كلمة الكاردينال والتر كاسبر خلال افتتاح التجمع المسكوني الأوروبي الثالث

سيبيو، 13 سبتمبر 2007 (zenit.org).

ننشر في ما يلي مداخلة الكاردينال فالتر كاسبر، رئيس المجمع الحبري لتعزيز الوحدة بين المسيحيين، بمناسبة افتتاح التجمع المسكوني الأوروبي الثالث، في سيبيو في رومانيا في الخامس من سبتمبر، بعنوان "نور المسيح والكنيسة".

 يبدو وكأن عنوان التجمع المسكوني الأوروبي الثالث "نور المسيح يشعّ على كل البشر" قد فُصّل على قياس مدينة سيبيو  / هيرمانشتادت. فلِقرون طوال تعايش الهنغار والرومان والأرثوذكس والكاثوليك والروم الكاثوليك والمسيحيون الإنجيليون هنا في سييبنبرغن / ترانسيلفانيا. وتنعكس معظم المسائل المسكونية التي تشغل أوروبا اليوم في حياة هذه المنطقة. وليس من باب الصدفة أن تكون مدينة سيبيو قد صُنّفَت عاصمة أوروبية للثقافة للعام 2007.

 1. إن تاريخ هذه المنطقة المعقّد يبين أن العنوان "نور المسيح يشعّ على كل البشر" ليس بـ"الوصفة المتّفق عليها". بل هو يطرح مسائل توجِد بدورها تبايناً في وجهات النظر عند البعض. فهل يشعّ نور المسيح فعلياً على كل البشر، بما في ذلك على غير المسيحيين والمسلمين؟ أتراه يشعّ على من لا يعرفون شيئاً عن المسيح وعلى المواطنين الأوروبيين الكثر الذين يعرفونه ولكنهم يرفضون رسالته ولكي نقتبس صورةً من الإنجيل – يفضلون الظلام على النور (يو 3، 19)؟ أتراه يشعّ حتى على من يضطهدون المسيح وتلاميذه؟

 إذاً الموضوع المطروح ليس حتماً موضوعاً سطحياً ومن دون قيمة. ولكنه أيضاً ليس موضوعاً من ابتكار لجنة مسكونية تحضيرية من الجهابذة. إنه مجرد اقتباس من المدخل إلى إنجيل يوحنا الذي يتحدث عن النور الحق الذي ينير على كل إنسان آتياً إلى العالم في شخص يسوع المسيح (يو 1، 9). وقد قال المسيح أنه هو نور العالم (يو 8، 12). فيمكن بالتالي أن ندرج العنوان المقترح "نور المسيح والكنيسة" ضمن إطار أوسع لعنوان "نور المسيح والعالم".  

 وبذلك نجد أنفسها على أرضية بيبلية متينة لكي نوسّع عنواننا، لا بل اسمحوا لي أن أضيف: نجد أنفسنا جميعنا على الأرضية المتينة نفسها. فأياً تكن أسباب الإنقسام بين المسييحين الأرثوذكس والإنجيليين والكاثوليك، فمجرد إعلان إيماننا بالمسيح يسوع يوجد روابط في ما بيننا. وكمسيحيين، نحن نؤمن جميعاً بأن نور الحياة أُعطي إلينا بيسوع المسيح وأن هذا النور يشعّ علينا في العماد المشترك الذي يصفه آباء الكنيسة بمصدر إلهام. فجميعنا نقول في قانون الإعلان إننا نؤمن بيسوع المسيح الذي هو نور من نور، وإله حق من إله حق. وكلنا نؤمن بأنه الفادي ومخلص كل البشر، مخلص العالم.  

