al blu, alimento, azzurra, azzurri, azzurro, blu, carta, celeste, celesti, colore, colori, cose fresche, cose intere, cruda, crude, crudi, crudo, da sopra, dall'alto, due, food collection, foodcollection, fresca, fresche, freschezza, freschi, fresco, generi alimentari, ingrediente, ingredienti, intera, intere, interi, intero, maccarelli, maccarello, mangiare e bere, merceologia, nessuno, non cotta, non cotte, non cotti, non cotto, pesce, pesce di mare, pesci, pesci di mare, piu fresco, pi? fresco, prospettiva a volo d'uccello, royalty free, scomber scombrus, secondo, sgombri, sgombro, vista dall'alto

قد كان في ضيافة بعض المعارف وكانت الزوجة قد أعدت للضيوف سمكًا، ونال السمك إعجاب الجميع، وكعادة النساء بدأن يسألن مضيفتهن كيف أعدت هذا السمك المميز فوق العادة، وبعد عدة أسئلة لم يجدوا في طريقة الإعداد ما يميز السمك، إلا أن إحدى الضيفات انتبهت إلى أن السمك قد تم تقطيعه بطريقة معينة قبل قليه وربما كان هذا سبب تميزه الخفي، لقد تم تقطيع كل سمكة إلى ثلاث قطع، وعند سؤال زوجة صديقه عن سبب تقطيع السمك بهذا الأسلوب، قالت أنها تعلمته من والدتها التي كانت تفعل مثل ذلك، ومن شغف الضيوف لمعرفة سر هذا التقطيع الذي ربما قد أضفى على السمك هذه النكهة الخاصة طلبن من الزوجة أن تسأل والدتها عن ذلك، ومن أين أتت بهذه الوصفة السرية، والمفاجأة أن الوالدة أيضا أخبرتهم أنها تعلمت تلك الطريقة من والدتها دون أن تسألها عن السبب، وكان من نعمة الله أن الجدة لا تزال على قيد الحياة فتوجهن لها بالسؤال: “لماذا يا جدتي تقومين بتقطيع السمك بهذه الطريقة؟” وبعد علم الجدة بسبب السؤال أجابتهم ضاحكة: “لقد قمت بتقطيع السمك ثلاثا لأن المقلاة -طاسة القلي- التي عندي كانت صغيرة ولا تسع السمكة كاملة فكنت أقسمها على ثلاثة!!”.

ونستلهم من هذه القصة:

أولًا: أن الزوجة والأم تناقلتا طريقة تقطيع السمك عن الجدة واتبعتاه طيلة حياتهما كطريقة مثلى وأمر مُسلّم به، وكذلك تفعل الأمم غالبًا مع ما يتوارثونه فإن ذلك من طبائع الناس.

ثانيًّا: أنه لولا أن الجدة على قيد الحياة وعرفوا منها سر التقطيع بهذه الطريقة ربما كانت توارثته هذه الأسرة والضيوف اعتقادًا منهن أنها طريقة خفية تزيد من تميز السمك توصلت اليها الجدة، وهذا طبعًا خلاف الواقع، فالجدة لم تلجأ لهذا التقطيع إلا لضرورة تناسب حالها هي، وهي صغر حجم المقلاة، وهو سبب ربما لا يتواجد عند ابنتها أو حفيدتها التي ربما يمتلكن مقلاة أكبر لكنهما حافظتا على هذا التقليد جهلًا بسببه، واعتقدا مع الوقت أن هذه الطريقة المثلى، بل وربما تجد بعد ذلك من يناضل ويدافع عن هذه الوصفة السرية التي توارثنها عن الجدة!

ثالثًا: كم تتكرر هذه القصة في واقعنا الديني والكيانات التي لها ميراث ديني وسياسي يمتد زمانًا طويلًا، ولها قيادات سياسية ودينية تعتبر مرجعيات لها، فنأخذ تقليدًا ما كان من اجتهاد في عصرنا أو في غيره كأنه أمر مُسلّم به، وربما أن ظروف هذا الاجتهاد قد تغيرت، وربما لو كان صاحب هذا الاجتهاد في عصرنا لاختار خلافه، وحتى لو كان العالم في عصرنا، فكل يؤخذ منه.

في هذا البحث البسيط رأيت أن أبدأ بهذه القصة كمدخل لأننا بدون استثناء كلُّنا نمثل الزوجة والأم تناقلتا طريقة تقطيع السمك عن الجدة واتبعتاه طيلة حياتهما كطريقة مثلى وأمر مُسلّم به، وكذلك تفعل الأمم غالبًا مع ما يتوارثونه فإن ذلك من طبائع الناس.

في هذا البحث البسيط عن أكل السمك في الأصوام الكنسيّة وقعنا جميعًا مثل الزوجة والأم ولا أنسي طفولتي أن في زمن الصوم الأربعيني لا نأكل السمك؟ رغم في جميع الأصوام الأخرى نأكل السمك؟ طرحت أسئلة للكبار لماذا؟ كانت الإجابة مثل أجدادك رأيناهم وعشنا معهم ونحن نمارس مثلهم…لم أقتنع! مع احترامي وتقديري لهم جميعًا…لا أنسي مثل هذه الجدالات…ومرّت الأيام والشهور لا بل السنين…وهذا الأمر لا يفارق فكري…وكانت إرهاصات أول إجابة علميّة اكتشفتها منذ 11 سنة مضت، كنت أقوم ببحث تاريخي عن عيد الصليب المجيد في التقليد الكنسي وفي أثناء قراءاتي لفت نظري لأحدي المراجع أن في زمن الإمبراطور هرقل(610- 640) الذي حاصره كسري ملك فارس بالقسطنطينية ست سنين متوالية، خرج هرقل وتحيّل، وتوجه إلي بلاد كسري أي كسري ملك الفرس وهو مشغول بحصار بلاد الرّوم، وقتل من أهل مملكته ونساء جيشه، وفعل ما فعل، وتغلّب عليه ورحلّه عن بلاده. ورجع هرقل إلي بيت المقدّس فوجده خرابًا، وقد هدمت اليهود الكنائس والقبر المقدّس والإقرانيون وغيرها، وأحرقوا النصارى بالنار. فسأله أهل القدس قتل جميع اليهود، فاعتذر لهم بالأمان والإيمان التي تقدم بها لهم. فقالوا له: أما الأمان فقد عليم كلُّ أحد أنهم احتالوا عليك فيه. وأمّا اليمين فنحن وجميع النصارى بكل الأقاليم نصوم عنك أسبوعًا في كل سنة على ممر الأيام إلى انقضاء الدهر. فأمرهم هرقل بقتل اليهود، فقتل منهم ما لا يُحصي. ولم يبقي منهم إلا من اختفي وهرب إلى الجبال. وكتب البطاركة والأساقفة إلى جميع البلاد بصوم أسبوع، وهو الأسبوع الأول من الصوم الكبير. فنذر أساقفة أورشليم أن لا يأكلوا السمك في زمن الصوم الكبير للإمبراطور هرقل حتى ينتصر، وبسبب بعض مسيحيّ الإسكندرية الذين يحجون الأراضي المقدّسة في زمن الصوم الكبير أخذوا هذا النذر من مسيحي أورشليم. وأُضيف أسبوعًا ثامنًا على الصوم الأربعيني وهو ما يُسمّي بأسبوع هرقل ومازال إلى يومنا هذا. وأصبحنا اليوم نسمع روايات وروايات بشأن أكل السمك ومنعه في بعض الأصوام ويا للأسف حتى أثناء كتابة هذه السطور نسمع في القنوات الفضائية بقصص ليس لها أصل تاريخي ولا حتى تقليدي وإننا نسرد على سبيل المثال أن المصريين ابتلوا بمرض خطير فأمر البطريرك ذاك الزمان أن لا يأكلوا أسماك حتى الرب ينجينا من هذا المرض، والآخر يقول منع أكل الأسماك في الأصوام هو تسليم يعود لعصر الرسل رغم أن الصوم الكبير يظهر في القرن الرابع الميلادي، والآخر يقول البطريرك بأكل السمك في الصوم الدرجة الثانية لأجل الفقراء ….وهذه الفئة لم تستحي من الجهل والجهل لم يستحي منهم

1-إطلالة على السمك في الكتاب المقدّس:

في العبرية: دج إن “نون” يعني السمك في لغات ساميّة أخرى. يستعمل كاسم علم واسم حرف النون. في اليونانية: إختيس. خلق الله السمك وسلّط الإنسان عليه كما سلطه على الأشجار والحيوان (تكوين 1: 26 و28 ومزمور 8: 8) غير أن الناموس ميز بين السمك الطاهر والسمك النجس، فالذي له زعانف وحراشف طاهر، والذي ليس له زعانف وحراشف كان نجساً (لاويين 11: 9-12). وكان لسليمان الملك معرفة بأسماك فلسطين (1 ملوك 4: 33) غير أن الكتاب المقدس لا يحدثنا عن أنواع السمك، بل يذكر النوع عموماً. وتجارة السمك مريحة، وقد خسر المصريون كثيراً عندما ضرب الله ماء النيل فصار دمًّا، ومات فيه السمك، وقد اشتاق العبرانيون إلى سمك النيل وهم في طريقهم إلى كنعان (عدد 11: 5) وقد تنبأ النبي أشعيا. عن نقص مياه مصر فيقل السمك وتسوء حالة صياديه (أشعيا 19: 5-10). ويصاد السمك بالشباك (متى 4: 18) وبالصنارة وبالحراب (أيوب 41: 7) ويكثر السمك في مياه فلسطين ولا سيما في بحر الجليل، وهناك أكثر من ثلاثين نوعاً من السمك الصالح للطعام (متى 13: 47 و48) وقد كان أربعة من تلاميذ المسيح على الأقل يشتغلون بصيد السمك (متى 4: 18 – 21) وكان الصيادون يأتون بالسمك للبيع في أورشليم ويدخلون به من باب السمك (2 أخبار 33: 14) ومن الملاحظ أن بيت صيدا تعني بيت الصيد، لأن أغلب أهلها اشتغلوا بصيد السمك. وقد كانت الآلهة «أتارجتس» التي كانت تعبد في أشقلون نصفها الأعلى على شكل إنسان ونصفها السفلي على شكل سمكة. وقد دعا المسيح تلاميذه من صيد السمك ليكونوا «صيادي الناس» (مرقس 1: 17) كما أنه شبّه ملكوت السماوات بشبكة تجمع مختلف أنواع السمك (متى 13: 47) ويقول حزقيال على سبيل المجاز أن مياه المقدس التي وصلت إلى البحر الميت قد أصلحت مياهه، فعاش فيها السمك وبدأ الصيادون في صيده (حزقيال 47: 1 – 10). وقد رمز المسيحيون الأولون بالسمكة إلى إيمانهم، فكانت علامة التعارف بينهم، والواقع أن حروف السمكة في اليونانية هي بدء كلمات الجملة «يسوع المسيح ابن الله مخلص». باب السمك: باب في أورشليم ويرجح أن صيادي السمك كانوا يدخلون منه ببضاعتهم لبيعها لأهل المدينة، ولعله كان بالقرب من بركة السمك (2 أخبار 33: 14) وربما كان في السور الذي كان على الجانب الشمالي للمدينة اطلب «أورشليم».

