حوار المطران مارون لحام: القرن الواحد والعشرون هو قرن عودة الروحانيات

مطران الكنيسة الكاثوليكية في تونس

 

على ضفاف نهر الأردن ولد في 20 يوليو 1948 ، وفي الأراضي المقدسة درس اللاهوت منذ العام 1961 حتى سيامته كاهناً في 1972 . خدم بالعمل الرعوي في الكنيسة اللاتينية بالأردن والإمارات والأراضي المقدسة حتى سافر إلى روما وحصل على الدكتوراه في اللاهوت الرعوي عام 1994 . وفي أكتوبر 2005 سيم أسقفاً لتونس الخضراء ورئيساً لكهنتها . وأخيراً في زيارة له إلى عاصمة الصعيد بمصر كان لنا هذا الحوار وسيادة المطران مارون لحام مطران الكنيسة الكاثوليكية في تونس .

 

·       سيادة المطران .. ألقى لنا اضواء على الكنيسة الكاثوليكية في تونس؟

         الكنيسة الكاثوليكية في تونس تضم 22 ألف كاثوليكي من 60 دولة تقريباً . يوجد بالايبارشية 10 رعايا يخدم بينهم 40 كاهنا و 120 راهبة كما يوجد لدينا 6 مكتبات ومستشفى واحد . نعيش حياة هادئه دون أية مضايقات فتونس بلد عربي نادر والشعب التونسي شعب يعتز باسلامه وعروبته ويتيه كذلك بالحقبة المسيحية التى عاشها بلده ويفتخر بها معتبراً اياها صفحة مشرقة في تاريخه الوطنى .

 

·       سيادتكم ضيفاً كريماً على مصر هذه الأيام … لماذا أنت في أسيوط ؟

         أتيت إلى مصر بدعوة كريمة من أخى المطران الأنبا كيرلس وليم مطران أسيوط لأرافق كهنة الكنيسة الكاثوليكية فى مصر خلال الندوات التكوينية هذه السنة . وقد قمت بإلقاء سلسلة من المحاضرات حول الرعاية الروحية وكيفية القيادة على مثال يسوع المسيح الكاهن الأعظم  . لقد اسعدتني هذه الخبرة واسعدني كذلك أن ألمس غنى الكنيسة المصرية عن قرب .

 

·       لكم العديد من الدراسات حول الكنائس الشرقية وترون أنها مدعون لأن تكون جسر تواصل بين الشرق والغرب – حدثنا عن ذلك ؟

         عرفت الكنائس الشرقية عبر تاريخها الذي يمتد إلى عشرين قرن الكثير من المراحل الصعبة وقد ثبتها روح الله في محنها الكثيرة . لذا فالكنائس الشرقية مدعوة لأن تلقى نفسها بايمان وحب وسط نار الروح القدس ليطهرها وينقيها من شوائب الضعف البشري . وإذا تحررت الكنائس الشرقية من رواسب التاريخ الموسوم بضعف البشر وسارت بحرية نحو ملء الوحدة ووضعت يدها بيد الكنائس الاخرى الشقيقة عندئذ تستطيع الكنائس الشرقية أن تعيش إيمانها الحقيقى بأمانة وتضحى جسر تواصل صلب بين الشرق المسلم والغرب المسيحى .

 

·       ماذا عن مستقبل المسيحية الشرقية في مقابل هجرة أبنائها إلى الغرب ؟

         يأتي النور من الشرق هذا ما يقال وهذا هو ما حدث بالفعل . فنور الإيمان وليس فقط الإيمان المسيحى انبثق من الشرق ، ومنه امتد إلى مختلف بقاع الدنيا . هذا شرف وعاه أبناء الشرق على مدى تاريخهم . واذا كانت الحروب المتتابعة في الشرق قد شتت أبناءه ، كذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية دفعت أعدادا كبيرة من المسيحيين الشرقيين إلى الهجرة خاصة من الشباب . علاوة على ذلك غالباً ما كان اهتمام الغرب بالشرق يهدف إلى اقتطاع اعداد جديدة من المسيحيين الشرقيين وتأسيس كنائس جديدة أثبتت الخبرة فيما بعد أنها لم تكن الأسلوب الأمثل لخدمة الكنيسة الشرقية ولا لإعادة الوحدة المرجوة بين كنيستى الشرق والغرب . كل تلك العوامل جعلت السلطة الكنسية في الشرق تتنبه إلى أهمية الحضور المسيحي في المنطقة ومن ثم التأكيد على البعد اللاهوتي للكنائس الشرقية حيث زرعها الرب واننا نؤمن بأن الله تعالى هو سيد التاريخ وله تعالى في الكنائس الشرقية مقاصد وإن اكتشاف هذه المقاصد الروحية وتفهمها والعيش بمقتضاها هو الهدف الوحيد الذي يجب أن يسعى إليه لا أبناء الكنائس الشرقية فحسب بل أبناء كل كنيسة على وجه المسكونة حتى يتحقق لأعضائها الانتماء للأرض التى وجدوا  فيها .