 أعتقد أنه من الأهمية بمكان في بداية تجمعنا ألا نسمح للإختلافات القائمة بيننا بأن تغشي نظرنا، بل حريّ بنا التفكير في الأسس المشتركة في إيماننا. فالمسكونية لا تعني أن نكون معاً وحسب. بل أن نعلن معاً إيماننا بإله واحد وبالرب يسوع المسيح الواحد وبمعمودية واحدة وكنيسة واحدة، كما نعلنها في قانون إيماننا المشترك. إن الحركة المسكونية هي – وبحسب الصيغة الأساسية لمجلس الكنائس العالمي – "شراكة أخوية لكنائس تعترف بالرب يسوع المسيح إلهاً ومخلصاً… وتعمل على الإستجابة معاً لدعوتها المشتركة لمجد الآب والإبن والروح القدس". فلنتخذ هذا الأساس المشترك مرجعاً نهتدي به ونستلهمه في الأيام القادمة. فمن دونه، نكون وكأننا نبني على الرمال أو نبني أضغاث أحلام.

 إن عطية المسكونية لنا تكمن في اعترافنا بهذا التقارب الأساسي بيننا وبأننا أعدنا اكتشاف أننا لسنا غرباء عن بعضنا أو في حالة تنافس، بل إخوة وأخوات في المسيح. وما من عبارات عرفان وشكر تفي هذه العطية حقها. فدعونا لا نسمح في أي حالة من الحالات أن يتكدّر فرح هذه العطية إذا ما ظهرت خلافات ومشاكل. ولا نسمحنّ لمن تزعجهم المسكونية أن يحبطوا عزيمتنا. فالمسكونية بالنسبة إلينا مهمة أوكلها إلينا يسوع المسيح الذي صلّى "ليكونوا بأجمعهم واحداً" (يو 17، 21). وبفعل عمل الروح القدس (راجع رسالة Unitatis Redintegratio 1؛ 4)، ها هي المسكونية تستجيب لضرورة من ضرورات زمننا. لقد مددنا يد التلاقي إلى بعضنا ولا نريد أن نفترق مجدداً بعد اليوم.  

 
2.
إنّا نحمل هذا الكنز في آنية من خزف (2قور 4، 7). وفيما أساس إيماننا مشترك، وهو يسوع المسيح، فنحن نعيش في كنائس مفترقة، على خلاف ما أراد يسوع وما أوصانا به. فلا نعتبرنّ الإنقسامات في ما بيننا أمراً طبيعياً فنتكيّف معها أو نحاول التقليل من أهميتها. لأنها تتعارض مع إرادة يسوع ومن هذا المنطلق، فهي تجسيد للخطيئة وعلامة على أننا أخفقنا في أداء مهمتنا التاريخية بأن نكون شهوداً على نور المسيح بين البشر أجمعين وأن نعمل معاً من أجل الوحدة والسلام بين جميع الناس.

 لقد حجبنا نور يسوع المسيح عن الكثير من البشر بخلافاتنا، جاعلين من الصعب عليهم أن يأخذوا على محمل الجدّ كل ما يمتّ إليه بصلة. والتاريخ يشهد على أن انقساماتنا مسؤولة جزئياً عن الإنقسامات في أوروبا وعن موجة العلمانية التي تجتاح قارتنا. وانقساماتنا مسؤولة جزئياً عن يأس الكثيرين من الكنيسة ومعارضتهم لها. لا يمكننا إذاً أن نرضى عن حال كنائسنا. ولا يمكننا الإستمرار في الإدعاء بأن ما يحصل أمر طبيعي. ما من بديل يكون على مستوى مسؤولية المسكونية. فأي حلّ آخر يتعارض ومسؤوليتنا تجاه الله والعالم. فمسألة الوحدة يجب أن تكون شغلنا الشاغل، لا بل يجب أن تشعل فينا نار الحماسة الوهاجة