وقد ميّزت الفرائض الطعاميّة بين الحيوانات العائشة في الماء، تلك التي لها زعانف وحراشف (هذه وحدها تؤكل، لا 11 :9-12؛ تث 14 :9؛ ق الأسماك في الشبكة من صالحة ورديئة في مت 13 :47ي) والتي ليس لها (لا تؤكل). في الواقع، لا يتكلّم العهد القديم إلاّ نادرًا عن السمك والصيد (جا 9 :12؛ حب 1 :14-15. في رؤية المستقبل حسب حز 47 :8-11، سيكون السمك كثيرًا في البحر الميت). في البرية، تحسّر العبرانيون على سمك مصر (عد 11 :5). واستقى بعض الأنبياء صورهم من الصيد (إش 19 :8؛ إر 16 :16؛ حز 26: 5، 14؛ 29 :4-6؛ 32 :3-5). كان الفينيقيون يبيعون في أورشليم سمكا اصطادوه في المتوسط (نح 13 :16) الذي اشتهر بسمكه الكثير. وبما أن أحد أبواب أورشليم سُمّي باب السمك (صف 1 :10؛ نح 3 :3؛2أخ 23 :14)، فهذا ما يدلّ على أهميّة هذه التجارة. تحدّث العهد الجديد مرارًا عن السمك والصيد (مت 4 :18-20 وز؛ 7 :10؛ 13 :47؛ لو 24 :42؛ يو 21 :13-14)، وذلك في إطار بحيرة جنسارت المشهورة بسمكها. كانوا يملّحون السمك في تاريخيس، قرب الشاطئ. مُثِّل الصيد على صفائح من عاج في تل الفرعة. اعتبرت المرارة والقلب والكبد في السمكة، دواء (طو 6 :3-9). كانوا يأكلون العسل مع السمك المشوي (اختلافات في لو 24 :42).

2-التقشف الشديد للأصوام الكنسيّة وظهورها في القرون الأولي:

إن المسيح ورسله لم يضعوا قانونًا للصيام ولمن جرت العادة بأن أكثر المسيحيين من وقت إلى وقت وسرًّا امتنع عن الطعام مواظبين الصلاة ولاسيما حين كانوا يشرعون في عمل مهم. ولا يذكر شيء عن الصيامات في الكنيسة الأولي إلا حين يُعيّدون يوم تذكار صلب المسيح، وفي القرون الأول الميلادي دخل الصيام رويدًا رويدًا بعد ذلك أولاً بالعادة. وثم صار قانونيًّا. ولا يُمكن أن نعلم يقينًا إن كان هذا الأمر حصل في القرن الأول ولا ما هي الأيام المكرّسة للصوم […] وفي القرن الثالث الميلادي أن أوقات الصوم هي للتذلل واعتادوا أن يسكبوا تضرعاتهم راكعين أو خارين على وجوههم إشارة إلى تذلّلهم […] وإن الصوم الأربعيني كان أولاً أربعين ساعة فقط ثم امتد إلي أيام عديدة وأسابيع أيضًا حتي صار ستة وثلاثين يومًا إلي أن توبأ الحبر الأعظم قداسة البابا غريغوريوس (590-604)أضاف أربعة أيام إلي ذا الصوم لكي يجعله أربعين يومًا (راجع، يوحنّا لورنس فان موسهيم، تاريخ الكنيسة المسيحية القديمة والحديثة، ترجمة، بيروت، 1875، ص44، 112، 161). وإن أقدم شهادة تتكلم عن الصوم قبل عيد الفصح هو القديس ترتليانوس (+155) إنه لا يعرف صومًا فرضته الكنيسة غير يوم عيد الفصح أي صوم الجمعة العظيمة، ويشهد ترتليانوس أن الصوم يشمل فقط الأيام التي ارتفع فيها العروس أي يوميّ الجمعة والسبت حتى صباح الأحد. وأيضًا يذكر آباء الكنيسة الذي عاشوا هذه الفترة إن بعض المسيحيين كانوا يصومون يومين أو ثلاثة دون انقطاع، ويكتب القديس إيريناوس (+202) كان يشمل الأيام الأخيرة من جمعة الآلام، وفي القرن الثالث امتد الصوم إلي جمعة الآلام كلّها، ويكتب ويأمر البطريرك القديس ديونسيوس الإسكندري (248- 265): «من اليوم العاشر من القمر الذي هو الاثنين من الساعة التاسعة إلي الخميس تصومون ولا تتناولون سوي الخبز والملح والماء. والجمعة والسبت تنقطعون بتاتًا عن الطعام ولا تتناولون شيئا “والبعض الآخر يقول كان يصام أسبوعين ماعدا السبت والأحد. وفي القرن الرابع كان المؤمنون يصومون ثلاثة أسابيع يختلف علماء الطقوس اليوم عن تحديد هذه الثلاثة أسابيع، فبعضهم يقول هي الثلاثة الأخيرة من الصوم والبعض الآخر يؤكد بأنها الأسبوع الأول، والرابع والسادس. ولكن في حبرية قداسة البابا سلفستروس الأول (314 -335) وضع شريعة الصوم الأربعينيّ(راجع، عمانوئيل خوري(الأباتي)، ليتورجيّات، منشورات معهد الليترجيا في جامعة الروح القدس=22، لبنان، 1998، ص51، وأيضًا راجع، نصر الله النبك، الصوم الأربعيني في القرن الرابع في الشرق والغرب أي أنطاكية وأورشليم والإسكندرية ورومة، مجلة المشرق، يناير، بيروت، 1932، ص16- 22) ويكتب البطريرك الأورشليمي كيروس: «وفي القرن الثالث الميلادي كانوا يصومون كل يوم أربعاء ويوم جمعة وكذلك قبل الفصح إلى الساعة التاسعة من النهار وأكثرهم كانوا ينعكفون في الأيام المذكورة على الصلوات مسمين ذلك وقفة أو انتصابًا. وكانوا يصومون أيضًا في وقت الوباء والجوع والزلازل وما ضاهي ذلك من النوائب والأهوال» (راجع، كيريوس كيريوس كيرلس (البطريرك)، الدرة النفيسة في شرح حال الكنيسة، ترجمة، القدس، 1867، ص71). وفي القوانين الرسولية لسنة 380: «فصوموا إذن أيّام الفصح مبتدئين من الاثنين إلى التهيئة والسبت ستة أيام تستعملون أثناءها الخبز والملح والبقول، والماء للشرب وامتنعوا عن الخمر واللحوم في تلك الأيام، لأنها أيام حزن وليست أعيادًا صوموا يومي الجمعة والسبت معًا، للذين يستطيعون ذلك لا تأكلوا شيئا حتى صباح الديك في الليل وإذا لم يستطع أحد أن يصوم اليومين معًا، فليحافظ اقله على السبت. لأن الرب يقول عن نفسه في موضع: “ومتى رفع العريس عنهم فحينئذ يصومون في تلك الأيام” (القوانين الرسولية، ترجمة، أقدم النصوص المسيحية سلسلة النصوص الليتورجية = 6، بيروت، 2006، ص 229). وفي تقويم الصوم الأربعيني المقدّس لكنيسة الروم الملكيين لسنة 1942، السنة الثانية، العدد الثاني، القاهرة، ص12: «بدء الصيام المبارك لا لحم ولا ألبان(بياض) بل طعام زيت».

