قبرص، الأحد 06 يونيو 2010 (Zenit.org)

ننشر في ما يلي الكلمة التي ألقاها فخامة رئيس جمهورية قبرص السيد ديميتريس كريستوفياس خلال الاحتفال الترحيبي بقداسة البابا بندكتس السادس عشر في القصر الرئاسي.

***

صاحب القداسة،

إنه لشرف عظيم لحكومة جمهورية قبرص، وللشعب القبرصي ولي أنا شخصياً، أن نرحب بكم في القصر الرئاسي، دار جميع القبارصة. قبرص، الجزيرة المضيافة، ترحب بكم وتعانقكم بحرارة.

بسبب موقعها الجغرافي، لطالما كانت قبرص نقطة التقاء للعديد من الشعوب والحضارات. وعلى مر القرون، يعيش المسيحيون الأرثوذكس على جزيرتنا بوئام مع الجماعات الكاثوليكية والمسلمة. هذا الإرث وهذه الثروة المنبثقة عن هذا التعايش يظهران أن قبرص قادرة على التحول إلى جسر يربط بين مختلف العوالم.

إن قبرص تطمح وتستطيع أن تكون نموذجاً لـ "حضارة التعايش"، حضارة المستقبل. فرسالة السلام التي بعث بها مؤتمر الأديان الذي نظمته جماعة سانت إيجيديو والكنيسة الأرثوذكسية القبرصية سنة 2008، وترأسه رئيس أساقفة قبرص كريسوستوموس الثاني الكلي الطوبى، ما تزال راهنة: "لا إنسان، ولا شعب، ولا مجتمع يشكل جزيرة. كل واحد بحاجة إلى شخص آخر؛ كل واحد بحاجة إلى صداقة شخص آخر ومغفرته ومساعدته. نحن نتشارك مصيراً عالمياً مشتركاً: إما أن نعيش معاً في سلام وإما أن نموت. […] لا بغض، ولا صراع، ولا جدار قادر على مقاومة قوة الصلاة والمغفرة والمحبة الصبورة التي تؤدي إلى الحوار. الحوار لا يولد الضعف، وإنما يمنح قوة جديدة. إنه البديل الفعلي للعنف. ولا شيء يُفقد مع الحوار".

العمل الإنساني الذي يقوم به الكرسي الرسولي لصالح الفقراء هو مثال لنا جميعاً. لذلك، يا صاحب القداسة، أعتبر أن زيارتكم تاريخية، وأؤكد لكم على رغبة بلادي في تنمية تعاونها مع الكرسي الرسولي في مجال المساعدات الإنمائية. نحن زملاء مع قداستكم في الرحلة على الدرب المؤدية إلى تحقيق السلام واكتساب ضمير أخلاقي شامل ومشترك، وفي مكافحة الفقر والتهميش والظلم والجوع.

منذ سنة 1973، تقوم علاقات دبلوماسية بين جمهورية قبرص والكرسي الرسولي. ومنذ تأسيس سفارتنا لدى الكرسي الرسولي سنة 2003، تطورت هذه العلاقات وتوطدت أكثر. وأنا شخصياً تشرفت بزيارتكم مرتين في الفاتيكان، المرة الأولى كرئيس مجلس النواب، والثانية كرئيس الجمهورية. وما تزال ذكريات هذين اللقاءين حية.

تحتاج العلاقات الدولية والحياة السياسية إلى قيم أخلاقية ثابتة، بخاصة في الزمن الحالي عندما تتضح بشكل متزايد تبعات العولمة والاقتصاد الحر. ويؤدي الانحطاط الأخلاقي وتفشي المادية المفرطة، وفوضى السوق، والسعي وراء تحقيق الربح بأي ثمن، إلى إحداث خلل في الإنسان وفي المجتمع. وكما شددتم بحكمة سنة 2008، فإن "الديمقراطية الخالية من القيم قد تفقد جوهرها". وأنا مقتنع بصحة كلماتكم.

