نتأمل مع بندكتس (1- 18 أغسطس)

روما، الخميس 31 يوليو 2008 (zenit.org).

 

الأول من أغسطس

معنى اتباع المسيح

ما معنى "اتباع المسيح"؟ هل هذا الاتباع أمر ممكن حقًا بالنسبة لرجال ونساء اليوم؟ هل يشير هذا الاتباع إلى السبيل الوحيد الممكن لكي نصير أشخاصًا بشريين؟ إذا كان الأمر كذلك، يستطيع المسيحي إذًا أن يقول أن اتباع المسيح يجسد الإمكانية المصيرية للجنس البشري، وأنه فقط عبر هذا الاتباع من الممكن تسليط الضوء على الطبيعة الحقة للغز الإنسان… ما معنى "اتباع المسيح"؟… "الاتباع" هو أمر خارجي ولكن في الوقت عينه هو أمر داخلي جدًا أيضًا. هو خارجي: هو سير فعلي وراء المسيح في مسيرته عبر فلسطين. هو داخلي: توجيه جديد للحياة الشخصية، حيث لا يعود المحور والمرجعية الوظيفة، أو تحصيل العيش، أو تحقيق الرغبات والأفكار الذاتية، بل يضحي التسليم لإرادة آخر، بحيث يصبح الكيان مع الآخر والكيان تحت تصرفه المكنون الهام حقًا في الوجود البشري… الاتباع يعني أن يسير المرء وراء المسيح، أن يتبع النهج المرسوم، حتى ولو كان الاتجاه معاكسًا بالكلية للرغبات الذاتية. وبما أن كلمة "اتباع" مقصودة حرفيًا، فهي تلمس أعمق أعماق الشخص البشري. فكلمة "اتبعني" تتضمن، قبل كل شيء، دعوة إلى التخلي عن نداء سابق. ولكن، على صعيد عميق، هناك دعوة إلى التخلي عن الذات للعيش بالكلية من أجل ذاك الذي أراد أن يعيش بالكلية لكلمة الله: لدرجة أن هذا التفكير الأخير يستطيع أن يتعرف فيه على كلمة الله المتجسد بالذات.

 

الثاني من أغسطس

الاتباع، الإيمان، والمحبة

"الاتباع" يعني أن نوكل أنفسنا إلى كلمة الله، أن نعتبرها أسمى من شرائع المال والخبز وأن نعيش بحسبها. باختصار، أن نتبع يعني أن نؤمن، ولكن أن "نؤمن" بمعنى أن نقوم بخيار جذري بين إمكانيتي الحياة البشرية الاثنتين: الخبز والكلمة. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل يعيش أولاً من الكلمة، من الروح، من المعنى. إن التلاميذ الذين يسمعون الدعوة – "اتبعني" – هم دومًا أمام هذا القرار الجذري؛ القرار الجذري المتمثل بمقايضة الحياة إما لأجل الربح والمصلحة، أو لأجل الحقيقة والحب؛ القرار الجذري في عيش الحياة أو تسليم الذات… فقط عبر خسارة ذواتهم، يستطيع البشر أن يجدوا ذواتهم. الاستشهاد الحق والجذري في التخلي الأصيل عن الذات كان ويبقى الشرط الأساسي لاتباع المسيح… اتباع المسيح يعني قبول جوهر الصليب الصميم، أي الحب الجذري الذي يعبّر عنه الصليب، وبالتالي الاقتداء بالله بالذات. إذ على الصليب، كشف الله عن ذاته كمن يبذل نفسه بطريقة تبذيرية؛ ويتخلى عن مجده لكي يكون حاضرًا لأجلنا؛ ويبغي أن يسوس العالم لا بالقوة بل بالحب، وبضعف الصليب يكشف عن قوته العاملة بشكل يختلف بالكلية عن قوة سلاطين هذا العالم. اتباع المسيح، إذُا، يعني أن ندخل في منطق تسليم الذات الذي هو نواة الحب الحقة. اتباع المسيح يعني أن نضحي أشخاصًا يحبون كما يحب الله… في نهاية المطاف، اتباع المسيح هو أن يضحي الإنسان إنسانًا ببساطة، عبر الاتحاد مع إنسانية الله.

