digiuno eucaristico

الأب إسطفانوس دانيال جرجس

راعي كنيسة مار مرقس الرسول للأقباط الكاثوليك بالجلاوية

الصوم هو ممارسة بشريّة عرفتها ونظمتها الأديان في القديم والحديث. وعرفت المسيحية الصوم منذ أيّام السّيد المسيح الذي يُخبر الإنجيل أنه كان يصوم؛ وقد تبعه في ذلك الرّسل ومن ثمّ المسيحيّون، بحسب ما نقرأ في كتاب أعمال الرّسل ورسائل القدّيس بولس. إلا أن الصّوم، في إرهاصات المسيحية، لم يكن منظّمًا.

1-الصّوم أو الصّيام:

هو الانقطاع عن المأكل والمشرب لمدة معيّنة من الوقت خلال اليوم: من نصف الليل إلى الظُّهر؛ من الصَّباح إلي المساء؛ من المساء إلى المساء…

2-القِطاعة:

هي الانقطاع التّامُّ عن تناول المأكل والمشرب اللّذين يحتويان على «الزَّفر»، أي اللّحم ما عدا السّمك، والبياض ومشتقّاته، أي البيض والحليب والسَّمنة…

3-الصوم الإفخارستيّ أو القرباني:

الصوم بهذا المعنى مرتبط بالاحتفال بالذبيحة الإلهية وبتناول القربان المقدس. حسب التقليد القديم، على المتقدّم إلى المناولة أن يكون صائماً عن كل مأكل ومشرب. فالمناولة تنهي الصوم (تكسر الصوم).

4-لم يكن أحد التلاميذ صائمًا يوم تأسيس سرّ الإفخارستيّا:

يُطلعنا الوحي الإلهي «وبَينَما هم يَأكُلون، أَخذَ يسوعُ خُبزاً وبارَكَ ثُمَّ كَسَرَه وناوَلَه تلاميذَه…» (مت26: 20)، «وصنَعَ مِثلَ ذلكَ على الكأسِ بَعدَ العَشاءِ فقال: «هذِه الكَأسُ هي العَهدُ الجَديدُ بِدمي الَّذي يُراقُ مِن أَجْلِكم» (لو 22: 20): فلم يكن إذًا أحد التلاميذ صائمًا يوم أسس ربّنا يسوع المسيح سرّ الإفخارستيّا. إذًا ففي عهد الرسل كان يقام القداس وتوزع المناولة أثناء تناول طعام العشاء السري الذي رسم فيه يسوع المسيح سرّ القربان المقدّس.

5-انفصال وليمة المحبّة عن طقس العشاء الرّباني:

في كنيسة العصر الرسوليّ، على أيّام القدّيس بولس، كانوا لا يزالون يحتفلون بسرّ الإفخارستيّا في أثناء عشاء يضمّ الجماعة. ولم يدم طويلاً وقد اضطرت الكنيسة إلى تأخير الاحتفال الإفخارستيا إلي الصباح وفصلته عن العشاء لكرامة هذا السرّ العظيم إذ كانت تصدر عن البعض أفعالاً غير لائقة أثناء العشاء الذي يسبق التناول، كتجمع الأغنياء مع بعض، والفقراء مع بعض، أو تأثير المشروب على من أفرطوا فيه. وقد نوه عن ذلك بولس الرسول لا بل وبّخ كنيسة كورنثوس على مثل هذه الأعمال التي كانت تُرتكب: «وأَنتُم، إِذا ما اجتَمَعتُم معًا، لا تَتَناوَلونَ عَشاءَ الرَّبّ، فإِنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكُم يُبادِرُ إِلى تَناوُلِ عَشائِه الخاصّ. فإِذا أَحَدُكُم جائِعٌ والآخَرُ سَكْران. أَفلَيسَ لَكم بُيوتٌ تَأكُلونَ فيها وتَشرَبون، أَم إِنَّكُم تَزدَرونَ كَنيسةَ الله وتُهينونَ الَّذينَ لا شَيءَ عِندَهُم؟ فماذا أَقولُ لَكم؟ أَأُثْني علَيكُم؟ لا، لَستُ أُثْني عَلَيكُم بذلك». (1كو11: 20-22).

هذا القرار، جنى بولس للكنيسة إيجابيات مزدوجة، أولها القضاء على الطبقيّة داخل الاحتفال الإفخارستي، وثانيها، فصل العشاء عن هذا الاحتفال الإفخارستي. ولكن فصل الاثنين، قد ينتج عنه بعض المعاناة من تأثير المشروب في حال كون العشاء المنزلي يسبق بلحظات قليلة الاحتفال الإفخارستي، فيمكننا نتوقع بعض السلبيات. من هنا، تدريجياً ولاحقاً، ستفرض الكنيسة الصوم الإفخارستي للقضاء على أدني تأثير للمأكل أو المشرب على سلوكيات المشاركين في القداس، أو، في حالات غياب هذه السلبية، لتحمل المتقدم للتناول على تحضير روحي وجسدي لائق بالتناول من الأسرار المقدسة.

ويلاحظ هنا بكل اهتمام أن الصوم دخل في طقس الإفخارستيا مقابل الأغابي (وليمة المحبّة) عن طقس عشاء الرب على وجه ما!، وفي نهاية القرن الأوّل، أخذوا يميّزون، ومع ذلك، بين ولائم المحبّة والإفخارستيّا. وكانت ولائم المحبّة طعامًا أخويًّا تتخلّله صلوات ومدائح، في حين كان الاحتفال الإفخارستيا-الذي يليها عادة – كسر الخبز والمشاركة في الكأس. هذا ما يُستخلص على الأقل من الذيذاخية مثلاً. وعلى الصعيد السياسي فٌصلت هذه الولائم عن الاحتفال الإفخارستيّ خاصة في نهاية القرن الثاني الميلاديّ بعد قرار الإمبراطور ترتليانوس (197- 213) بمنع الاجتماعات الأخوية.

وبهذا الفصل لسر الشكر عن مائدة المحبة، نُقلت مائدة المحبة لما بعد سر الشكر، بذلك مُنع الأكل قبل سر الشكر. وقد فعلت الكنيسة هذا اقتداء بما فعله بولس الرسول الذي في مساء (غروب) يوم الأحد (الغروب بحسب التقويم العبري هو بداية اليوم الجديد، ويُحدد على أساس الشمس، أي ما بين الساعة الثانية والساعة الخامسة من بعد الظهر) اجتمع مع التلاميذ وأطال الكلام إلى منتصف الليل، وبعد منتصف الليل كسر الخبز وأكل وتكلم حتى الفجر، «فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزًا، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي الْغَدِ، وَأَطَالَ الْكَلاَمَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. وَكَانَتْ مَصَابِيحُ كَثِيرَةٌ فِي الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهَا. وَكَانَ شَابٌّ اسْمُهُ أَفْتِيخُوسُ جَالِسًا فِي الطَّاقَةِ مُتَثَقِّلاً بِنَوْمٍ عَمِيق. وَإِذْ كَانَ بُولُسُ يُخَاطِبُ خِطَابًا طَوِيلاً، غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ فَسَقَطَ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ إِلَى أَسْفَلُ، وَحُمِلَ مَيِّتًا. فَنَزَلَ بُولُسُ وَوَقَعَ عَلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ قَائِلاً: «لاَ تَضْطَرِبُوا! لأَنَّ نَفْسَهُ فِيهِ». ثُمَّ صَعِدَ وَكَسَّرَ خُبْزًا وَأَكَلَ وَتَكَلَّمَ كَثِيرًا إِلَى الْفَجْرِ. وَهكَذَا خَرَجَ. وَأَتَوْا بِالْفَتَى حَيًّا، وَتَعَزَّوْا تَعْزِيَةً لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ» (أع 7:20-12).