 3. فماذا نفعل؟ قبل التفكير في أي علاج، لا بدّ من تحليل للوضع. في وثيقة صدرت مؤخراً عن مجمع عقيدة الإيمان في كنيستي، عرضت الكنيسة الكاثوليكية أوجه التباين القائمة لسوء الحظ، وذكّرتنا بواجباتنا حيال هذا الوضع. إنني أدرك أن هذا النص كان مصدر إزعاج للكثيرين، ولاسيما الكثيرين من إخوتي وأخواتي الإنجيليين. وأنا لستُ غريباً عما يشعرون به، فقد أثار لي أيضاً هذا النص مشاكل جمة. فجراح وأوجاع أصدقائي هي أيضاً جراحي وأوجاعي. لم يكن بنيّتنا أن نجرح أحداً أو ننتقص من قيمة أحد. جلّ ما أردناه هو أن نشهد للحق، ونتأمل أن تحذو حذونا كنائس أخرى، وهذا ما بدأت تفعله بعض هذه الكنائس. قد لا تروقنا دائماً التصريحات والمواقف الصادرة عن الكنائس الأخرى أو أحياناً مواقفها منا. ولكن ماذا ترانا ننظر؟ أمسكونية لطيفة ومسكونية زائفة تقوم فقط على مجاملة بعضنا البعض الآخر؟ إن ذلك لن يسمح لنا بالذهاب بعيداً. فالسبيل الوحيد للتقدم هو إجراء حوار صادق وواضح.

 وما يهمّ، بطبيعة الحال، هو الترفع عن الخلافات وما يُسمّى بالـ"مواصفات"، وألا ننسى الأمور التي تجمعنا وهي كثيرة لا بل الأهم. وهذا ما يلحظه النص المذكور بوضوح تام الذي يعلن صراحةً أن يسوع المسيح حاضر أيضاً بطريقة خلاصية في الكنائس والجماعات الكنسية المنقسمة عنا. وهذا ليس بالأمر القليل. فمنذ عقود قليلة، لم يكن وارداً البتة القيام بتصريح كهذا وأنا لستُ واثقاً من أن جميع شركائنا المسكونيين كانوا ليقولوا الأمر نفسه عنا.  وبالتالي، فإن الإختلافات غير مرتبطة بصفتنا كمسيحيين، كما أنها لا ترتبط  بمسألة الخلاص وإنما بمسألة وساطة الخلاص والشكل المنظور للكنيسة. بالنسبة إلى الكاثوليك والأرثوذكس، من غير الوارد أن تكون هذه المسائل ثانوية. فبموجب قياس محدد، تقارَن الكنيسة بسرّ الكلمة المتجسد (نور الأمم 8). وهي منظورة ككنيسة، ولكن أيضاً كمؤسسة. فمن تراه ينكر أننا لم نفلح حتى اللحظة ولسوء الحظ في التوصل إلى توافق في ما بيننا حول هذه المسألة؟

 
فهذه النقطة التي تشكل معضلة حقيقية لم يتمّ حلّها للأسف حتى الآن. فبما أننا لسنا واحداً في طريقة نظرتنا إلى الكنيسة وبشكل أوسع في الإفخارستيا، لا يمكننا الجلوس حول مائدة الرب الواحدة لنتناول خبز الإفخارستيا الواحد ونشرب من كأس الإفخارستيا الواحدة. هذا أمر جارح وبالنسبة إلى الكثيرين هذا حمل ثقيل. ولكن ما الجدوى من إخفاء الجراح. فالأحرى بنا أن نكشفها ولو كان الأمر مؤلماً. فبذلك وحده نتمكن من تضميدها وبمعونة الله، من شفائها.

4. بعد هذا التحليل، إسمحوا لي ببعض الكلمات بخصوص المعالجة. دعونا لا نلقي على الآخرين اللوم جراء العذابات المرة التي نتجت عن انقساماتنا. فقد بيّنت كل اللجان التاريخية التي اجتمعت في السنوات الأخيرة أن الإتهامات الأحادية الطرف كانت في معظم الأحيان تسقط في التحقيقات التاريخية. فغالباً ما يكون الخطأ من الطرفين. علينا أن نعترف بذلك بكل صدق ونزاهة، طالبين الغفران من الله ومن إخوتنا وأخواتنا. فلا يمكن لبداية جديدة أن تقوم إلا بعد تطهير الذاكرة. ولن يحصل أي تقدم مسكوني من دون توبة . وهذا أمر يفترض استعداداً للتجدد ولإجراء التغيير اللازم في كل كنيسة من الكنائس، على أن تبدأ كل كنيسة بإصلاح ذاتها أولاً.   