 

الثالث من أغسطس

كسر الخبز

تنال الكنيسة حياتها من الافخارستيا، من حضور الله الحق الذي يهب ذاته. بمعزل عن هذا اللقاء المتجدد دومًا معه، تذبل الكنيسة لا محالة… كل من يُعرّض نفسه لإشعاعه ويثق به سيتحوّل لا محالة. لا يمكنك أن تسير بثبات مع الرب، لا يمكنك أن تردد هذه الكلمات الرهيبة، هذا هو جسدي، هذا هو دمي، لا يمكنك أن تلمس جسد الرب مرارًا وتكراراً، دون أن يؤثّر فيك، دون أن يتحداك ويحولك ويقودك. يمكننا بالطبع أن نتأخر وراءه، وسنتأخر دومًا بمقياس كبير، ولكن على المدى هناك فقط إمكانيتان: إما أن نرفض الافخارستيا، مع كل التساؤلات العظيمة، والقوة التي تضعها في حياتنا، أو أن نستسلم لها، وأن نتمسك بها. الرب لن يتخلى عمّن يتمسك به بحزم. الرب يهدي كل من يتشبث به بصبر وتواضع وصدق؛ لن يحجب الرب عنه نوره… لقد شارك يسوع نفسه بصدق معنا، ووهب نفسه في الخبز المكسور لكي تصير حياته حياتنا: هذا هو الحدث الفائق المعقول الذي يحدث بتجدد مستمر. يكمن هنا المعنى العميق للافخارستيا، ولهذا ليست المسألة مسألة ألعوبة، بل هي أمر جد حقيقي. عندما يحضر الموت ينتهي اللهو، ويقف الإنسان في حضرة الحقيقة. ولكن فقط عندما يصل هذا اللقاء إلى الموت يمكن للرجاء الحق أن يتولد في الإنسان.

 

الرابع من أغسطس

معنى قيامة المسيح

يسوع ليس شخصية من الماضي. فهو حي، ويسير أمامنا كشخص حي، ويدعونا لنسير، ولاتباعه، هو الحي، لنكتشف بهذا الشكل درب الحياة. لم يبق يسوع في القبر، ولم ير جسده الفساد؛ ينتمي يسوع إلى عالم الأحياء، لا إلى عالم الموت. ولكن القيامة هي بشكل ما بعيدة جدًا عن أفقنا، بعيدة عن خبراتنا، بالتالي، عبر الرجوع إلى ذواتنا، نرانا نتابع جدل التلاميذ: ما هو كنه "القيامة"؟ ما معنى ذلك بالنسبة لنا وبالنسبة لكل التاريخ؟ قيامة المسيح هي أمر أكبر دومًا، هي أمر مختلف. إذا ما استعرنا لغة نظرية التطور، إنها "التحول" الأكبر، إنها القفزة المصيرية الأكبر على الإطلاق التي حدثت في كل تاريخ الحياة ونموها، نحو بُعد جديد بالكلية: إنها وثبة نحو نظام جديد يتعلق بنا، ويتعلق بالتاريخ بأسره. الأمر المصيري، هو أن هذا الرجل، يسوع، لم يكن وحيدًا، لم يكن "أنا" منغلقًا على ذاته. كان واحدًا مع الإله الحي، في عناق معه هو الحياة بعينها، عناق ليس فقط على الصعيد العاطفي، بل عناق يتضمن ويتغلغل في كل كيانه. كانت حياته "ارتفاعًا" نحو الله. لقد حطم حتمية الموت، لأن حتمية الحياة كانت حاضرة فيه. كان واقعًا واحدًا مع الحياة التي لا يمكن تدميرها، وبهذا الشكل انبثقت هذه الحياة من جديد حتى في الموت.

