georges

عتبر هذا الموضوع من الموضوعات الشائكة والتي تحتاج لأن تدرس على ضوء الكتاب المقدس والإيمان المسيحي القويم وتعاليم المجامع المقدسة. وذلك لأن إعادة معمودية من تعمّد في كنيسة من الكنائس الرسولية المقدسة هو أمر حديث لم يكن مطروحا بهذه القوة إلا في العقود الأخيرة

وهو أمر يحتاج إلى إعادة نظر من حيث أنه :

1- يتعارض مع الكتاب المقدس:

– ففي الرسالة إلى العبرانيين: “لأن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية، وصاروا شركاء الروح القدس، وذاقوا كلمة الله الصالحة وقوات الدهر الآتى؛ وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضاً للتوبة إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه” (عب6: 4-6) لا يمكن تجديدهم للتوبة، بمعنى لا يمكن إعادة معموديتهم، فهناك وسائل أخرى للتوبة غير المعمودية..

– يقول الرسول بولس “إيمان واحد، رب واحد ، معمودية واحدة” (اف 4: 5).

– [غل3: 26ـ29] “لأنكم جميعا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح…” حيث أن المعمودية تعتبر ميلادا جديدا من الله، إذن فهي تعطي بنوة جديدة أي يصبح المعتمد ابنا لله.

– [تي3: 5ـ7] “خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح ومخلصنا حتى إذا تبررنا بنعمته نصير ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية”…

– [1بط1: 3و4] “ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل محفوظ في السماوات لأجلكم”

– وخلاصة القول هو أن المعمودية تؤهل الإنسان للدخول إلى الحياة الأبدية، كما قال الرب يسوع المسيح “إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو5: 5) وتجعل من المعمد أبنا لله ووارثا للملكوت… والبنوة هي عطية إلهية لا رجعة فيها لأن الله لا يعود في عطاياه…

2- يتعارض مع التقليد المقدس والمجامع المسكونية:

– “ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا”: في قانون الإيمان النيقاوي القسطنطيني (الذي يوحد جميع المسيحيين باختلاف طوائفهم) أعلن الآباء إيمان الكنيسة بمعمودية تُمنَح مرّة واحدة لمغفرة الخطايا. وقد ختم هذا الإعلان الرسمي تقليداً في الكنيسة يعود إلى الزمن الرسولي. فالرسل كانوا يعمّدون، بأمر من السيّد المسيح نفسه، في أثناء حياته ومن بعد قيامته.

– يذكر إنجيل متى أنّ السيّد المسيح، من بعد قيامته، تراءى لرسله وأوصاهم أن يتابعوا رسالته بتعليم جميع الأمم وتعميدهم: “لقد دُفع إليّ كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا، وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وهاأنذا معكم كلّ الأيّام، إلى انقضاء الدهر” (متى 28: 18– 20). وهذا ما فعله الرسل منذ حلول الروح القدس عليهم يوم العنصرة، كما جاء في سفر أعمال الرسل. فبعد أن خطب بطرس والأحد عشر في الشعب مبشرين بقيامة المسيح وشاهدين لها، “انصدعت قلوب الشعب، وقالوا لبطرس وسائر الرسل: ماذا علينا أن نصنع أيّها الرجال الإخوة؟ فقال لهم بطرس: توبوا، وليعتمد كل واحد منكم باسم يسوع المسيح لمغفرة خطاياكم، فتنالوا موهبة الروح القدس. فاعتمد الذين قبلوا كلامه، وانضمّ الى الكنيسة في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس” (أع 2: 37- 41). ولهذا تستند المعمودية المسيحية إلى وصية السيّد المسيح والى ممارسة الرسل في بشارتهم بالمسيح.

– مجمع نيقية ، المجمع المسكوني الأول: بما أن مجمع قرطاجنة قد تسبب في تصدع في العلاقة بين الغرب الذي يرى وجود عدم إعادة معمودية الهراطقة (أستفانوس أسقف روما 253 – 257) والشرق الذي يرى وجوب اعادة المعمودية (كبريانوس – مجمع قرطاجنة سنة 257 م وحضره 118 أسقفاً أفريقيا) مما دفع بابا روما، حفاظا على الايمان القويم، بتلويح بعقوبة الحرم الكنسي للبابا كبريانوس ومن معه من الأساقفة أن لم يمتنعوا عن إعادة تعميد الهراطقة عند عودتهم للمسيحية .

