الأحد الثاني من توت

إختيار الله

 واختيارات البشر

الأب بولس جرس

كثيراً ما تبدو اختيارات الله مخالفة لمواقفنا وتوقعاتنا واختياراتنا بل ومناقضة لإرادتنا، لكن بتأملنا في قراءات هذا الأحد المبارك وهو الثاني من توت، نستطيع التوصل إلى حقيقة رائعة " أن المرّ الذي يختاره الله لي خير من الحلو الذي اختاره لنفسي" إن اختيارات الله مهما بلغت صعوبتها ومهما صاحبا اللم والمشقة، تظل هي الأفضل دائماً وهي وحدها تؤدي إلى الخلاص

البولس: تيموثاوس ال 1، 2: 1-01

تعتبر وصية من الوصايا الأخيرة والثمينة التي يسلمها أب لابنه مستودعاً إياه خلاصة خبرته الرسولية وكاشفاً له سر الفرح الذي يحيا برغم ما يعاني من اضطهاد وقيود وآلام جسدية ونفسية. فهو مستعد لتحمل كل أنواع الألم دون أن يستحي منها حتى الم القيود وترحيله من بلد إلى بلد مع المجرمين وفاعلي الشر لأنه عارف بمن آمن، وهذه المعرفة تجعله يحتفظ بمعنوياته عالية برغم كل الصعاب والآلام بل ومن خلال هذه المضايق كما يسميها نراه يشجع ويثبت المختارين لينالوا الخلاص ويوجه لهم النصائح الثمينة حتى يصلوا إلى ما وصل إليه من فرح لا يعكر صفوه كدر ويثبت لديهم الإيمان الصادق المتوازن، بروح القوة والمحبة والفطنة. يشجعه علي عدم الخوف والإيمان للإنتصار. بولس يريد ان يعطي دفعة الإيمان لتيموثاوس (منير)، الثقة في الإيمان وفي الرب (سهر)، يشجعه علي الجهاد الحسن.

v    أنت يا بني تقوى في نعمة المسيح يسوع، احفظ الوديعة الصالحة وأثبت في الإيمان اشترك في احتمال الآلام كجندي صالح، لا تخجل بالشهادة متكلا علي قدرة الله.

الكاثوليكون: يعقوب 2 : 5-31

يحدثنا يعقوب الرسول عن سر الفرح الحقيقي الذي لا يقاس بمقاييس العالم ويقدم بعض المقاييس العالمية الزائفة ويقارنها بمقاييس الإيمان، أما اختار الله فقراء العالم وجعلهم أغنياء بالإيمان وورثة؟ فاختيارات الله مخالفة لاختيارات البشر ومقاييسهم للسعادة والفرح تختلف عن مقاييس الله:

v    اختار الله الفقراء ونحن نحتقرهم ونفضل عليهم ( الأثرياء)

v    اختار الله البسطاء ونحن نحابي الوجوه أي نفضل (الأقوياء)

v    اختار الله ناموس الحرية ونحن نفضل القانون والشريعة

v    الناموس يستعبد بلا رحمة والله يرحمنا ويغفر لنا

v    اختار الله الرحمة وجعلها تفتخر وتعلو على الدينونة

v    الرحمة فوق الدينونة  لذلك نصلي " كرحمتك يا رب وليس كخطايانا "

الابركسيس: أعمال الرسل 11:19-36

        يحكي عن الاضطهاد والمضايقات التي قابلت اليهود الذين آمنوا بالرب يسوع وكيف اضطروا إلى ترك منازلهم وبلادهم بسبب إيمانهم " تبددوا من الضيق"… لكنهم "إجتازوا"، فالله كما عودنا دائما يخرج من الظلمة نوراً ومن الشدة والضيق فرحا لا يوصف أخرج من هذا الاضطهاد كنيسة جديدة قوية وعتيدة فكأن اضطهاد المؤمنين في كنيسة اورشليم يولد من جنبها من الدم الذي سال من شهدائها كنيسة جديدة  انتصارا وفرحاً تعالوا لنرى: في هذا البلد حيث فر المؤمنون الولون سمي اتباع المسيح ب "المسيحيين"

v    اجتازوا إلى بلاد أخرى" أنطاكية"

v        اخذوا يكلمون إخوتهم من اليهود الساكنين هناك

v    تكلموا أيضا إلى اليونانيين عن يسوع وبشروهم بالخلاص

v     قبل اليهود واليونانيون الإيمان  ونالوا مواهب الروح القدس

v    رآهم الرسول برنابا ففرح عندما رأى نعمة الرب الحالة بينهم

v     عزى الجميع بسرور ودعاهم إلى الثبات في الرب

v      ألا نلاحظ وجود التعزية والفرح والإيمان برغم الاضطهاد

المزمور 20 :1-2

يعالج المزمور نفس موضوع قراءات هذا الأحد السعيد، فالملك سعيد وفرح ومتهلل ليس لقوته وجبروته وسلطانه الممتد إلى أقاصي البلاد بل يذكر أسبابا مختلفة  للفرح برغم ما كان يعانيه من ضيقات خارجية وداخلية هذه الأسباب هي:

v    يا رب بقوتك يفرح الملك : قوة الله الأعلى من جميع قوى البشر

v    وبخلاصك يتهلل: خلاص الله مهما تحالفت قوى الظلام لتحارب النور

v    رغبة قلبه أعطيته: استجابة الله لرغبات قلب أبناءه الأبرار

v    وملتمس شفتيه لم تمنعه : وتحقيقه لكل ما يطلبون في الصلاة

 

