ثوابت الرؤية المسيحية للتربية

 (حسب بحث البروفيسور جي أفانزيني، أستاذ التربية في الجامعة الكاثوليكية –  ليون – فرنسا)

1( القناعة الراسخة بضرورة التربية

2( القناعة بقدرة الإنسان على اهتدائه الحياة الجديدة

3) القناعة بأن التقدم الشخصي والجماعي يتعلق بالإنماء الروحي

4) القناعة بأهمّية عنصر الزمن

5) إعطاء الأولوية للقيم الإنجيلية (إنسانية وروحية)

 

         ظلّت الكنيسة عبر تاريخها الطويل تؤكد باستمرار أهمية التربية للبشر وذلك بواسطة المبادرات لتنميتها وتأسيس الهيئات والرهبنات لأجل نشرها لجميع الشعوب. فانبعثت من العقيدة المسيحية المذاهب الفكرية العديدة في مجال التربية والأساليب التي تنبثق منها.

وأن يظهر بوضوح دوام اهتمام الكنيسة بالشأن التربوي، إلاّ إنهاّ تتنوّع المبادرات والإنجازات الناجمة من هذا الاهتمام وتختلف أساليبها حسب الأماكن والأزمنة.

         عندما ندرس ممارسات الهيئات الكنسية والرهبنات التي شّقت الطريق قي مجال التربية: نلاحظ وجود فوارق كبيرة بل تبايُنات، وهي تمثل العناصر غير الثابتة في المؤسسات التربوية التي أنشئتها الكنيسة ونذكر البعض منها :الفئات المستهدفة، المناهج المختارة، أنماط المؤسسات التربوية، مكانة المدرسة تجاه المؤسسات المدنية أو الكنائس الأخرى، حتى الصورة المثالية للإنسان المسيحي فيختلف كثيرا من زمن إلى آخر أو من دولة إلى أخرى.

         فمن الصعب أن نتكلم عن "تربية مسيحية" بمعنى "علم مسيحي للتربية" . لا توجد "تربية مسيحية"، كما لا يوجد "طب مسيحي" ولا "هندسة مسيحية". ولكن يمكن القول بأن توجد بالفعل "رؤية مسيحية للتربية"، إي رؤية مسيحية لكل ما يخص التعليم والتربية: كالمدرسة، طرق التدريس، تربية الضمائر والسلوك الخ… لأن توجد رؤية مسيحية للإنسان، هي التي تنبثق من الكتاب المقدس وتعاليم الكنيسة.

         إذا، بالرغم من وجود هذه العناصر المتغيرة عبر التاريخ: نلاحظ أيضا بعض العناصر الثابتة التي يتّسم بها الأسلوب المسيحي في التربية والتي ينبغي ذكرها عندما نريد أن نقيّم رسالة المدارس الكاثوليكية وممارساتها وأنشطتها التربوية والدور الذي تلعبها في المجتمع.

 

ويمكننا تمييز خمس عناصر أو ثوابت رئيسية :

 

1( القناعة الراسخة بضرورة التربية

         لا يستطيع الإنسان أن يستغنى عن التربية. لأنهّ ليس كائنًا متحكمًا في الغرائز فقط بل يحتاج إلى التربية للوصول إلى مقوّمات ومواصفات إنسانيته. فهذا المبدأ يفرض نفسه على جميع البشر. ولكن تؤمن الكنيسة بضرورة التربية لأسباب أخرى : إذا كانت غاية حياة الإنسان الاهتداء الحرّ بكلام المسيح فيجب تمكين كل إنسان من سمعها  قبولها وتعميقها. فالوحي المسيحي هو تسليم واستلام، إعلان ومعرفة، عرض وقبول وهذا يُعتبر جوهر الرؤية المسيحية للتربية. أن التربية، وبصفة خاصّة التعليم: تساعد الإنسان على قبول البشرى عن طريق قراءة وفهم الكتاب المقدس.

         وبالأحرى تنظر الكنيسة إلى التربية كمرحلة من مراحل تاريخ الخلاص الذي بادره الله باختيار شعبه، فنرى في الكتاب المقدس: كيف أن الله ربّى شعبه وقاده عبر القرون لأجل مجيء المسيح. هكذا كرّس يسوع المسيح حياته العلانية لتعليم وتربية تلاميذه كما أنشأ الكنيسة لتكملة هذه المهمّة. هكذا نرى أن عمل الله الخلاصي هو عمل تربويي بحت. فأصبح كل عمل تربوي عمل تمهيدي لخطة الله لخلاص الإنسان.

         لهذا السبب دافعت الكنيسة باستمرار عن حق الأطفال في التربية واعتبرت التربية بكل أشكالها جزءً  من رسالتها. فيجب علينا أن نعتبر رسالتنا التربوية اليومية جزءً من عمل الله للخلاصي  ومشاركة الكنيسة في رسالتها التربوية.