وقد أقر مجمع نيقية المسكوني المقدس “عدم إعادة المعمودية”…

3- يتعارض مع الإيمان المسيحي بسر المعمودية:

المعمودية هي باب الأسرار المقدسة السبعة، وهي مدخل الإيمان المسيحي، فالإنسان لكي يكون مسيحيا يجب أن يقبل سر العماد. وإيماننا القويم يؤكد لنا أن الذي اعتمد مرة لا يمكن أن يعاد معموديته حتى وإن أنكر المسيح، فعندما يتوب لا تعاد معموديته، بل يكتفي بالاعتراف والتناول. وذلك للأسباب الأتية:

[1] لأن المعمودية ولادة روحية، فلا يجب أن يولد الإنسان روحيا مرتين، كما هو الحال في الولادة الجسدية.

[2] كان الختان رمز المعمودية، وهو لم يكن يحدث إلا مرة واحدة.

[3] لأنها موت ودفن وقيامة مع المسيح وهذه كلها لم تحدث سوى مرة واحدة للمسيح.

من هذا يتضح لنا أن المعمودية لا يمكن إعادتها ثانية لأن المعمودية دفن: “أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضا في جدة الحياة … ” (رو6: 3ـ5).

وفي كل تقليد الكنيسة العريق لم تعاد معمودية من قبل المعمودية، لأن المعمودية هي دفن مع المسيح وقيامة معه، والمسيح دفن مرة واحدة وقام مرة واحدة: “مدفونين معه في المعمودية التي فيها أقمتم أيضا معه” (كو2: 12).

4- يتعارض مع تعليم آباء الكنيسة الجامعة (شرقا وغربا):

يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم أن من أساسيات الحياة المسيحية أن يتقبل الإنسان الدفن مع السيد المسيح في المعمودية لينعم بالقيامة معه، أي ينال الحياة الجديدة في المسيح يسوع (رو ٦: ٤)، وينعم بحلول الروح القدس عليه خلال وضع الأيدي لتقديس النفس والجسد معًا ليصير الإنسان هيكلاً مقدسًا.

“لأَنَّ الَّذِينَ اسْتُنِيرُوا (نالوا سرّ الاستنارة أي العماد) مَرَّةً،

وَذَاقُوا الْمَوْهِبَةَ السَّمَاوِيَّةَ وَصَارُوا شُرَكَاءَ الرُّوحِ الْقُدُسِ،

وَذَاقُوا كَلِمَةَ اللهِ الصَّالِحَةَ وَقُوَّاتِ الدَّهْرِ الآتِي،

الحياة الجديدة السماوية وَسَقَطُوا،

لاَ يُمْكِنُ تَجْدِيدُهُمْ أَيْضًا (أي أعادة المعمودية كسر التجديد) لِلتَّوْبَةِ،

إِذْ هُمْ يَصْلِبُونَ لأَنْفُسِهِمُِ ابْنَ اللهِ ثَانِيَةً وَيُشَهِّرُونَهُ” [٤-٦].

هذا التفسير قدمه لنا القديس يوحنا الذهبي الفم مؤكدًا أنه يستحيل إعادة معمودية الراجعين إلى الإيمان بعد ارتدادهم، كما يقول: [لقد منعهم (من إعادة المعمودية) بقوله “لا يمكن” فإنه لا يمكن ممارسة ما هو مستحيل! يقول إن الذين استنيروا مرة وذاقوا الموهبة السماوية أي نالوا المغفرة وصاروا شركاء الروح القدس وذاقوا كلمة الله الصالحة متحدثًا هنا عن التعليم، وقوات الدهر الآتي – ما هي القوات التي يتحدث عنها؟ إنها صنع المعجزات أو غيرة الروح (٢ كو ١: ٢٢) – وسقطوا يستحيل تجديدهم أيضًا للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه… لا يعني هذا استبعاد التوبة، حاشا! إنما استبعاد (إعادة) التجديد بواسطة الجرن، إذ لم يقل “لا يمكن (يستحيل)” بخصوص التجديد بالتوبة، وإنما أكمل قائلاً: “يستحيل… إذ هم يصلبون ابن الله ثانية”. فكلمة “التجديد” هنا، أي “يجعله جديدًا” أي “يجعل الإنسان جديدًا” إنما هو من عمل الجرن وحده، إذ قيل “يجدد مثل النسر شبابك” (مز ١٠٣: ٥)، أما التوبة فتعمل في الذين تجددوا لكن بالخطايا صاروا قدامى، فتحررهم من هذا القِدَم ليصيروا أقوياء.]

يؤكد القديس ذاته أن الرسول يتحدث عن إعادة المعمودية مدللاً بقول الرسول “إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه”، لأن المعمودية هي صلب مع السيد المسيح، وإعادتها إنما تعني تكرار صلبه فنكون كمن يشهر به.