 

الخامس من أغسطس

قوة الجمال

الجمال هو معرفة بالطبع، ولكنه نوع سامٍ من المعرفة، لأنه ينطلق من عظم الحقيقة الحق… المعرفة الحقة هي أن نصاب بسهم الجمال الذي يجرح الإنسان، الذي يتأثر بالواقع… الإصابة بجمال حب المسيح والانغلاب له هو معرفة أكثر حقيقة وأعمق من الخلاصات العقلانية المجردة… بإمكان اللقاء مع الجمال أن يضحي جرح السهم الذي يصيب القلب، ويفتح بهذا الشكل العيون، فننال من هذه الخبرة المعايير للحكم، فنستطيع أن نُقَيّم الحجج بشكل صحيح… تنال خبرة الجمال عمقًا جديدًا وواقعية جديدة. لقد قَبِل من هو الجمال بالذات أن يُصفَع على وجهه، وأن يتلقى التَفل، وأن يُكلل بالشوك… إن كل من أدرك هذا الجمال يعرف أن الحقيقة، لا البطلان، هي توق العالم الحق. ليس الباطل هو "الحق"، بل الحقيقة!… هل هناك أحد لا يعرف جملة دوستويفسكي التي يُستشهد بها غالبًا: "الجمال سيخلصنا"؟ ومع ذلك ينسى الناس غالبًا أن دوستويفسكي يتحدث عن جمال المسيح الخلاصي. يجب أن نتعلم أن نراه. إذا عرفناه، ليس فقط عبر الكلام، بل إذا ما أصابنا سهم جماله الغني بالمفارقة، فعندها سنعرفه حقًا، ونعرفه ليس فقط لأننا سمعنا الآخرين يتحدثون عنه. وعندها سنجد جمال الحقيقة، الحقيقة التي تخلص. ما من شيء يستطيع أن يقربنا من جمال المسيح بالذات، إلا عالم الجمال الذي خلقه الإيمانُ والنورُ الذي يسطع من وجوه القديسين الذين يصبح نور المسيح مرئيًا من خلالهم.

 

السادس من أغسطس

التجلي

إن الأحداث الجوهرية في عمل يسوع انبثقت من لب شخصيته، وهذا اللب كان حواره الحميم مع الآب. إن الركيزة الأساسية والشرط الأولي لاعتراف الإيمان المسيحي هو هذا: فقط عبر الدخول في وحدة يسوع، فقط عبر الاشتراك بما هو أكثر شخصية فيه، أي تواصله مع الآب، فقط بهذا الشكل يمكننا أن نعرف حقيقة واقعه الشخصي؛ وفقط عندها يمكننا أن نفهمه وأن نعي ما معنى "إتّباع يسوع". اعتراف الإيمان المسيحي ليس أمرًا محايدًا؛ إنه صلاة، وهو يكشف عن معناه فقط في الصلاة. من رأى حميمية يسوع مع الآب ومن فهمها من الداخل، يتلقى الدعوة ليكون "صخرة" الكنيسة. تنشأ الكنيسة من الاشتراك في صلاة يسوع (راجع لو 9، 18 – 20؛ مت 16، 13 – 20)… "الجبل" هو مرتع الصلاة دومًا، هو مكان اللقاء بالآب… جل ما يفعله التجلي هو الكشف عما يحدث فعلاً في صلاة يسوع: فهو يشترك في إشعاع الله بشكل ينكشف فيه المعنى الحقيقي للعهد القديم – ولكل التاريخ – ويأتي إلى العيان، أي يضحي وحيًا. تبشير يسوع ينبثق من الاشتراك في تألق الله، في مجد الله، الذي يتضمن أيضًا الرؤية من خلال عيني الله – وبالتالي اعتلان ما هو خفي… إن شخص يسوع بالكامل هو مكنون في صلاته.