كان المسيحيون يصومون بالتقشفات الشديدة لا بل بأشد صرامة والتقشفات التي تخص الطعام على نوعين: منها الإمساك عن الطعام إلى وقت محدود منها النهار، ومنها الامتناع عن أكل بعض الأطعمة. مثلا في الصوم الأربعيني كان يقتصر على وجبة واحدة في النهار، وعلي حسب نصوص القديس يوحنا ذهبيّ الفم تكون هذه الوجبة عند المساء وهي تناول الخبز والماء فقط ولكن حسب الدساتير الكنسيّة أن الصوم ليس إلزاميًّا إلا إلى الساعة الثالثة بعد الظهر. ويكتب لنا الأب مارك ثابت اللبناني: «يُطلق الصوم علي ترك اللحم والألبان وما شاكلها مع استباحة باقي الأطعمة ويسمّونه قطاعة للتمييز بينه وبين الصوم المطلق، أو انقطاعًا. ويسمّنون الأطعمة الممنوعة في أزمنة الصوم وفي يوميّ الأربعاء والجمعة من كلّ أسبوع ذَفرًا بالذال، وهو النتنُ أو ريحُه سُميّت به المآكل المأخوذة من الحيوان لكراهة رائحتها. أو زفرًا بالزاي، وهو ما يُدعمُ به الشجر. استُعير لتلك المآكل لأنها تدعم القوي. وأيضًا فإنهم يقولون: الطعام المزّفر والطعام القاطع ويبتون من ذلك فعلاً فيقولون: تزّفر، أي أكل لحمًا وألبانًا. وقطَع، أي أكل ما عدا ذلك من طعام كالحبوب والخُضر والفواكه. فالمزّفر من الزفر وقد ذُكر مأخذُه، والقاطع بمعني الحاجز. لأن المأكل الذي ليس من الحيوان بمثابة حاجز لآكله عن المأكل الذي من الحيوان. ووصيّة الصوم تحرّم في ساعاته كلّ مأكل ومشرب، وفي ساعات الإفطار، المآكل المزّفرة فقط[…] أمّا الصوم الأربعيني فيجب فيه الإمساك عن كل أدامٍ لحمًا وبيضًا ولبنًا وعن كل مفطر وشرابًا من نصف الليل إلى نصف النهار. وأمّا سائر الأصوام فيستحسن فيها الصوم جريًا على العادة القديمة لكنّه غير مفروض، وإنما يجب فيه الانقطاع عن الذّفر» (راجع، مبارك ثابت اللبناني(الأب)، الصوم وجوبه وفوائده، مجلة المشرق، العدد الثاني، فبراير، بيروت، 1953، ص224-230). ويسرد لنا نصر الله النبك: أن في أنطاكيا ينقطعون المسيحيين عن كل مأكول سوي الخبز والفواكه اليابسة […] والأطعمة المحظورة هي اللحم، والسمك، والبيض، والحليب، والسمن، والجبن، والخمر، والزيت […] وفي أورشليم كانوا يمتنعون عن اللحم، والبيض والحليب وكلّ ما يستخرج منه، والخمر، ولكن السمك يؤكل[…] وفي الإسكندرية ورومية يأكلون الطيور والأسماك لأن لحومها لا تعتبر كلحوم سائر الحيوانات ملغية من الصوم. ذلك لأن السمك يعيش في الماء، والطيور، كما جاء في سفر التكوين، أصلها مائي (راجع، نصر الله النبك، الصوم الأربعيني في القرن الرابع في الشرق والغرب أي أنطاكية وأورشليم والإسكندرية ورومة3، مجلة المشرق (3: 1932)، بيروت، ص217- 221). ويكتب القديس كيرلس الأورشليمي (318- 388) يسمح بأكل السمك والبيض ومنتجات الألبان في الصوم الكبير، ويعلل السبب في الامتناع عن اللحوم والخمر فقط فيقول: “…نحن نصوم عن الخمر واللحوم ليس احتقارًا لهما كأشياء دنسة، بل بسبب تطلعنا إلي المكافأة، فنستهين بالأمور المادية، لكي نتمتع بالوليمة الروحية العقليى، وإذ نزرع بالدموع نحصد في العالم الآتي بالفرح (مز126: 5)(راجع، راجع، كيرلس كيرلس (القس)، أصوامنا بين الماضي والحاضر، القاهرة، 1982، ص73) ويطلعنا الأب ميخائيل صليب: «أما من جهة الأطعمة المباحة فإن الجميع كانوا على اتفاق على تحريم لحم الحيوانات. ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم إن في أنطاكيا كان محرمًا أكل السمك والطيور. وهذه العادة كانت عامة تقريبًا. غير أن المؤرخ سقراط يذكر أن بعضًا كانوا يحللون السمك وحتى الطيور لأن النوعين لهما الماء كمصدر مشترك في سفر التكوين: «وقالَ الله: لِتَعِجَّ المِياهُ عَجًّا مِن ذَواتِ أَنفُسٍ حَيَّة ولْتَكُنْ طُيورٌ تَطيرُ فَوقَ الأَرضِ على وَجهِ جَلَدِ السَّماء» (1: 20) وعليه فإذا جاز صنف جاز الآخر. ويعلن Juli Pemère معلم Cesair dArles إن العادة نفسها تسربت إلى أوساطه “يمتنعون عن ذوات الأربع ويمتنعون النفس بالأسماك والطيور الثمينة” ولئن كان اللحم محرمًا فالبياض في نظر سقراط مباح. لكن تعليم الآباء يخالف ما كتبه هذا المؤرخ فإنهم يفهمون دائمًا بكلمة “لحم” مان يكوّن الحياة الحيوانيّة وما يخرج منها أيّ البيض واللبن والسمن والجبن أي ما نسميه نحن “البياض”(راجع، ميخائيل صليب خزام(الأب)، الصوم الأربعيني=2، مجلة الصلاح، أبريل، 1943، القاهرة، ص129) ويكتب الأب الكسندر شميمن: «وفي الصوم الكبير نمتنع عن بعض الأشياء مثل اللحم والبيض والرقص والتسلية وغيرها» (راجع، الكسندر شميمن(الأب)، الصوم الكبير مع شرح صلوات أسبوع الآلام، تعريب، بيروت، الطبعة الثانية، 1999، ص80). ويكتب القمص إبراهيم لوقا: أن في الصوم لا يؤكل فيه حيوان ولا ما هو دمويّ (راجع، إبراهيم لوقا(القمص)، فلسفة الصوم، مجلة اليقظة، فبراير، العدد الخامس، 1960، القاهرة، ص9).

2-السمك والبدعة المانوية وتأثيرها على الأصوام الكنسيّة:

يسرد تاريخ الكنيسة أن في القرن الثالث الميلادي ماني البابليّ (216- 277) يبدو أنَّه انتمى بأمِّه إلى سلالة الأرشاقيّين الذين قضى عليهم الساسانيّون سنة 224 ب.م. في سنته الرابعة التحق مع والده فاتك بجماعة المغتسلة وظلَّ معهم إحدى وعشرين سنة (من سنة 219/220 إلى سنة 240). هناك ترعرع، ونما فكره، ونضجت دعوته بتأثير عميق من المسيحيَّة في صيغتها الكسائيَّة. في عامه الثاني عشر، تسلَّم ماني من الملاك التوأم، من الروح البارقليط، أمرًا بأن يترك الجماعة. ولكنَّ عمره لم يسمح له. وتسلَّم، في عامه الرابع والعشرين، مهمَّة إعلان تعليمه. هذه «البشارة» الأخيرة التي تسلَّمها في 23 أبريل سنة 240 تدلَّ على البداية للديانة الجديدة. تجسَّد في ماني الروحُ القدس (حسب ما يدعيه) والعلمُ الكامل، فصار رسولَ النور، والمنيرَ السامي الذي أرسله الله. وبدأ بنشر تعليم الرجاء والخلاص الذي أوحى له به، داخل الجماعة التي يعيش فيها. ولكنَّه اتُّهم بانحرافه إلى «الهلّينيَّة» فاستُبعد عن الجماعة وانفصل عنها بشكل نهائيّ يرافقه والده واثنان اقتنعا بتعليمه. وكان عمر ماني في ذلك الوقت 24 سنة. ترك جماعةَ الكسائيَّة وأبحر إلى الهند حيث أقام سنتين، وعاش في جماعات بوذيَّة طبعته بتعليم بودا. لهذا، سمّى ماني نفسه رسولَ يسوع المسيح، ولكنَّه اعتبر بودا وزرادشت كسابقيه. في بداية حكم شهبور الأوَّل (241-272)، عاد ماني إلى بلاد فارس وبدأ كرازته يحميه شهبور الذي كانت له معه لقاءات عديدة. وظلَّ هكذا يبشِّر مدَّة ثلاثين سنة، ويعمل على تكوين تلاميذه، ويدوِّن كتاباته. ولكن بعد سنة 274، سوف يتغيَّر الوضع مع يقظة المزدويَّة(الزرادشتية) التي صارت وحدها الديانة الوطنيَّة، فحاربت الديانات الأجنبيَّة. اتُّهم ماني أمام الملك بهرام الأوَّل، فوضعه في سجن جنديسابور حيث مات من العذاب والتعب، يوم الاثنين 12 فبراير 277. حينئذٍ قطع الجلاّدون رأسه وعرضوه على أحد أبواب المدينة وقد انتشرت تعاليم ماني بسرعة في البلاد، فانتشرت بادئ الأمر تآليفه في بلاد بابل ومن هنا انتشرت عبر الشام وفلسطين وفى قبائل تغلب وغسَّان في شمال الجزيرة العربية ومنها إلى مصر، فتلقفها الرهبان وعلموها للعامة من سواد الشعب، ومن مصر امتدت تعاليم مانى إلى شمال أفريقي. ويُطلعنا التاريخ الكنسيّ أن ماني أرسل مرسلين إلى الديار المصرية وهما: بابوس وتوماس إلى مصر، فاستقرا في ليكوبوليس بجوار النيل أعلي طيبة في مصر الوسطي وسرعان ما انتشرت هذه البدعة من خلال الرهبان انتشرت هذه البدعة من فارس إلى غربي آسيا وشمالي أفريقيا وصقلية وإيطاليا عانت من الاضطهاد على يد دقلديانوس وبعد ذلك على يد الأباطرة المسيحيين أبرز من هاجمها القديس أوغسطينوس نتيجة خبرته السابقة كأحد أتباعها. ويُسطر لنا البطريرك الملكي السكندري سعيد ابن بطريق (876-960): فمن الجميع الأول للثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا الذين اجتمعوا في مدينة نيقية إلى هذا المجمع الثاني للمائة والخمسين أسقفًا الذين اجتمعوا في القسطنطينية ولعنوا مكدونيوس واشياعه ثماني وخمسون سنة وأطلق تيموثاوس بطريرك الإسكندرية للبطاركة والأساقفة والرهبان أكل اللحم في الأعياد السيدية من أجل المنانية المكنين بالصديقين وليُعرف من كان من البطاركة والأساقفة منانيا ليبطل عليهم من أجل آكل اللحم دينهم ويحل ناموسهم لأن المنانية لا يرون الذبيحة ولا يأكلون اللحم ولا شيئا من الحيوانات البتة. كان أكثر مطارنة مصر وأساقفتهم منانية فأكل بطاركة الأرثوذكسية وأساقفتهم ورهبانهم اللحم في الأعياد السيدية. فأما مطارنة المنانية وأساقفتهم ورهبانهم فلم يأكلوا اللحم فأكلوا بدل اللحم السمك وأقاموه مقام اللحم إذ كان السمك حيوانًا وهذا الشيء كان في زمان ماني المخالف الكافر.

