وادي قدرون ، الاربعاء 13 مايو 2009 (Zenit.org)

ننشر في ما يلي كلمة البطريرك فؤاد طوال امام البابا في وادي قدرون:

يا صاحب القداسة،

بقلوب ٍ تعمُرُها المحبة لكم والولاء ، ترحّب الكنيسة الأم بقداستكم أصدق ترحيب وأحرّه، أيها الحبر الجليل ، في قدومكم الميمون إلى هذه المدينة المقدّسة حيث رحبّت الجماهير الغفيرة بسيدّنا يسوع المسيح هاتفة : " هوشعنا في الأعالي ، تبارك الآتي باسم الرب !" (متّى 9:21). أتيتم أهلا ووطئتم سهلاً في هذه المدينة، حيثُ انتصر المسيح على الخطيئة والموت ، ووهب الخلاص لكل مَن يؤمن به. وفي رعاية قداستكم ، تعتني الكنيسة هنا بهذه الأماكن المقدّسة وتحافظ عليها ، وتؤمّها للصلاة. في هذه الأماكن أتمّ سيّدنا المسيح مهمّة الفداء العظيمة. وهذه المواقع خير شاهد على أحداث الماضي وعبرة لحقيقة حياتنا الحاضرة وصورة لها.

على بُعد خطوات من هذا المكان، قال المسيح لتلاميذه الثلاثة المختارين:"امكثوا هنا، واسهروا معي"(متّى 39:26). ولكن هؤلاء التلاميذ أغمضوا عيونهم ، ولم يقوَوا على السهر مع المسيح ابّان نزاعه في بستان الجسمانية.

أيها الأب الأقدس، لم يتغيّر الوضع اليوم عمّا كان عليه في الماضي: بيننا وحولنا نشهد حالة النزاع التي يعاني منها الشعب الفلسطيني الذي يحلم بالعيش الرغيد الكريم في دولة فلسطينية حرّة مستقلّة ذات سيادة، ولكنّ ذلك الحُلم لم يتحقّق بعد.
ونشهد كذلك نزاع الشعب الإسرائيلي الذي يحلم من جهته بحياة هادئة مستقرّة.ومع قدراته العسكرية وتفوّقه الإعلامي ، لم يتوصّل إلى تحقيق مُبتغاه.

وكذلك الأمر مع المجتمع الدولي : انه يقف من بعيد ولا يحرّك ساكنا ، وينظر إلى الوضع – مثل رسل المسيح الثلاثة – بعيون أثقلها عدم الاكتراث واللامبالاة حيال نزاع الديار المقدسة وما تتكبّده من مشاقّ منذ إحدى وستّين سنة. ولا يحاول المجتمع الدوليّ النهوض من سُباته لإيجاد حلّ عادل. هنا في وادي يوشافاط ، من وادي الدموع ، نرفع الدعاء من أجل تحقيق أحلام هذين الشعبين.

وعلى جبل الزيتون هذا ، يبدو أن يسوع بكى عبثاً أورشليم ، وما زال يذرف الدمع السّخين على اللاجئين الذين لا أمل لهم في العودة ، ومنتحبا مع أرامل ضحايا العنف ، والكثير من العائلات المُشرّدة في هذه المدينة التي تشهد بأم أعينها هدم بيوتها في لحظات ، بذريعة أنها "بُنيت بصورة غير قانونية" أو "من غير ترخيص" ، في حين أن الوضع الراهن كلّه غير قانوني وبحاجة إلى حلول.

وفوق هذا المكان الذي نقف عليه اليوم، هتف المسيح قائلاً: " أُورشليم أُورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المُرسَلين إليها ! كم مرّة أردتُ أن أجمع أبناءكِ كلّ أبناءكِ ( يهوداً ومسيحيين ومسلمين !)- فلم تُريدي!" (لوقا 34:13).

قداسة الحبر الأعظم والأب الأقدس، نرجو أن تروا حياة أبنائكم المساكين المظلومين وكلّكم تفهّم لما يعانونه من شدّة وضيق، ونسأل قداستكم أن تقووا إيماننا ورجاءنا. زيارتكم الراعوية الأبوية – وأنتم "تحملون همّ جميع الكنائس" – تجلب لنا تضامن الكنيسة الجامعة ووعيها الشامل ، وتلفت انتباه العالم إلى هذه المنطقة والى سكّانها ، مبيّنة على الملا تاريخهم ونضالهم وآمالهم وآلامهم ، وكذلك دموعهم وابتساماتهم.
إنّ كلّ إنسان عاجز أو مُقعَد، وكذلك اللاجئ والسجين أو الأسير، أو مَن يحمل نير الظلم الرهيب وكلّ إنسان يتألّم، يزداد إذا ما شعر أنه منسيّ أو ما من أحد يرى عذابه أو يدري عن معاناته أو يتأثّر لضيقته. حضوركم بيننا تعزية عظيمة لقلوبنا وتشديد لعزائمنا.
قداسة الحبر الأعظم، أنتم خليفة القديس بطرس الذي وَكَل إليه الرب أن "يثبّت إخوته" في إيمانهم (لو 32:22). هذا ما نرجوه من قداستكم ونحن نهتف مع الرسل الأطهار في الإنجيل المقدّس: "قوّ إيماننا!" (لو 25:17).

قداسة الحبر الأعظم، أمامكم قطيع يتقلّص عدده باستمرار ويعاني من نزف الهجرة نتيجة الاحتلال الظالم وما يجلب من إذلال وعنف وكراهية. ومع ذلك نعلم أن الإيمان هو الظفر الذي يغلب العالم ( يوحنا الأولى 4:5) وأننا بالإيمان نستطيع أن نرى المسيح يسوع، ونتعرّف عليه في كل إنسان. بإمكاننا ، مع المسيح وفيه ، أن ننعم هنا والآن بالسلام الذي يعجز العالم عن منحنا إيّاه أو عن انتزاعه من قلوبنا. هذا السلام يعني الصفاء والإيمان والروح المُنفتحة وفرح العمل، والحياة في هذه الديار المقدسة "بكل تقوى وكرامة".

لذلك ننتهز فرصة حضور قداستكم المُبارَك بيننا كي نهتف مع الوالد المتألّم المذكور في الإنجيل الطاهر، والذي توسّل إلى سيّدنا يسوع أن يحرّر ابنه من آلامه المتواصلة ، نهتف معه قائلين: "نؤمن ، ساعدنا في قلّة إيماننا."

قداسة الحبر الجليل، خَليَفة القديس بطرس، نسألكم ونحن نرحّب بكم أجمل ترحيب أن تساعدوننا لئلاّ يضعف إيماننا. ونسألكم أن ترفعوا الدعاء معنا إلى الآب السماوي من أجل سكّان هذه الأرض المقدّسة . نتضرّع جميعنا إلى أم الأوجاع التي وقفت برباطة جأش عند صليب ابنها المتألم، لعلّها تنعم علينا بأن نتحلّى بإيمانها الوطيد في العناية الربانية المحبّة للبشر، فنقبل على مثالها الضيقات حتّى وإن لم ندرك سببها.

يا ربّ ، أعن قلّة إيماننا وزدنا إيماناً!

وفي الختام نسأل بركة قداستكم وصلواتكم!

+ البطريرك فؤاد بطرس الطّوال