الإنجيل: لوقا 21: 21-28

في تلك الساعة تهلل يسوع بالروح

"تلك الساعة" هي نادرة وقليلة في حياة يسوع والتلاميذ وقد حدثت حين عاد التلاميذ " بفرح" وأخبروه بكل ما صنعوا من معجزات وما لاقوا من قبول بشارتهم….إنها لحظة فرح وابتهاج فانتشار الإيمان بملكوت الله يجعل الشيطان يسقط من السماء بسرعة البرق…

لكن سر فرح يسوع اليوم لا يكمن في مجرد:

v الانتصار على الشيطان في موقعة لأنه يمهد للنصر النهائي؛

v ولا في انتشار الملكوت في اليهودية لأنه يمهد لنشره إلى أقاصي الأرض.

يمتد سر الفرح الذي يجتاح نفسه الطاهرة إلى ما هو أعمق:

– تمجيد الأب السماوي القدوس الذي

1- أخفى مقاصده:

v عن الحكماء: الذين يتزينون بحكمة هذا العالم التي هي في عيني الله حماقة

v والفهماء: أي الذين يعتقدون في أنفسهم القدرة  على الفهم دون الآخرين ويقصد بهؤلاء الكتبة الفريسيين ومعلمي الشريعة والكهنة واللاويين.

2- أتم الرب اختياراً جديدا تغنت به العذراء مريم في نشيدها:

v انزل الأقوياء عن الكراسي ورفع المتواضعين

v اشبع الجياع خيراً وصرف الأغنياء فارغين

3- يعلن اليوم  حكمته للأطفال الصغار أي:

يعلن اختياراً مخالفا لاختيارات البشر بل ويخالف كل اختيار فهو من المزمور الرائع من أفواه الأطفال والرضع أخرجت سبحاً يحقق النبوة اليوم إذ يعلن لهؤلاء الصغار ما خفي من أسرار ملكوت أبيهم عن عيون جميع الذين يعتقدون أنفسهم حكماء وفهماء ، خبراء وعارفين…الله يريدنا مثل الأطفال:

v نعرف كيف نفرح بلا تحفظ حين نكون مسرورين

v نعرف كيف نبكي بكل جوارحنا حين نكون مجروحين أو مذنبين

v نعرف كيف نغضب دون أن تغرب الشمس على غضبنا

v نعرف كيف ننسى الألم ونصفح وكأن شيئاً لم يكن

v نعرف أن نصرخ طالبين المعونة عندما نشعر بالعجز بلا خجل

v نعرف كيف نصرخ طالبين الرحمة حين نتألم ونحن نعاقب

v ونعرف أخيرا كيف نلقي بأنفسنا في الحضن الأبوي طالبين الصفح…

v نعرف كيف نتلهف شوقا إلى ما هو جديد

v نعرف ان نتقافز بل ونرقص فرحا مع كل تهليل

v نعرف ان نعتذر بتواضع وبساطة حين نخطيء

v نعرف كيف نطلب المشورة حين نكون محتارين مضطربين

v    نعرف كيف نحلم ونطمح ونعمل لمستقبل مشرق ونرفض اليأس والتشاؤم

v       نعرف كيف نطلب بدلال وإلحاح لأنا الأقرب إلى قلب الأب

v       نعرف كيف نعيش معتزين فخورين واثقين لأنا أبناء الآب

v       نعرف كيف ننسب إليه كل خير وفرح في حياتنا

v       لا نعرف الحقد، لا نعرف الحسد ولا الخبث

v لا نعرف الريا ولا نقبل الظلم

v لا نقبل التربص ولا نراعي الحذر

يريدنا الله كالأطفال فرحين : منطلقين، سعداء، مبتهجين  لا نحب الترقب،  كما نمل الانتظار لأنا نعرف شيئاً واحدا، نعرف أن هناك من يعتني بنا.

في الرسالة : من خلال آلامهما( اختيار الله)  يصل بولس وتيموثاوس بالصبر إلى الفرح والانتصار

في الكاثوليكون : ننتقل مع المسيح  واختياراته العجيبة من عبودية الناموس إلى حرية وفرح أبناء الله

في أعمال الرسل: نرى كيف ولدت كنيسة أنطاكية من آلام واضطهاد اليهود لكنيسة أورشليم

في المزمور: نرى الملك في ضيقه يفرح بقوة الرب ويتهلل بخلاصه

وفي الإنجيل: نرى يسوع فرحا متهللا ببداية تحقيق هذا الخلاص من خلال طرق الله العجيبة والخاصة جداً