وهكذا كان الاجتماع الليتورجي في العصر الرسولي يُقام في أول الأسبوع، أي غروب يوم الأحد. وحين قارب القرن الأول على نهايته كانت الإفخارستيا تُقام بمعزل عن مائدة المحبة. فكان المؤمنون ينقطعون عن تناول الطعام مساء (غروب) الأحد إلى وقت الاجتماع الإفخارستي، أي سر الشكر، والذي كان يستمر حتى منتصف الليل ثم تتم المناولة من القرابين الإلهية، ثم تقام مائدة المحبة. هكذا ارتبطت خدمة القداس الإلهي بالصوم الإفخارستي، لما له معانٍ لاهوتية في علاقته مع القداس الإلهي. كما ارتبطت خدمة القداس الإلهي في العصور القديمة، وخاصة في الأعياد السيدية الكبيرة، بصلاة المساء المعروفة بصلاة الغروب، ذلك كما اليوم في خدمة قداس باسيليوس الكبير المتصل بصلاة المساء (الغروب) التي تقام يوم الخميس العظيم ويوم السبت العظيم. مَن يريد اليوم أن يخدم القداس الإلهي في المساء عليه أن يقيم خدمة قداس باسيليوس الكبير المتصل بصلاة المساء، على أن يبدء الصوم من غروب اليوم الذي يقام فيه، أي الساعة الرابعة مساء، ويكون التناول بعد منتصف الليل.

وكان أول ظهور لبداية الليتورجيات (القداس الإلهي) في القرن الثاني، وصارت الإفخارستيا تقام في الصباح بدلًا من المساء. ثم ما بين القرنين الثاني والثالث تشكلت صلاة السَحَر وأخذت خدمة القداس الإلهي ترتبط بخدمة هذه الصلاة. وتم نقل خدمة القداس الإلهي من المساء إلى الصباح عند شروق الشمس، لما له أيضًا (شروق الشمس) معانٍ لاهوتية في علاقته مع القداس الإلهي. كما أنه وبسبب ارتباط التناول من الجسد والدم الإلهيين بالصوم الإفخارستي، الذي كان يبدأ من غروب اليوم الذي يُقام فيه القداس الإلهي، أخذت الكنيسة في عمق ضميرها الكنسي بأن القداس الإلهي ينبغي أن يُقام دومًا في الصباح، وأن تكون فترة الامتناع الكامل عن الأكل من منتصف يوم الليلة التي يُقام فيه القداس الإلهي تلطيفًا منها للمتقدمين للتناول بسبب ضعف الجسد.

لأن التلاميذ يوم الخميس العظيم لم يصوموا بل تعشوا ثم مباشرة أعطاهم يسوع المسيح الجسد والدم الإلهيين، بالإضافة إلى إنه عليه أن رفض أن يقام القداس الإلهي يوم الأحد، فإنه عليه أيضًا أن يرفض أن يقام سر الشكر وبالتالي سائر الصلوات في أماكن صلاة خاصة، أي في الكنيسة، بل أن يُقاموا في المنازل؛ لأن يسوع المسيح يوم الخميس العظيم اجتمع هو وتلاميذه في منزل” فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الْفَطِيرِ. حِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ، قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نَمْضِيَ وَنُعِدَّ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟». فَأَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيُلاَقِيَكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ. وَحَيْثُمَا يَدْخُلْ فَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: إِنَّ الْمُعَلِّمَ يَقُولُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ فَهُوَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً مُعَدَّةً. هُنَاكَ أَعِدَّا لَنَا». فَخَرَجَ تِلْمِيذَاهُ وَأَتَيَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا. فَأَعَدَّا الْفِصْحَ” (مر 12:14-16).

6-إطلالة على تقنين الصوم الإفخارستيّ في القرون الأولي دون تحديد المدة الزمنيّة المقرّرة قبل التقدّم للتناول المقدّس:

ويطلعنا المطران يوسف الدبس رئيس أساقفة بيروت: «لا نري الإنجيل عيّن لنا وقتًا نصوم به فالكنيسة منذ أيام الرسل فرضت شريعة الصوم» (راجع، يوسف الدبس (المطران)، مواعظ، القسم الثاني، بيروت، 1874، ص66). ولكن أوّل من لفت النظر إلى الصوم استعدادًا للتناول هو ترتليانوس الأفريقي الذي عاش في مطلع القرن الثاني الميلاديّ. ففي الرسالة الثانية التي وجهها إلى امرأته، حذّرها رجل غير مؤمن في زواج ثان: «هل ستُخفين عن أنظاره ما تتناولينه سرًّا قبل أي طعام آخر؟ وإن اكتشفت أنه خبز، أفلن يفترض أنّه ذلك الخبز الذي طبّق ذكره الآفاق». ونستلهم من هذا النص يفترض أن المسيحيين كانوا يحملون خبز القربان إلى بيوتهم ليستطيعوا أن يتناولونه فيها. ولكن تتوفر لدينا معلومات عن الصوم الإفخارستيّ لدي القديس إكلمينس (150- 216) والعلامة أورجانيوس (185- 255) دون تحديد مدة الصوم إذ يقولان: «أن الصوم كان ضروريّا قبل التناول من الإفخارستيا».

أمّا النص الثاني، وهو الأقدم والأصرح، فإنه ورد في التقليد الرسولي وضعه هيبوليتس (حوالي 215): «يُطلب إلى جميع المؤمنين أن يهتموا بتناول القربان قبل أن يذوقوا أطعمة أخري». ويدخل التقليد الرسولي في جميع النصوص القانونيّة اللاحقة، مع إضافة بعض الأمور أو حذفها في كل مرة: هي قوانين هيبوليتس، قوانين الرسل، وصية ربّنا، وكتاب المجالّ. فنجد قاعدة التقليد الرسولي التي وضعها هيبوليتس، وفي القانون 43 من قوانين الرسل الواحد والسبعين، وفي رسالة بطرس إلى إكليمنس التي يستشهد بها أبو البركات ابن كبر. ولقد انتشرت قوانين الصوم قبل التناول في جميع كنائس الشرق بطريقة غير مباشرة، عبر تلك الوثيقة الرومانية الأصل. وإذا فتشنا كتاب المجالّ نندهش لأنّه لا يتضمن أيّ إشارة تختصّ بواجب الصوم قبل التناول! والحال أنّ ممارسته، حين جُمعت كل تلك الوثائق، كانت تشمل الكنيسة كلّها.

وقد جاء في قرارات ورسائل أمور طقسيّة ومسلكيّة للحبر الروماني سِيرِقِيُوس (384- 399): «كلٌّ مؤمنٍ فليجعل أَدَبَهُ أن يتناول من السرائر، من قبل أن يذوق شيئا، […] ولا يذق أحد شيئًا إلا بعد أن ينال من السرائر المقدسة لا سيما أيام الصوم».

ونلاحظ أيضًا – كأمر يشذّ عن القاعدة العامّة فيؤكدها – ما يُشير إليه المؤرخ سوزمين الغزّاوي الأصل، الذي عاش في القرن الخامس الميلاديّ، وألّف تاريخ الكنيسة في النصف الثاني من سنة 443 حتى سنة 448، فيما يتعلّق بالفوارق التي يجدها بين رتب مختلف الكنائس: «في العديد في قري مصر ومدنها، وخلافًا للعادة المألوفة عند المؤمنين، يجتمعون في مساء السبت، بعد تناول الطعام، يتقرّبون من الأسرار المقدّسة».