صاحب القداسة،

تتزامن زيارتكم مع الذكرى السنوية الخمسين لتأسيس جمهورية قبرص. ويضفي وصولكم في هذا الوقت رونقاً معنوياً وروحياً على الاحتفالات التي تقام بمناسبة هذه الذكرى.

منذ الزيارة الأولى التي قام بها الرسولان بولس وبرنابا سنة 43 م، لطالما كانت قبرص أرضاً رسولية ذات جذور مسيحية عميقة. مع الأسف، ما يزال قسم كبير من الإرث القبرصي الروحي والثقافي، منه مدفن الرسول برنابا وديره، والمعالم الدينية المارونية، خاضعاً لاحتلال الجيش التركي. ومن المزعج بخاصة أن إرثنا الثقافي والديني القائم في المناطق المحتلة يتدمر منذ 36 سنة، مما يشكل خسارة للبشرية عامة.

إن تاريخ الجزيرة الأليم يعزز توقنا إلى السلام، ليس فقط في جزيرتنا وإنما في المنطقة. وقربنا من الشرق الأوسط ليس فقط جغرافياً وإنما شخصياً أيضاً.

على الرغم من تاريخها الطويل، نالت قبرص استقلالها سنة 1960، إلا أنها تعاني منذ سنة 1974 من الاحتلال العسكري الأليم لأكثر من 36% من أراضيها. وتبقى نيقوسيا آخر عاصمة أوروبية مقسمة. هنا، أذكر بأنكم قلتم خلال مغادرتكم الأراضي المقدسة قبل سنة، أن الجدار هناك كان إحدى أبرز الصور المؤلمة التي رأيتموها في حياتكم. كما أذكر بأنكم صليتم من أجل السلام. فلتتحقق هذه الصلاة من أجل السلام في وضع قبرص أيضاً!

يمكنني أن أؤكد لكم أنني، منذ يوم انتخابي رئيساً للجمهورية، كرست كل جهودي وأستمر في بذل كل جهد ممكن بغية إيجاد حل عادل وناجح وفعال للقضية القبرصية. لكن درب الحل تتطلب أن تغير أنقرة سياستها وتفاوض على أساس إطار الحل المتفق عليه الذي توصلنا إليه مع الزعيم السابق للجماعة التركية القبرصية محمد علي طلعت. هذا الإطار يشترط أن يكون الحل اتحاداً بين منطقتين وجماعتين، في ظل مساواة سياسية للجماعتين كما هو مذكور في قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كما ينص على أن تكون قبرص دولة واحدة ذات سيادة واحدة، وشخصية دولية واحدة، ومواطنية واحدة.

لتركيا دافع لتغيير سياستها إذ تسعى إلى أن تصبح طرفاً كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي. وحكومة الجمهورية القبرصية تؤيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. لكنها ليست مستعدة للإذعان لكل ما يتعلق بالعلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، إلا في حال تقيدت تركيا بالتزاماتها تجاه الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه.

ينبغي على المجتمع الدولي أن يمارس نفوذه على تركيا. لقد حان الوقت ليدرك الجميع أن الامتثال للقانون الدولي هو أكثر أهمية من خدمة المصالح المحدودة المتعلقة بموقع تركيا الجغرافي الاستراتيجي. وإلا سيكون العدل والاستقرار في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط معرضين للخطر. كما ينبغي على التطورات الأليمة الأخيرة التي حصلت في غزة أن تحث الجميع على التوقف والتفكير.

نحن نفي بالتزاماتنا كما أننا متحررون من التحامل الوطني. نحن نعبر على طاولة التفاوض عن مواقف تخدم مصالح الشعب القبرصي أجمع، بغض النظر عن الهوية الوطنية والمعتقدات الدينية. ولا يمكن التشكيك في عزمنا السياسي وإرادتنا الحسنة على التوصل إلى حل.

صاحب القداسة،

أجدد الترحيب بكم في قبرص وفي القصر الرئاسي، وأتمنى لكم إقامة ممتعة وبناءة روحياً، وصحة جيدة وحظاً سعيداً في إنجاز رسالتكم من أجل السلام العالمي.

شكراً.

نقلته إلى العربية غرة معيط (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2010