 في الجهود المبذولة لتجاوز الإنقسامات والتوصل إلى توافق، تبيّن أن المنهجية المعتمدة حتى الآن والتي تقضي بالتركيز على نقاط التلاقي إنما هي منهجية مثمرة قد سمحت بالتقدم على الكثير من الصعد التي كانت محط خلاف في الماضي. أنا أفكر على سبيل المثال في الإتفاق الأساسي حول عقيدة التبرير. ولكن مع الوقت، فقدت هذه المنهجية فعاليتها ولم نعد اليوم نحرز أي تقدم على هذا الدرب. ولكن ما من سبب لكي نستسلم. فبإمكاننا اليوم أن نعرض لبعضنا البعض موقفنا من الأمور بطريقة صريحة ولائقة. يمكننا أن نفعل ذلك على نحوٍ إيجابي، أي بطريقة لا تكون جدلية ولا ضيقة. يمكننا أن نفعل ذلك على أمل أن يصبح "تبادل المواهب" – بحسب عبارة البابا يوحنا بولس الثاني—ممكناً. بعبارة أخرى، يمكننا أن نتعلم من بعضنا البعض. فبدل أن نكتفي بأصغر قاسم مشترك، يمكننا أن نغتني بتبادل الكنوز التي مُنحنا

 وخلال مسيرتنا، حصل أيضاً الكثير من الأمور الإيجابية في السنوات والعقود الأخيرة. فقد تعلّمنا نحن الكاثوليك من الإنجيليين أموراً حول معنى كلمة الله. وهم من جهتهم يتعلمون منا أموراً في معنى الليتورجيا وشكلها. والكنيستان الكاثوليكية والإنجيلية تدينان للكنائس الأرثوذكسية الشقيقة بحس أكبر حول الأسرار. فإكرام الأيقونات على سبيل المثال يتزايد في الغرب. وهذه بضعة أمثلة على سبيل الذكر لا الحصر. لا يعرف أحدنا الآخر بعد بشكل كافٍ ولهذا السبب لا يحب أحدنا الآخر كما يجب.  

 علينا طبعاً أن نعي أنه في نهاية المطاف لن نكون نحن من نحقق الوحدة. فهي لا يمكن أن تكون من فعلنا. بل هي عطية من روح الله. فهو وحده قادر على إتمام مصالحة القلوب. وعلينا أن نصلي كيما نُمنَح روح الوحدة هذا. لذلك، فإن المسكونية الروحية هي في أساس المسكونية وفي قلبها (Unitatis Redintegratio الفقرة 8).

5. إن وحدة الكنيسة ليست هدفاً بحدّ ذاته. فلا أحد يعيش من أجل نفسه وحسب، ولا حتى الكنيسة. وقد صلّى يسوع ليكونوا جميعهم واحداً، ولكي يؤمن العالم (يو 17، 21). إن وحدة المسيحيين مرتبطة بوحدة العالم، وفي حالتنا الخاصة هذه بعملية توحيد أوروبا. نور المسيح هو ما وحّد أوروبا وأعلى شأنها. تطالعنا شخصيات تشعّ قداسةً في أساس كما في مسيرة تاريخ أوروبا: من مارتينوس وبندكتس، إلى كيريلّس وميثودس، إلى أولريخ، فأدالبير، فنساء كإليزابيت ملكة النمسا وتورنج، فإدويدج ملكة بولونيا وسيليزيا وألمانيا، فبريجيتا السويدية، وغيرها من الشخصيات. ولايمكن أن نتخيل أوروبا من دون الإصلاحيين، من دون جان سيباستيان باخ، أو شهود مثل ديتريش بونهوفر.

 وندعو من يشككون في الجذور المسيحية لأوروبا إلى القيام برحلة من جبل طارق مروراً بإسبانيا ففرنسا فألمانيا وسكاندينافيا وبولونيا، وصولاً إلى إستونيا أو حتى روما مروراً بالقسطنطينية وكييف حتى موسكو. سيلتقون في طريقهم بشعوب مختلفة تماماً ويسمعون لغات ولكنات لا تُحصى ولاتعدّ، ولكن أينما التفتوا سيطالعهم الصليب ووسط كل المدن القديمة سترتفع أمامهم كاتدرائية. لا يمكن أن نشكك في الجذور المسيحية لأوروبا إلا في حال قررنا إغماض عيوننا. فحتى في الأزمنة المعاصرة استمرت الجذور المسيحية لأوروبا تعطي ثماراً. فالفكرة الحديثة القائلة بكرامة الشخص البشري وكونية الحقوق البشرية تجد جذورها في التقليد اليهودي-المسيحي. إذاً لا يجوز أن نرفض الحداثة جملةً وتفصيلاً. بل حريّ بنا أن نحميها من إمكانية تدميرها لذاتها.