فلما هلك ماني وشيعته رجع بطاركة الأرثوذكسيُّون وأساقفتهم ورهبانهم إلى مذهبهم الأول وامتنعوا من أكل اللحم في الأعياد السيدية. قال سعيد ابن بطريق الطبيب: لم يطلق تيموثاوس بطريرك الإسكندرية أكل اللحم في الأعياد السيدية على أن المنانية المكنين بالصديقين يتعوضون مكانه بالسمك بل إنما قصد بأكل اللحم الذبيحة والسمك ليس هو ذبيحة وصنف آخر من المنانية يقال لهم السمَّاكون يأكلون السمك إذ ليس ذبيحة ويمتنعون عن أكل اللحم إذ كان ذبيحة فقد أخطأ أيضًا المنانية المكنانيين بالصديقين الذين أقاموا السمك مكان اللحم لأن سيدنا المسيح قد أكل اللحم ووجب ضرورة على كل من دان بدين النصرانية أكل اللحم اقتداء بسيدنا المسيح ولو يومًا واحدًا في السنة ليبعدوا عن أنفسهم الشك ويثبتوا عند جميع الناس نفض مذهب المنانية المرذول وفي الإبركسيس مكتوب: «فهُو نازِلٌ عِندَ دَبَّاغٍ اِسمُه سِمعان، وبَيتُه على شاطِئِ البَحْر. فلَمَّا انصَرَفَ المَلاكُ الَّذي كَلَّمَه، دعا اثنَين مِن خَدَمِه وجُندِيًّا تَقِيًّا مِمَّن كانوا يُلازِمونَه، ورَوى لَهمُ الخَبرَ كُلَّه، وأرسَلَهم إِلى يافا. فبَينَما هم سائرونَ في الغَد وقَدِ اقتَرَبوا مِنَ المَدينة، صَعِدَ بُطرُسُ إِلى السَّطحِ نَحوَ الظُّهرِ لِيُصَلِّي، فجاعَ فأَرادَ أَن يَتَناوَلَ شَيئًا مِنَ الطَّعام. وبَينَما هم يُعِدُّونَ له الطَّعام، أَصابَه جَذْب. فرأَى السَّماءَ مفتوحة ووعاء كَسِماطٍ عَظيمٍ نازِلاً يتدَلَّى إلى الأَرْضِ بِأَطرافِه الأَربَعة. وكانَ فيه مِن جَميعِ ذَواتِ الأَربَعِ وزَحَّافاتِ الأَرضِ وطُيورِ السَّماء. وإِذا صَوتٌ يَقولُ له: قُمْ يا بُطرُس فَاذبَحْ وكُلْ. فقالَ بُطرُس: حاشَ لي يا ربّ، لم آكُلْ قَطُّ نَجِسًا أَو دَنِسًا. فعادَ إِلَيه صَوتٌ فقالَ له ثانِيًا: ما طَهَّرَهُ الله، لا تُنَجِّسْه أَنتَ. وحَدثَ ذلك ثَلاثَ مَرَّات. ثُمَّ رُفِعَ الوِعاءُ مِن وَقتِه إِلى السَّماء» (أع10: 6-16).

فأكد هذا القول من بطرس إذ كان أحد رؤساء الحواريين وأركان الدين ومن يجب أن يؤخذ عنه ويقبل منه ما فعل سيدنا المسيح في أكل الذبيحة وفي تحليل جميع الحيوان. ولحقت التهمة كل من ترك أكل اللحم وغرب عن مذهب سيدنا المسيح وعن بطرس رئيس الحواريين وصار كل من لا يأكل الذبيحة عندنا مخالفًا لشريعة النصرانية ومضاهيًّا لمذهب المنانية ما خلا البطاركة والأساقفة وذوي السيرة الرهبانيّة. لأن هؤلاء لم يتركوا أكل اللحم تحريمًا بل تعففًا وتكريمًا.

والروم أيضًا صاروا لا يغسلون أشياههم بالماء لأن أكثرهم كانوا منانية والمنانية لا يرون الغسل بالماء قلما طال بهم الزمان بقوا على ما هم عليه إلى هذا الوقت من ترك الغسل بالماء وقال قوم إنما تركوا الغسل بالماء لشدة برد بلادهم وشدة برد الماء فيها وإنه لا يتهيّأ لهم في الشتاء خاصة أن يستحموا بالماء البارد ولا يمسوه لشدة برده والمنانية صنفان كما سبقنا فقلنا منهم السمّاكون ومنهم الصديقون فالسمّاكون يصومون في كل شهر أيامًا معلومة والصديقون يصومون الدهر كله لا يأكلون إلا ما تنبته الأرض.

فلما تنصّر الصديقون خافوا أن يتركوا أكل السمك فيُدرى بهم فيُقتلون فصيروا لأنفسهم صيامًا. وصاموا الميلاد وللسيدة والحواريين ليقضوا مع الأرثوذكسيين وتركوا في هذه الأصوام أكل السمك إلا حتى لا يُدري بهم. وإنما أرادوا بهذا ليقضوا أيام السنة بالصوم ولم يتركوا في هذه الأصوام أكل السمك إلا حتى لا يُدرى بهم فلما طال بهم الزمان تبعهم على ذلك النسطوريون واليعقوبيون والمارونيون وصارت لهم سُنّة. ثّم استحسن ذلك بعض الروم الملكية فتابعوهم عليه وتركوا أكل السمك في هذه الأصوام المذكورة وخاصّة المقيمون في أرض الإسلام وذلك ليس من سِنّنهم ولا من فرائضهم لأن الروم الملكية إنما يتركون أكل السمك في اليومين الشريفين أعنى الأربعاء والجمعة علي مدار السنة، وفي يوم الباراموني الذى يصومونه قبل الميلاد وفي يوم الباراموني الذي قبل الحميم(يقصد عيد الغطاس) أيضًا فإنهم يصومون هذين اليومين ولا يأكلون فيهما سمكًا لأنهم يحبّون هذين اليومين كمثل الصوم الكبير فمن أحب من الروم الملكية أن يصوم للميلاد وللحواريين فيصوم هذه الثلاثة الأصوام ويأكل السمك فيها ويمتنع من أكله في يوميّ الأربعاء والجمعة فقط. كذلك من أحب أن يصوم الأربعاء والجمعة في السنة كلها فله ان يصوم للتاسعة ولا يأكل سمكًا. لأنّه ليس ذلك واجبًا وليس لأحد أن يصوم ويترك في تلك الأصوام أكل السمك إلا في الأربعاء والجمعة كما سبق القول وفي الصوم الكبير أيضا وفي يوميّ الباراموني اللذان هما قبل الميلاد والحميم وبعض الروم الملكية يتركون في صيام السيدة أكل السمك وذلك تقلّدوه من تابيكُن القدّيس مار سابا وما في تركهم إيّاه خطأ فمن قال غير هذا فهو مخطئ وقد خالف الشريعة وناقض الفريضة. (راجع، أفتيشيوس المكنّي بسعيد ابن بطريق، التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق، بيروت، 1905، ص146-149). ويكتب الدكتور جورج حبيب بباوي: «لا يوجد قانون كنسي يُحرم أكل اللحوم أو السمك أو غيرها وما لدينا هو عرف استقر في الكنيسة، لأن القانون الكنسي الذي يُحرم أي طعام مهما كان هو قانون خاص بهرطقة المانوييين والغنوصية وليس المسيحيين الأرثوذكس»0(راجع، جورج حبيب بباوي(الدكتور)، حقيقة وجوهر ما يشاع باسم العقيدة الأرثوذكسية في كتاب بدع حديثة للأنبا شنودة الثالث، الكتاب الأول: الرد على كتاب بدع حديثة، القاهرة، 2008، ص77).

 

4- إطلالة على قانونية أكل السمك في الأصوام الكنسية:

في التقليد اليهودي أن أكل السمك والعيش فقط هو أكلة الفقراء فقط ويسوع المسيح في حياتية الأرضية شارك الفقراء في هذه الأكلة والكنيسة تبنت هذه الأكلة حتى في الأصوام حتى تشارك الفقراء في أكلهم وهذا ما نرتله: طوبي للرحماء على المساكين فإن الرحمة تحل عليهم….

في قوانين مجمع اللاذقية المنعقد سنة 364: في القانون 50: «يجب أن نصوم كل فصل الصيام الكبير ولا نتاول إلا الأطعمة الجافة النباتية». وفي قوانين المجمع الخامس السادس أو مجمع ترولو المنعقد سنة 692، القانون 55: إن الكنيسة تسمح بشرب الخمر وأكل الزيت والأسماك الصدفية في سبوت الصوم الكبير وآحاده كما يشهد ملاتيوس الصائم. وهكذا تمهد لأبنائها بأن يراعوا الصوم باعتدال في السبوت والآحاد بمنعهم عن تناول اللحوم والألبان. (راجع، حنانيا الياس كسّاب (الأرشمندريت)، مجموعة الشرع الكنسي أو قوانين الكنيسة المسيحية الجامعة، منشورات النور، بيروت، 1998، ص583و584). ويسطر الأب ميخائيل صليب: «والسمك الذي رأيناه مباحًا في بعض الأمكنة أثناء الجيل السابع نجده الآن مصرحًا به في كل الكنائس الغربية بدون تقيد» (راجع، ميخائيل صليب خزام(الأب)، الصوم الأربعيني=3، مجلة الصلاح، يونيو ويوليو، 1943، القاهرة، ص216). وفي قرارات المجمع الإسكندري الأول الذي افتتح في يوم 18من شهر يناير لسنة 1898 برئاسة الأنبا كيرلس مقار أسقف قيصارية فليبس مدير رسولي ونائب بطريركي على الكرسي الإسكندري وسائر الكرازة المرقسية يسرد: «يجيز تناول الأسماك منذ زمن بعيد وكان يسمح بأكل السمك» والمدهش من هذا المجمع أنه صرّح بأكل السمك في أحد السعف المجيد وعيد البشارة المجيد، وعيد الصليب المجيد (راجع، المجمع الإسكندري الأول للأقباط الكاثوليك، روما، 1898، ص65).

