مالطا، الأحد 18 أبريل 2010 (zenit.org).

ننشر في ما يلي الكلمة التي ألقاها البابا بندكتس السادس عشر بعد زيارته مغارة القديس بولس في رباط، حيث بشر الرسول لمدة ثلاثة أشهر خلال فترة وجوده في مالطا.

رئيس أساقفة كريمونا العزيز

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

لقد بدأت زيارة حجي الى مالطا بوقت صلاة صامتة في مغارة القديس بولس، الذي كان أول من حمل الإيمان الى هذه الجزر. أتيت على خطى أعداد الحجاج التي لا تحصى، الذين، على مر العصور صلوا في هذا المكان المقدس وأوكلوا ذواتهم وعائلاتهم وازدهار هذه البلاد الى شفاعة رسول الأمم. إنني سعيد لوجودي أخيراً بينكم، وأوجه لكم جميعاً تحية كبيرة في الرب.

غرق سفينة بولس، ووجوده هنا في مالطا لمدة ثلاثة أشهر تركا علامة لا تمحى في تاريخ بلادكم. كتاب أعمال الرسل يذكر كلماته الى رفاقه قبل بلوغه الجزيرة، وهذه الكلمات هي شعار هذه الزيارة. هذه الكلمات – "ييتياغ إزدا لي نصلو في جزيرة " (لكن يجب أن تجنح بنا السفينة إلى إحدى الجزر"(أع 27: 26) – هي في الأساس دعوة الى الشجاعة أمام المجهول، والى الثقة التي لا تتزعزع بالعناية الإلهية. في الواقع لقد استقبل سكان مالطا الناجين استقبالاً حاراً على مثال القديس بوبليوس. وبحسب مخطط الله أصبح القديس بولس أباكم في الإيمان المسيحي. بفضل حضوره بينكم، تجذر إنجيل يسوع المسيح في بلادكم وحمل ثماراً كثيرة ليس فقط على صعيد الفرد والعائلة والجماعة، وإنما أيضاً في حياكة هوية مالطا الوطنية، وفي ثقافتها الحيوية والفريدة.

جهود بولس الرسولية خرّجت عدداً وافراً من المبشرين الذي اتبعوا خطاه، وبخاصة الكهنة والمكرسين الذي اقتدوا بحماسه الإرسالي تاركين مالطا ليذهبوا ويحملوا الإنجيل الى السواحل البعيدة. ويسرني أن أتيحت لي الفرصة للقاء هذا العدد الكبير منهم اليوم في كنيسة القديس بولس هذه، وأن أشجعهم في دعوتهم البطولية التي تواجه التحديات الكثيرة. أيها المرسلون الأعزاء: أشكر كل واحد منكم، باسم الكنيسة جمعاء، على شهادتكم للرب القائم من الموت وعلى حياة تقضونها في خدمة الآخرين. إن وجودكم ونشاطكم في العديد من بلدان العالم هو شرف لبلدكم، وشاهد على قوة الدفع الإنجيلية التي انطلقت في كنيسة مالطا. نصلي للرب لكيما يحث أكثر فأكثر رجالاً ونساء ليستمروا رسالة إعلان الإنجيل وليعملوا في سبيل نمو ملكوت الله في كل أرض وفي جميع الشعوب!

وصول القديس بولس الى مالطا لم يكن مبرمجاً. وكما نعلم، كان في طريقه الى روما عندما هبت عاصفة شديدة دفعت بسفينته الى شواطىء هذه الجزيرة. يمكن البحارة أن يرسموا المسار، ولكن الله، بحكمته وعنايته، يغير هذا المسار. بولس، الذي كان قد التقى الرب القائم بطريقة دراماتيكية على طريق دمشق، كان يعرف ذلك جيداً. تغير مجرى حياته فجأة؛ وبالنسبة إليه أصبحت الحياة هي المسيح (راجع في 1: 21)؛ كل عمله وكل تفكيره بات موجهاً للبشارة بسر الصليب ورسالة محبة الله. تلك الكلمة عينها، كلمة الإنجيل، قادرة اليوم أيضاً على الدخول في حياتنا وتغيير مجراها. اليوم، لا يزال الإنجيل الذي بشر به يحث سكان هذه الجزر على الاهتداء الى حياة جديدة ومستقبل رجاء. بوجودي بينكم كخليفة بطرس، أحثكم على الإصغاء الى كلمة الله بروح جديدة، كما فعل أجدادكم، واسمحوا لها بأن تدخل طرق تفكيركم وتغير طريقة عيشكم.

من هذا المكان المقدس حيث انتشرالتبشير الرسولي في هذه الجزر، أدعو كل واحد منكم ليأخذ على عاتقه التبشير الجديد. عيشوا إيمانكم بالملء مع عائلاتكم، وأصدقائكم، ومحيطكم، وأماكن عملكم وفي المجتمع المالطي بأسره. أدعو بنوع خاص الوالدين والمعلمين ومعلمي الدين الى التحدث الى الآخرين عن لقائهم الحي بيسوع القائم، وبخاصة الى الشباب، مستقبل مالطا. "الإيمان يتعزز عندما يقدَّم للآخرين" (رسالة المخلص 2). اعلموا أنه بالإيمان تلتقون بالله، الذي بقدرته يلمس قلب الإنسان. وهكذا تكشفون للشباب عن جمال وغنى الإيمان الكاثوليكي، مقدمين لهم تعليماً ثابتاً وداعين إياهم الى مشاركة أكثر حيوية في حياة الكنيسة الأسرارية.

العالم بحاجة الى هذه الشهادة! أمام التهديدات الكثيرة ضد قدسية الحياة البشرية، وضد كرامة الزواج والعائلة، ألا يحتاج معاصرينا ليكونوا مدعوين باستمرار الى عظمة كرامتنا، كرامة أبناء الله، والى الدعوة الأسمى التي تلقيناها من المسيح؟ ألا يحتاج المجتمع الى العودة الى ذاته والدفاع عن تلك الحقائق الأخلاقية التي هي أساس الحرية الحقيقية والتقدم الطبيعي؟

كنت أمام هذه المغارة، أفكر بالهبة الروحية الكبيرة (راجع رو 1: 11) التي أعطاها بولس لمالطا، وصليت لتحافظوا على الإرث الذي سلمكم إياه الرسول العظيم. فليحفظكم الرب وعائلاتكم في الإيمان الذي يعمل في المحبة (غل 5: 6)، وليجعلكم شهوداً فرحين لذلك الرجاء الذي لا يخيّب (راجع رو 5 :5). المسيح قام! حقاً قام! هللويا!

نقله الى العربية طوني عساف – وكالة زينيت العربية (zenit.org)