًا كنيسة الله الكاثوليكية من قبل أئمة أعداء الله وأراكنة الفساد. فلا غرو أن رأس الكنيسة قد أحسن وأصاب بما قاله في هذا الصدد مفتتحًا رسالته الحبرية أن كنيسة يسوع المسيح المجاهدة الجديرة بتوفير الخلاص والنجاح لأبناء البشر على أسمى درجة مصادمة في هذه الأيام المشومة بشديد البلايا والمحن حتى إنها تلقى كل يوم ذوابع نوائب جديدة تقاسى مضضها. وأشبهت في الحق تلك السفينة التي كانت تلاطمها الأمواج وهى حاملة المسيح الرب وتلامذته فإن أعداء الاسم الكاثوليكي في هذه الأوقات قد أفحشوا في زيادة عديدهم وقوتهم وجسارتهم على قضاء أوطارهم، وما كفاهم إنهم ينكرون على رؤوس الاشهاد المبادئ السماوية بل يسعون بأشد العزم والاجتهاد في نفي الكنيسة نفيًا كليًا من بين الجمهور أو تقصير ذراعها على الأقل عن القدرة علي شيء في حيوة الشعوب المشتهرة. فينتج من ثم إن الكنيسة محفوفة ومعرقلة من كل جانب بعظام الصعاب في قضاء الأمر الذى خوّلها إياه ربها وواليها فيتصرف أعداء الله مع الكنيسة على هذا النمط، لأنهم يعرفون حق المعرفة إنهم سيتمكنون بكل سهولة على أجراء مقاصدهم الشريرة اذا ما فازوا بدمار هذه الكنيسة التي أقيمت منه تعالي كحصن منيع لأبناء الإيمان ولجميع مبتغى الخلاص فهم يعلمون إنها ملح الأرض ولذا يعانون لدوس وإذابة هذا الملح الإلهي لئلا يحفظ البشر ذواتهم من فساد تعاليمهم، هم يعلمون أنها عمود الحق ولذا يتكاتفون لإسقاطها وتحطيمها ليزيلوا السند الوحيد للتعاليم القويمة. هم يعرفون أنها نور العالم ولذا يتحايلون لإطفاء هذا النور حتي يباشروا أعمالهم السيئة بحرّية تامّة تحت رداء الظلمة، فإنهم من أولئك الذين قال عنهم أعز قائل أحبوا الظلمة على النور لأن أعمالهم كانت شريرة، لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يقبل إلي النور لئلا تفضح أعماله (يوحنا 3 عدد 20).

فبإزاء هذه الشرور المتفاقة والشدائد المصادمة كنيسة المسيح والشجون الحائقة بالألفة البشرية ذاتها، وبإزاء هذه العواصف المطلوقة العنان فلا ملجأ لنا إلا قدرة العلى والابتهال إلي حنوّه الغزير، فالجيوبيليوم(اليوبيل) المقدّس مقدّم لنا كواسطة عظمي للحصول على هذا المدد القدير.

ففيما نحن ننتظره مطمئنين هذه النعمة وإذا بالصوت الحبري المستند على تعاليم الإيمان الإلهي ينبئنا عن نعمة أخرى نجتنيها من الجيوبيليوم(اليوبيل) إذا ما احتفلناه بتأهب واستحقاق وهى نعمة المغفرة التامة ليس عن سائر الذنوب والخطايا التي اقترفناها فقط بل وعن سائر القصاصات والعقوبات التي استحقتها هذه الخطايا عينها، فيا لها من نعمة ثمينة فائقة الوصف، ويا لها من نعمة أعربت عن وجود ومحبة الخالق نحو خليقته، وبالآن ذاته حفظت حقوق عدله، هي نعمة تردّ لنا برارتنا الأصلية وتحررنا من مفاعيل رجزه تعالي الرهيب.

فلو كنتم أيها الأخوة المحترمون والأبناء الأعزاء غرباء عن الإيمان لترتب علينا الآن أن نشرح مليًا عن هذه النعمة الاثيلة والجزيلة الفائدة ولكن ما أنتم إلا مؤمنون ومنذ نعومة أظفاركم اغتذيتم من مبادئ التعاليم الكاثوليكية الإلهية. وليس منكم من يجهل بأن الله تعالي بإقتباله الخاطئ التائب في أحضانه الأبوية يصفح عن ذنوبه وخطاياه ويترك له القصاصات الأبدية المعدّة إلي الهالكين في جهنم النار، إنما لا يعفيه غالبًا من كل قصاص ويبقى من ثم مديونًا للعدل الإلهي وخاضعًا لبعض قصاصات زمنية مستلزمة الوفاء على كل الأحوال، وذلك يبان مما قاله الروح القدس بفم الحكيم القائل، لا تكن بلا خوف من قبل الخطيئة المغفورة (ابن سيراخ5) ومن أمثال شتى مدونة في الكتاب المقدّس لتهذيبنا قد اخترت ايراد بعضها ههنا مكررًا ما قلته عن لسان حبر جليل تأسف عليه القلوب من سنين عبرت في أيام مقدسة كهذه.