5- الفرمانات الفاطمية للأسماك وتأثيرها على الأصوام الكنسيّة:

يسرد لنا الدكتور إسلام شافعي: أن الأقباط في عهد العصر الفاطمي الأول (969- 1055): في زمن الصوم الكبير أنّه كان يباع في أسواق القاهرة من البيض المصبوغ ما يتجاوز حد الكثرة ويهادى النصارى بعضهم بعضا، ويهدون إلى المسلمين أنواع السمك مع العدس المصفى والبيض وكانت تُصرف أموال كثيرة بشأن ذلك (راجع، إسلام شافعي محمود(الدكتور)، أهل الذمة في مصر في العصر الفاطمي الأول، تاريخ المصريين=77، القاهرة، 1995، ص195- 197). ونستلهم في هذه الحقبة كان يؤكل السمك في هذا الزمن وكالعيش المشترك بين المسلمين والأقباط يأكلون من أكلاتهم ومازال هذه العادات في بعض القري في الصعيد أن في أزمنة معينة كعيد الملاك أو الصوم أو الأعياد يُشركون الأقباط المسلمين بأكلات هذه الأزمنة.

ويسرد لنا التاريخ أن أبي علي المنصور بن العزيز بالله بالحاكم أمر الله وهو سادس حكام الدولية الفاطمية في يوم الجمعة ثالث عشر من شهر المحرّم لسنة خمس وتسعين وثلاثمائة أي في يوم 20 من شهر أكتوبر لسنة 1004 صدر سجل أوامر من الدولة: «أن يلبس سائر النصاري واليهود دون الخيابرة الزنانير في أوساطهم، والعمائم السُّود على رؤوسهم، فامتثل ذلك في سائر أعمال مملكته[…] وأنكر التعرّض لشرب الفقّاع وأكل البقلة الملوكية (والبقلة) المعروفة بالجرجير، وأكل الطلينس وهو نوع من السمك الحلزوني الذي يشبه الثعبان وسائر السمك العديم القشر ولا يصطاده أحد من الصيّادين. وكان متي وُجد أحد قد تعرّض لبيع شيء من ذلك أو لابتياعه عُوقب وأُشهر. وقلّ من نجا منهم من القتل» وعندما ظهرت جماعة أنهم باعوا أشياء منه، فضُربوا بالسياط وطِيف بهم، ثمّ ضربت أعناقهم (راجع، يحيى بن سعيد بن يحيى الأنطاكي، تاريخ الأنطاكي المعروف بصلة تاريخ أوتيخا، حققه ووضع فهارسه عمر عبد السلام تدمري، طرابلس، لبنان، 1990، ص256و 257، وأيضًا راجع، تاريخ مصر من خلال مخطوطة تاريخ البطاركة لساويروس بن المقفع، إعداد وتحقيق عبد العزيز جمال الدين، الجزء الخامس، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2012، ص557). وهذا الحدث جعل الكنيسة تصدر منشورًا بعدم أكل السمك في الصوم الكبير لأن الكنيسة خافت على أولادها من هذا الموقف الأليم والمدهش في ذلك أن هذه المنشورات كانت في زمن الصوم الكبير وتمنع المسيحيين بأكل السمك وذلك في عهد الأنبا أرسانيوس (1000- 1010) البطريرك الملكي السكندري، وأيضًا الأنبا زكريّا (1005-1032) البطريرك القبطي اليعقوبي وسوف نُجمّع كل هذه الوثائق الصادرة من الكرسي السكندري بقطبيه الملكي والقبطي بشأن الأصوام والأعياد والصلوات والطقوس واستعمال الفطير في القداس والعقائد الكريستولوجية لا بل كل الوثائق التي صدرت من البطريرك الملكي السكندري تجاه الكرسي الرسولي بشأن كنيسة الإسكندرية الملكية وتري النور بنعمة الله في أقرب وقت بمجلة الصلاح. وتسرد لنا الدكتورة فاطمة مصطفي أن الأقباط في هذه الفترة لم يتناولوا السمك في الصوم الكبير (راجع، فاطمة مصطفي عامر(الدكتورة)، تاريخ أهل الذمة في مصر الإسلامية من الفتح العربي إلي نهاية العصر الفاطمي، الجزء الأول، تاريخ المصريين=177، القاهرة، 1999، ص417). ولكن لم يدم هذا الفرمان طويلاً بل كان عمره صغيرًا جدًا أيّ سنتان وأربعة شهور و16يومًا أيّ في عهد الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الأموي صدر فرمانًا بتاريخ يوم السبت الموافق 13 من شهر جمادي الآخر لسنة 397 هجري أيّ 6 من شهر مارس لسنة 1007 أن في المدة التي ثار فيها أبو ركوة تراجع الرعية بمصر إلى بيع الفُقّاع وهو شراب من الشعير، سُميّ بذلك لِما يعلوه من الزّبَد، والملوخية، والطلنيس، وسائر الأسماك التي بلا قشر، وجميع ما نهي عنه من غير تقدّم لهم في ذلك(راجع، تاريخ الأنطاكي، المرجع السابق، ص268)، ولكن نجد السلطة الكنسيّة لا تتراجع في منشورها مثل الوليد بن هشام ولكن الشعب المسيحي أخذ يأكل السمك مرة أخري في الأصوام كما سنري لدي بن العسال وبن كبر وغيرهم.

6-إطلالة على أكل الأسماك في الأصوام من خلال التراث القبطي

يكتب ساويروس بن المقفع (915-987): «لذلك أمرنا في الصيام أن لا نأكل حيوانًا يكون فيه شهوة، وجميع أجناس الحيوان فيها الشهوة، غير النحل فقط. ولذلك أمرنا أن لا نأكل شيئًا سيخرج من حيوان ما عدا عسل النحل، وهو يخرج من حيوان إلا أنه ليس فيه شهوة ونحن نصوم عن الشهوة فقط […] لذلك أمرنا أن نصوم عن الأطعمة الحيوانية..» (راجع، ساويروس بن المقفع(الأنبا)، الدر الثمين في إيضاح الدين، القاهرة 1978، ص151و152). وفي قوانين الأنبا كيرلس بن لقلق الثاني (1078- 1092) البطريرك القبطي اليعقوبي في القانون رقم 16: «يجب أن يتحرز جماعة المؤمنين في الصوم المقدّس من استعمال شيء من الأطعمة التي يستعملونها في زمن الفطر ولا يتعدى أحد منهم إلى أكل سمك، ولا شرب خمر، ليكون صومهم نقيًّا تامًا» (راجع، أثناسيوس المقاري(القس)، قوانين بطاركة الكنيسة القبطية في العصور الوسطى، الدرة الطقسية للكنيسة القبطية بين الكنائس الشرقية، مصادر طقوس الكنيسة 14/ 1، القاهرة، 2010، ص60).

ويُسطر لنا الصفي أبو الفضائل ماجد أبي المفضل أسعد أبو إسحق إبراهيم أبو البشر يوحنّا الكاتب المصري العسّال، ولد علي الأرجح في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، القاهرة، 1908، ص171-172: «والأصوام الزائدة على ذلك المستقرة في البيعة القبطية منها ما يجرى مجري الصوم الكبير عي التأكيد وهي جمعة هرقل مقدمة الصوم الكبير وصوم أهل نينوى ثلثة أيام وصوم اليوم الذي الميلاد غده واليوم الذي الغطاس غده، ومنها ما هو دون ذلك وأجرى مجرى الأربعاء والجمعة وهو الصوم المتقدم للميلاد وأوله أول النصف الثاني من هتور وفصحه يوم الميلاد ثم صوم التلاميذ وهو يتلو الخمسين وفصحه خامس أبيب عيد بطرس وبولس، وهذه الأصوام قد صامها الشعب مع عدة من البطاركة تزيد على عدة بعض الجامع المقبولة قوانينها فيجب حفظها بغير تنقيص، ومنها ما دون ذلك في حفظ الأكثرين له وهو صوم عيد السيدة وأكثر من يصومه المتنسكون والرهبانيات وأوله أول مسرى وعيد فصحه، وهذه الأصوام المستقرة تصام إلى التاسعة من النهار ولا يؤكل فيها لحم غير السمك، ومن صام زائدًا عن المفروض والمستقر شيئا فله ثوابه». ويكتب جرجس بن المكين (1255- 1273) أن في زمن الصوم الكبير يأكلون الأسماك (راجع، راهب من دير المحرّق، الموسوعة اللاهوتية الشهيرة بالحاوي لابن المكين، الجزء الرابع، القاهرة، 2001، ص63).

