إيمان المرأة الكنعانية

 

21 "وخرَجَ يَسوعُ مِنْ هُناكَ وجاءَ إلى نواحي صورَ وصيدا. 22 فأَقبلَتْ إلَيهِ اَمرأةٌ كَنْعانِـيّةٌ مِنْ تِلكَ البلادِ وصاحَتِ: "اَرْحَمني، يا سيَّدي، يا اَبن داودَ! اَبنتي فيها شَيطانٌ، ويُعذَّبُها كثيرًا". 23 فما أجابَها يَسوعُ بكَلِمَةٍ. فَدنا تلاميذُهُ وتَوَسَّلوا إلَيهِ بقولِهِم: "اَصرِفْها عنّا، لأنَّها تَتبَعُنا بِصياحِها!" 24 فأجابَهُم يَسوعُ: "ما أرسلَني الله إلاّ إلى الخِرافِ الضّالَّةِ مِنْ بَني إِسرائيلَ". 25 ولكنَّ المرأةَ جاءَتْ فسَجَدَتْ لَه وقالَت: "ساعِدْني، يا سيَّدي!" 26 فأجابَها: "لا يَجوزُ أنْ يُؤخذَ خُبزُ البَنينَ ويُرمى إلى الكِلابِ". 27 فقالَت لَه المَرأةُ: "نَعم، يا سيَّدي! حتَّى الكلابُ تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الذي يَتَساقَطُ عَنْ موائدِ أصحابِها". 28 فأجابَها يَسوعُ: "ما أعظَمَ إيمانَكِ، يا اَمرأةُ! فلْيكُنْ لَكِ ما تُريدينَ". فشُفِيَت اَبنَتُها مِنْ تِلكَ السّاعةِ. 29 واَنتَقَلَ يَسوعُ مِنْ هُناكَ إلى شاطئِ بحرِ الجليلِ، فصَعِدَ الجبَلَ وجَلَسَ هُناكَ."

(متى 15: 21 – 29)

 1) بعض الأسئلة للبحث التمهيدي

يمكن اختيار بعض الأسئلة التالية للبحث الشخصي أو الجماعي (أو إضافة أسئلة أخرى!)

×                ردود فعلنا الأولى – الأسئلة التي تخطر في بالنا…

×       لننظر إلى اﻹطار الأدبي الذي وضع فيه القديس متى هذا المشهد: (متى 8: 1 – 4 / 8: 5 – 10 / 16: 25 – 27, 34 / 10: 5 / 11: 21 / 14: 20 / 15: 37)

×       لنقسم النص إلى 4 أقسام: الآية 21 / الآيتان 22 و 23 أ / الآيتان 23 ب و 24 / من الآية 25 إلى الآية 29 ونعطي عنوانا لكل قسم. لماذا تعتبر الآية 25 "نقطة تحويل" للقصة؟

×                أين تمّ هذا الحدث؟ ماذا يعني ذلك؟

×                وصف الأشخاص المختلفة: حسب النص, ماذا يمكن أن نقول عن كل شخص؟

×      كيف نشرح موقف يسوع تجاه هذه المرأة؟ (لنرجع إلى: التثنية 7: 1 – 6 / 20: 17 – 18 / متى 10: 5 – 6 / 15 – 24) و نتذكر بأن القديس متى يكتب إنجيله لأجل مسيحيين من أصل يهودي كانوا خاضعين للاضطهاد. (أعمال الرسل 10: 28 أ)

×       كيف نفهم التغيير الذي تم في موقف يسوع؟ ما هو سببه؟ نرجع للنصوص التالية: (لوقا 2: 52 / 14: 15, 16, 23 / أعمال الرسل 10: 28 ب, 44 – 48 / 11: 17 – 18 / 13: 46 / 14: 27) ثم نقارن مع (متى 14: 20 ومتى 15: 37)

×                ماذا تكشف الملاحظات السابقة عن سرّ الفداء؟

×                لماذا يمكن أن يكون موقف يسوع نموذجا لنا؟

×                في ماذا يمثّل هذا المشهد "البشرى السارة" لعصرنا؟  (لنظر إلى: أفسس 2: 14 – 16)

2) للتفسير والتعميق

وضعت هذه المقابلة في انجيل متى بين القصتين عندما يطعم يسوع المسيح الجموع. ففي القصة الأولى تتبقّى "اَثنتي عَشْرةَ قُفَّةً مملوءةً" وفي القصة الثانية "سَبعَ سِلالٍ مُمتَلئَةٍ". فبعد جدل متوتر على "التقاليد" وما "يجنّس" الإنسان وما لا "يجنّسه", يخرج يسوع من هناك ويجيء "إلى نواحي صورَ وصيدا" باحثا عن الهدوء والراحة ويمثّل اغتيال يوحنا المعمدان علامة تثير القلق.

