روما، الاثنين 26 سبتمبر 2011 (Zenit.org)

ننشر في ما يلي الكلمة التي وجهها البابا بندكتس السادس عشر نهار السبت إلى أعضاء المجلس الرئاسي للجنة المركزية للكاثوليك الألمان الذين التقى بهم في فرايبورغ في إطار رحلته الرسولية الثالثة إلى ألمانيا.

***

سيداتي وسادتي،

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،

إنني ممتن لكم على فرصة لقائكم أنتم أعضاء المجلس الرئاسي للجنة المركزية للكاثوليك الألمان هنا في فرايبورغ. بطيبة خاطر، أعبر لكم عن تقديري لالتزامكم بالدعم العلني لمصالح الكاثوليك وإعطاء دفع للعمل الرسولي للكنيسة والكاثوليك في المجتمع. كما وأنني أريد أن أشكركم يا سيادة الرئيس غلوك على كلماتكم الطيبة التي قلتم من خلالها الكثير من الأمور المهمة الجديرة بالتأمل.

أيها الأحباء، توجد منذ سنوات برامج مسماة exposure تهدف إلى المساعدة على التنمية. ويعيش مسؤولون عن السياسة والاقتصاد والكنيسة لوقت معين مع الفقراء في إفريقيا، آسيا أو أميركا اللاتينية، ويشاركونهم حياتهم اليومية الفعلية. يختبرون الوضع الحياتي لهؤلاء ليروا العالم بأعين هؤلاء الأشخاص ويتعلموا من هذه التجربة من أجل أعمالهم التضامنية.

لنتخيل قيام برنامج مماثل هنا في ألمانيا. عندها، سيأتي خبراء من بلد بعيد ليعيشوا أسبوعاً لدى عائلة ألمانية متوسطة. هنا، سوف تُعجبهم أمور كثيرة منها مثلاً الرفاهية، النظام والفعالية. ولكن، بنظرة غير منحازة، سوف يلاحظون الكثير من الفقر: الفقر في نطاق العلاقات البشرية، والفقر في مجال الدين.

إننا نعيش في زمن متسم بشكل كبير بنسبوية تؤثر لاشعورياً وتتغلل في كافة ميادين الحياة. أحياناً، تصبح هذه النسبوية مماحكة وتتجه ضد أشخاص يقولون أنهم يعرفون مكان الحقيقة أو معنى الحياة.

ونلاحظ كم أن هذه النسبوية تؤثر بشكل أكبر على العلاقات البشرية والمجتمع. وهذا ما يتجلى أيضاً في تقلب وشذوذ كثيرين وفي نزعة فردية مفرطة. يبدو البعض عاجزاً كلياً عن التخلي عن شيء ما أو تقديم تضحية من أجل الآخرين. كما يتقلص الالتزام الغيري بالمصلحة المشتركة، في المجالات الاجتماعية والثقافية، أو بالمحتاجين. وهناك آخرون لم يعودوا قادرين على الارتباط بشريك بلا شروط. وتكاد تُفقد الشجاعة على الوعد بالإخلاص لمدى الحياة؛ الشجاعة على التصميم والقول: الآن، كلي لك، أو الالتزام بعزم بالأمانة والصدق، والبحث بإخلاص عن حلول للمشاكل.

أيها الأحباء، في برنامج exposure، يلي التحليل تفكيراً مشتركاً. وينبغي على تدبير مماثل أن ينظر إلى الإنسان في كليته، كما أن علاقته مع الخالق تشكل جزءاً من ذلك – ليس فقط ضمنياً، وإنما أيضاً ظاهرياً.

نرى أن هناك نقصاً في عالمنا الغربي الغني. فكثيرون يفتقرون إلى تجربة صلاح الله. ولا يجدون أي نقطة تواصل مع الكنائس المؤسسية وبناها التقليدية. ولكن لماذا؟ أعتقد أنه سؤال لا بد لنا من التفكير به بجدية. الاهتمام بهذا السؤال يعتبر المهمة الرئيسية للمجلس الحبري للكرازة الإنجيلية الجديدة. وإنما من المؤكد أنه يعنينا جميعاً. اسمحوا لي هنا أن أتناول إحدى نقاط الوضع الألماني الخاص. في ألمانيا، الكنيسة منظمة بشكل ممتاز. ولكن، وراء البنى، هل هناك أيضاً القوة الروحية المتعلقة بها، قوة الإيمان بالله الحي؟ بصدق، يجب أن نقول أن هناك فائض في البنى نسبة إلى الروح. وأضيف: الأزمة الفعلية التي تشهدها الكنيسة في العالم الغربي هي أزمة الإيمان. إن لم نتوصل إلى تجدد إيمان فعلي، سيبقى كل الإصلاح البنيوي عقيماً.

مع ذلك، فلنعد إلى أولئك الذين يفتقرون إلى تجربة صلاح الله. هم بحاجة إلى أماكن يتحدثون فيها عن توقهم الروحي. وهنا، نحن مدعوون إلى البحث عن سبل جديدة للكرازة الإنجيلية. إن أحد هذه السبل يمكنه أن يكون الجماعات الصغيرة حيث تعيش الصداقات التي تتعمق في عبادة الله الجماعية المتكررة. هنا، يوجد أشخاص يتحدثون عن تجاربهم الإيمانية الصغيرة في مراكز عملهم ووسط العائلة أو المعارف، شاهدين على هذا النحو لقرب جديد للكنيسة مع المجتمع. ويبدو لهم لاحقاً بصورة أكثر وضوحاً أنهم جميعاً بحاجة إلى غذاء المحبة والصداقة الفعلية بين بعضهم البعض ومع الرب. ويبقى الرابط مع النسغ الحيوي للافخارستيا مهماً لأننا لا نقدر أن نفعل شيئاً من دون المسيح (يو 15، 5).

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، فليدلنا الرب دوماً على الطريق لنكون معاً أنوار في العالم، ونظهر لقريبنا الطريق إلى المصدر، حيث يستطيع أن يلبي أعمق رغباته في الحياة. شكراً لكم.

***

ترجمة وكالة زينيت العالمية (Zenit.org)

حقوق الطبع محفوظة لمكتبة النشر الفاتيكانية 2011