وفي عهد يوحنا الخامس (1147-1164) بطريرك الكنيسة القبطية اليعقوبية دب خلاف مع كاهن يدعى مرقس بن قنبر بإقليم الصعيد وسيم أسقفًا على دمياط واعتنق هذا الأسقف الكنيسة الملكية، فاعترض هذا الأسقف علي صوم نينوي وأبطله والمدهش في ذاك الزمان أن الأسماك كانت كثيرة بوفرة وأخذوا يملحونها ويأكلونها وذلك في زمن الصوم وتنيح هذا الأسقف في 18فبراير 1208(راجع، صموئيل(الأنبا)، تاريخ أبو المكارم، الجزء الثاني، القاهرة، 2000، ص17و18) ويذكر القس شمس الرياسة بن الشيخ الأكمل الأسعد أبو البركات بن كبر، الذي عاش في أواخر القرن الثالث عشر، وسيم قسيسًا في كنيسة المعلقة باسم القس برصوم، وتنيح في يوم 10 من شهر مايو لسنة 1334، وفي مؤلفه مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة، في الباب الخامس، حققه الأب سمير خليل اليسوعي، مكتبة الكاروز، القاهرة،1971، ص 141: «إن الصوم المقدس ثمانية جمع فقط والروم طلبوا من القبط صومها فلم يصوموها لأن القبط كانوا يصومونها من قبل هرقل أن يظهر وذلك أن الأب القديس ديمتريوس كان من قبل هرقل وصوم أهل نينوى ثلاثة أيام، وصوم اليوم الذى الميلاد عده واليوم الغطاس عده ومنها ما هو دون ذلك وأجري مجرى الأربعاء والجمعة، وهو الصوم المتقدم للميلاد، ثم صوم آبائنا القدّيسين التلاميذ بطرس وبولس وهو تلو الخمسين وفصحه الخامس من أبيب ويجب حفظ هذه الأصوام بغير تنقيص منها في حفظ الأكثرين له وهو صوم عيد السيدة العذراء من أول مسرى وعيد السيدة فصحه 16منه. وهذه الأصوام المستقرة تصام إلى التاسعة ولا يؤكل فيها لحم غير السمك».

7- الرحالة تشهد بأكل الأسماك في الأصوام القبطية:

يكتب أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم ابن محمد بن تميم بن عبد الصمد بن أبى الحسن عبد الصمد بن تميم التقي أبو العباس بن العلاء بن المحيوى الحسيني العبيدي المقريزي (المتوفي 1441): «…ولم يزل بديار مصر من المواسم المشهورة. فكان يفرّق فيه أيام الدولة الفاطمية على أرباب الرّسوم من الأستاذين المحنكين، والأمراء المطوّقين، وسائر الموالي من الكتّاب وغيرهم، الجامات من الحلاوة القاهرية، والمئارد التي فيها السميذ، وقربات الجلاب، طيافير الزلابية، والسمك المعروف بالبوريّ» (راجع عبد المجيد دياب(الدكتور)، «تاريخ الأقباط المعروف بالقول الإبريزي للعلامة المقريزى لتقي الدين المقريزي (ت845هـ =1441م)، القاهرة، 1995، ص236).

ويكتب الرحالة جوڤني ميكيله ڤنسلبيو في السنة 1671: «لدي الأقباط أربعة صيامات كبيرة في السنة، الأوّل قبل الميلاد، في شهر ديسمبر، ويستمرّ أربعة وعشرين يومًا، والثاني الصوم الأربعينيّ الكبير، ويدعونه “الصوم الكبير”، وهو يستمرّ خمسة وخمسين يومًا، والثالث صوم رسل سيدنا، ويدعونه “صوم التلاميذ”، ويبدأ بعد العيد الثالث للعنصرة، ويستمرّ واحدًا وعشرين يومًا. وقد كنت، في ذلك الوقت بالذات، في مصر العليا بينهم، وأُجبرت أنا أيضًا على المحافظة عليه، حتّي لا أسبّب عثرة والرابع صوم العذراء في أغسطس، ويسمي “صوم العذراء”، ويستمر خمسة عشر يومًا، ويحافظون على هذه الأصوام محافظة؛ لأنهم لا ينقطعون عن اللحم فحسب، بل وعن مشتقّات الألبان، والبيض[…] ويأكلون السمك» (راجع، جوڤني ميكيله ڤنسلبيو، تقرير الحالة الحاضرة لمصر 1671، ترجمة، المشروع القومي للترجمة=1005، القاهرة، 2006، ص141-142). وأيضًا يكتب الدكتور أنطوان براثيليمي كلوت بك (1793- 1863) وهو طبيب فرنسي، وعاش معظم حياته في مصر يكتب: «وفي زمن الصوم الكبير يمسكون عن تعاطي الأطعمة الحيوانية الأصل ومنها اللبن والبيض والزبدة والجبن» (راجع، كلوت بك(الدكتور)، لمحة عامة إلى مصر، ترجمة، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2011، ص436و 437).

يسطر س. هــ. ليدر البريطاني الذي يسطر عن الصوم الأربعيني في السنة 1918: والصوم الكبير هو أطول الأصوام وأهمها بالطبع ويستمر هذا الصوم 55يوما ويحظر أثناء تلك الفترة تناول الزبد أو اللحم أو البيض أو الدجاج وشرب الحليب أو القهوة أو النبيذ ولا يؤكل أي طعام فيما بين الشروق والغروب (راجع، س. هــ. ليدر، أبناء الفراعنة المحدثون دراسة لأخلاق أقباط مصر وعاداتهم، ترجمة، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثانية، 2008، ص 247).

ويسرد لنا ألفرد في السنة 1888: «ويبدأ الصوم الأربعيني يوم الإثنين ويستمر حتى أحد السعف وخلال هذه الفترة كلها يمتنع الناس عن تناول اللحوم أو البيض أو الأسماك أو شرب النبيذ أو القهوة ولا يتناولون أي طعام أو شراب ما بين ساعات الشروق والغروب فيما عدا حالات الضعف فيمنح حل لمثل هذه الحالات بقدر الحاجة أما صوم رمضان لدى المسلمين فإنه يماثل الصوم الأربعينى الدى المسيحيين من بعض الوجوه مثل مواعيده ولا بد أنه استعير من الصوم الأربعينى وخلال الصوم يقام القداس ظهرا فيما عدا يومي السبت والأحد ويراعى الجزء الأكبر من حيث إن الأقباط يصومونه مع كل يوم جمعة حتى الظهر ومازال الأقباط على عادتهم خلال الصوم الأربعينى – يحجون إلى بيت المقدس وتستغرق الرحلة خمسة عشر يوما على ظهور الجمال وهم يسيرون للحج في أعداد كبيرة بصحبة بعضهم البعض ويصلون إلى القدس يوم أحد السعف ويقضون الأسبوع في زيارة الأماكن المقدسة، وفى صباح عيد القيامة يحضرون القداس في كنيسة القبر المقدس، ويمثل الحج إلى بيت المقدس إحدى الكفارات القانونية يستغرق الصوم الصغير مدة أربعين يومًا تسبق عيد الميلاد وهو أقل تشددا في شروطه من الصوم الكبير فهو على سبيل المثال لا يحظر فيه أكل السمك ولكن في عشية عيد الميلاد كما هو الحال في عشية عيد الغطاس لا بد من الصوم الإنقطاعى حتى الغروب لا يحظر فيه أكل السمك ولكن في عشية عيد الميلاد كما هو الحال في عشية عيد الغطاس لابد من الصوم الإنقطاعى حتى الغروب». (ألفريد ج. بتلر، الكنائس القبطية القديمة في مصر، ترجمة، الجزء الثاني، القاهرة، 2012، ص271-272).

يبدو أن ألفرد يذكر منع أكل السمك في الصوم بسبب حجاج أورشليم ونجد الكنيسة تصدر كتاب قوانين الرسل وتقول: «لأننا قد أومرنا بأن نأكل المآكل القشفة الناشفة وفي هذين اليومين أيضا بمشابهة الأربعين المقدسة فميز لي المرضى بمعزل لأن هؤلاء قد يسمح لهم أن يحلوا الصيام بأكل السمك لأنه لا يجوز لأحد أن يحل الصوم بأكل اللحم في أي يوم أربعاء وجمعة ما خلا أيام الفصح والأيام الأخرى السموح بها ولو كان مدنفا على آخر نسمة واخرج لي مثل ذلك من الأربعين يوما السبوت والحدود لأننا نحل الصوم فيهم حسب القانون الرسولي السادس والستين»(قوانين الرسل والمجامع المسكونية والمكانية، القاهرة، 1894، ص11). والمدهش أن في قطمارس الصوم الكبير يسرد بأن يؤكل السمك في الصوم الكبير (راجع، قطمارس عربي يخدم أيام وحدود الصوم الكبير، القاهرة، 1914، ص41، وأيضًا في الطبعة الثانية، 1945، ص27) وتكتب المستشرقة بربارة واترسون: أن الرهبان في الأديرة يأكلون الأسماك ولا يوجد أي تعليمات ديرية أن الرهبان لا يأكلون الأسماك ولكن بُعد الأديرة على النيل يجد الرهبان صعوبة على تموين من الأسماك، وتعلل هذه المسترقة أن الرهبان لم تكن لديهم المعدات التي تصلح للصيد البحري (راجع، بربارة واترسون، أقباط مصر، ترجمة، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2015، ص157و 158)

8- تقنين منع أكل الأسماك في التقليد القبطيّ في القرن العشرين:

لا أعرف لماذا قسّمت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية الأصوام إلى درجات درجة أولي وثانية في القرن العشرين؟ ويعتبر جرجس صموئيل عازر هو أول من قسّم هذه الأصوام ومنع السمك من الأصوام الدرجة الأولي وسمح بها في الدرجة الثانية رغم الصفي بن العسال وبن كبر كما شرحنا سابقًا لم يميز الأصوام درجة أولي وثانية، وأيضًا يذكر الأرشيدياكون يوحنا بن زكريا بن سباع في أواخر القرن الرابع عشر الأصوام الكنسية السبعة دون تمييز وتقسيم درجة أولي وثانية(راجع، يوحنا بن زكريا بن سباع (أرشيدياكون)، الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة، حققه ونقله إلي اللاتينية الأب ڤيكتور منصور مستريح الفرنسيسي، دراسات شرقية مسيحية في الكنيسة المصرية، مؤلفات المركز الفرنسيسكاني للدراسات الشرقية المسيحية، القاهرة، 1966، ص84- 90)، وأيضًا في تعديل الأصوام الكنسيّة التي قام بها الأنبا غبريال الثامن في السنة 1602 لم يذكر أن الأصوام بها درجة أولي وثانية والمدهش في هذا التعديل للصوم جعل صوم الرسل الأطهار مدته15 يومًا، وصوم السيدة العذراء اختيارًا وصوم الميلاد 29 يومًا وتمّ إلغاء صوم يونان(راجع، كامل صالح نخلة، تاريخ البطاركة، الجزء الثاني، القاهرة، الطبعة الثالثة، 2011، ص340و 341)، ويكتب القمص صموئيل تاوضروس السرياني: «عقد البطريرك يوساب الثاني(1946- 1956) مجمعًا وقد وافق علي قرارات هذا البطريرك غبريال 1602 وزاد عليها فطر الأربعاء والجمعة الواقعة بين الميلاد والغطاس أسوة بأيام الخماسين المقدّسة»(راجع، صموئيل تاوضروس السرياني(القمص)، من أعماق التاريخ: الصوم في الكنيسة القبطية، مجلة رسالة المحبة، ديسمبر، 1982، السنة 48، القاهرة، ص284)    كما سنوضح ويا للأسف سار كُتّاب ورجال الدين وراء ذلك التقسيم كالتالي:

