من القاهرة إلى الفاتيكان.. أزمة أم سحابة صيف؟

إميل أمين – مصر

نقلاً عن جريدة الشرق الأوسط

 

وسط الأجواء المصرية المحمومة بأحاديث الطائفية، التي أذكتها، ومن أسف شديد، الأحداث التي جرت ما بين الإسكندرية والمنيا، كانت وزارة الخارجية المصرية تستدعي سفيرتها في الفاتيكان للتشاور، على خلفية ما رأت القاهرة أنه تصريحات جديدة صادرة عن العاصمة الروحية لكاثوليك العالم تمس الشأن المصري، وتعتبرها مصر تدخلا غير مقبول في شؤونها الداخلية، على الرغم من حرص القاهرة على التواصل مع الفاتيكان بعد التصريحات التي صدرت عنه في أعقاب الحادث الإرهابي الذي جرى في كنيسة القديسين عشية رأس السنة.

 

والمؤكد أن إجراء استدعاء سفير دولة إلى بلده الأصلي للتشاور هو إجراء دبلوماسي معتاد في أحوال الخلاف في الرأي حول قضية ما بعينها، ولا يرقى أبدا لمرحلة سحب السفير أو قطع العلاقات بين بلدين، غير أنه يلقي في كل الأحوال بظلال على العلاقة بين حاضرة الفاتيكان ومصر، وهل ما هو حادث أزمة لها أن تتصاعد أم سحابة صيف سرعان ما ستنجلي؟ ثم ما هي الأسباب الحقيقية التي قادت إلى هذا المشهد الخلافي بين العاصمة العربية الأكبر والعاصمة الروحية الأهم لمليار وثلاثمائة مليون كاثوليكي حول العالم؟.

 

ربما يتوجب علينا بادئ بدء إلقاء نظرة عابرة على السياقات التاريخية للعلاقة بين مصر والفاتيكان، ذلك أن مصر قد أدركت مبكرا أن الفاتيكان هو إمبراطورية ممتدة مترامية الأطراف من دون حدود أو مستعمرات، وكذلك كواحدة من أهم، إن لم تكن بالفعل أهم مؤسسة بشرية تنظيمية عرفها الإنسان منذ نحو ألفي عام وحتى الساعة، والتعبير هنا للمؤرخ الأميركي الأشهر، وول ديورانت، في موسوعته «قصة الحضارة». ولهذا فإن التقدير المسبق المؤكد هو أنه لا أحد يمكنه أن يضحي بهذه العلاقة بسبب اختلاف في المفاهيم حول تصريحات بعينها.

 

من دون تطويل ممل أو اختصار مخل؛ ففي خريف عام 1947 كان من المقرر أن تناقش الجمعية العامة للأمم المتحدة موضوع إقامة دولة يهودية في فلسطين، وفي ذلك التوقيت كان هناك يهود أميركيون يحاولون الاقتراب من الفاتيكان لإحداث تأثير على البابا بيوس الثاني عشر، الذي كان سلفه بندكتس الخامس عشر قد رفض طلبا لتيودور هرتزل بإقامة وطن لليهود في فلسطين، وقد اهتم بالأمر بصورة خاصة، لقناعته بأهمية تلك العلاقات، أول أمين عام لجامعة الدول العربية، عبد الرحمن عزام باشا، الذي أعد مذكرة اطلع عليها الملك فاروق، ملك مصر والسودان، الذي أمر باتخاذ الإجراءات اللازمة لإقامة علاقات دبلوماسية مع الفاتيكان.

 

وفي عام 1949 التقى عزام باشا البابا بيوس الثاني عشر، وعقب اللقاء قال: «إن الجانب العربي يعتبر قداسة البابا نظرا لرسالته العالمية مدافعا عن الإنجازات الفكرية المشتركة بين المسلمين والمسيحيين، وأن هاتين الديانتين مهددتان من قبل العدو نفسه، المتمثل في الأفكار المادية والملحدة»، وأردف أن الترابط الفكري بين الإسلام والمسيحية سيسهم بشكل فاعل في إقامة كتلة مشتركة تضم أكثر من نصف البشرية، وبوسع هذه القوة الهائلة الدفاع عن أسمى المبادئ الأخلاقية، وقبل كل شيء عن السلام، وهو قوة مشتركة لدى الديانتين الإسلامية والمسيحية.