ï نداء المرأة الكنعانية الأول (الآيتان: 22 و 23 أ): لا يستطيع يسوع أن يظل مدة طويلة في الخفاء! فرأته مرأة وهي كنعانية أي من عدو اليهود! من المحتمل أنّها سمعت عن قدرة يسوع على شفاء المرضى… هي      "صاحت" وهذا يعني أنها بعيدة عن يسوع. وهي كنعانية أي "وثنية", "نجسة" في نظر اليهود. ويظهر أن       يسوع الذي كان يقبل جميع الناس بمودّة, يرفض أن يسمعها.

        يمكننا تفسير هذا الموقف بطريقتين:

        الطريقة الأولى تبيّن أسلوب يسوع التربوي: أنه رأى إيمان المرأة فيريد أن يفهم تلاميذه هذا أيضا    فيتجاوزون تفكيرهم التقليدي الضيّق.

        الطريقة الثانية تشير إلى حقيقة سرّ الفداء: من المحتمل أن يسوع يتردد لأنّه يعتقد أنّه مكلف من أبيه         بخلاص اليهود فَحَسب ولم يكتشف بعد مدى رسالته لجميع لبشر, فسيكتشفه تدريجيًا.

ï تدخل التلاميذ (الآيتان: 23 ب و 24)

        يحاول التلاميذ أن يتخلصوا من المرأة ويظهر يسوع كأنّه يشاركهم في موقفهم: "ما أرسلَني الله إلاّ إلى         الخِرافِ الضّالَّةِ مِنْ بَني إِسرائيلَ".

ï  نداء المرأة الكنعانية الثاني (من الآية 25 إلى الآية 28) فهي تقترب من يسوع وتتضرّع: "ساعِدْني، يا سيَّدي!"إجابة يسوع شديدة اللهجة: "لا يَجوزُ أنْ يُؤخذَ خُبزُ البَنينَ ويُرمى إلى الكِلابِ": من المحتمل أن     يسوع يريد أن يتأكد من إيمان المرأة ومن المحتمل أيضا أنه يدري أن هذه المؤمنة غير العادية ستفتح       عيون تلاميذه وفعلا, هي تشهد بإيمان لا يتزعزع:  "حتَّى الكلابُ تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ التي تَساقَطُ عَنْ موائدِ        أصحابِها"! مثلما في كل وقت يواجه آلام الناس, يسوع يتأثر بثقة المرأة فيشفي بنتها. هكذا إيمان المرأة       الكنعانية يعطي ليسوع الفرصة ﻹظهار أن رسالته هي رسالة لأجل الجميع. كذلك نرى في "أعمال         الرسل"         أن مؤمني الكنيسة الأولى يعترضوا على قبول الوثنيين في الكنيسة (أعمال 10, 28) ثم, بعد    أن ثابروا على الصلاة وبدافع الروح القدس, أخذت الكنيسة في قبولهم (أعمال 10, 44 – 48).

   

استنتاجات النص

– بالنسبة للمرأة الكنعانية, فنذكر: إيمانها الثابت وجراءتها, فهي لا تخشى أن تخالف التقاليد والاعتقادات, فلا يمنعها صمت يسوع ولا اعتراض التلاميذ من الاقتراب من المسيح.

 

– بالنسبة ليسوع, فنذكر:

1) إنسانيته: لم يغشّ مع حقيقة رسالته وحقيقة سرّ الفداء. يعرف حدود إمكانيات البشر (ما عدا الخطيئة). يشعر بالتمزّق الداخلي: من ناحية الرأفة أمام آلام جميع البشر ومن ناحية أخرى انتمائه إلى شعب معيّن: شعب إسرائيل.

2) أسلوبه في تربية تلاميذه: نرى كيف يؤهّلهم ويمكّنهم من القيام برسالتهم.

3) يكمّل العهد القديم: – أعلن حزقيال مجيء "راعي" يقود شعبه: (كما يتفقَّدُ الرَّاعي قطيعَهُ يومَ يكونُ في وسَطِ غنَمِهِ المُنتشرةِ، وأنقِذُها مِنْ جميعِ المَواضِعِ التي تشتَّتَت فيها يومَ الغيمِ والضَّبابِ.حزقيال 34, 12): فيسوع هو هذا الراعي.    – كان إشعيا يرى جميع الأمم يتحركون نحو نور أورشليم ("فتَسيرُ الأُمَمُ في نورِكِ" إشعيا 60, 1 – 6): فيسوع هو هذا النور          

4) بهذا التعبير"يا سيَّدي" (في العهد القديم, تشير كلمة "السيد" إلى الله) يعلن القديس متى اﻹيمان بقيامة المسيح, بمعنى أن يستفيد جميع الناس, اليهود والوثنيون, من قيامة يسوع, وهو ما تشير إليه أيضا الآية الأخيرة: "واَنتَقَلَ يَسوعُ مِنْ هُناكَ إلى شاطئِ بحرِ الجليلِ…" الجليل المسمَّى: "جليل الأمم" أي الباب نحو أقاصي الأرض… 

 يسوع يرفض أن يحكم على الناس حسب المظاهر

        اهتدى دائما يسوع بهذا المبدأ: "الإنسانُ ينظُرُ إلى المَظهَرِ، وأمَّا الرّبُّ فينظُرُ إلى القلبِ". (1 صموئيل 16: 7)

 فأقبل إلى الخطاة, الأجانب, وغفر لمبغضيه… يرى يسوع الإنسان في كل فرد ويطلب بأن لا نحكم على الآخرين (متى 7: 1 – 5) لأن الحكم يقيّد الشخص ويمنعه من التغيير والتقدّم. يريد مننا أن نحبّ الآخرين حتى يستطيعوا الخروج من المنحة التي يعيشون فيها.