يوضّح القدّيس أوغسطينوس (354-430): «إنه من الأمور الواضحة إن التلاميذ عندما تناولوا جسد الرب ودمه لأول مرة لم يكونوا صائمين. فهل يجيز لنا هذا أن نتقد الكنيسة الجامعة لأنها لا تجيز في أي مكان يتناول هذا السر إلا من كان صائمًا؟ لا على الاطلاق. لأن الرّوح القدس شاء من ذلك الحين أن يحدد إنه تكريمًا لسر عظيم كهذا يجب أن يؤخذ جسد الرب قبل كل طعام يتناوله المسيحي بفمه. وهكذا شاعت هذه العادة التي أشرنا إليها وصارت مرعية في كل مكان. أن يوم خميس العهد كان يصنع عشاء قبل قداس الليل تمثلاً بالعشاء الأخير الذي صنعه الرب مع الرسل (رسالة54: 7و 9)»، إذًا هو الصوم قبل التناول هي عادة سائدة ولكن دون تحديد المدة الزمنيّة المقرّرة قبل التقدّم للتناول.

ويكتب مار إسطفانوس الدّويهي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، منارة الأقداس، الجزء الأول، بيروت، 1895، ص280- 283: «غير أنّ كثيرين من القدماء كانوا يُقدّسون ويتناولون وهم فاطرون وذلك اعتمادًا على شهادة الأناجيل المقدّسة المنبئة أن السيد المخلص قدّس جسده الطاهر ووزّعه على التلاميذ بعد العشاء على أن الحبر الروماني البابا دِيُونيسِيُوس (259- 268) قد نهى المؤمنين أن يتناولوا القربان وهم فاطرون مُطلقًا. وفي حبريّة البابا أُوطيخِيانس (275- 283) ثبت تلك السنّة القديمة ورتّب قصاصًا على من يتعداها بخصوص أن الفطور يمنع الكاهن من خدمة القداس فإنّ كان صغير السن فرض عليه أن يصوم ثلاثة أيام وإن كان كبيرا فسبعة أيام وان كان كاهنا فعشرين يومًا ومن ذلك الحين امتنع تناول القربان بعد الفطور ما خلا نهار خميس الأسرار فكانوا يتلون القداس فيه وهم مفطرون تشبها بما صنع المسيح. وكذلك في الأعياد الكبيرة إذا حدث إن واحدًا أكل أو شرب بغير تعمد كان يتناول القربان بإذن الكاهن كما ذكر يعقوب الرهاوي. وكذلك إذا مات أحد من الرؤساء أو الكهنة كانوا يُقدّسون من أجله ولو كانوا فاطرين. غير أنّه لما اجتمع مجمع قرطاجنة حدّد الآباء في القانون التاسع والعشرين أن لا تتقدس أسرار المذبح إلا ممن هو صائم ما عدا خميس الأسرار. وإذا توفي أسقف أو غيره بعد الفطور فلا يقدس من أجله الكهنة بل يجنزونه ويذكرونه في الصلاة والدعاء فقط. وبما أن بعضا من الكهنة قد تعدوا هذه الوصية وبّخهم الآباء الذين اجتمعوا في براقا وقرّروا في القانون العاشر أن كل كاهن تجاسر وقدّس لأجل المتوفين وهو فاطر فليعزل من درجته. وكذلك الآباء الثلاثمائة والستة والستون الذين اجتمعوا في مدينة اللاذقية قد حكموا بأن الخميس الكبير يجب فيه الصوم كمثل الأيام الأربعين.

ولما التأم السينودس السادس في القسطنطينية تقرّر وجوب الصوم يوم خميس الأسرار وأن لا يقدّس فيه أحد وهو فطر. فانقطعت تلك العادة وتلاشت وحصل الاتفاق في كل البيعة أن الكهنة لا يقدسون الأسرار إلا وهم صائمون. وإن العوامّ أيضًا لا يتناولونها إلا كذلك. وقال القديس أوغسطينوس أن العادة كانت في عصره أن يكرم هذا السر العظيم الذي هو جسد الرب فيتناوله المؤمن بفمه قبل أن يذوق شيئا من المأكل والشرب وأصبح هذا محفوظًا في المسكونة بأسرها. وقد حلف يوحنّا الذهبي الفم لقرياقوس الأسقف في رسالته الثالثة مبرئا نفسه مما اتهمه به بعض ذوي الغايات الفاسدة من أنه ناول القربان المقدّس بعض أناس فاطرين وقال: إن كنت فعلت هذا فليمسح اسمي من دفتر الأساقفة ومن سفر الإيمان القويم ويطردني الرّب من ملكوته […] وفى بدء البيعة كان المؤمنون لا يأكلون بعد تناول القربان حالا بل بعد مضي ثلاث ساعات عليه وأكثر كما هو واضح من رسالة إقليمنضس الثاني إلى يعقوب أخي الرب ومن عظات يوحنا الذهبي الفم في تفسير الرسالة الأولى لأهل كورنتوس لأجل زيادة العبادة وقبول جسد الرب حتى يكونوا مماثلين الرسل الأطهار الذين كانوا بعد كسر الخبز المقدس يواظبون على الطلب والتسبيح. غير أن الآباء الأطهار ما أرادوا أن يلزموا المؤمنين ذلك لأجل ضعف الطبيعة بل ألزموهم الصوم قبل التناول لكي يتحدوا بالرب في العقل والإرادة لأن زيادة الامتلاء من الأكل تشغل البال وتغثى على البصيرة وآدم الأول خسر النعمة بسبب المأكل. غير أنّه إذا صار الإنسان إلى خطر الموت فللكاهن أن يناوله زوادة الحياة الأبدية ولو كان فاطرًا». وفي كتاب أُصول الدين للبطريرك إيليّا الثاني (1131)، «أطلق الآباء الأكل إلى ساعتين من الليل وشرب الماء إلى نصف الليل ومنعوا معهما الغذاء انتصاف الليل لأن الغذاء يتصرم من المعدة إلى آخر ست ساعات وأكثره إلى آخر ثماني ساعات»، (راجع، إيليا الثاني (البطريرك)، كتاب أصول الدين، الجزء الثاني، التراث العربي المسيحي=18 ، بيروت، 2005، ص365و366)

7-شريعة الصوم الإفخارستيّ في المجامع المكانيّة والمسكونيّة:

جرت العادة منذ العصور الأولى بأن يوزع سر القربان على المؤمنين وهم صائمون ففي أواخر القرن الرابع قررت مجامع مختلفة أن كل من يقدم على الاحتفال بذبيحة القربان عليه أن يحفظ الصوم. وأول تعبير عن الصوم الإفخارستيّ في قوانين مجمع اللاذقية (343- 381): القانون 50: «كان الصوم في استقبال سر الشكر (الإفخارستيا) عامًا في الكنيسة قبل المجمع الخامس السادس. […] وإذا كان الرب قد وضع هذا السر بعد تناول أطعمة أخرى فلا يعنى ذلك أن الإخوة يجب أن يجتمعوا معا لتناول هذا السر بعد أن يكونوا قد تغدوا أو تعشوا أو أن يتشبهوا بالذين ووبخهم الرسول ونبههم إلى خطأهم لأنهم لم يميزوا بين عشاء الرب وطعام العادي. بالحقيقة إن المخلّص رغبة منه في أن يبرز أعماق هذا سرّ لتلاميذه بصورة أشد نفوذًا سرّ أن يطبعها في قلوبهم وفى أذهانهم بتأجيله تأسيسه إياه ليكون آخر ما يقوم به من الأعمال قبل أن يغادرهم إلى آلامه. وذلك لم يضع لهم النظام الدي يجب أن يحفظ به هذا السر تاركًا ذلك للرسل. وقد شاء أن يرتب بواسطتهم كل ما يختص بكنيسته. ولو أنّه أمر أن هذا السر يجب أن يتناول دائمًا بعد الطعام فاعتقد إنّه لم يكن من يخالف أمره هذا ولكن عندما يقول الرسول متحدثا عن هذا السر: «فمَتى اجتَمَعتُم إِذًا يا إِخوَتي لِتَناوُلِ الطَّعام، فلْيَنتَظِرْ بَعضُكُم بَعضًا. فإِذا كانَ أَحدُكُم جائِعًا فلْيَأكُلْ في بَيتِه، لِئَلاَّ يَكونَ اجتمِاعُكُم لِلحُكْمِ علَيكم. أَمَّا سائِرُ المَسائِل فإِنِّي أَبُتُّها عِندَ قُدومي إِلَيكُم» (1 كور 33:11-35) يجب أن نفهم من قوله إنه كان يعسر عليه أن يسهب في رسالته في وصف ما تجب مراعاته في الكنيسة الجامعة في كل أنحاء العالم ولكنه في زيارته الشخصية وضع لهم القواعد الواجب اتباعها. ويدلنا على ذلك إننا نجد مراعاتها موحدة الشكل مع كل ما دخل من تبوع واختلاف الى سواها من العادات. وعلى الرغم من صحة هذا القول لا ينكر أيضًا إنه في قليل من الأماكن استمرت العادة باعتبار يوم الخميس الكبير شاذا عن القاعدة فتقام فيه وليمة عيد تذكارًا لعشاء ربّنا الأخير وبعد ذلك تقام خدمة القداس الإلهي. وهي العادة أشار إليها هذا القانون وأمر بمنعها. وحقيقة الواقع ظاهرة في نص القانون وفي تفاسير الكتاب اليونانيين إن هذه العادة قد نبذت لا لمجرد إنها سببت قبول سر الشكر بدون صيام بل لأنها تضمنت أيضًا إقامة وليمة عيد فكان ذلك كسرا للصوم الكبير وتدنيسًا لكلّ ذلك الفصل المقدّس هذا ومن الغرابة أن نرى زونارس يبحث بحثًا جديا في هل يمنع أيضًا شرب الماء إذ إن القانون لا ذكر فيه إلا للأطعمة يمنع أيضا شرب الماء اذ ان القانون لا ذكر فيه إلا للأطعمة الجافة فينتهي إلى الاستنتاج بأن شرب الماء غير ممنوع». وجاء في مجمع هيبون المنعقد سنة383 في القانون 28 ما يلي: «لا يجوز أن يحتفل بسرّ الذبيحة إلا من كان صائمًا» وقد صار فرضًا كالقانون تدريجيًا كي يكون هناك احترامًا للإفخارستيا. وبعد ذلك بقليل أي سنة 397 أعلنت الوصية بالكلمات ذاتها في مجمع قرطاجة الثالث، الفصل 29، وفي أوائل القرن الخامس اعتبرت هذه العادة شائعة منذ القدم حتى كان للقديس أوغسطينوس أن يؤكد أن القربان المقدس لا يقبله إلا من كان صائمًا وأن هذه العادة صارت عامة(رسالة54). وكان الصوم الإفخارستيّ يبدأ منذ منتصف الليلة السابقة للاشتراك الإفخارستيا وذلك بالامتناع من الأكل والشرب. وفي قوانين البطريرك تيموثاوس الإسكندري (380- 385) في السؤال رقم16: أن شرب الماء قبل التناول لا يمنع أن نتناول. ومجمع ترولو القانون 29: فقد منع القسوس من إقامة القداس في ذلك اليوم ما لم يكونوا صائمين. وقوانين الآباء الــ 217 المطوبين الذين اجتمعوا في قرطاجة في السنة 419: القانون 41: لا يجوز بخدمة قدسات المذبح إلا من كان صائمًا في ما عدا الاحتفال السنوي لعشاء الرّب […] لا يقدمن الأسرار من لم يكن صائمًا. وظهرت غيرة الكنيسة على حفظ الصوم الإفخارستي من العقوبات الصارمة التي أنزلتها على من كانوا يخالفونها. فهذا هو مجمع توليد السابع يهدد بالحرم الذين يحتفلون بالأسرار المقدّسة وهم غير صائمين (مجمع توليد السابع الفصل الثاني). وقبله سنة 572 مجمع براغا الثالث (القانون العاشر ومجمع ماكون الثاني (القانون 62) كانا قد أقرّا نزع الوظيفة عن كل الذين يرتكبون هذه المخالفة على أن الكنيسة كانت تعتبر أحيانًا على مر الأجيال إنّه لا بد من التساهل مع المؤمنين في شريعة الصوم في بعض الحالات الخاصة لذلك نري قرار مجمع كونستانس المسكوني(1414-1418) وهو المجمع السادس عشر التي تسلمته الكنيسة الكاثوليكية، الجلسة 13 الصادرة بتاريخ 15 يونيو 1415، وهذا القرار ثبّته قداسة البابا مرتينوس الخامس في أول سبتمبر1425: قرار في شأن تناول شكل الخبز وحده: لقد قاد الغرورُ بعض النّاس، في بعض أنحاءِ العالم، إلى الشّططِ في إثبات أنّ الشعب المسيحيّ يحب أنّ يتقبّل سرّ الإفخارستيّا المقدّس في شكليّه الخبزِ والخمرِ، وأنّ على جميع العلمانيّين أن لا يقتصر في تناولهم على شكل الخبز وحده، بل أن يتناولوا على شكل الخمر أيضًا حتى بعد تناولهم الطّعام أو بغير أن يكونوا صائمين؛ وهم يثبتون في عناء أنّه يجب التناول على خلاف عادة الكنيسة الحميدة التي تسير على سنّة العقل، يعملون على نبذها فلى غيّهم وعلى عدّها انتهاكًا لحرمة القدسيّات. لهذا السّبب يعلن مجمع كونستانس العام والحاضر، ويقرّر ويُحدِّد أنّه، وإن أنشأ المسيحُ هذا السرّ الجليل بعد العشاء وناول تلاميذه منه في شكلَي الخبز والخمر، فسُلطة القوانين المقدّسة الحميدة، وعادة الكنيسة المتّفق عليها دعمتا وتدعمانِ أن لا يُقام هذا السرّ بعد الطعام، وأن لا يتقبّله المؤمنون إلا صائمين ما لم يكن هنالك ضرورة مرض أو غيره يعترف بها القانون والكنيسة.

8-شريعة الصوم الإفخارستيّ في التقليد القبطيّ بدون تحديد المدة الزمنية:

يسرد لنا تاريخ البطاركة المنسوب للأنبا ساويروس بن المقفع، أن في بطريركية الأنبا ميخائيل الأول (735 – 759)، الجزء الأول، الطبعة الثانية، القاهرة، 2011، ص203و204: بعد إطلاق سراح البطريرك ميخائيل الأوّل توجَّه إلى كنيسة الشهيدين سرجيوس وباخوس، ورفع القرابين المقدسة شكراً لله، وتناول من يده جمهور غفير من الشعب. ويقول كاتب السيرة إن البطريرك منع أحد المصلِّين من التناول لأنه أفطر قبل مجيئه إلى الكنيسة، وعَلِمَ منه أنه هو وقوم كثيرون في الصعيد لم يكونوا يعرفون هذا الترتيب الكنسي بالصوم قبل التناول. فكانت فرصة أن حرَّر البابا منشوراً إلى كل الكنائس بضرورة الصوم قبل التناول.

وفي القرن العاشر يسرد لنا الأنبا ساويروس ابن المقفع أسقف الأشمونيين، في مؤلفه الدّر الثمين في إيضاح الدين، القاهرة، ص155: «فإذا كان أحد يريد أن يتناول سحرًا فيجب عليه أن يصوم من أول الليل لا يأكل ولا يشرب وإذ كان يتناول القربان في ثالث ساعة من النهار (9 صباحًا) فيجب أن يمنع عن الأكل والشرب من الثالثة من الليل(6صباحًا). وإذا كان يوم يصوم الى التاسعة من النهار (3 بعد الظهر) فالواجب عليه أن يصوم قبل السادسة من الليل لأنها ليلة صوم وإنما فسح له الى الساعة السادسة من الليل لضرورة ما أو غير ذلك من الأمور التي لا بد منها».