 

·       كيف تقرأ الحقبة التاريخية المعاصرة أى منذ مطلع القرن الحادي والعشرين وحتى الآن ؟

         المشهد السياسي محزن جداً حيث نرى الحروب والصراعات السياسية تحيط بالمنطقة من باكستان شرقاً حتى المغرب العربي غرباً ونادراً ما نجد دوله دون مشاكل سياسية . بينما على المستوى الديني فإنني أعتقد ان القرن الواحد والعشرين هو قرن عودة الروحانيات . إذ هناك شعور عام بالحاجة إلى الروحانية وما هو فائق الطبيعة . وإن كانت هذه الصحوة الدينية – المسيحية والاسلامية – أمر ايجابي جداً لأن المؤمن يجب ان يعرف لماذا هو مؤمن وكيف يعيش إيمانه ، لكن الصحوة الدينية أيضاً لها مخاطر يجب ان يعيها الطرفان . وأهم تلك المخاطر هى أن يتحول الشعور الديني المتنامي والمفروض ان يقربنا من الله سبحانه وتعالى ومن ذواتنا ومن الآخر ، ان يتحول إلى انغلاق وتعصب لا يتحكم فيه عقل أو إيمان . عند ذلك يصبح الآخر المختلف عنى دينياً ليس هو أخ احترمه بل عدو يجب محاربته .

 

·       دائماً ما تصف الحوار المسيحي الإسلامي بأنه حوار حي – ماذا تقصد بذلك ؟

         الحوار المسيحي الاسلامي حوار قديم جديد فقديم لأنه بدأ مع مجئ الإسلام ولم ينقطع ، لا شك أنه عرف احقاباً مزدهرة وأخرى أقل ازدهاراً لكنه عاش . وجديد لأنه لم يتحجر في شكل أو في إطار محدد بل تطور مع الظروف الحياتية. وهذا هو الحوار الحي الذي يتفاعل مع الظروف ويتعايش مع المتغيرات بل ويحاول قدر المستطاع أن يؤثر في الظروف لا أن يتأثر بها . حوار حى لأنه يبدأ بالأشخاص ويمتد إلى الجماعات فالمجتمعات . فما من حوار فعال الا ويتم من خلال علاقة شخصية لأن العلاقات الانسانية هي التى تسقط الحواجز والاوهام . واخيراً الحوار الحي هو الذي يتخطى مرحلة المجاملات والتغني ببعض الأمثال من الماضي السمح لكل الطرفين . اننا نريد حواراً حياً يصل إلى اتخاذ القرارات والمواقف التى تقود إلى تغيير الفكر والسلوك والمقصود من ذلك كله خلق مناخ حضاري  يقود إلى الاحترام والثقة المتبادلة .

 

·       كيف تقرأ أحوال الأسرة في العالم العربي ؟

         الأسرة العربية ما زالت تحتفظ بكيانها العائلي في ثالوث الأب والأم والأبناء ، كذلك ما زال يسود بين أعضاء الأسرة قيم الحب والإخلاص والوفاء . أقول ذلك لأن خارج مجتمعنا الشرقي هناك انهيار في القيم الأسرية لا أعلم إلى أين ستصل يوما ما . لذا على الأسرة في الشرق أن تتمسك بهذه المنظومة الفريدة من القيم الاجتماعية وأن تكون كذلك مؤثرة في مجتمعها مؤمنة بدورها ورسالتها في الحياة .

·       في ختام هذا الحوار ماذا تقول لأبناء الكنيسة الكاثوليكية في مصر؟

         كنيستكم غنية بتاريخ عريق وطقوس أصيلة فما أجمل ان تصلوا في طقوسكم من أجل الأرض والنيل والثمر . لقد رأيت في لقاءاتي وزيارتي التى قمت بها في صحبة الانبا كيرلس وليم العديد من الكهنة المباركين والأديرة العامرة والشعب المسيحي الأصيل . ونصيحتي لأبناء الكنيسة أن يبقوا على اتحاد بكنيستهم واساقفتهم وان يغذوا فيما بينهم وبين السلطة الكنسية مشاعر التعاون والعمل المشترك والشهادة للمسيح من خلال الحياة اليومية حتى يؤمن العالم .

 

أجرى الحوار : ناجح سمعـان