 

2( القناعة بقدرة الإنسان على اهتدائه الحياة الجديدة

         هذا هو الثابت الثاني الذي بدونه لا يمكن تحقيق الأول، وليس فقط لأسباب مرتبطة بمبادئ علم النفس أوعلم الاجتماع، بل لأسباب لاهوتية: أنّ يسوع المسيح، عندما اكتسب بحياته وموته وقيامته صفة أبناء الله لجميع البشر جعل الجميع قادرين على السير في طريق الخلاص والقداسة. ونرى في نداء يوحنا المعمدان للتوبة أول نداء إلى التربية المستمرة وإظهار الربط الوثيق بين الاهتداء بالحياة الجديدة والتربية التي تقود إليها ("فيرى كلّ بشر خلاص الله" )لو 3، 6)(.

         إذا كان كل عمل تربوي يُعتبر تحديا كبيرا لأنّ نجاحه ليس مضمونا، فبالأحرى التربية المسيحية التي تدعو كل إنسان للإجابة على نداء الله الخاصّ به: ضمانًا أكيد"ا على كل معضلات.

         هذه القناعة كانت راسخة لدي كل مؤسسي الرهبانات التي تهدف تربية النشىء مثل القديس دون بوسكو مع صعاليك مدينة تورينو فأثنان منهم أصبحوا طوباوين !

حسب هذا المفهوم الخلاصي، المربّي المسيحي يسعى إلى المشاركة في تحقيق مشروع الله من خلال عمله التربوي ويجعل هذه المشاركة مشروع حياته وهو يمارس "المحبة التربوية" عندما يساعد النشىء ليصبح مواطنا صالحا ومسيحيي حقيقي. مشروع ألله لا يتجزّأ والتبشير بالإنجيل عنصر أساسي لتنمية الإنسان و المجتمع.

 

3) القناعة بأن التقدم الشخصي والجماعي يتعلق بالإنماء الروحي

         أعلنت الكنيسة باستمرار بعد المسيح أن الإنسان ليس مادة أو آلة إنما أداة للتطوّر والتنمية. فاهتداء القلب أهمّ من ضبط الأنظمة والمناهج، والعمل التربوي أهم من العمل السياسي. فأهتمّت الكنيسة بتكوين العقول جيل بعد جيل والنضوج التدريجي على ضوء القيم الإنجيلية. فاذ اعتبر المسيحيون التبشير يالمسيح عنصر أساسي لتنمية المجتمع الحقيقية، اعتبروا أيضا بالمثل أن التربية والتعليم  تمهّدان الطريق للتبشير بالمسيح (البابا يوحنا بولس: "رسالة الفادي").

 

4) القناعة بأهمّية عنصر الزمن

         عل عكس السياسة التي تعمل على المدى القصير، تستهدف التربية التأثير على المدى الطويل. فهي تنطلق من لا شيء وتنتظر ظهور نتيجة مجهوداتها بصبر مثل ما عمل الله في تربية الشعب المختار عبر التاريخ. مثل يسوع المسيح أيضا الذي أهل  نفسه لحياته العلانية القصيرة بثلاثين ستة من حياته في الخفاء والصمت. كذلك يحتاج تكوين الإنسان والمسيحي إلى مراحل متتالية طويلة وتبادر الكنيسة دائما ببدء التكوين في سن الطفولة وتساهم في إنشاء وتطوير علم وفنّ التربية.

 

5) إعطاء الأولوية للقيم الإنجيلية (إنسانية وروحية)

         … و ليس لتوفير وسائل المعيشة أو المعارف أو المؤهلات لأجل الوصول إلى المناصب. إن التربية المسيحية لا تتجاهل تلك الوسائل بل تجيد استخدامها. ولكن هي تهدف في المقام الأول  إلى إبراز أهداف ومعاني الحياة ودوافعها. فالمؤسسة التربوية المسيحية، مدرسة أو نشاط، تعرض من خلال التعليم الجيد مفهوم الثقافة مبني على القيم انجيلية كما هي تدرّب التشء على تحمّل مسئوليات الإنسان المسيحي. وفي هذا الشأن أن تعديل اللقب، في كثير من البلدان من "مؤسسة للتعليم الكاثوليكي" إلى مؤسسة كاثوليكية للتعليم"  يعني أن صفة "كاثوليك" أو "مسيحي" لا تخص المعارف أو العلوم بل القيم التي توجّه و تنوّر التعليم و الثقافة، تلك القيم الإنجيلية التي تجب إنماءها في النشىء عن طريق التربية والتي تجب على ضوئها بناء المشروع التربوي.