الكتاب: سرُّ الحَياة

المؤلف: المونسنيور الدكتور توماس حليم حبيب

الناشر: دار القديس بطرس للبرمجة والنشر- مصر

 

تقديم:

مسيرة الإنسان في الحياة يعتريها الكثيرُ من الأسرار والألغاز والغموض، وأحياناً كثيرة يتعذر عليه أن يجد تفسيرّاً أو تأويلاً أو حتى معنى لها، لذلك يظل يتخبّط ليجد حلاًّ لهذه التساؤلات، ومنها سر الموت أي سر الحياة، فهو في حدّ ذاته سر من أسرار الله، من الصعب فهمه بمحدودية العقل البشري، ولذلك يعتمد في أغلب الأحيان على طبيعة الإنسان بقبوله أو رفضه، ولكن هذا يختلف مع الإنسان المؤمن فهو يتقبّل بكل رضي وإيمان سر الله في حياته. فنحن نعلم جيداً إن قيامتنا للمجد والسعادة هي حقيقة إيمانية، فإننا يوميًّا في القدّاس الإلهي نتلو قانون الإيمان ونكرر بأننا: "نترجّى قيامة الموتى". وستكون قيامتنا كقيامة المسيح كاملة، نهائية، أبدية مجيدة. وستكون نهاية كل ألم، فرحاً أبديًّا في المسيح. يا له من رجاء عظيم. ولو لم يكن لنا هذا الرجاء " إن كان رجاؤنا في المسيح مقصوراً على هذه الحياة فنحن أحق جميع الناس بأن يُرثى لهم" (1كو 15/ 19). وأيضا يؤكد القديس بولس الرسول لنا: "الآن قام المسيح من بين الأموات وهو باكورة الراقدين" (1 كور 15/20). وسنقوم ممجّدين لأنّ المسيح قد قام ممجداً. فقيامته هي سبب قيامتنا. في كل جسد، يشترك الجسد مع الرأس في حياة واحدة. إن مات الرأس مات الجسد كله، وإن قام، فجميع الأعضاء المتحدة به ستقوم معه. من هنا كانت تسمية كتابي هذا "بسر الحياة" وليس سر الموت، لأنّ فينا حياة المسيح وقيامته. فالمؤمن يسعى طوال حياته على الأرض لتهيئة ذاته للقاء الحب بينه وبين الله الخالق، وهذه أمنية الجميع لهذا اللّقاء العظيم، ولكن هذا اللقاء معدّ للمؤمنين الجاهزين ومعهم مصابيح مشتعلة وعندهم فيض من الزيت الإيماني حتى تظل مصابيحهم متّقدة، أي أعمالهم صالحة أمام الله فيقول لهم هنيئاً لكم أيها الأصدقاء الصالحين والأمينين أدخلوا فرح سيدكم.

ولان هذا اللقاء لا يتم فعليًّا وجهاً لوجه إلاّ بالانتقال من هذا العالم الأرضي إلى العالم السماوي، عالم الخلود، عالم الحب الحقيقي غير المزيف، عالم الأبرار والقدّيسين، عالم الملائكة، عالم السعادة الأبدية، عالم الحياة الأبدية، ولكن هذا لا يعني أنّ الله غير موجود في حياتنا الأرضية، ولكني أتحدّث عن العشرة السماوية التي تجعلني أتمتّع مع الأبرار والقدّيسين وأجلس أمام حضرة الله في اطمئنان وسعادة لا ينتزعه منيّ أحد. وهذا ما يقوله السيد المسيح له المجد "ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ما أعده الله للذين يحبونه".

فنحن نعرف جيداً أن الموت أجرة الخطيئة. وقد وصف الكتاب المقدس كل أضرار الخطيئة الروحية، الجسدية أو العقابية، بكلمة موت كما قيل "لأنّك يوم تأكل منها موتا تموت" (تك 2: 17). وتسبّب دخول الموت للعالم إلى فعل الخطيئة (رو 5: 12). أمّا موت المؤمن فليس قصاصاً، لأنّ المسيح قد أخذ على نفسه القصاص أي عقاب الشريعة بتمامه، فصار الموت للمؤمن واسطة الانتقال إلى الحياة الأبدية، لذلك تغنّى بها العديد من الرسل وآباء الكنيسة ممتدحين الموت الذي يجعلنا نلتقي وجهاً لوجه مع الله. كذلك الموت لا يُعتبر علامة غضب الله أو عقاباً من الله، بل واسطة حَمل المؤمن إلى دار الخلود كما جاء في المزمور "يشق على الرب موت أصفيائه" (مز 116، 15). وأيضا قيل "لا أموت بل أحيا وبأعمال الرب أحدث…" (مز 118: 17). فالمسيحي والكنيسة لا يبلغان الكمال في هذه الحياة الدنيا بل في العالم الآتي.