وفي مجموع قوانين غبريال بن تريك البطريرك السبعين (1131- 1145)، حققه عن المخطوطات وقدّم له الأب أنطونيوس عزيز مينا، التراث العربي المسيحي=12، الجزء الأول، بيروت، 1993، ص266-267: «كلٌّ مؤمنٍ فليجعل أَدَبَهُ أن يتناول من السرائر، من قبل أن يذوق شيئا، […] ولا يذق أحد شيئًا إلا بعد أن ينال من السرائر المقدسة لا سيما أيام الصوم […] والمُتَعمِّدون الأُخَرُ الذين صاموا، لا يذُوقُوا شيئًا من قبل أن يتناولوا جسد المسيح. لأنّه لا يُعدُّ لهم صوم بل خطيئة. والذي يذوق شيئًا قبل أن يتناول الجسد فإنّه يُخالف ويزْدرى بالله. وإذا كمل القدّاس، له السلطان أن يأكل ما أحبّ».

ويسطر لنا الصفي أبو الفضائل ماجد أبي المفضل أسعد أبو إسحق إبراهيم أبو البشر يوحنّا الكاتب المصري العسّال، ولد علي الأرجح في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، القاهرة، 1908، ص147: «ولا يتناول أحد القربان إلا وهو صائم نقي ومن أفطر من المؤمنين والمؤمنات ثم تقرب إن كان فعل ذلك تهاونًا به فلينف من كنيسة الله إلي الأبد»

ويذكر القس شمس الرياسة بن الشيخ الأكمل الأسعد أبو البركات بن كبر، الذي عاش في أواخر القرن الثالث عشر، وسيم قسيسًا في كنيسة المعلقة باسم القس برصوم، وتنيح في يوم 10 من شهر مايو لسنة 1334، وفي مؤلفه مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة، في الباب الخامس، حققه الأب سمير خليل اليسوعي، مكتبة الكاروز، القاهرة،1971، ص114«لأجل أنه يجب على المؤمنين أن ينالوا من الأوخارستيه –يعني القربان-أولا في الوقت الذي يحمل فيه من قبل أن يذوقوا شيئًا».

وفي مقالة لمجهول في القربان المقدس: «أن يكون متناوله صائمًا لم يفطر على شيء أصلاً ومتى أحسّ في معدته بفضله من الطعام والشراب من امسه لا يجوز أن يتناوله حتى ينبغي التحرز من الكحل والسعوط قبل تناوله خشية من استطعامها. وكذلك ينبغي للإنسان ان يخفف من الاكل ويترك الشراب ليله نهار تناوله وكذلك من استطعم دما خرج من فيه او عطش في الليل فشرب الما بعد النوم (راجع، مقالة في القربان المقدس، دراسات شرقية مسيحية في الكنيسة المصرية لمؤلف مجهول عن المخطوط الفاتيكاني العربي 123 لسنة 1393، عنى بنشرها ونقلها إلى الإيطالية والتعليق عليها الأب ألفونس عبد الله الفرنسيسكاني، مؤلفات المركز الفرنسيسكاني للدراسات الشرقية المسيحية، القاهرة، 1967، ص376).

9-شريعة الصوم الإفخارستيّ في التقليد القبطيّ وتحديد المدة الزمنيّة:

أول مرّة يظهر تحديد صوم استعدادًا لتناول القربان المقدّس في التقليد القبطي في الخولاجي المقدّس، للقمص عبد المسيح صليب المسعودي البرموسي، القاهرة، 1902، ص195: «والعادة الجارية في كنائسنا القبطية الآن في الجيل 19 للمسيح هي أن يكون الاحتراس تسع ساعات قبل التناول»، ويذكر القمص يوحنا سلامة في كتابه «اللآلئ النفيسة في شرح طقوس ومعتقدات الكنيسة»، الجزء الأول، القاهرة، 1909، ص253«الصوم والانقطاع عن الطعام من 6-9 ساعات قبل الاشتراك…». ويذكر حافظ داود، تفسير قداس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، القاهرة، 1922، ص53 و54: «أن يكون صائمًا لم يذق شيئًا منذ تسع ساعات على الأقل لأنّه سيتناول من الأسرار المقدسة. أما الصوم فهو لتطهير باطن الجسد، وحتى يصير تقديم بل تفضيل الطعام الحي عن الطعام البائد، ولكي لا يمتلئ الإنسان من الأطعمة التي غالبًا ما يصحبها سوء هضم أو تخمة أو ضيق صدر أو ما شابه ذلك مما يضعف حواس الجسد عن التمتع بنعمة العهد الجديد. وعلى ذلك رتبت الكنيسة من أول عصورها أن كل من يتناول من الأسرار المقدّسة يجب أن يكون صائمًا» وأيضًا يذكر الشمّاس جرجس صموئيل عازر الأخميمي في المحاضرات التي ألقيت في سوهاج في يناير لسنة 1935 وجمعت في كتاب يحوي 598 صفحة ويحمل اسم: «الإفخارستيا أو القول السديد عن السر المجيد»، القاهرة، 1971، ص374: «تحتم الكنيسة على أبنائها أن يصوموا انقطاعًا قبل التناول هي من 6-9 ساعات». وأيضًا في الخولاجي المقدّس للقمص عطا الله أرسانيوس المحرّقي، القاهرة، 1959، ص 189: «والعادة الجارية في كنائسنا القبطية الآن في الجيل 19 للمسيح هي أن يكون الاحتراس تسع ساعات قبل التناول» ويذكر القمص منقريوس عوض الله، منارة الأقداس في شرح طقوس الكنيسة القبطية والقداس، الكتاب الثالث، القاهرة، 1971، ص80: «الصوم وأقله تسع ساعات قبل التناول» ثمّ توالت الطبعات الحديثة بشأن ذلك. ونختم بما سطره الأنبا غريغوريوس: «هي العادة 9 ساعات على الأقل- تخفض بالنسبة للمريض إلى 6 ساعات، وبالنسبة للطفل إلى 3 ساعات» (لمن يهمه الأمر (راجع، غريغوريوس (الأنبا)، أصوامنا العامة السبعة، الجزء الثاني، منشورات أسقفية الدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي، سلسلة المباحث اللاهوتية والعقائدية =45، القاهرة، 1993، ص173). ويكتب الأنبا يوأنس: «مدة الاحتراس: كلمة “الاحتراس ” مصطلح كنسي يقصد به المدة السابقة للتناول التي يمتنع خلالها المؤمن عن الطعام والشراب حينما يريد التقدم للأسرار المقدسة ومعروف أن هذه المدة هي تسع ساعات فهل تسري هذه الساعات التسع في حالة القداسات التي تنتهي بعد الظهر كما في أيام الصوم الكبير وبذا يستطيع من يريد التقدم للتناول أن يتناول طعاما في الصباح ثم يصوم تسع ساعات؟ قطعا لا فإن يومنا يبدأ من منتصف الليل – وعلى ذلك فيجب أن يكون الانسان صائما من منتصف الليل حتى يتناول أما الساعات التسع فتلاحظ في القداسات التي تنتهي باكرًا جدا كقداس سبت الفرح أو القداسات التي تقام ليالي الأعياد أو في مناسبات مشابهة» (راجع، يوأنس(الأنبا)، بستان الروح، الجزء الأول، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1981، ص106). والمدهش في ذلك أن الدكتور جورج حبيب يقول: «ليس لدينا قانون كنسي يفرض علينا الصوم قبل التناول[…] تناول الطعام أثناء القداسات حسب الممارسة القديمة، لا يغير من إيماننا بالمرة لأن الجسد والدم هو عطية الابن له المجد لنا، وهي عطية نستعد لها حسب قدرة كل واحد منا وحسب قاعدة الافراز السابقة. وإذا ضاعت هذه الممارسة ووجدت الكنيسة أن حذف مائدة الأغابي، وتأجيل تناول الطعام بعد التناول، فهذه مسألة لا علاقة لها بالإيمان بجسد ودمه وإنما هي كما ذكرنا من قبل هي الأغابي[…] إن منع التناول عن غير الصائمين هو عقوبة كنسية حددها القانون الكنسي في حالات محددة وهي: الارتداد- الجرائم العلنية مثل القتل والزني- الهرطقة بعد محاكمة كنسية. ولا يوجد قانون يمنع التناول بسبب عدم الصوم والكنيسة التي تقود شعبها بالقانون وحده هي كنيسة فاشلة لم تدرك أن القانون ليس هو قاعدة الإيمان هي التي تحرك كل شيء وكلمة قانون حسب الاشتقاق اللغوي تعني: الدفة التي توجه حركة السفينة ولكن حركة السفينة هي قوة دفع النعمة» (راجع، جورج حبيب بباوي(الدكتور)، حقيقة وجوهر ما يشاع باسم العقيدة الأرثوذكسية في كتاب بدع حديثة للأنبا شنودة الثالث، الكتاب الأول: الرد علي كتاب بدع حديثة، القاهرة، 2008، ص72و73و78).

