برنو، الأحد 27 سبتمبر 2009 (Zenit.org).

ننشر في ما يلي عظة قداسة البابا بندكتس السادس عشر التي تلاها لدى ترؤسه قداسًا احتفاليًا في مطار توراني في برنو، خلال زيارته الرسولية إلى الجمهورية التشيكية.

* * *

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

"تعالوا إلي يا جميع المتعبين والمثقلين وأنا أريحكم" (مت 11، 28). يدعو يسوع كلًا من تلاميذه إلى البقاء معه، وإلى إيجاد التعزية والسند والراحة فيه. وهذه الدعوة يوجهها بشكل خاص إلى الجمع الليتورجي الذي يضم بشكل رمزي، حول خليفة بطرس، كل جماعتكم الكنسية. [يلي تحية البابا إلى السلطات الدينية والمدنية، وإلى المؤمنين].

أيها الأصدقاء الأعزاء، نظرًا للطابع الذي تتسم به ليتورجية اليوم، قاسمت الخيار الذي أشار إليه أسقفكم بربط إيقاع القراءات الكتابية في القداس الإلهي بموضوع الرجاء: لقد شاركت القرار مفكرًا بشعب هذه الأمة الحبيب، وبشعوب أوروبا والعالم بأسره، المتعطشة إلى ما تبني عليه بثبات مستقبلها.

لقد أشارت رسالتي العامة الثانية – مخلصون بالرجاء – إلى أن الرجاء "الثابت" و "الموثوق" (راجع عدد 1) هو رجاء مبني على الله. تُعلمنا خبرة التاريخ كيف أن الإنسان يغرق في بحر من السخافة إذا ما نفى الله من أفق خياراته وأعماله، وكيف أنه من الصعب بناء مجتمع يستوحي قيم الخير والعدالة والأخوة، لأن الكائن البشري حر، وحريته تبقى حرية ضعيفة. ولذا يجب أن يحملها إلى الخير باستمرار وأن يقودها في البحث غير السهل عن "التنظيم المستقيم للوقائع البشرية"، وهذه مسؤولية تقع على كاهل جميع الأجيال (راجع مخلصون بالرجاء، 24-25).

لهذا السبب، أيها الأصدقاء الأعزاء، نحن هنا في المقام الأول للإصغاء لكلمة تهدينا إلى الطريق الذي يقود إلى الرجاء؛ لا بل نحن في إصغاء لكلمة وحدها تستطيع أن تهبنا رجاءً وطيدًا، لأنها كلمة الله.

في الرسالة الأولى (أش 61، 1 – 3أ)، يقدم لنا النبي نفسه موشحًا برسالة إعلان التحرير، والتعزية والفرح لجميع البائسين والفقراء. لقد أخذ يسوع هذا النص وجعله خاصته في تبشيره. لا بل قال علنًا أن وعد النبي قد تحقق فيه (راجع لو 4، 16 – 21). لقد تحقق بالكامل عندما حررنا، بموته على الصليب وبقيامته من الموت، من عبودية الأنانية والشر، والخطيئة والموت. وهذا هو إعلان بشارة الخلاص، القديم المتجدد دومًا، والذي تعلنه الكنيسة من جيل إلى جيل: المسيح المصلوب والقائم، رجاء البشرية!

يتردد صدى كلمة الخلاص هذه بقوة اليوم أيضًا في جمعنا الليتورجي. يتوجه يسوع بمحبة إلى كل منكم أيها الإخوة والأخوات في هذه الأرض المباركة، التي نُثر فيها بذر الإنجيل منذ أكثر من ألف سنة. إن وطنكم، أسوة بأوطان أخرى، يعيش حالة ثقافية تمثل عادة تحديًا جذريًا للإيمان، وبالتالي للرجاء. بالواقع، لقد تعرض الإيمان والرجاء على حد سواء في العصر الحديث لنوع من "النقل" لأنهما رُبطا بالإطار الفرداني وما بعد الأرضي، بينما تم وضع الثقة في الحياة العملية والعامة بالتقدم العلمي والاقتصادي (راجع مخلصون بالرجاء، 17).