وفي القسم الثاني أوّل ما يصادفنا أمام قصّة الحب على الصليب هو مشهد التضحية بالذات، مشهد الموت المؤلم، ثم نجد أروع رسالة يقدّمها السيد المسيح بكلماته على الصليب. ولكن ما هو هذا الشيء المفزع والمرعب، تعالوا أحبّائي نتأمّل بمعنى الموت الذي يجعلنا نلتقي بمن نحبّ من خلال صليبه المحيّ!

ينتصب الصليب أمام المسيحيّ كرمز لإيمانه في عمل الفداء الذي قام به ابن الله. وحدثُ الجلجلة التاريخي ليس فقط شهادة حب الله للبشرية الخاطئة. إنّه يُجمل بطريقة موضوعية كل حقيقة المسيحيّة كما عاشها مؤسّسها وشارك فيها تلاميذه. فحين ننظر إلى الصليب في الامتداد الكامل "للسر" الذي يكشفه، فهو الدلالة المستمرّة لانتصار الله على خصومه، والعلامة على شفاء الإنسان من الخطيئة وعلى دعوته إلى الحياة الأبدية.

إنّ الصليب، لعب دورًا حاسمًا في تدبير الفداء، وظلَّ عنصرًا أساسيًا في المثال الذي سيحاول المسيحي أن يقتدي به بشكل يوافق مصيره الشخصي.

ظل الصليب مخفيًا حتى اكتشفته القديسة هيلانة. وظل خفيًا في قلوب الذين ناؤوا تحت أثقال الحياة وآلامها. ولكنه سيتجلّى فينا بفضل قيامة بدأ فعلها منذ قيامة المسيح. ولن ينتهي هذا الفعل قبل نهاية العالم. هذا ما يقوله لنا القديس بولس في رسالته الثانية إلى أهل كورنتوس (5: 1): "قد تتهدم خيمتنا الأرضية. ولكن لنا في السماء بيتًا أبديًا لم تصنعه الأيدي". قد يشتدّ الضيق الحاضر ولكنه يهيّئ لنا مجدًا أبديًا لا حدّ له. قد نجبر بالمرور في الألم والموت، ولكن المسيح انتصر فينا وهو يهيّئ لنا الغَلَبة لأنّه أحبّنا. فما الذي يفصلنا عن المسيح؟ ما الذي يفصلنا عن صليب المسيح؟ ثم نكمل مسيرتنا نحو الصليب بتأمل في كلمات يسوع الأخيرة، فهي قليلة جداً، بالنسبة لنزاع دام أكثر من ثلاث ساعات، فيسوع تكلم قليلاً وصمت كثيراً، وهذه الكلمات إنما هي إظهار لشيء أعمق وأثمن هو التأمل بيسوع وبعواطفه بصدد العذاب، والصلاة والتسليم والثقة والاهتمام بالغير والحب الذي غمرنا به. وهي رسالة للتغير والعطاء تجاه الله والأخر. في هذه الكلمات مختصر لموقف المسيحي تجاه الآب: خضوع وثقة، وتجاه الذات: تضحية ورضوخ وقبول، وتجاه القريب: تضحية بالذات، كرم في سبيل الغير… فيا لسر عظيم سر الحب الإلهي على الصليب. ونختم هذا الكتاب التأملي بمجموعة قصص للتأمل والاستفادة الروحية. أتمنىّ لكم قيامة متجددة مع المسيح القائم من الأموات وحياة مليئة بالخير والحب والعطاء.

 

المؤلف

المونسنيور الدكتور توماس حليم حبيب

2011

 

لطلب كميات يرجى الاتصال بالأستاذ نادر نشأت نصحي – سكرتير الدار.

تليفون الدار: 0222564801

01277164243

أو يمكنكم الكتابة على العنوان التالي sanpietrocopto@yahoo.it

ولمعرفة المزيد عن اصدارات الدار زوروا موقعنا

www.coptcatholic.net