السابع من أغسطس

الهبة التي تغيّر الأفكار البشرية

إن ثقل ألفي سنة من التاريخ يجعل من الصعب أن يعي المرء جدة سر التبني الإلهي الخلاب. لقد "كشف لنا الآب عن سر إرادته… أيِ تدبير أن يَجمَع في المَسيحِ كُلَّ شيءٍ" (أف 1، 9 – 10). ويضيف القديس بولس بحماسة: "إن اللهَ في كلِّ شَيءٍ يَسْعى لِخَيْرِ الذين يُحِبُّونَهُ، المَدعُوِّينَ بحسَبِ قَصْدِه؛ لأَنَّ الذين سَبقَ فعَرفَهم، سَبَقَ أيضًا فحدَّدَ أنْ يكونوا مُشابهينَ لِصورةِ ابْنِهِ، فيكونَ هكذا بِكْرًا ما بَينَ إِخْوَةٍ كثيرين" (رو 8، 28 – 29). والنظرة هي خلابة بالواقع: فنحن مدعوون لكي نعيش كإخوة وأخوات ليسوع، لنشعر بأننا أبناء وبنات الآب الواحد. هذه هي الهبة التي تغيّر كل فكرة ومشروع بشري بحت. إعلان الإيمان الحق يشرّع آفاق العقل والقلب إلى سر الله الذي لا يُسبر، والذي يتغلغل في كل الوجود البشري. ماذا نقول إذًا عن التجربة القوية جدًا في أيامنا، أي أن نشعر أننا نكفي لذواتنا لدرجة أننا ننغلق على مشروع الله السري لكل منا؟ إن حب الآب الذي كشفه لنا يسوع بشخصه، يطرح علينا هذا السؤال. للإجابة على دعوة الله ولنبدأ مسيرتنا، ليس ضروريًا أن نكون قد بلغنا الكمال. نعرف أن وعي الابن الشاطر لخطيئته مكنه من الانطلاق في مسيرة الرجوع فشعر بفرح المصالحة مع الآب. الضعف والمحدودية البشريتان لا تشكلان عائقًا، بقدر ما تساعداننا على وعي حاجتنا إلى نعمة المسيح الخلاصية.

الثامن من أغسطس

الكلب الشجاع

هناك تمثال يصور 3 حيوانات أراد بها الفنان أن يصور حالة الكنيسة في أيامه. في الأسفل، نجد حَملاً وثب عليه أسد ضخم مفترس. يثبت الأسد الحمل بحافره القوي وبأنيابه. أما جسد الحمل فهو ممزق. يمكننا أن نرى عظامه ويظهر لنا جليًا أن الأسد قد أكل بعضًا من لحمه… ما يريد التمثال تصويره هو "تقرير عن حالة الإيمان"، ويعبّر بالتالي عن نظرة متشائمة جدًا. إنها الكنيسة بالذات، كنيسة الإيمان، التي تبدو وقد مزقها الأسد، رمز السلطة التي استأثرت بها، وافترست نصفها. ولكن التمثال، الذي يصور بجدية كبيرة بؤس الكنيسة من وجهة النظر البشرية، يعبر أيضًا عن الرجاء الذي يعرف أن الإيمان لا يُقهر. يتم تمثيل هذا الإيمان بشكل لافت: الحيوان الثالث، وهو كلب صغير أبيض، ينقضّ على الأسد. ومع أنه جلي أن هناك تفاوت كبير بين قوة الكلب والأسد، إلا أن الكلب يرمي بنفسه أنيابًا وحوافر على الوحش… يمثل الكلب الأبيض الأمانة. إنه كلب القطيع، الذي يمثل الراعي بالذات… يمثل الكلب الشجاع لاهوتًا يعي هويته كخادم للإيمان ولهذا السبب يرتضي بأن يجعل من نفسه أضحوكة من خلال إعادة انفلات وغطرسة العقل المجرد إلى مكانه.

 

التاسع من أغسطس

سلطان الوعظ

إعلان البشارة بشكل الوعظ يعلّم بشكل ملزم؛ هذا هو جوهره. لأن الوعظ ليس تسلية أو ترفيهًا دينيًا. الهدف منه هو أن يتعرف الإنسان على هويته وعما يجب عليه أن يفعل بذاته. الغاية منه هي أن يكشف للإنسان حقيقة ذاته، أي ما يمكن أن تكون ركيزة حياته وما الذي يمكنه أن يضحّي بحياته لأجله. ما من أحد يقبل أن يموت لأجل خرافات عابرة؛ إذا ولّدت خرافة ما مصاعب، هناك إمكانية استبدالها بخرافة أخرى. كما وأنه لا يمكن أن يعيش المرء مرتكزًا على فرضيات، بل على واقع لا يتكرر، يرتكز عليه مصيرنا الأبدي… إعلان الكلمة هو مقياس اللاهوت، بل أكثر من ذلك، فهو يطابق إحدى القوانين الأنثروبولوجية الأساسية: نفهم الحقائق العظمى المتعلقة بالطبيعة البشرية عبر حدس بسيط متوفر لكل شخص ولا يمكن الحصول عليه بالكلية عبر التفكير… ليس بإمكان الجميع أن يكونوا لاهوتيين محترفين، إلا أن إدراك المعارف الأساسية العظمى هو متوفر للجميع… إن واجب وعظ الإنجيل هو الواجب التعليمي للّاهوت أيضًا.