نعرف كلنا أن هذا التقدم هو مبهم: يفتح مجالاً أمام الخير وفي الوقت عينه أمام وجهات سلبية. إن التطور التقني وتحسين الهيكليات الاجتماعية هو أمر هام وضروري بالتأكيد، ولكنه لا يكفي لضمان رفاهية المجتمع الأخلاقية (راجع المرجع نفسه، 24). إن الإنسان بحاجة أن يتحرر من الضغوط المادية، ولكن يجب عليه أن يتحرر، بشكل أعمق، من الشرور التي تنكد بالروح. ومن يستطيع أن يخلص إلا الله، الذي هو محبة، والذي كشف عن وجهه الأبوي الكلي القدرة والرحيم في يسوع المسيح؟ ولذا فرجاؤنا الوطيد هو المسيح: فيه أحبنا الله حتى المنتهى ووهبنا الحياة بوفرة (راجع يو 10، 10)، تلك الحياة التي يتوق كل إنسان إلى حيازتها، حتى دون إدراكه لذلك.

"تعالوا إلي يا جميع المتعبين والمثقلين وأنا أريحكم". كلمات يسوع هذه المكتوبة بأحرف كبيرة فوق عتبه كاتدرائيتكم في برنو تتوجه إلى كل منا الآن ويضيف: "تعلموا مني فأنا وديع ومتواضع القلب، تجدوا راحة لنفوسكم" (مت 11، 29 – 30). كيف لنا أن نبقى غير مبالين أمام حبه؟ هنا، كما في أمكنة أخرى في العصور السالفة، تألم الكثيرون لكي يحافظوا على أمانتهم للإنجيل ولم يفقدوا الرجاء؛ لقد ضحى الكثيرون بذواتهم لكي يعيدوا الكرامة للإنسان والحرية للشعوب، ووجدوا في أمانتهم السخية للمسيح القوة لبناء بشرية جديدة.

وفي المجتمع الحالي أيضًا، حيث تتولد أشكال عدة من الفقر من الوحشة، ومن عدم اختبار الحب، من رفض الله ومن انغلاق مأساوي أصلي في الإنسان الذي يتوهم أنه يستطيع أن يكفي ذاته، أو يظن أنه مجرد واقع هامشي وعابر؛ في عالمنا الذي يضحي متغربًا عندما "يتوكل على مشاريع بشرية محض" (راجع المحبة في الحقيقة، 53)، وحده المسيح يستطيع أن يكون رجاءنا الأكيد. هذه هي البشرى التي دعينا نحن المسيحيين إلى نشرها كل يوم بشهادتنا.

أعلنوا هذه البشارة، أيها الكهنة الأعزاء، من خلال بقائكم متحدين بيسوع ومن خلال عيش خدمتكم بحماسة، أكيدين أن من يثق به لا يعوزه شيء. اشهدوا للمسيح، أيها الرهبان والراهبات، بعيشكم للمشورات الإنجيلية بفرح وممارسة متماسكة، مشيرين بهذا الشكل إلى الوطن الحق: السماوات. وأنتم أيها العلمانيون الأعزاء، شبابًا وراشدين، والعائلات الحبيبة، ابنوا على الإيمان بالمسيح مشاريعكم العائلية، والمهنية، والدراسية ومختلف النشاطات على كل الأصعدة الاجتماعية. يسوع لا يتخلى أبدًا عن أصدقائه. وهو يضمن عونه، لأننا لا نستطيع شيئًا من دونه، ولكن، في الوقت عينه، هو يطلب إلى كل منا أن يلتزم شخصيًا في نشر رسالة حبه وسلامه الجامعة.

ليفعمكم شجاعةً مثالُ القديسين كيريلس وميثوديوس، شفيعي مورافيا الأساسيين اللذين بشرا الشعوب السلافية، ومثال القديسين بطرس وبولس، اللذين كرستم لهما كاتدرائيتكم. انظروا إلى الشهادة النيّرة التي قدمتها القديسة زديسلافا، ربة العائلة الغنية بأعمال التقوى والرحمة؛ والقديس يان ساركاندر، الكاهن الشهيد؛ والقديس كلمنت ماريا هوفباور، الكاهن الراهب الذي ولد في هذه الأبرشية، والذي أعلنت قداسته منذ 100 عام؛ والطوباوية رستيتوتا كافكوفا، الراهبة التي ولدت في برنو وقتلها النازينو في فيينا. فلترافقكم وتحميكم شفاعة العذراء، أم المسيح رجائنا. آمين!

* * *

نقله من الإيطالية إلى العربية روبير شعيب – وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية – 2009.