أ-أصوام الدرجة الأولى:

وهو فرض ضروري على جميع النصارى. ويمتنع فيه عن السمك وأهمه صوم الأربعين المقدسة وصوم أسبوع الآلام […] ويلي هذين الصومين أهمية صوم الأربعاء والجمعة من كل أسبوع عدا أيام الخماسين وعدا عيد الميلاد – ويحسب هنا يومان – وعيد الغطاس إذا وقعا فيهما ويصامان أي الأربعاء والجمعة للساعة التاسعة […] واعلم أن اليوم رسميا يبدأ من نصف الليل السابق فلا يحل الأكل الفطارى إلا بعد بداية اليوم الجديد[…] وهو ما يجرى صوم الأربعين في الكنيسة فيمتنع فيه عن السمك وهو أسبوع الاستعداد والسابق للأربعين المقدسة المسمى خطأ أسبوع هرقل وصوم يونان[…]وأول دخوله في الكنيسة القبطية كان أيام البطريرك ال 62 الذى كان سريانيًّا ومعتادًا على صومه فصامته الكنيسة واليوم السابق لكل من عيديّ الميلاد والغطاس المسمى “برامون” أي استعداد.

ب- أصوام الدرجة الثانية: وفى جميعها يُباح أكل السمك ومواقعها على مدار السنة محددة لا تتغير وهي:

1-صوم الرسل وأوله دائما يوم الاثنين التالي لعيد حلول الروح القدس بعد صعود السيد[…] وجعلت الكنيسة فطره في أبيب من كل سنة عيد استشهاد للرسولين بطرس وبولس.

2-صوم السيدة العذراء اقتداء بها وهو 15 يوم ابتداء من أول مسرى وفطره في 16 منه عيد صعود جسدها.

3-صوم الميلاد وهو قبل الاحتفال بنزول وتجسد الكلمة إسوة بصيام موسى 40 يومًا قبل نزول لوحى الشريعة وأضيف إليها ثلاثة أيام تذكارا لحادث نقل جبل المقطم في عهد الأنبا إبرام البطريرك 62 وقيل ليس لتذكار هذا الحادث فقط بل لكى لا يسمح الرب بتجربة الطائفة مرة أخرى بمثل هذا الحادث ويبدأ في 16 هاتور وفطره في 28 أو 29 كيهك عيد الميلاد، وبذلك أصبحت مدة هذا الصوم 43 يومًا عاديا ولكنها في السنوات التالية للسنة الكنيسة القبطية (التي فيها النسى 6 أيام) تصبح المدة 42 يومًا فقط[…] ويحل الصوم الانقطاعى يوم الأحد بعد انصراف الكنيسة أي يؤكل الأكل الصيامى في الصيام والفطارى في الفطار وكذلك لا يصام يوم السبت صياما انقطاعيا إلا السبت الكبير فقط حيث كان الرب مدفونًا ومن يصوم أحد القيامة أو في الخماسين أو يحزن في أعياد الرب فهو مشجوب (راجع، جرجس صموئيل عازر، مُلخص قانون الكنيسة الأرثوذكسية خلاصة دراسات دينية ونيف وثلث قرن وهو مرشد عام للسلوك المسيحي الحقيقي في جميع الأمور، القاهرة، 1977، ص177-179). وفي الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في الصوم الأربعيني تُصرّح للشعب بأكل السمك (راجع، لبيب يعقوب صليب، الجغرافية الفلكية للكتاب المقدّس، الجزء الأول، القاهرة، 1968، ص148). نجد القمص يوحنا سلامة يسرد الأصوام بدون درجات أو مراتب ولكن يكتب عن الصوم الكبير: «أما عدم أكل الأسماك فيه فإنه لما كان أكبر الأصوام وأهمها لممارسة السيد إياه وأصليا أكبر من جميعها نهت الكنيسة عن تناولها فيه تمييزا له عن بقية الأصوام ودلالة على الزهد والتذلل فيه». (راجع، يوحنا سلامه(القمص)، اللآلئ النفيسة في شرح طقوس ومعتقدات الكنيسة، الجزء الثاني، القاهرة 1977، ص 334). ويسرد لنا القمص متي المسكين: «إذا كان أحد مصابًا بمرض جسدي فيُسمح له بأكل السمك[…] أمّا الضعفاء والمرضي فقد نصّت القوانين على أن لا يحرموا من الصيّام فيحل صيامهم بأكل السمك وتنقيص فترة الصوم الإنقطاعي إلى الحد المستطاع…» (راجع، متي المسكين(القمص)، حياة الصلاة الأرثوذكسيّة، دير القديس أنبا مقار، القاهرة، الطبعة التاسعة، 2006، ص 464و 468). والمدهش أن الكنيسة جعلت من صوم يومي الأربعاء الجمعة أن لا تؤكل فيها الأسماك حتى إذا وجدت داخل أصوام الدرجة الثانية ونجد الأب كيرلس يكتب بشأن ذلك: لا يوجد لا يوجد قانون في الكنيسة يمنع أكل السمك في الأربعاء والجمعة، فمن أراد أن يجعل صوم الأربعاء والجمعة مثل الصوم الكبير أو أسبوع الآلام، فله أن يفعل ذلك، ومن لم يرد فلا جناح عليه، فالصوم ممارسة روحية، كما أن الطعام في حد ذاته لا يجعلنا أبرارا أكثر أو أشرارا أكثر(راجع، كيرلس كيرلس (القس)، المرجع السابق، ص149)، وفي موقع آخر يقول عن نوعية الطعام في الصوم: تسمح الكنيسة بأكل السمك كَلَوْن من التيسير في الأصوام وليس لأنه يتكاثر بدون شهوة وإلا فمن الجائز فرضا ومنطقيا أن يؤكل البيض واللبن “بدون شهوة” لا تمنع القوانين القديمة أكل أي شيء بعد فترة الانقطاع في الصوم سواء كان سمكا أو بيضا أو منتجات ألبان(راجع، المرجع السابق، ص76).

9-إشكاليات حول أكل السمك في العصر الحديث:

تضاربت الأقاويل والمقالات والآراء حول أكل السمك في الأصوام وأصبح كل شخص يكتب ما يحلو له وإننا نسرد هذه الإشكالية حسب رأي كل شخص على حدة. جاء في كتاب سنوات مع أسئلة الناس لقداسة البابا شنودة الثالث: لماذا لا نأكل السمك في يومي الأربعاء والجمعة وفى بعض الأصوام الأخرى؟ علما بأني سمعت أنهم كانوا قديما يأكلون السمك في يومي الأربعاء والجمعة…؟

أن كان البعض قديما يأكل السمك في يومي الأربعاء والجمعة فلا شك أن هذا كان خطأ منهم في فهم التعليم الكنسي أو إنها عادة خاطئة توراثها أو تناقلها البعض. ولنبحث الأمر معًا.. صومنا هو صوم نباتي كما يعلم الكل، نمتنع فيه عن اللحوم، وعن كل طعام من مصدر حيواني. ولا شك أن الأسماك لحوم. إذن أكلها لا يتفق مطلقًا مع الصوم. وهكذا ينبغي أنك لا تتعجب من عدم أكل السمك في أيام الصوم كالأربعاء والجمعة. إنما لك أن تتعجب حقًا من أكل السمك أثناء صوم نقول إنه نباتي! القاعدة العامة إذن هي عدم أكل السمك في الأصوام. ولكن لما كانت الأصوام كثيرة جدًا في الكنيسة القبطية، حوالي 200 يومًا في السنة، أي أكثر من نصف السنة صومًا.. لذلك سمح بأكل السمك في بعض الأصوام التي هي أصوام من الدرجة الثانية، تخفيفًا على الناس من طول فترة الصوم.. ولكن لا يسمح بأكل السمك في الصوم الكبير وفي الأربعاء والجمعة، لأنها أصوام من الدرجة الأولى. وهى في نفس الوقت أصوام سيدية: فالأربعون المقدسة صامها السيد المسيح له المجد، وأسبوع البصخة هو أسبوع آلامه. ويوم الأربعاء نتذكر فيه التآمر عليه، ويوم الجمعة نتذكر فيه صلبه. الناس يستطيعون أن يأكلوا لحمًا كل أيام الأسبوع، ماعدا الأربعاء والجمعة، فإن أكلوا فيها سمكًا، تكون النتيجة هي أكل اللحم كل أيام الأسبوع، لأن السمك هو أيضًا لحم…! ولا يجوز أن يصل التسهيل إلى هذا المستوى.. من غير المعقول، إننا ونحن نتذكر صلب المسيح والتآمر عليه، نأكل سمكًا!! ونُرَفِّه عن أنفسنا! إن هذه الذكرى تستوجب لونًا أكبر من الزهد والنسك.. وقد سأل البعض أيضًا في إحدى المرات:

هل يؤكل السمك في عيد البشارة، وهو عيد سيدي. والمعروف أن عيد البشارة (29 برمهات) يأتي دائمًا في الصوم الكبير.  والإجابة هي أن الصوم الكبير لا يجوز كسرة بأي حال من الأحوال حتى بسبب عيد سيدي. كما أن كسر الصوم في هذه المناسبة دليل على عدم النفس. فكيف يصوم شخص أكثر من شهر من الصوم الكبير، ثم يستهويه السمك أثناء الصوم، في عيد البشارة؟! أين الارتفاع فوق مستوى المادة والطعام  الشهي؟!(راجع، شنودة الثالث(البابا)، سنوات مع أسئلة الناس، الجزء الرابع، أسئلة عقائدية وطقسية، القاهرة، 1990 ، ص46و47و 54). وقد قرر المجمع المقدس المنعقد في جلسة 12 نوفمبر 1990 عدم التصريح بأكل السمك يومي الأربعاء والجمعة، فيما خلا الخمسين المقدسة، باعتبارهما من أصوام الدرجة الأولي، وتقرر نشر هذا في مجلة البطريركية(الكرازة) (راجع، المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، القرارات المجمعية في عهد صاحب الغبطة والقداسة البابا شنودة الثالث (117)، القاهرة، الطبعة الثانية، 2001، ص85). حتى في الأصوام الدرجة الثانية صوم الرسل، والعذراء والميلاد في يوميّ الأربعاء والجمعة الواردة في هذه الأصوام لا يأكلون السمك. بصراحة لا أعرف لماذا هذا الاستقطاب من الأصوام داخل الأصوام. ويسرد الأب كيرلس: «ومن المعروف حتي وقت قريب، عن الثقاة من كبار السن والأتقياء من المؤمنين أنهم رأوا في زمانهم البطاركة والأساقفة، وكل رتب الإكليروس يأكلون السمك في الأربعاء والجمعة. ولقد كانت الكلية الإكليريكية – وهي المعهد الديني الوحيد للكنيسة القبطية، والذي يقوم بتخريج الرعاة-، تقدم السمك لطلابها أيام الأربعاء والجمعة حتى الخمسينات، ولا ننسي أن آبائنا الرسل، سلمونا الإيمان كان طعامهم الأساسي هو السمك» (راجع، كيرلس كيرلس(القس)، المرجع السابق، ص146).

ويقول الأنبا يوأنس: «أما السمك الذي يسمح بأكله في بعض الأصوام فهو من الحيوانات التي تتكاثر بدون شهوة إذ أن عملية الإخصاب تتم خارج جسم الأنثى» (راجع، يوأنس(الأنبا)، بستان الروح، الجزء الثاني، الطبعة العاشرة، القاهرة، 2008، ص115).

وأيضًا يكتب الأنبا غريغوريوس: «والأصوام الدرجة الثانية سمح بأكل السمك على سبيل التخفيف […] لأن السمك يعد في مرتبة متوسطة بين النبات وبين اللحوم الأخرى في القوة، وفي الإثارة لشهوات الإنسان[…]وإن الأسقف في السنة الأولي لرسامته يصوم السنة كلها، ولكن إذا ضعف من كثرة الصوم فلئلا تفقد الكنيسة حيويته وقوته اللازمة للرعاية، فيسمح له بأكل السمك ليتقوى مثل المرضي، هذا هو أساس السماح بأكل السمك»(راجع، غريغوريوس(الأنبا)، اللاهوت العقيدي “الجزء الخامس” الكنيسة القبطية، علاماتها ورسالتها وعقائدها، موسوعة الأنبا غريغوريوس=10، القاهرة، 2005، ص460و461)

ويكتب القس كيرلس: أثبتت التجارب أن القيمة الغذائية للأسماك تعادل لحوم حيوانات الذبائح، لاحتوائها على نسبة كبيرة من البروتين، ذي القيمة الحيوية العالية، فهو الذي يشتمل على كل الأحماض الأمينية الضرورية لجسم الإنسان، وأن البروتينات الموجودة والدهون بالأسماك سهلة الهضم والامتصاص إذ تصل نسبة هضمها إلى 95.2% في الأسماك الطازجة، ويمكن اعتبار الأسماك من أهم مصادر فيتامين (أ) الطبيعية حيث تحتوي منه على ما يعادل عدة مرات ما تحتويه لحوم حيوانات الذبائح المختلفة، ولكن لماذا تسمح كنيستنا بأكل السمك مع أنه حيوان في كل الأصوام، وكذلك عسل النحل مستخرج من الحيوان؟ والإجابة المتواترة- التي تقال: “أن الأسماك وإن كانت حيوانات، إلا أن بعضًا منها وهو ما يؤكل عادة هو ما يحل أكله في الصوم، يتوالد، بأن تضع الأنثى البيض ثم تتركه، ويأتي الذكر ليخصبه، فالفقس يتم خارجًا، دون اتصال مباشر بين الذكر والأنثى- أي بدون شهوة!! وكذلك عسل النحل يتكون في فم الحشرة، دون أن يكون له صلة بالشهوة، لأنه رحيق الأزهار فيقوم النحل بطبخه في فمه، فليس هو ناتجًا عن شهوة، ومع ذلك فيمتنع عنه على الأقل في أيام الصوم الكبير وأسبوع الآلام، عن هذا النوع المحلل من الأسماك زهدًا وتقشفًا.

أما بخصوص عسل النحل فنحن نعلم المعارك الضارية التي تقوم بين الذكور أثناء عملية التلقيح، وتشير النتائج التي أمكن الحصول عليها من الدراسات علي عسل النحل، باعتباره مصدرًا لبعض المركبات الهامة، مثل الأحماض والهرمونات المنشطة للنمو، إلا أن هناك سؤال يفرض نفسه ألا وهو: هل هذه المركبات تتكون في معدة حشرة النحل نفسها، أم تنقل من النبات مباشرة بواسطة الشغالة، التي هي ثمرة التلقيح الطبيعي بين ذكر وأنثي؟ أم أن وجودها يرجع إلى وجود حبوب اللقاح في العسل؟ ومع ذلك لكي تكون الإجابة كاملة يجب إجراء دراسة، وتحليل شامل لكل من النبات وحبوب اللقاح والنحل نفسه والعسل، إذا كان السبب في أن الكنيسة تحلل أكل السمك والنحل، لأنهما من منتجات الحيوان (بدون شهوة)، فلماذا لا تسمح بأكل البيض واللبن، فالدجاجة تضع بيضها دون حتمية اتصال الديك، وكذلك اللبن يتم استخراجه دون اتصال الذكر بالأنثى، فهو ليس ناتجًا عن شهوة، وما دور البقر أو الجاموس، وكلاهما من أكلة العشب إلا كمنتج مثل النحل، لذا يقال عن البقر أو الجاموس أنه (آلة تنتج اللبن) كما أنه مع التقدم العلمي، يمكن تلقيح الحيوانات صناعيًا، دون أي اتصال بين الذكر والأنثى، ولعل ذلك، ما دفع بعض أفراد الكنيسة في القرن الرابع عشر أن يأكل اللبن والجبن في صوم الرسل، إلا أن العلامة ابن كبر يعلق علي ذلك بقوله:” الأفضل تركهما”، دون أن يبين سببًا لذلك، فنظام الكنيسة لا يسمح به في ذلك الوقت. وإذا كان يسمح بأكل السمك والعسل لأنهما بدون شهوة، فمن الجائز فرضًا ومنطقيًا أكل اللبن والبيض والعكس صحيح (راجع، كيرلس كيرلس(القس)، المرجع السابق، ص70-72). والقمص يوسف أسعد يسطر لنا الأصوام بدون درجات ويعرض لنا أطعمة صيامية ومقادير وطرق إعدادها في زمن الأصوام: كالسمك المسلوق وكفتة السمك ودمعة السمك وتورلي السمك وصينية السمك بالبطاطس وصينية السمك بالفريك وصينية السمك بالطحينة (راجع، يوسف أسعد(القمص)، الصوم المسيحي ذبيحة حبّ، الطبعة الثانية، القاهرة، 1999، ص92- 97).

 

10- صرّحت المجامع القبطية الكاثوليكية في العصر الحديث بأكل السمك في جميع الأصوام الكنسيّة: وتنقسم المجامع السكندرية لكنيستنا القبطية الكاثوليكية كالتالي: 1-المجمع الإسكندري الأول افتتح في يوم 18من شهر يناير لسنة 1898 برئاسة الأنبا كيرلس مقار أسقف قيصارية فليبس مدير رسولي ونائب بطريركي على الكرسي الإسكندري وسائر الكرازة المرقسية. 2-المجمع الإسكندري الثاني افتتح في يوم 12من شهر مارس لسنة 1957برئاسة غبطة أبينا الأنبا مرقس الثاني خزام بطريرك كنيسة الإسكندرية وسائر الكرازة المرقسية للأقباط الكاثوليك 3-المجمع الإسكندري الثالث افتتح في يوم 6من شهر يونيو لسنة 1997برئاسة غبطة أبينا الأنبا إسطفانوس الثاني غطاس بطريرك كنيسة الإسكندرية وسائر الكرازة المرقسية للأقباط الكاثوليك إذا الفترة الزمنية بين المجمع الإسكندري الأول والثاني هي 59 سنة وشهر واحد و22 يومًا، وأيضًا الفترة الزمنية بين المجمع الإسكندري الثاني والثالث هي 40 سنة وشهرين وستة أيام، وأيضًا الفترة الزمنية بين المجمع الإسكندري الأول والثالث هي 99 سنة و4 شهور و19 يومًا. ففي المجمع الأول يذكر: «كان يجيز تناول الأسماك منذ زمن بعيد وكان يسمح بأكل السمك، والحبر الأعظم من اختصاصه على الوجه العموم والسماح للجميع في هذه الأيام يتناولون اللحوم والألبان وهذا التفويض من عادة الحبر الأعظم أن يمنح هذا التفويض إلى البطاركة إلى وقت معين.». وحتى المجمع الثالث يجوز أكل السمك في جميع الأصوام.

الأب إسطفانوس دانيال جرجس

راعي كنيسة مار مرقس الرسول للأقباط الكاثوليك بالجلاوية -سوهاج