 

العاشر من أغسطس

صلاة يسوع

بما أن محور شخصية يسوع هو الصلاة، من الضروري أن نشترك في صلاته إذا ما أردنا أن نتعرف إليه وأن نفهمه… الصلاة هي فعل تسليم الذات الذي من خلاله ندخل في جسد المسيح. وبالتالي هي فعل حب. وكحب، في جسد المسيح ومعه، الصلاة هي حب لله وحب للقريب، إذ تكتشف نفسها وتحقق ذاتها كمحبة لأعضاء جسد المسيح… يتكون شخص يسوع المسيح من فعل الصلاة، من الاتصال غير المنقطع مع ذلك الذي يسميه "الآب". إذا كان الأمر كذلك، فمن الممكن أن نفهم هذا الشخص فقط عبر الولوج في فعل الصلاة، وعبر الاشتراك فيه. هذا ما يحض عليه يسوع إذ يقول أن ما من أحد يستطيع أن يأتي إليه ما لم يجتذبه الآب (يو 6، 44). حيث لا يوجد الآب، لا يتواجد الابن. حيث لا علاقة مع الله، لا يمكن أن نفهم ذلك الذي في جوهر كيانه العميق، ليس إلا علاقة مع الله، مع الآب… ولذا، الاشتراك في فكر المسيح، أي في صلاته… هو الشرط الأساسي، إذا ما أردنا أن نفهم حقًا، بمعنى علم التفسير الحديث، أي إذا ما أردنا الدخول في الزمان عينه وفي المعنى عينه.

 

الحادي عشر من أغسطس

أبانا

عندما علّم يسوع تلاميذه الصلاة، علمهم أن يقولوا "أبانا" (مت 6، 9). ما من أحد سواه يستطيع أن يقول "أبي". كل الآخرين يُسمح لهم، كأعضاء في الجماعة، أن يستعملوا الـ "نحن" الذي جعله يسوع ممكنًا لهم؛ أي، يحق لهم أن يخاطبوا الله كآب لأن الله خلقهم جميعًا أحدهم للآخر. التعرف على أبوة الله وقبولها يعني دومًا القبول بأننا نرتبط أحدنا بالآخر: بامكان الإنسان أن يدعو الله أبانا بقدر من يشترك في هذا الـ "نحن" – الذي هو الشكل الذي فيه يبحث حب الله عنه… ما من أحد يستطيع أن يبني جسرًا نحو الأبدية بقواه الذاتية. ما من أحد يملك صوتًا عاليًا كفاية ليستدعي الأزلي. ما من عقل يستطيع أن يفهم الله بطريقة مناسبة وأكيدة، وأن يعرف هل هو يسمعنا وكيف يجب أن نتوجه إليه… والوعي عينه بأن الدين يجب أن يرتكز على سلطة أعلى من العقل الذاتي، وأنه يحتاج إلى جماعة كـ "حامل"، هو جزء من إدراك البشرية الأولي، مع أنه يتواجد في أشكال مختلفة وحتى مشوهة… كان واجب يسوع أن يجدد شعب الله عبر تعميق علاقته مع الله وعبر فتح هذه العلاقة على البشرية طرًا… وقام بذلك عبر تحويل موته إلى فعل صلاة، إلى فعل حب، وبالتالي عبر تقديم ذاته وإشراكنا بها. لقد مكّن يسوع البشر من أن يشتركوا في فعل كيانه الشخصي والحميم، أي في حواره مع الآب. هذه هي طبقة المعنى الأعمق في عملية تعليمه لتلاميذه أن يقولوا "أبانا".