 لسوء الحظ، عمدت أوروبا إلى خيانة رسالتها في أحيان كثيرة: بالحروب التي توالت بين شعوب مسيحية، بالنهب الإستعماري وإخضاع شعوب أخرى، بحربين مهولتين عالميتين في القرن الماضي، بحكمين ديكتاتوريين ضدّ الله والإنسان، بالمحرقة التي قضت على ستة ملايين يهودي في قلب أوروبا. واليوم، ها هي أوروبا تواجه خطر لا خيانة مثلها وحسب بل – وطريقة عبثية أكثر—أيضاً خطر نسيان هذه المثل. فالخطر الأكبر لا يأتي من اعتراضات الإلحاد بل من نسيان الله، نسيان يخالف وصايا الله، نسيان وليد اللامبالاة والسطحية والنزعة الفردية وغياب الإرادة بالعمل من أجل الخير العام وتقديم التضحيات لهذا الغرض.   فكأننا نرقص على فوهة بركان أو على برميل من البارود باتت التحديات الجديدة واضحة منذ زمن بالنسبة إلى كل اليقظين في عصرنا اليوم. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر: المطالبة بالعدالة في عالم العولمة حيث الظلم غالباً ما يدعو إلى الإنتقام، والتهديد الصادر عن إرهاب غاشم، والتلاقي مع الإسلام الذي نتمناه سلمياً والذي لا بدّ أيضاً من أن يكون صادقاً من دون مواربة.

 فالتديّن غير الواضح الذي لا طعم له ولا لون لن يوصلنا إلى مكان. فخلاص المسيحيين لم يمرّ يوماً بالتشبه بالعالم. فالرسول بولس ينصحنا بالقول "ولا تتشبهوا بهذه الدنيا، بل تحولوا بتجدد عقولكم" (رو 12، 2). لا بدّ من ديناميكية تبشير جديدة. وما نحتاجه هو أن نمدّ إيماننا الملتزم والمعاش بقوت مغذٍّ. فأوروبا لاي مكن أن تُختَصَ بكونها كياناً إقتصادياً وسياسياً بحتاً. فهي تحتاج رؤيا مشتركة ومجموعة قيم أساسية مشتركة لكي يكون لها من مستقبل. إن أوروبا، أي نحن مسيحيي أوروبا، علينا أن نصحو. وعلى أوروبا أن تطالب باستعادة تاريخها وقيمها، قيم أعلت شأنها في الماضي وهي وحدها الكفيلة بإعطائها مستقبلاً جديداً. تلك هي مسؤوليتنا المشتركة.

 إن هدفنا هو وحدة أوروبا وليس تنميطها. وتنوع الثقافات مصدر غنى وثروة. ولكن ما يوحّدنا هي فكرة الكرامة التي يمنحها الله لكل شخص، وفكرة قدسية الحياة، والعيش المشترك في العدالة والتضامن، مع الحرص على المحافظة عل الخليقة، وفي ثقافة جديدة من الرحمة والمحبة.

 علينا أن نكون جميعنا علامات وشهوداً وأدوات لتطبيق هذه الخيارات بروح الإنجيل. علينا إذاً أن نحترم غيرية الديانات الأخرى، وأن تكون لنا شجاعة الشهادة لاختلافنا أيضاً. علينا أن يكون لدينا شجاعة المجاهرة باختلافنا كمسيحيين، والشهادة لنور المسيح الذي يشعّ على كل البشر، والإتيان به إلى العالم الذي يحتاجه بإلحاح. فمن سواه يعطينا الأفضل؟ وإلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عنده؟ (يو 6، 68).