لما تمرّد بنو اسرائيل على موسى وهارون في البرية وهم على قرب من أرض الميعاد وحتم الرب أن يبيدهم عن آخرهم، فرفع موسي صوته وقال للرب، اصفح عن ذنب هؤلاء الشعب بحسب كثرة رحمتك، فكان الجواب الإلهي له قد صفحت بحسب قولك. لكنه تعالي قسم بمجده أن لا أحدًا من المتمرّدين يري الأرض التي حلف بها لآبائهم، وبعد مشقات كلية احتملوها مدى سنين كثيرة. فنوا جميعهم في الأقفار قصاصًا لهم على تمرّدهم. وهذه الصرامة ذاتها قد اختبرها بنفسه موسي عينه لسبب ما أظهره ولو قليلاً من الارتياب عند ماء المخاصمة بضربه الصخرة مرتين ليطفئ ظمأ الشعب الهافت عطشًا، مع إن هذا النبي القديس كان من أعظم خلان الرب وكليمه العزير. وذاك النبي الآخر داود الملك أليس أنه قد كان حظى بالمغفرة عن خطيئته لما قال له ناثان من قبل الرب قد رفع الرب خطيئتك، ومع ذلك من يجهل شدة القصاصات التي أنزلها الله عليه وعلى بيته وعلى مملكته. فمات ذلك الطفل ابنه الذى كان يتطلب من الرب نجاته من الموت بالصوم والدموع. وشرور محزنة أقلقت راحة عائلته، ابنه أبيشالوم تمرّد عليه ثم طرد حافيًا باكيًا من بلاطه ومن مدينته الملوكية. وضيقات كثيرة غيرها حاقت به. وهو ذاته في باقي أيام حياته المجيدة لم يكف أصلاً عن الاستغاثة برحمته تعالي صارخًا ليلاً ونهارًا نحو الرب. اغسلنى كثيرًا من أثمي ومن خطيئتي طهرني، لأنى عارف بآثامي وخطيئتي أمامي في كل حين (مزمور 50) تلك الخطيئة التي قد كان تأكد بوحى إلهى إنها غفرت له. واستغناء عن هذا جميعه فلنرجع ونلتفت إلي الأيام الأولى منذ إنشاء العالم ولنمعن النظر بخطيئة أبوينا الأوّلين آدم وحواء. فمن يا تري يمكنه أن يحصي سائر القصاصات والشرور التي أجلبتها تلك الخطيئة على العالم، فهي غفرت لفاعليها ولكثيرين من أولادهما. والإيمان يعلّمنا إنها تغفر يوميًا في سر العماد الإلهي وأما القصاصات والشرور التي نبعت منها فلا تزال متسلطة على العالم كله، على المعتمدين وعلى أبرار الله ذاتهم، فاتضح إذا أن الله سبحانه باقتباله توبة الخاطئ يترك له خطاياه وقصاصها الأبدي، إلا إنه لا يعفيه دائمًا من بقية القصاصات الزمنية جامعًا بحكمة عجيبة ما بين الحنية والعدل تصديقًا لما قاله المرتل، العدل والسلام تقابلا، فليتأكد من ثم كل إنسان أهان ربه أن لابد له من أداء الوفاء عن خطيئته عاجلاً أم آجلاً.

فاستنادًا على هذه التعاليم الإلهية فبولص الرسول كان يحث مؤمني أيامه أن يحملوا دائمًا إماتة يسوع المسيح في أجسادهم ليتمموا فيها عمل خلاصهم (كورنتس 2 ص4) واستنادًا علي هذه التعاليم أيضًا فكان المؤمنون الحقيقيون يبذلون جهدهم في كل آن اقتداء بسلفائهم القديسين أن يتمموا بكل حرص كل نوع من أفعال التقوى الوفائية كالصوم والصلاة والاحسانات وما ضاهى ذلك ليفوا ما عليهم من الديون للعدل الإلهي.

واستنادًا على هذه التعاليم أيضًا فكنيسة الله المقدّسة حبًا بأولادها المؤمنين قد اعتادت أن تحرّضهم على أن يتمسكوا بهذه الأفعال المقدّسة الوفائية ليمكنهم بأوفر سهولة أن ينجوا من القصاصات التي استحقتها خطاياهم.