 

مما لا شك فيه أن هناك حالة يمكن أن نطلق عليها «قلقا إيديولوجيا وعقائديا» لا تزال تنتاب العالم العربي والإسلامي لجهة شخص البابا بندكتس السادس عشر، وقد كان وراء اشتعالها عدة تصريحات «قليلة الحظ»، وفي مقدمتها ما جاء في محاضرة رينيسبورغ الشهيرة في ألمانيا.

 

وزاد المشهد التهابا اعتبار أن مواقف الاتحاد الأوروبي الأخيرة لجهة مسيحيي الشرق الأوسط مدفوعة من قبل مقررات سينودس الشرق الأوسط الذي جرى في حاضرة الفاتيكان في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وكل جزئية مما تقدم في حاجة إلى شرح واف شاف لتحليلها وقراءتها بعين موضوعية.

 

على أن ما أثار الخلاف المصري مع الفاتيكان على نحو خاص اتصل بما قاله البابا في عدد من المناسبات التي تلت عشية رأس السنة، واعتبرته القاهرة تدخلا في شؤونها الداخلية وعلامة الاستفهام في هذا المقام؛ ما الذي قاله البابا؟ وهل كانت وسائل الإعلام العربي على نحو خاص، وفي مقدمتها الفضائيات، أمينة في نقل أحاديثه أم جرى تحريفها وتغييرها، مما أدى إلى سوء الفهم الذي استثار الأزهر كما استثار الخارجية المصرية على حد سواء؟.

 

بحسب النصوص الأصلية الرسمية الموجودة على الموقع الرسمي للفاتيكان، وبعدة لغات، نجد أنه في أعقاب حادثة كنيسة الإسكندرية قال ما نصه: «إن هذا الحادث جريمة بحق الله والبشرية جمعاء»، وأضاف: «من أجل مواجهة خطط العنف التي تستهدف المسيحيين والسكان كافة، أرفع الصلاة إلى الله من أجل الضحايا وأسرهم، كما أشجع الجماعات الكنسية كي تثبت في الإيمان، وتكون شهادة لـ(لا عنف) جوهر الكتاب المقدس».

 

والقراءة الموضوعية للتصريح السابق تؤكد أمرين:

 

أولا: أن الهجوم الذي جرى في الإسكندرية قد أثر على السكان كافة من المصريين، وليس على الأقباط وحدهم.

 

ثانيا: النداء بالرد على هذا الهجوم باللاعنف.

 

وفي رسالته بمناسبة يوم السلام العالمي في الأول من يناير (كانون الثاني) قال البابا: «إن الكلمات ليست كافية، بل يجب أن تصاحبها أفعال ملموسة من قبل السلطات السياسية كافة».

 

وفي لقائه السنوي بأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الفاتيكان، لفت البابا بندكتس إلى أن «سلسلة الهجمات تحث حكومات المنطقة كلها على تبني الإجراءات الكفيلة بحماية الأقليات الدينية، على الرغم من التهديدات والصعاب». وأشار إلى أن مسيحيي الشرق الأوسط هم مواطنون بكل معنى الكلمة، أسوة بإخوتهم في المواطنة، وهم أمناء لوطنهم ولواجباتهم الوطنية.

 

ولعل التصريح الذي اعتبر مفتوحا وأثار قلق البعض هو ذلك الذي أشار فيه البابا إلى أن «الدفاع عن الدين (لم يحدد أي دين) هو دفاع عن الحقوق والحريات لكافة الجماعات المؤمنة»، مضيفا: «من هنا على القادة الدينيين والسياسيين تقديم الدعم الكافي لحماية الحريات والأقليات الدينية».. هل يعني هذا دعوة للتدخل الخارجي؟.

 

ينفي البابا ذلك، ويؤكد أن «هذا ليس تهديدا لهوية الأغلبية، بل دعوة للحوار والتواصل الثقافي، ومن خلال هذه المبادرات سيكون هناك انفتاح متبادل للحريات والحقوق في كل أنحاء العالم، وليس للمسيحيين وحسب، بل لأتباع الديانات كافة», أما الأمين العام السابق للأمم المتحدة ورئيس المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان، الدكتور بطرس غالي، فقد اعتبر أن «تعليقات عدد من دول الاتحاد الأوروبي بشأن حماية الأقليات الدينية والأقباط بمصر أخيرا، عقب الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديسين بالإسكندرية، لا تعد (تدخلا في شؤون مصر)». وقال إن تعليق الدول على الهجوم يأتي في سياق ظاهرة العولمة ووجود تيار جديد للتعليق على قضايا حقوق الإنسان بين الدول.

