تجسد المسيحيين في محيطهم المشرقي بولس الخوري

المستقبل – الثلاثاء 18 أيلول 2007

 

لو كانت الأنظمة القائمة في المشرق جميعها علمانية، أو مدنية، لما كان للسؤال ان يطرح، لعدم الاعتراف بجماعة مسيحية، أو غير مسيحية، لها هوية معينة واستقلالية محددة ضمن المجتمع الشامل. أما وقد ساد في اغلبية بلدان المشرق نظام وصف بأنه طوائفي الطابع، بمعنى ان لكل طائفة دينية او مذهبية، لون من الاستقلالية، بحيث توزع المجتمع الشامل مجتمعات يجمع بينها نوع من التوافق، يحدد بموجبه ما على جميع الطوائف من واجبات، وما لكل واحدة منها من حقوق، اي من حصة في الوطن الواحد، ـ لما كان الامر على هذا النحو، كان لكل طائفة ان تسهر على مصيرها، فتطالب بأن تصان حقوقها، اي حصتها من مغانم الوطن.
في هذا السياق، ادى تغير الأوضاع الديموغرافية منها والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الى تقلص عدد المسيحيين في المشرق، بفعل تزايد الهجرة وتناقص التوالد، وبالتالي الى انخفاض نسبتهم الاحصائية، فلما خف وقعهم ووزنهم في المجتمع الشامل، تخوفوا من ان تتناقص حقوقهم وتتقلص حصتهم في الوطن. فكان السؤال الملح: ماذا على المسيحيين ان يفعلوا كي لا يؤول الوضع الى تهميشهم، بل إلغائهم من قائمة اصحاب الحقوق في الوطن والمجتمع، وكي لا يلجأوا الى ترك مسيحيتهم او الى ترك وطنهم، أو الى الانفصال ومحاولة استعادة نظام "العالم المسيحي" كما كان عليه في عصور غابرة.

\"\"

البابا يوحنا بولس الثاني في شوراع الناصرة، مدنية التجسد، 25\\3\\2000

قبل القيام بتشخيص دقيق للوضع، ومحاولة تعليله ومعالجته، تجدر الاشارة الى الغرض من وضع العنوان على هذا الشكل. فان نقول "المسيحيون"، من جهة، و"محيطهم المشرقي"، من جهة ثانية، لا يعني اننا جعلنا هذين الطرفين في علاقة انفصال، ناهيك عن جعلهما في علاقة تعارض او تنازع. ولا يعني قولنا اننا نبحث عن السبل والطرق التي من شأنها ان تضمن للمسيحيين مكانة مميزة ضمن المجتمعات التي منها يتألف محيطهم. ولا يعني قولنا ايضا، وبخاصة، اننا نحاول، قدر المستطاع، مستفيدين من ظروف دولية توهمناها مؤاتية، إعادة صنع التاريخ واستعادة نظام "العالم المسيحي كما كان عليه قبل ظهور الاسلام. مثل هذا العالم قد ولى على غير رجعة، وقد لا يعود الى الوجود الا بفعل تشويه لجوهر المسيحية التي يدّعي المسيحيون الانتماء إليها وتمثيلها وتجسيدها.
فالمسيحية ليست العالم المسيحي. صحيح ان المسيحيين تجمعوا حول كائن منه تكونت هويتهم، هو ما سموه المسيح، وكانت جماعتهم هي ما سمّوها الكنيسة. والكنيسة ـ اي جماعة المسيحيين، او بالحري جماعة الناس ـ ليست جماعة انغلقت على ذاتها، وأخذت تسعى، انطلاقا من هويتها، الى احتضان ما عداها من البشر. الكنيسة، اذ كانت "شعب الله" كما حددها المجمع الفاتيكاني الثاني، باتت لا تعني شيئاً آخر غير البشرية جمعاء بما هي مدعوة الى الخلاص يسوع المسيح. والمسيح ذاته لا يمكن تصوره حكرا على الذين اطلقوا عليه هذه التسمية وانتموا اليه وفقا لمصطلحات ثقافتهم الخاصة. فالمسيح لا يعرف بأبعاده الجوهرية الا اذا اعتبر "كلية دينية"، اي معنى دينياَ حاضراً في قلب اي من الثقافات والاديان، يفيد رغبة البشريين في ان يتحدوا بالالهية او يلامسوها او يكونوا على اتصال بها. اذ ذاك صار من مهمات "المسيحيين" الأساسية التعرف الى اوجه وجود معنى المسيح المختلفة في كل من الثقافات والاديان، وبالتالي اعتبار كل انسان وكل جماعة انسانية عنصرا من العناصر التي تتكون منها الكنيسة.
"المسيحيون في محيطهم المشرقي". يرمي هذا التعبير الى معرفة كيف ينبغي لمن يصنفهم علم الاجتماع مسيحيين، افرادا وجماعات، ان يشهدوا للمسيح وللكنيسة بانخراطهم في محيطهم. بحيث كان هذا الانخراط هو عين الشهادة للمسيح وللكنيسة بالمفهوم الأعمق لهما وبالبعد الأوسع لهما.