والآن فهذه الأم الحنونة عينها كنيسة الله تخاطبنا بفم رأسها المنظور لاون الثالث عشر وتحرّض كلامنا وتعظنا لا بل وتتوسل إلينا بأن نجدّ في هذه الأيام المقدسة على تطهير ضمائرنا من أدرانها بواسطة التوبة الصادقة لننجو من ضربات غضبه تعالي ومن قصاصات عدله الرهيب، وبواسطة أفعالنا الصالحة لا سيما المفروضة علينا صانعين أثمارًا تليق بالتوبة. فانظروا كيف أنها لكي تسهل علينا ذلك، فتحت لنا سائر كنوز المراحم والنعم الإلهية المسلمة إليها من الرب يسوع، فلا تحزنوا قلبها برفضكم توسلاتها ولا تحيدوا أسماءكم عن صوتها الحنون، بل لبوا أمرها طائعين واقبلوا نحو ينابيع المياه السماوية التي فتحت مجاريها لأجلكم وتستدعيكم لتتطهروا بها من أدناسكم ثم لترووا نفوسكم من عذوبتها، فهذه هي الينابيع التي سوف تصعد بكم إلي الحياة الأبدية إذا ما اقتربتم إليها الآن بإيمان وعبادة.

نعم أيها الأخوة المحترمون والأبناء الأعزاء أن هذه الينابيع هي جارية دون انقطاع في كنيسة الله ودائمًا يمكننا الدنوّ إليها لنستقي منها الخلاص لنفوسنا، إلا إننا نحن المسلمون بذلك نعرف أيضًا إنه مع كل ذلك توجد أيام ذات قداسة أسمى خصصها ربنا سبحانه لسكب أنعامه ومراحمه على مؤمنيه بغزارة أوفر ليردّ الرجاء للمؤمنين، ليسهل طريق التوبة للخاطئين، لينعش الحرارة في قلوب الفاترين، ليزيد الصدّيقين نجاحًا في البر والقداسة، ثم لينهض عزمنا جميعًا ويصبرنا معتنين في عمل خلاصنا ويشددنا ضدّ التجارب مانحًا أيانا أوفر ثباتًا في حفظ وصاياه المقدسة، فمن لا يجنى لنفسه الفائدة المقصودة في مثل هذه الأيام من رحمته تعالي لخيره فيكون نصيبه موازيًا نصيب أورشليم التي لم تستفد حتى ولا من دموع المخلص الذي بكى من تحننا على حالها واندثرت مع أولادها لأنها ما علمت يوم افتقادها (لوقا ص19)

ففيما بين الأيام الخلاصية فزمان الجيوبيليوم(اليوبيل) هو لا ريب من الأيام إلا جل إفادة للمسيحين، في هذا الزمان فالله سبحانه يظهر غنى رحمته به الكنيسة المقدّسة تتخلى على نوع ما عن صرامتها المألوفة لتستجلب أولادها بلطف ورق إلي طريق الخلاص حتى تصالحهم مع ربهم ومخلصهم، فهذا هو بالحقيقة الزمان المقبول هذا هو زمان الخلاص الذى عنه تكلم بفرح وابتهاج أشعياء النبي قائلاً (ص 49) في وقت مقبول استحيت لك وفي يوم الخلاص أعنتك… لتقيم الأرض وتورث المواريث المدّمرة لتقول للأسري اخرجوا وللذين في الظلمة ابرزوا… لا يجوعون ولا يعطشون ولا يقرعهم الحرّ ولا الشمس لأن راحمهم يهديهم وإلي ينابيع المياه يوردهم، فهذه المراعي وهذه الينابيع ما هي إلا تعاليم الكنيسة وأسرارها المقدسة المندفقة منها مياه النعم الإلهية الصادرة عن قلب يسوع الكلى القداسة، فيا لهذه المراعي ما أخصبها ويا لهذه المياه ما أعذبها، فالطوبى ثم الطوبى لمن صار له الحظ السعيد أن يملأ نفسه من جوهر عنصرها.