        في نظر يسوع, لا يمكن أن يقتصر الإنسان على ماضيه: ينظر إلى المرأة الزانية, وذكّا, والخطاة والمنبوذين (ومن ضمنهم الأجانب) بثقة ومحبة وهذا يجعلهم يقومون من جديد ويتجهون نحو مستقبل جديد. يرى دائما في كل شخص المواهب المدفونة فيه لفعل الخير. "أنا لا أحكُمُ علَيكِ. اذهبي ولا تُخطِئي بَعدَ الآنَ". فيؤمن بقدرة الإنسان على الخلاص ويعطيه من جديد الرجاء, يطلب من كل إنسان أن يساهم في تغيير المجتمع الذي يعتمد على نبذ العنف… 

        ما احترم إنسان الآخرين من قبل مثل يسوع. هو الابن الوحيد للآب "الذي يُطلِـع شمسه على الأشرار والصالحين, ويُمطِر على الأبرار والظالمين". (متى 5: 45)

أسئلة خاصة للمربين:

×    هذا النص يبيّن لنا أن رأفة الله غير محدودة وملكوته لجميع البشر. ويشير إلى شخص يسوع: أنّه يحمل صفات المربي الحقيقي مع انفتاح الذهن والقلب إلى جميع المحتاجين.

×        ويجعل المربين المسيحيين يتساءلون:

   – ما تصرفاتنا مع الزملاء والتلاميذ وأولياء الأمور؟

   – هل هي فعلا تصرفات تربوية حَسَب المعايير الإنجيلية ؟ 

 

مستند:

لا يقول يسوع: هذه المرأة متقلّبة المزاج, لا أخلاق لها ولا دين, هي مجرد آمرأة!

        بل يطلب منها كوب من الماء ويباشر الحوار معها…

لا يقول: هذه الأرملة الفقيرة التي تلقي درهمين في صندوق الهيكل تدفعها الخرافات!

        بل يدعو تلاميذه ويقول لهم أنها ألقت أكثر مما ألقاه الآخرين…

لا يقول: هذا الرجل ("ذكّا") موظف فاسد يلمّ ثروة كبيرة بمدح السلطات وذبح الفقراء!

        بل يدعو نفسه ضيفا عنده ويؤكد أنه أيضا من أبناء إبراهيم وأن الخلاص حل ببيته…

لا بقول: هذا الضابط من جنود الاحتلال!

        بل يتعجّب منه ويقول: "ما وجدت مثل هذا اﻹيمان حتى في إسرائيل"…

لا يقول: هذا المجرم يستحق العقاب!

        بل يقول له: "ستكون اليوم معي في الفردوس"…

لا يقول: يهوذا هذا خائن!

        بل يقول له: "يا صاحِبـي"…

لا يقول: هؤلاء رؤساء الكهنة والشيوخ حكّام ظالمون, والجموع الذين يشتموني أناس جاهلون لا يعرفون الجميل!

        بل يقول: "اغفر لهم يا أبي, لأنّهم لا يعرفون ما يعملون"…

 

يقول القديس بولس:

"فالمَسيحُ هوَ سلامُنا، جعَلَ اليَهودَ وغَيرَ اليَهودِ شَعبًا واحدًا وهدَمَ الحاجِزَ الذي يَفصِلُ بَينَهُما، أيِ العَداوَةَ، وألغى بِجَسَدِهِ شَريعَةَ موسى بأحكامِها ووَصاياها لِيَخلُقَ في شَخصِهِ مِنْ هاتَينِ الجَماعتَينِ، بَعدَما أحلَ السَّلامَ بَينَهُما، إنسانًا واحدًا جَديدًا ويُصْلِحَ بَينَهُما وبَينَ الله بِصَليبِهِ، فقَضى على العَداوةِ وجعَلَهُما جسَدًا واحدًا. جاءَ وبَشَّرَكُم بالسَّلامِ أنتُمُ الذينَ كُنتُم بعيدينَ، كما بَشَّرَ بالسَّلامِ الذينَ كانوا قَريبينَ، لأنَّ لنا بِه جميعًا سَبيلَ الوُصولِ إلى الآبِ في الرُّوحِ الواحِدِ". (أفسس 2, 14 – 18)