ولهذه الشهادة وجهان، هما 1) الحوار الديني و2) المشاركة في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، اي التزام القضايا القومية للمجتمعات التي على المسيحيين ان يعتبروا انفسهم مندمجين فيها اندماجا صريحا وتاما. هي هذه الشهادة، في شكل الحوار والالتزام، التي تضفي طابع الاصالة على مسيحية المسيحيين وعلى مواطنيتهم، وباختصار وفي العمق، على انسانيتهم.\"\"
فاذا ما انخرط المسيحيون على هذا النحو في حياة محيطهم، واذا ما اعتبروا انفسهم معنيين حياتيا بالمشكلات التي يواجهها محيطهم، لم يعد بالامكان ان يعتبروا انفسهم ولا ان يعتبرهم محيطهم اشخاصا غرباء عن بيئتهم الطبيعية، ولا كيانات مستقلة في قلب المجتمع الواسع. فمشاركتهم الفعالة في محاولة إيجاد حلول لمشكلات محيطهم، وبخاصة للمشكلة المحورية، مشكلة إنمائه الشامل، هذه المشاركة تجعل محيطهم يصرح بانتمائهم الصريح اليه. وهذا ما يجعل الطرفين يستعيدان الثقة المفقودة، وبخاصة هذا ما يزيل من قلوب المسيحيين الشعور، مبرراً كان او غير مبرر، بأن محيطهم يسعى الى تهميشهم وعزلهم، بل اضطهادهم. في الواقع، لا يعزل المجتمع السوي الا الذين عزلوا انفسهم عنه. وهذا يعني، حتى لو ثبت ان ثمة سياسة متعمدة هدفها تهميش المسيحيين لكونهم اقلية غير ذات شأن، ان مهمة المسيحيين الأكثر الحاحا هي ان يبرهنوا على انهم مواطنون على قدر ما هم عليه غيرهم من اعضاء مجتمعهم، ان لم يكن على قدر اكثر من الاصالة. وبالتالي عليهم ان ينشطوا في سبيل إحقاق حقوق الانسان، وإرساء أسس الديموقراطية نظاما وممارسة.
اذا كانت الميزة الجوهرية للمسيحية الاعتقاد "بالكلمة المتجسدة"، صار المسيحيون لا تعرف مسيحيتهم الا على قدر ما يكون لهم ان "يتجسدوا" على طريقتهم. وطريقة تجسّد المسيحيين هذه، ان هي الا انخراطهم الصريح في حياة محيطهم.
وقد يتطلب هذا الموضوع تكملةً على مراحل، أولها تشخيص لوضع قد يصح وصفه بأنه داء، وثانيها تعليل له، وثالثها طرح شكل من المعالجة يرجى منه ان يؤدي الى الشفاء.

 

عن موقع ابونا