فهذا الحظ السعيد هو محفوظ لكم إذا أردتم أن تعرفوا زمان افتقاد الله لنفوسكم في هذا الجيوبيليوم(اليوبيل) الحاضر. ومن ثم فقبل اختتام كلامنا نتوسل إليكم مع بولس الرسول أن لا تقبلوا نعمة الله بالباطل (كورنتوس 2 ص6) ولا تجعلوا بتهاونكم أن هذه النعمة تكون لكم سببًا لأعظم هلاك ولعذاب أشدّ بل اجعلوها بهمتكم أن تثمر في قلوبكم ثمار الخلاص التي يبتغيها منكم الرب في هذا الزمان المقدس. أمعنوا نظركم في جزيل الانعام المعدّ لكم في سموّ شرفه وفي عظم افادته لنفوسكم واعقلوا بكم من الجودة يعاملنا ربنا الحنون الرؤوف، لأنه إن كنا خطأة لم يصرف وجهه عنا ولا عاقبنا كما استحقت أفعالنا بل أشرق علينا ضياء رحمته وافتقدنا في وسط الظلمة وفي ظلال موت الخطيئة لينشلنا منها وفتح لنا سائر كنوز استحقاقات ابنه الحبيب ليمكننا أن نفي من ذات انعامه ما نحن مديونون به لعدله. حقًا إنه ليس كمثل آثامنا صنع معنا ولا بحسب خطايانا جازانا (مزمور 102) افرحوا إذًا يا أحبانا بالرب أنتم خاصة أيها الذين عشتم متغافلين في خلاص نفوسكم وناسين ربكم الذي خلقكم، استفيقوا من هذه الغفلة لا بل انهضوا في هذا السبات القتال الذى إلي الآن أنتم راقدون به. تيقظوا وانعشوا في قلوبكم المحبة للرب مخلصكم، انعشوا فيها حاسيات الرجاء والندامة، ارفعوا رؤوسكم قليلاً إلي السماء تاركين المحبة المفرطة الزائدة نحو الأرضيات لتحسنوا الاهتمام بخير نفوسكم المسكينة السائبة، تنشطوا واطلبوا الرب عندما تستطيعون وجوده، أدعوه حينما هو قريب (أشعياء 55) سوف تأتى ساعة فيها تطلبونه ولا تجدونه. فليترك الآن المنافق طريقه والرجل السوء أفكاره وليرجع إلي الرب فيرحمه وإلي إلهنا لأنه كثير الغفران، توبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم (أعمال 3) ارتدوا إلي الرب فتنظروا وتذوقوا كم هو عذب وصالح إلهكم (مزمور 33) كم عذبة وحلوة الخدمة لجلاله بضمير نقى وقلب طاهر. فها هوذا الآن مخلصكم الودود يدعوكم إليه بكل انعطاف باسطًا نحوكم ذراعي رحمته ليصالحكم مع أبيه الأزلي، لينقذكم من عبودية الشيطان وليردكم إلي حرية بنى الله ليمنّ على ضمائركم بالراحة وعلى قلوبكم بالسرور والسلامة فإذا ما سمعتم صوته فلا تقسو قلوبكم (مزمور 94) بل بادروا إليه بفرح واصرخوا نحوه بندم، ها قلبنا مستعد يارب ها قلبنا مستعد (مزمور 56) واجابة لطلبات قلوبكم، هو أيضًا جل جلاله يسرع نحوكم رحومًا شفوقًا حليمًا حاملاً بين يديه المقدستين الغفران والمسامحة عوضًا عن سيف الانتقام الذي استحقته خطاياكم، فاطلبوا حينئذ منه بقلب منسحق ومتواضع أن يحرّك إرادتكم إلي إصدار توبة صادقة وأن يهبكم قوّة لإصلاح سيرتكم السابقة ويوطدكم في المقاصد الصالحة ويمنّ عليكم بحسن الثبات إلي آخر نسمة من الحياة. ولكى تستمدوا ذلك من باب جوده تعالي تهيأوا إلي الصلاة. إنما بابتهالاتكم لله لا تنسوا حقوق الأخوة ولا فرائض المحبة المسيحية اذكروا في صلواتكم وطنكم العزيز اذكروا بنى جنسكم الذين هم اخوانكم من لهم معكم أصل النسب عينه وكانوا حائزين يومًا مثلكم وحدة الإيمان ذاته الذى هو الآن فخركم ورجاؤكم فان افترقوا بعدئذ عن الكنيسة البطرسية أمهم التي هي أساس وسند لسائر الكنائس كما يقول عنها رسول الديار المصرية القديس أثناسيوس الكبير في رسالته السينودوسية إلي القديس فيلكس بابا روميه فهي لم تفصلهم عن محبتها ولن تزال منعطفة نحوهم بمجموع حاسيات فؤادها انعطاف الأم الحنونة نحو ولدها الوحيد المتأسفة على انفصاله عن أحضانها فأنتم توسلوا إلي إله المراحم أبى ربنا يسوع المسيح أن يترأف علينا ويفرّح قلوبنا بانضمامهم إلينا ويجمعنا ويسكننا في كنيسته الواحدة كمتوحدى الحال في بيت (مزمور 67) لنختبر سوية ما قاله المرتل ما أطيب وما ألذ أن يسكن الأخوة معًا مثل الدهن الطيب مثل نداء حرمون كالنداء النازل على جبال صهيون لأنه هناك أوصى الرب بالبركة والحياة إلي الأبد (مزمور 132) ثم لنكون غنمًا واحدًا في حظيرة واحدة تحت رعاية من قال له الراعى الصالح ثلاثًا ارع خرافي ارع كباشي ارع نعاجي (يوحنا 21).