 

ولعل الأزهر، وفي مقدمته الدكتور أحمد الطيب، وهو رجل عالم منفتح الآفاق في غير تفريط في الثوابت، قد أدرك جوهر دعوة البابا، ولهذا نقرأ في البيان الذي صدر عن مشيخة الأزهر في أعقاب خطاب البابا أمام الدبلوماسيين المعتمدين لديه ما نصه: «إننا نقدر ما ورد في كلمة قداسة البابا بندكتس السادس عشر من دعوة حكومات الشرق الأوسط إلى حماية الأقليات المسيحية، ونعتبر أن هذا تأكيد على أن حماية المسيحيين شأن داخلي تتكفل به دولهم، باعتبارهم مواطنين لهم كل الحقوق، شأنهم في ذلك شأن بقية مواطنيهم».

 

حسنا فعلت الخارجية المصرية في استدعاء السفيرة لمياء مخيمر، حتى تقف مصر على حقيقة موقف الفاتيكان دون تهويل أو تهوين، وبلا تزوير أو تزويق، وقد جمع السفيرة المصرية قبل مغادرتها إلى القاهرة لقاء مع المطران مامبرتي، أمين سر العلاقات مع الدول في الكوريا الرومانية (وزير خارجية حكومة الفاتيكان)، حيث أطلعها على المعلومات والمواقف المتعلقة بالبابا بندكتس، وخصوصا ما يتعلق بالحرية الدينية وحماية المسيحيين في الشرق الأوسط.

 

والشاهد أن موقف الفاتيكان بدا واضحا ولا لبس فيه؛ إذ أشار المطران مامبرتي إلى أن الكرسي الرسولي يشارك تأثر الشعب المصري الذي استهدفه اعتداء الإسكندرية، مؤكدا أن الفاتيكان يتقاسم القلق مع الحكومة المصرية فيما يتعلق بتحاشي تصعيد المصادمات والتوترات لدوافع دينية، ويقدر جهودها في هذا الاتجاه، الأمر الذي يعني أنه لا نية لدى الكرسي الرسولي بالمرة للدخول في تصارع دبلوماسي مع القاهرة.

 

على أنه يتبقى قبل الرحيل السؤال: هل من الصالح العام أن تسوء العلاقات بين حاضرة الفاتيكان وأي عاصمة عربية أو إسلامية؟ ثم لمصلحة من يمكن أن يصب أي خصام أو توتر عربي إسلامي مع الكرسي الرسولي؟.

 

بحسب إحصاءات العام الجديد 2011، فإن 178 بلدا يقيم علاقات دبلوماسية مع الفاتيكان، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي ومنظمة مالطا ذات السيادة، وبعثة ذات طابع خاص، عبارة عن مكتب منظمة التحرير الفلسطينية، كما أن الفاتيكان عضو مراقب في الأمم المتحدة، وعضو في سبع منظمات أو وكالات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، ومراقب في ثماني منظمات دولية أخرى، وعضو في خمس منظمات إقليمية، والمغزى هنا أنه إذا كان البابا لا يملك فرقا عسكرية، كما تندر عليه جوزيف ستالين ذات مرة، فإن دولته الأصغر حول العالم هي قوة روحية ودبلوماسية تمتد حول العالم، وتقوم بدور واضح على صعيد السلام والتعايش بين أتباع الأديان، وما دعوة البابا إلى لقاء أسيزي في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل إلا تأكيد على ذلك.

 

هل من المصلحة اضطراب مياه العلاقات الدولية العربية أو الإسلامية مع كيان مثل الفاتيكان، لاسيما أن مثل هذا الاضطراب يصب صبا، ولا شك، في مصلحة آخرين معروفين رابضين خلف الباب لأي تقارب إسلامي – مسيحي في أوقاتنا الحاضرة، ويريدون إفشاله لتحقيق مآربهم التي لا تخفى في السر أو الجهر؟.