روما، الاثنين 26 سبتمبر 2011 (Zenit.org)

 ننشر في ما يلي الكلمة التي وجهها البابا بندكتس السادس عشر إلى الممثلين الخمسة عشر عن الكنائس الأرثوذكسية والأرثوذكسية الشرقية الذين التقى بهم بعد ظهر السبت، في قاعة المحاضرات في إكليريكية فرايبورغ، وذلك في إطار رحلته الرسولية الثالثة إلى ألمانيا.

***

أصحاب النيافة والسيادة،

أيها الممثلون الأجلاء عن الكنائس الأرثوذكسية والأرثوذكسية الشرقية،

يسرني كثيراً لقاؤنا هنا اليوم. وأشكركم من صميم القلب على حضوركم وعلى إمكانية هذا التبادل الودي. كما أشكر بخاصة المتروبوليت أغسطينوس على كلماته المفعمة بالثقة. في هذه المناسبة، أكرر بطيبة خاطر ما قلته في مكان آخر: بين الكنائس والجماعات المسيحية، الأرثوذكسية هي الأقرب إلينا لاهوتياً؛ فالكاثوليك والأرثوذكس حافظوا على البنية الأساسية الموروثة عن الكنيسة الأولى. وهكذا، نرجو ألا يكون بعيداً يوم احتفالنا مجدداً بالافخارستيا سوية (راجع نور العالم. مقابلة مع بيتر سيفالد، ص. 119).

باهتمام وتعاطف، تتابع الكنيسة الكاثوليكية انتشار الجماعات الأرثوذكسية في أوروبا الشرقية التي سجلت نمواً ملحوظاً. وحالياً، يعيش في ألمانيا حوالي مليون و600 ألف مسيحي أرثوذكسي وأرثوذكسي شرقي. وقد أصبحوا شريحة مكونة للمجتمع تسهم في إحياء إرث الثقافات المسيحية والإيمان المسيحي في أوروبا. يسرني تعزز التعاون بين الأرثوذكس الذي أحرز تقدماً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. ويعبر تأسيس مجالس أسقفية أرثوذكسية حيث تقوم كنائس أرثوذكسية في الشتات عن العلاقات الوطيدة وسط الجماعة الأرثوذكسية. كما يسعدني أن تكون قد اتخذت خطوة مماثلة في ألمانيا خلال العام المنصرم. أرجو أن تعزز التجارب المعاشة وسط هذه المجالس الأسقفية الوحدة بين الكنائس الأرثوذكسية وتؤدي إلى تطوير الجهود نحو مجمع شامل للأرثوذكس.

مذ كنت أستاذاً في بون، وبخاصة عندما كنت رئيس أساقفة ميونيخ وفرايسينغ أيضاً، تمكنت بفضل الصداقة الشخصية مع الممثلين عن الكنائس الأرثوذكس من معرفة وتقدير الأرثوذكسية بشكل أعمق. في تلك المرحلة، بدأ أيضاً عمل اللجنة المشتركة لمجلس أساقفة ألمانيا والكنيسة الأرثوذكسية. وهي منذ ذلك الحين، عبر نصوصها حول مسائل رعوية وعملية، تعزز التفاهم المتبادل وتسهم في تعزيز وتطوير العلاقات بين الكاثوليك والأرثوذكس في ألمانيا.

وتبقى أيضاً كل الأهمية للعمل الدائم لإيضاح الاختلافات اللاهوتية، لأن حل هذه المسائل أساسي لإعادة الوحدة التامة التي نريدها ونصلي من أجلها. وحول مسألة الأولية بخاصة، يجب أن نواصل جهودنا في سبيل فهمها على نحو صحيح. في هذا الصدد، يمكن للأفكار حول التمييز بين طبيعة وشكل ممارسة الأولية كما قدمها البابا يوحنا بولس الثاني في الرسالة العامة "ليكون الجميع واحداً" Ut unum sint (رقم 95) أن تعطينا دفعاً مثمراً.

كما أنني أراقب بامتنان أيضاً عمل اللجنة المختلطة الدولية للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية. أصحاب النيافة الأجلاء وأيها الممثلون الأجلاء عن الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، يسرني أن ألتقي بكم أنتم الممثلون عن الكنائس المعنية بهذا الحوار. فالنتائج المحرزة تنمي التفاهم المتبادل والتقرب من بعضنا البعض.

في النزعة المعاصرة في زماننا حيث يريد عدد لا يستهان به من الأشخاص "تحرير" الحياة العامة من الله، إن جاز التعبير، تسير الكنائس المسيحية في ألمانيا – من بينها أيضاً المسيحيين الأرثوذكس والأرثوذكس الشرقيين – جنباً إلى جنب، على قاعدة الإيمان بالله الواحد وأب جميع البشر – على درب شهادة سلمية للتفاهم والشركة بين الشعوب. بفعلها ذلك، لا تغفل عن وضع معجزة تجسد الله في محور البشارة. وبإدراكها أن كل كرامة بشرية قائمة على هذه المعجزة، تلتزم بحماية الحياة البشرية منذ الحمل بها وحتى موتها الطبيعي. الإيمان بالله، خالق الحياة، والأمانة المطلقة لكرامة كل إنسان يعزيان المسيحيين في معارضتهم الشديدة لكل تدخل متلاعِب وانتقائي في الحياة البشرية. وبمعرفة قيمة الزواج والعائلة أيضاً، نولي نحن المسيحيين أهمية كبرى لحماية كمال وتميّز الزواج بين رجل وامرأة من أي تفسير خاطئ. إن الالتزام المشترك للمسيحيين، من بينهم المؤمنين الأرثوذكس والأرثوذكس الشرقيين، يقدم في هذا الصدد إسهاماً ثميناً في بناء مجتمع قادر على أن يحظى بمستقبل وحيث يُقدم الاحترام الواجب للإنسان.

ختاماً، فلنوجه أنظارنا نحو مريم، Hodegetria، "المرشدة إلى الطريق" التي تُكرم أيضاً في الغرب باسم "سيدة الطريق". لقد أعطى الثالوث الأقدس للبشرية مريم، الأم العذراء، لكي ترشدنا بشفاعتها عبر الأزمنة وتدلنا على الطريق المؤدية إلى الكمال. نريد أن نوكل أنفسنا إليها ونقدم لها رغبتنا في أن نصبح في المسيح جماعة أكثر اتحاداً، لنسبح ونمجد اسمه. فليبارككم الله جميعاً!

***

ترجمة وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2011