10- الصوم الإفخارستي من واقع الرحّالة الأجانب لزياراتهم للأديرة والكنائس القبطية:

يسطر س. هــ. ليدر البريطاني الذي يتحدث عن الصوم الإفخارستي في السنة 1918: «الملمح الواضح الآخر هو أنه بالرغم من طول القداس (الذي يشمل في صباح يوم الأحد رفع بخور باكر قبل الإفخارستيا) حيث يستمر حوالي أربع ساعات فليس هناك أي ترتيب لتوفير أماكن لجلوس الرجال ومع أنه لا يوجد من بين هؤلاء الرجال من ينوى التناول فلا بد أن يأتوا جميعا وهم صائمون حيث يصلون فيما بين الساعة السابعة والثامنة صباحا وهم يعرفون أن القداس لن ينتهي إلا بين الحادية عشرة والثانية عشرة». (راجع، س. هــ. ليدر، أبناء الفراعنة المحدثون دراسة لأخلاق أقباط مصر وعاداتهم، ترجمة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2008، ص209).

وأيضًا يكتب: «تقام القداسات في الكنيسة مساء كل جمعة وسبت وهناك قداسات أيام الأربعاء وهي تستمر بصفة عامة لمدة أربع ساعات تقريبا وأثناء الصوم الكبير هناك قداس كل يوم وهناك قداسات في أيام القديسين كلها وأيام الأعياد يحافظون على صيام يوم الجمعة حتى الظهر وجميعهم يصومون يوم الأحد حتى انتهاء قداس الإفخارستيا سواء أكانوا سيتناولون أم لا (راجع، المرجع السابق، ص 245- 249). ونستلهم من ذلك أن موضوع الصوم يمتد لأكثر من 9 ساعات والواقع هو الذي يفرض نفسه فوق التقنين.

11- شريعة الصوم الإفخارستي والبطريركيات الشرقية:

قد ورد في كتاب خدمة القداس الإلهي، للأرشمندريت جراسيموس مسرّه، بأذن غبطة مار كيريوس كيريوس جراسيموس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، بيروت، 1890، ص170 تنبيهات للكهنة: «أن يكون صائمًا ليلة الخدمة أو أن يكون عشاؤه فيها خفيفًا». وقد حدد مجمع أساقفة الكنيسة السّريانية المنعقد سنة 1971 برئاسة مار إغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الصوم الذي يسبق التناول بثلاث ساعات على الأقل قبل تقديم الذبيحة الإلهية. وقد جاء في كتاب تفسير القداس بحسب طقس الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الأنطاكية، بقلم المطران إسحق ساكا، الطبعة الثالثة، لبنان، 2003، ص104: في تطلب القداس من المؤمن: «الصوم قبل سماع القداس». يذكر الصوم بدون تحديد المدة الزمنية. ويكتب مار كاليستوس وير أسقف ذيوكليا، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعبادة، سلسلة تعرّف إلى كنيستك=11، الطبعة الثانية، بيروت،2012، ص170«وتشدّد الأرثوذكسيّة على ضرورة صوم صارم قبل المناولة. يجب ألا يؤكل وألا يشرب منذ منتصف الليل».

12-شريعة الصوم الإفخارستيّ والكرسي الرسولي في القرن العشرين:

في حبرية قداسة البابا بيّوس الثاني عشر (1939- 1958) صدرت البراءة البابوية في تشريع رسولي جديد في الصوم الإفخارستي الصادر بتاريخ 6 من شهر يناير لسنة 1953 وإننا نقتطف منها التعليمات بشأن الصوم الإفخارستي:

1-على جميع الذين لا يوجدون في الحالات الخاصة التي نعنيها فيها نعد، أن يتابعوا حفظ الصوم الإفخارستي اعتبارًا من نصف الليل، وأننا نسن قاعدة عامة يمكن للكهنة وللمؤمنين أن يعتمد وها منذ اليوم وهي أن الماء الطبيعي لا يبطل الصوم الإفخارستي.

2-يمكن للمرضى حتى إذا لم يكونوا ملازمين الفراش – بعد أن يأخذوا رأى معرف حكيم – أن يشربوا شيئًا سائلاً أو علاجًا حقيقيًّا على ألا يكون من المشروبات الكحولية. وينعم بهذا الترخيص الكهنة المرضى إذا احتفلوا بالذبيحة المقدسة.

3-الكهنة الذين يقدسون في ساعات متأخرة أو بعد القيام بخدمة رعوية مجهدة أو عقب سفر طويل، يمكنهم أن يشربوا شيئًا، على ألا يكون من المشروبات الكحولية، وعليهم أن ينقطعوا عن الشرب ساعة على الأقل قبل الاحتفال بالقداس.

4-الكهنة الذين يحتفلون بقداسين أو ثلاثة يمكنهم أن يأخذوا في القداس الأول أو الثاني غسيل الكأس ويشربونه بشرط أن يكون غسيل الكأس بالماء الصافي وليس ممزوجا بأي شيء كان.

5-والمؤمنون أنفسهم ولو كانوا معافين إلا أنه يوجد لديهم ما يمنعهم من حفظ صوم كامل قبل المناولة (شغل متعب أو عدم التمكن من المناولة إلا في ساعة متأخرة أو بعد سفر طويل)، يمكنهم بعد استشارة معرف حكيم –وطالما هم في مثل هذه الحال –أن يشربوا شيئًا بشرط أن لا يكون من المشروبات الكحولية وأن ينقطعوا عن ذلك أقله سلعة قبل المناولة.

ونولى الرؤساء المحليين السلطة أن يسمحوا بإقامة ذبيحة القداس بعد الظهر إذا دعت الحاجة على ألا يبدأ بالقداس قبل الساعة الرابعة عصرًا في أيام الأعياد المأمورة حتى الملغاة منها، وفى أول جمعة من الشهر والأيام التي يجرى فيها احتفال يحتشد فيه جميع (من المؤمنين)، ومرة واحدة في بحر الأسبوع. وعلى الكاهن إذ ذاك أن يحفظ الصوم الإفخارستي منقطعًا ثلاث ساعات قبل القداس عن الأطعمة الجامدة والمشروبات الكحولية وساعة واحدة عن بقية السوائل. ويمكن للمؤمنين أن يقتربوا من المائدة المقدسة في مثل هذا القداس على أن يحفظوا شريعة الصوم كما فرضت على المحتفل بالقداس مع مراعاة نص قانون 857.