والبابا القديس ديونيسيوس الرابع عشر، الذي لقبه القديس أثناسيوس حامي الإيمان، بلقب: “معلم الكنيسة الجامعة” كما دُعي “ديونيسيوس الكبير” بسبب ما عاناه من ضيقات محتملاً ذلك في شجاعة وثبات، ولغيرته على الكنيسة. وقد كان البابا ديونيسيوس في نهاية كل اضطهاد يواجه مشكلة المرتدّين. فكان يضمهم، ويمنع إعادة معمودية حتى الهراطقة أو المنشقين الراجعين.

والبابا يراقلاس أو ياروكلاس الثالث عشر: من أعمال هذا البابا الجليل أيضًا ليس اجتذاب الكثير من الوثنيين فحسب، بل اجتذب الجاحدين وعلمهم طريق الخلاص بالتوبة وقبلهم دون إعادة المعمودية مرة أخرى، بالاعتراف والتوبة الصادقة الحارة المعلنة جهارًا يطلبون فيها العفو، متوسلين توسلاً عظيمًا لرجوعهم إلى حضن أمهم الكنيسة المجيدة. فكان البابا ياروكلاس بهذا الأمر أبًا عطوفًا رحيمًا بأولاده الذين ضعفوا وسقطوا

ملحوظة: قد اعتمدنا في هذا الجزء على موسوعة الآباء الأرثوذكس (أنظر المراجع)

5- يتعارض مع قاعدة المحبة، الأساس التشريعي للإيمان المسيحي

يقول السيد المسيح: “إن ذهبت إلى الهيكل لتقدم ذبيحتك وهناك، عند المذبح، تذكرت أن لأخيك شيئا عليك، اترك هناك ذبيحتك واذهب أولا وصالح أخيك ثم عد وقدم ذبيحتك”……. ويقول أيضا: “رحمة أريد لا ذبيحة”…. وكل هذا يؤكد أن الله يريد منا أولا المحبة والمصالحة ثم الذبيحة، فكل ذبيحة لا تنبع من مصالحة ومن محبة هي شعارات خارجية غير مقبولة من الله. وإعادة المعمودية هي جرح جديد لجسد المسيح السري، وكأننا نعود بالزمان إلى القول: “أنا لبولس وأنا لأبولس… فهل صلب بولس من أجلكم… “؟؟؟

وهنا استشهد بكلمات نيافة الأنبا بيشوي (مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري، ورئيس دير القديسة دميانة، وسكرتير المجمع المقدس للكنيسة القبطية بمصر) الذي يقول: “المعمودية هي المدخل لباقي أسرار الكنيسة، فهي الباب الذي يبدأ به الإنسان الدخول إلى الكنيسة… فلا يمكن أن يمارس أي سر من هذه الأسرار الكنسية إلا عن طريق الدخول بالمعمودية التي تعطينا الحق أن ننال سر المسحة بالميرون.. وأن نمارس سر الاعتراف.. وأن نتناول من جسد الرب ودمه.. وننال سر مسحة المرضى.. وسر الزواج.. وسر الكهنوت..

ويحكي نيافة الأنبا بيشوي إحدى القصص المشهورة في التقليد القبطي ليؤكد استحالة إعادة المعمودية فيقول سوف نورد الآن قصة من تاريخ الكنيسة تؤكد أن المعمودية هى معمودية واحدة لا تتكرر (وهنا نستشهد حرفيا بكلمات نيافته):

يُذكر أنه فى عهد البابا بطرس خاتم الشهداء، أن أرادت زوجة أحد الوزراء فى أنطاكية أن تعمد ابنيها فى مصر. فأتت إلى مصر وبينما هي في الطريق هاج البحر جداً، وكادت السفينة أن تغرق، فخافت الأم على ولديها أن يموتا غرقاً بدون عماد, فقامت بنفسها بعمادهما وهى في السفينة على اسم الآب والابن والـروح – كانت من الممكن أن تعمدهم بأي ماء، أو حتى من لعاب فمها، أو بأي دم إذ أنها جرحت نفسها ورشمتهما بدمها– وعند وصولهم إلى الإسكندرية؛ وكان ذلك في يوم أحد التناصير، وكان قداسة البابا بطرس خاتم الشهداء (البطريرك السابع عشر) هو الذي يـقوم بالعماد في الكنيسة، وعندما قام قداسته بعمادهما؛ لاحظ أنه في كل مرة ينزل فيها أحد الطفلين إلى جرن المعمودية؛ يتجمد الماء. فتعجب قداسة البابا البطريرك؛ وسأل الأم عن قصـتها! فحكت له الأم ما حدث في الطريق، وكيف قامت بعماد طـفليها خوفاً عليهما من الغرق. فقال لها إن المعمودية لا تتكرر، ولم يعمدهما مرة أخرى. بل اكتفى برشمهما بسر المسحة المقدسة زيت الميرون المقدس. وهذه القصة توضح لنا أهمية وعظمة هذا السر، وأنها معمودية واحدة لا تتكرر..