إيتسليسباخ، الاثنين 26 سبتمبر 2011 (ZENIT.org).

ننشرُ فيما يلي النصّ الكامل لعظة البابا التي ألقاها ظهر الجمعة لدى ترأسه الاحتفال بصلاة الغروب المريمية في مزار إيتسيلسباخ، والمسمّى مزار فالفارتس كابيلله (مصلّى الحجّ).

* * *

أيّها الإخوة والأخوات،

تحققت الآن أمنيتي بزيارة ايكسفيلد لأشكر معكم العذراءَ مريم هنا في إيتسيلسباخ. "هنا في الوادي المحبوب الهادئ" – كما يقولُ نشيدٌ للحجاج – و"تحت أشجار الزيزفون القديمة"، تمنحنا مريم طمأنينة وقوةً جديدتين. في اثنتين من الدكتاتوريات التي استهدفت نزع إيمان الناس التقليدي، كان أناسُ ايكسفيلد متأكدين بأن يجدوا هنا، في مزار إيتسيلسباخ، جزءًا مفتوحًا ومكانَ سلامٍ داخلي. نريدُ أن نواصلَ الصداقة الخاصّة مع مريم، والتي نمت من كلّ ذلك، حتّى من خلال الاحتفال بصلاة الغروب المريمية اليوم.

عندما يتوجّه المسيحيون في جميع الأزمنة والأمكنة إلى مريم، فهم ينقادون باليقين العفوي بأنّ يسوع لن يرفض الطلبات التي تقدّمها له أمّه، ويتّكلون على الثقة غير المتزعزعة بأنّ مريم هي في الوقت ذاته أمّنا – أمّ اختبرت أقسى أنواع المعاناة وتدركُ معنا جميع صعوباتنا وتنظرُ كأمّ نحو تخطّيها. كم من الناس عبر الأجيال ذهبوا في حجٍ إلى مريم ليجدوا أمام أيقونة الأمّ الحزينة – كما في إيتسيلسباخ – التعزية والمواساة !

فلننظر إلى أيقونتها ! امرأة متوسطة العمر ذات جفون ثقيلة من كثرة البكاء، وفي الوقت ذاته لها نظرة حالمة تتوجّه إلى بعيد وكأنّها تتأملُ في قلبها في كلّ ما حدث. وعلى ركبتيها تريحُ جثة ابنها وتضمّه بلطف ومحبة كهبةٍ ثمينة. وعلى جسد ابنها العاري نرى علامات الصلب؛ فذراعُ المصلوب اليُسرى تقعُ عموديًا إلى الأسفل. ربما كان تمثالُ الرحمة – كما كان مستخدمًا في الماضي – موضوعًا في الأصل على مذبح، وهكذا يمدّ المصلوبُ ذراعه إلى المذبح حيث تجعله الذبيحة الإلهية التي قدّمها بنفسه، حاضرًا في الاوخارستيا.

وهناك شيءٌ خاصّ آخر في أيقونة إيتسيلسيباخ العجائبية، ألا وهو مكان المصلوب. في أغلب الأيقونات التي تمثّلُ الرحمة، يظهرُ يسوع ميتًا ورأسه نحو جهة اليسار. وبالتالي يمكنُ للناظر أن يرى الجرح على جنب المصلوب. بينما هنا في إيتسيلسباخ فجرحُ الجنب مختفي، لأنّ الجسم موضوعٌ نحو الجهة الأخرى. يبدو لي أنّ معنى عميقًا يستترُ وراء هذا المنظر وينكشفُ فقط في تأمّلٍ منتبه؛ ففي أيقونة إيتسيلسباخ العجائبية، يتجّهُ قلبا يسوع وأمّه الواحد نحو الآخر، ويقتربان من بعضيهما فيتبادلان الحبّ. ونعلمُ أن القلب هو أيضًا عضوُ الاحساس الرهيف تجاه الآخر وعضو التعاطف العميق، وفي قلب مريم هناك مكانٌ للحب يريدُ ابنُها الإلهي أن يمنحه للعالم.

تتمحور العبادة المريمية في التأمّل في العلاقة بين مريم وابنها الإلهي. فوجدَ المؤمنون دومًا جوانبَ جديدة وألقابًا تفسّرُ بصورةٍ أفضل هذا السرّ، على سبيل المثال أيقونة قلب مريم الطاهر كرمزٍ للوحدة العميقة مع المسيح في الحبّ. لا يكمّلُ التحقيقُ الذاتي النموَّ الحقيقي للشخص البشري، وهو ما يُقترح اليوم كنموذج للحياة المعاصرة، بل التحوّل ببساطة عن الأنانية. إنّه بالأحرى موقفُ النعمة بحدّ ذاته والتي تتوجّه نحو قلب مريم ومن خلاله نحو قلب الفادي.

"وإنّنا نعلم أنّ جميع الأشياء تعمل لخير الّذين يحبّون الله، أُولئك الّذين دُعوا بسابق تدبيره" (روما 8، 28)، وهو ما سمعناه للتوّ في القراءة. في مريم، عرّف الله جميع الخير، ولا ينقطع من خلال مريم في نشره أكثر في العالم. ومن الصليب، من عرش النعمة والخلاص، أعطى يسوع أمَّه مريم كأمٍّ للبشرية. وفي لحظات تضحيته من أجل البشرية، جعل مريم وسيطةً للنعمة التي تتدفقُ من الصليب. وتحت الصليب، أصبحت مريم مرافقة ومحامية للبشر في مسيرتهم الحياتية. "إنَّ حبَّها الأمومي يجعلها تصغي إلى أخوةِ إبنها الذين لم يُكملوا غربتهم، أو إنهم لا يزالون عرضةً للمخاطر والضيقات حتى يصلوا إلى الوطن السعيد" (نور الأمم، 62). نعم، نعبرُ في الحياة بتقلباتٍ لكنّ مريم تتشفعُ لنا لدى ابنها وتنقلُ لنا قوّة الحبّ الإلهي.

ثقتنا في شفاعة أمّ الله الفعّالة وامتناننا لعونها الذي نختبره دومًا من جديد، يدفعان بطريقةٍ أو بأخرى على التأمّل، بعيدًا عن الحاجات الآنية. ماذا تريدُ حقًا أن تقول لنا مريم عندما تخلصنا من الخطر؟ تريدُ أن تساعدنا على فهم عمق وكبر دعوتنا المسيحية. وبحنان الأم تريدُ أن تفهمنا أنّ حياتنا كلّها لابدّ أن تكون إجابة على حبّ إلهنا الرحوم والغني. وكأنّها تقولُ لنا: افهم أنّ الله، مصدر كلّ خير لا يريدُ شيئًا آخر سوى سعادتك الحقيقية، وله الحقّ في أن يطلب منك أن تترك حياتك دون تحفّظ وبفرح لإرادته، وأن تعمل كي يفعل الآخرون مثلك. "حيث وُجِد الله، هناك مستقبل". وبالنتيجة، عندما نسمح لحبّ الله بأن يعمل كليًّا في حياتنا، فهناك نرى السماء مفتوحة. ويمكنُ هناك أن يُبنى الحاضر ليوافق دومًا البشرى السارة لربّنا يسوع المسيح، وهناك الأمورُ الصغيرة في الحياة اليومية لها معنى والمشاكل الكبرى تلقى حلاً لها. آمين.

ترجمة وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2011