أما في بلاد الرسالات حيث لا يمكن للكاهن أن يزور المراكز النائية إلا نادرًا وبظروف خاصة فإننا نجيز للرؤساء المحليين استعمال هذه الإنعامات طول أيام الأسبوع. لكن ليسهر الرؤساء المحليون على أن يمنعوا كل توسع بتأويل هذه الإنعامات كما أو ليتلافوا كل سوء تصرف واستهتار فإنما منحنا هذه الإنعامات لأن أحوال الناس اليوم وظروف الزمان والمكان تقتضى مثل ذلك ولكننا نريد أن نلح هنا على ما للصوم الإفخارستي من أهمية وقيمة وتأثير عند الذين يقبلون فادينا الإلهي محتجبا تحت أعراض الإفخارستيا وكلما تغيرت هذه الأحوال الطارئة ينبغي للنفس أن تعوض ما أمكن سواء بالتوبة الباطنية أم بطريقة أخرى وفقا لتقاليد الكنيسة التي تعودت كلما فسحت من الصوم أن تأمر بأعمال بر بدلا منه لذلك على الذين يستفيدون من هذه الإنعامات أن يرفعوا إلى السماء صلواتهم بحرارة مضاعفة وبروح العبادة والشكر لله وأن يسألوه بنوع خاص مغفرة خطاياهم ويلتمسوا مساعدات جديدة وإذا ذكروا أن يسوع المسيح انما جعل الإفخارستيا “ذكرا دائما لآلامه”(القديس توما مجلد 57) يحركون في نفوسهم عواطف التواضع والتوبة المسيحية التي يثيرها بدون شك التأمل في آلام فادينا الإلهي الذى يقدم نفسه ذبيحة دائمة على مذابحنا فيجدد عربون محبته السامية لنا فليقدموا فيض ثمار محبتهم كلها نحو القريب. وهكذا يساهم الجميع في شد أواصر تلك الوحدة التي يقول فيها الرسول «فلمَّا كانَ هُناكَ خُبزٌ واحِد، فنَحنُ على كَثرَتِنا جَسَدٌ واحِد، لأَنَّنا نَشتَرِكُ كُلُّنا في هذا الخُبْزِ الواحِد» (1 كور 17:10). كل ما جاء في هذه الرسالة نريده ثابتا مقررا نافذا على الرغم من كل ما يخالفه ولو كان مثبتا بصورة خاصة وقد الغينا سائر الإنعامات والحقوق المعطاة من الكرسي الرسولي مهما كانت فيحفظ الكل وفى كل مكان هذه الشريعة بكل ترتيب ومساواة وبعمل بهذه الترتيبات كلها حال نشرها في مجلة أعمال الكرسي الرسولي.

ونستلهم من هذا التعليم الآتي:

1-أن شرب الماء لا يقطع الصّوم الإفخارستيّ.

2-فحدّد بعد الصوم بثلاث ساعات قبل القدّاس الإلهي للأكل.

3-ساعة واحدة لشرب السّوائل.

وفي حبرية قداسة البابا بولس السادس (1963- 1978) قد قام هذا البابا في 21 من شهر نوفمبر لسنة 1964، بتقليص الصوم إلى ساعة واحدة قبل القداس، استمّرت إلى يومنا هذا، وصدرت وثيقة «رتبة التناول والتعبد لسر الإفخارستيا خارج القداس الإلهي» وقد قامت بنقلها من الأصل اللاتيني إلى اللغة العربية وبإعدادها للطبع اللجنة البطريركية لليتورجيا في القدس، القدس في 17 يونيو 1976، الفصل الثاني، في بند “الصوم القرباني”:

أ‌) يمتنع المؤمن عن أي مأكول أو مشروب، عدا الماء، ساعة واحدة قبل التناول.

ب‌) يمتنع التالي ذكرهم عن أي مأكول أو مشروب كحولي، نحو ربع ساعة على الأقل قبل التناول:

1) المرضى، حتى غير طريحي الفراش، المقيمون في المستشفيات أو البيوت؛

2) الطاعنون في السن، المقيمون في منازلهم أو في ملاجئ العجزة؛

3) الكهنة المرضى، حتى غير طريحي الفراش، أو الطاعنون في السن، سواء رغبوا في إقامة القداس أم في التناول فقط؛

4) القائمون بخدمة المرضى والمسنين وأقرباؤهم، عندما يرغبون مشاركة أولئك في التناول، إذا تعذَّر عليهم الصوم ساعة كاملة.

13- الصوم الإفخارستيّ ومجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية:

ينص القانون 707: يجب أن تُحدّد بدقة في الشرع الخاص بكل كنيسة متمتعة بحكم ذاتي، قواعد تتعلّق بصنع الخبز القرباني، والصلوات الواجب على الكهنة تلاوتها قبل الاحتفال بالقدّاس الإلهي، وما يجب من صوم قرباني، والملابس الطقسيّة، وزمان الاحتفال ومكانه، وما أشبه ذلك. وأيضًا ينص القانون 713 في البند 2: في كلّ ما يخص الاستعداد للاشتراك بالقربان الأقدس، بالصوم والصلوات والأعمال الأخرى، على المؤمنين أن يتبعوا بأمانة قواعد الكنيسة المتمتعة بحكم ذاتي التي ينتمون إليها، لا في حدود منطقة كنيستهم فحسب، بل قدر المستطاع في كل أنحاء العالم.

14-الصوم الإفخارستي ومجمع الكنائس الشرقية:

صدر في وثيقة: «توجيه لتطبيق المبادئ الليترجية الواردة في مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة»، الصادرة بتاريخ 6 من شهر يناير 1996 في البند 62، ص89و90:

الصوم الإفخارستي: كان التقيد المتشدد بالصوم الإفخارستي تقليدًا شاملاً، وإن كان متنوعًا في أشكاله في جميع الكنائس الشرقية والغربية حتى الاصلاحات الأولى التي قام بها في هذا الموضوع البابا بيوس الثاني عشر. كان الصوم يعبّر، ولا يزال حتى اليوم، عن الاهتمام بتحضير روحيّ جدّيّ لتقبّل الإفخارستيّا، الخبز المحيي النازل من السماء. ورغبة في تسهيل البلوغ إلى الإفخارستيا قلصت كثيرا تلك الممارسة في الكنيسة اللاتينية. وعلى غرارها سار بعض الكنائس الكاثوليكية على الشرقيّة، فيما حافظت الكنائس غير الكاثوليكية على عوائدها، وإن كان ذلك لربما بطريقة أقل صرامة. إن تبديل نظام الصوم الإفخارستي أسهم في تعزيز مشاركة أكبر في الإفخارستيا، ولكنّه ساعد أحيانا في إضعاف وعي القيمة الخارقة ومعنى السر المحتفى به. ويعيد القانون 707 البند 1 من “م. ق. ك. ش.”. إلى الشرع الخاص في تحديد ما يلزم من قواعد في هذا الشأن. فيجب تقويم مناسبة إمكانيّة إعادة نظم الصوم القديمة، ولو جزئيًّا في الكنائس الكاثوليكية الشرقيّة، مع الأخذ بعين الاعتبار، في الوقت نفسه، بمعنى الممارسة التقليديّة التي لا تتناسب دومًا بدقة والحساسيّة اللاتينيّة، وبضرورة التكيّف مع تبدل أوضاع حياة العالم الحاضر.

15-الصوم الإفخارستيّ والتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية:

ينص في البند 1387: على المؤمنين أن يراعوا الصوم المفروض في كنيستهم ليُحسنوا الاستعداد لقبول هذا السرّ. ويجب أن يعبّر الجسمُ (بلياقة هندامه وتصرفاته) عمّا تكنُّه هذه اللحظة التي يصبح فيها المسيح ضيفننا، من معاني الاحترام والحفاوة والبهجة. وأيضًا البند 1388: وينطبق على معني الإفخارستيّا بالذات أن يتناول المؤمنون عندما يشتركون فيها في القدّاس، بشرط أن يتحلّوا بالاستعدادات المطلوبة: يحرّض المؤمنون بشدّة على أن يشتركوا في القدّاس بوجه أكمل، فيتناولون، بعد تناول الكاهن، من نفس ذبيحة جسد الرب. وفي كتاب YOUCAT (التعليم المسحي الكاثوليكيّ للشبيبة) في البند 220: قبل سنوات قلية وكانت العادة أن نمتنع كليا عن الأكل ثلاث ساعات على الأقل الاحتفال الإفخارستي هكذا كنا نستعد للقاء بالمسيح في تناول القربان أمام اليوم فالكنيسة تطلب أقله صيام ساعة.