فحقق لنا اللهم منية قلبنا هذه واجعلنا أن ننال من فيضان احسانك تتمة بغيتنا باستحقاق دم من أحببته وأسلمته إلي الموت عنا لتجمع متفرقي شعبك وتجعلهم واحدًا كما إنك واحد معه ومع روحك الكلي قدسه.

وغب تحريضنا إياكم على الصلاة فما بقى علينا إلا أن نرفع ألحاظنا وأيدينا إلي السماء مستمدّين بحرارة قلبنا من موزع المواهب الحسنى أن يجود عليكم وعلى أخوانكم المنفصلين بكامل ما نتمناه لكم جميعًا من الخيرات وأن يؤيدكم ببركاته الإلهية بشفاعة أم الشفيع العظيم الواحد مريم المشفعة سيدة الأكوان صدر من مصر من دار النيابة الرسولية في 23 بابه سنة 1598 للشهداء الأطهار(2 من شهر نوفمبر لسنة 1882)

أنطون مرقس

الزائر الرسولي المقلد النيابة الرسولية

 

فعلى حضرات الخورانة المحترمين

أولاً: أن يتلوا على الشعب هذه الرسالة على مرار أيام الآحاد والأعياد بأثناء احتفال القدّاس الإلهي ويفسروا لهم معانيها.

ثانيًا: أن يحرّضوه على تتميم أفعال البر والعبادة المفروضة من الحبر الأعظم لاكتساب غفران الجيوبيليوم(اليوبيل) التي صار نشرها سابقًا.

ثالثًا: أن يحتفلوا تسعوية صلوات مخصصة في كنيسة الخورنة تسهيلاً للمؤمنين إلي أن يجتنوا الفوائد الروحية المقصودة بالجيوبيليوم(اليوبيل) بحيث أن تلك التسعوية تسبق أحد الأعياد السيدية أم أعياد البتول المجيدة ليتقدّموا إلي الأسرار الإلهية يوم العيد.

رابعًا: فأذون لكل من الخوارنة المحترمين أن يجري في كنيسته الأفعال التقوية التي يراها أكثر مناسبة لإنعاش روح العبادة في الشعب.

خامسًا: إنما لابدّ لهم من مباشرة الأمور الثلاثة الآتي ذكرها تلاوة الوردية المقدسة. انذار الشعب بالوعظ الملائم لهذه الأيام الخلاصية وعند عدم الامكان لمباشرة الوعظ تلاوة أحد الكتب الروحية المناسبة للموضوع ذاته. ثم أخيرًا اعطاء البركة للشعب بالقربان المقدّس أو بأيقونة أم المخلص حيث لا يصمد هذا السر الإلهي وكل ذلك يوميًا.

وما عدا ذلك فيجب على جميع الكهنة أن يتلوا يوميًا في آخر القدّاس الإلهي جهارًا الصلاة الواصلة صورتها طيه وذلك من أوّل وصولها لبلدهم إلي غاية أيام الجيوبيليوم(اليوبيل) الذي ينتهى في عيد ختان الرب الآتي.

وسوف نسرد في الجزء الثاني من حياة هذا الغيور النشاط الرعوي الذي قام به في القطر المصري وننشر اللقاءات التي قام بها مع رؤساء الديارات المصرية ودفاعاته عن العقيدة الكاثوليكية.

بنعمة الله

أخوكم الأب إسطفانوس دانيال جرجس عبد المسيح

خادم مذبح الله بالقطنة والأغانة – طما – سوهاج

stfanos2@yahoo.com

 

 

[1]راجع، يوحنّا كابس ( الأنبا )، «المرجع السابق»، القاهرة، 1987، ص88.

[2]راجع، مجلة الصلاح، «نبذة تاريخية عن الآباء الفرنسيسكان»، يناير،(السنة 29)، القاهرة، 1958، ص5.

[3]راجع، «المرجع السابق»، ص6.