16- الصوم الإفخارستي والشرع الخاص لكنيسة الإسكندرية للأقباط الكاثوليك:

اجتمع أعضاء السينودس البطريركي برئاسة غبطة أبينا الأنبا إسطفانوس الثاني بطريرك الإسكندرية وسائر الكرازة المرقسية في صباح يوم الاثنين الموافق 9 من شهر فبراير لسنة 1987 إلى ظهر يوم الخميس الموافق 12 منه ونص في المادة 94 في الفقرة 6: «الصوم السابق للتناول المقدّس: بناء على نظام الكنيسة الكاثوليكية العامّ الحالي، بخصوص التناول المقدّس، يجب أن يكون المتناول صائمًا عن الأكل والشرب، ساعة واحدة على الأقلّ قبل التقدم للمناولة. أمّا شرب الماء فلا يمنع من التناول».

17- الهدف الروحي للصوم الإفخارستيّ:

هو أحد الأصوام الكنسية المعبّرة جدا التي تطلبها الكنيسة من جميع المؤمنين (باستثناء المريض والأطفال) في كل مرة يتقدمون إلى شركة الكنيسة (المناولة) ليفهموا بأكثر عمق طبيعة كيانهم المتوثّب إلى الأبد ويختبروا الان وهنا بعض ما سوف يذوقونه في فرح الملكوت الآتي. والصوم الإفخارستي الذي يختبر فيه المؤمن غياب العريس الإلهي وهذا ما قاله يسوع المسيح: «أَيَسْتَطيعُ أَهْلُ العُرسِ أَن يَحزَنوا ما دامَ العَريسُ بَيْنَهُم؟ ولكِن سَتَأتي أَيَّامٌ فيها يُرفَعْ العَريسُ مِن بَيْنِهم، فَحينَئذٍ يَصومون» (مت9: 15) وهو الشعّور الذي ينمّيه الرب في أتقيائه ليطلبوه بقوة أكبر، يقطعه حضور الرب والاتحاد به الذي يتم في يوم عرس الحمل لمّا يخطب الرب ودّ الكنيسة بكلمة الإنجيل، كما أوحى العلامة أوريجانس، ويقترن هو نفسه بها إذا ما سكب فيها جسده ودمه. والصوم قبل التناول هو الجوع إلي الله ويدرج إلى الصوم الكلّي وهو الصوم الذي يقوم على امتناع كلي عن الشراب والطعام، امتناع تقتصر مدته على فترة قصيرة “يوم أم جزء منه والإفخارستيا تطلبه وتتوافق معه”. وفي ليترجية الكنيسة القديمة وكنوزها فتكشف لنا اسمًا خاصًا عرف به هذا النوع من الصوم بقوله إنه “التأهب” فيعطينا به من جهة أن نفهم أكثر طبيعة هذه الممارسة ومعناها الواسع فلا نهتم لما هو زائل والكنيسة الأولى كانت تنتظر الرب يسوع الذي “يأتي إليها في الإفخارستيا” والذي سيأتي بغتة “في آخر الأزمنة “لنكون بذات رصانتها وعمقها الروحي وتيقظها (مرقس 33:13-37). ولعلنا لا نزيد شيئا على فهم الفاهمين إن قلنا إن هذا الصوم هو “الصحراء التي تطلب الكنيسة من المؤمنين المرور فيها قبل الدخول الى أرض الموعد (يسوع المعطى لنا في الكأس المقدسة). ولذلك من أدرك أنه واحد وشعب الله المرتحل الى الراحة الأبدية واختار هذا العراء الطيب والتحف بالطاعة والفهم والحب له أن يهرب مما يردده بعض العامة والغرباء وأعني الذين شرعوا أبوابهم لكل ريح مضادة (يقولون مثلاً: إن هذا الصوم “وصفة قديمة جوفاء؟!”). وأهملوا ما أوصى به الروح الإلهي وأجمع على منفعته القديسون وشوّهوا معالمه لئلا يتوه وتأكله رمال الصحراء. هذه الوسيلة وغيرها مما ينفعنا ويربينا (الصلاة ومصالحة الاخوة….) يقيّد بها البار نفسه قبل أن يدنو من “النار الإلهية” (المناولة)، لتكون حياته كلها تعبيرًا عن انتظاره للرب الآتي وتاليا ثمارًا لحضوره البهيّ والاتحاد به. البهي والاتحاد به. ويكتب لنا الأب ألكسندر شميمن، في مقالته الشهيرة: الصوم والليتورجيا ملاحظات في اللاهوت الليتورجي: «الصوم الإفخارستي: ينبغي إطالته أو تقصيره بحسب طبيعة اليوم الذي يُقام فيه القداس (إذا كان قداس مساء الخاص بالأعياد أو قداس الصباح)، […]هو أنّ فترة صيام تسبق كلّ احتفال إفخارستي. التوقع ينبغي أن يسبق الإنجاز. من وجهة النظر هذه، الصوم الإفخارستي ليس مجرّد امتناع قبل المناولة، بل هو بالدرجة الأولى توقّع واستعداد روحي. إنّه صوم بالمعنى الروحي، انتظار للمجيء الأسراري. […]، يشكّل الصوم والإفخارستيا قطبين أساسيين لحياة الكنيسة يكمّل أحدهما الآخر، ويظهران التناقض الجوهري في طبيعتها: الانتظار والامتلاك، الملء والتطوّر، الأخروية والتاريخ[…] الصوم الإفخارستي هو صوم الكنيسة، بينما الصوم النسكي هو صوم المسيحي في الكنيسة. الأخير تحدده طبيعة الإنسان، الأول تحدده طبيعة الكنيسة. إذاً، خلال الصوم الكبير، يجد الصوم الإفخارستي خاتمته كلّ أَحَد في الملء الأخروي للسرّ، دون أن ينقطع الصوم النسكي، إذ إن الخبرة الدنيوية تثبت أن ثماره الروحية تنضج ببطء وتتطلّب جهداً طويلاً ومستمراً. ومع ذلك ليس بين الإثنين أي تعارض. ينبغي أن يكون الغداء الرهباني في يوم أحد من الصوم الكبير “أكثر هزالة” من ناحية نوعيته الغذائية وكميته. ومع ذلك إنّه غداء أحد، كسر للصوم، إذ بعد الإفخارستيا والصوم الإفخارستي، هو ينتمي روحياً إلى خبرة الفرح والامتلاء التي هي جوهر الأحد المسيحي». ويكتب الدكتور جورج حبيب: «ولذلك الصوم قبل التناول هو “احتراس روحي” وطلب للطعام السماوي قبل الطعام الأرضي حسب استطاعة الإنسان لا سيما “مرضي السكر” أو الذين تفرض عليهم الظروف الصحية الأكل قبل التناول.. أو المرضي الذين يجب عليهم تناو الأدوية…الخ. وعندما تصبح ظروف الإنسان وقدرته على الممارسة هي قاعدة فهم الصوم، لا يصبح الصوم “فرضًا” إجباريا وتعدي على وصايا الله. ولذلك نرجو من الآباء الكهنة عدم تكرار هذا التحذير غير المسيحي “اللي مش صايم ما يتناولش” أي منع التناول عن غير صائمي الصوم الكبير أو غيره. لأن قاعدة الأرثوذكسية هي الإيمان والعقيدة وتعدي قواعد الإيمان هو الذي يمنع من التناول، وإذا وجدنا أي قانون كنسي يتعارض مع الإيمان مهما كان مصدره يجب الاستغناء عنه» (راجع، جورج حبيب بباوي(الدكتور)، المرجع السابق، ص 64).

الأب إسطفانوس دانيال جرجس

راعي كنيسة مار مرقس الرسول للأقباط الكاثوليك بالجلاوية