 

الثاني عشر من أغسطس

لِمَ يمكننا أن نخاطب الله؟

السبب الأساسي لإمكانية مخاطبة الإنسان لله ينبع من أن الله نفسه هو خطاب، هو الكلمة. إن طبيعته هي أن يتكلم، أن يصغي، أن يجيب… فقط لأن هناك خطاب، "لوغوس" في الله، من الممكن أن يكون هناك خطاب، "لوغوس" مع الله. فلسفيًا يمكننا أن نصوغ الفكرة بهذا الشكل: اللوغوس في الله هو الركيزة الكيانية للصلاة… هناك خطاب في الله، هناك تبادل حوار بين الأقانيم. وبإمكان الإنسان أن يخاطب الله إذا جُذِب للاشتراك في هذا الحوار الداخلي. وهذا هو معنى تجسد اللوغوس: فهو الخطاب، الكلمة، اللوغوس، في الله ومع الله، يشترك بالخطاب البشري. وبامكان الإنسان أن يشترك في الحوار القائم في قلب الله فقط لأن الله اشترك أولاً في الخطاب البشري وبالتالي حمل الله والإنسان إلى التواصل أحدهما مع الآخر. يحمل تجسد اللوغوس الأبدية إلى الزمن والزمن إلى الأبدية. نتيجة التجسد هي أن الخطاب البشري صار عنصرًا من الخطاب الإلهي؛ لقد تم قبوله، دون امتزاج ودون انفصال، في خطاب طبيعة الله الداخلية. عبر روح المسيح، الذي هو روح الله، يمكننا أن نشترك في طبيعة يسوع المسيح البشرية؛ وعبر الاشتراك في حواره مع الله، يمكننا أن نشترك في الحوار الذي هو الله بالذات! هذه هي الصلاة، التي تضحي تبادلاً حقيقيًا بين الله والإنسان… يمكننا أن نصف "الكنيسة" بالمحيط الذي يكتشف فيه الإنسان هويته عبر التماثل بالمسيح الذي هو مصدر الكنيسة.

 

الثالث عشر من أغسطس

صلاة "أبّا"

تشكّل كلمة "أبّا" إحدى الكلمات الأساسية في فم "الابن"… فهي تعبّر عن كل كيانه، وكل ما يقوله لله في الصلاة ليس في نهاية المطاف إلا تفسيرًا لكيانه… يمكننا أن نقول أولاً أنها فعل قبول. ففحواها الأول هو إيجابي. وجوهريًا إنما تعني ما يلي: يمكنني أن أقرّ بالعالم، بالكيان، بذاتي، لأني أقرّ بركيزة كياني، وهذه الركيزة هي صالحة. الوجود أمر صالح… كل مرة يمكنني فيها أن أقول نَعَم، أستطيع أن أحتفل بِعِيد؛ كل مرة أستطيع أن أقول نَعَم، أنا حر، محرَّر. تملك الصلاة المسيحية المفتاح لجعل العالم بأسره احتفالاً، عيدًا، إقرارًا إيجابيًا… الصلاة هي فعل كينونة؛ إنها إقرار، وهي ليست إقرارًا بذاتي كما أنا وبالعالم كما هو، بل هي إقرار واعتراف بركيزة الكيان، وبالتالي هي تنقية لذاتي وللعالم من الأسفل صعودًا… في عملية التطهير التي تنبثق من هذه النَعَم الأساسية نكتشف قوة الصلاة الفاعلة، التي (1) تقدم ضمانة عميقة في إقرار الكيان، كملطِّف للعالم المحموم لإنسان صنع ذاته بذاته، ولكن (2) هذه الصلاة ليست البتة هربًا من العالم ، بل هي تُوكِل إلى البشر مهمة تطهير العالم وتقويهم على تحقيق هذا التطهير… الابن هو من يقودنا في سبيل التطهير هذا الذي يقودنا يدوره إلى باب النَعَم… ونلتقي به كشخص حي فقط في التذوق المسبق لحضوره الذي يسمى "كنيسة".

الرابع عشر من أغسطس

الليتورجية والبحث عن الفرح

الليتورجية هي احتفالية، والاحتفال هو احتفال بالحرية، حرية الكيان التي تكمن تحت لعب الأدوار. ولكن عندما نتحدث عن الكيان، نطرح أيضًا مسألة الموت. ولذا فعلى الاحتفال، فوق كل شيء، أن يواجه مسألة الموت. فالعيد يقترح الفرح، ولكن هذا الفرح ممكن فقط عندما يتمكن من مواجهة الموت. لهذا السبب، في تاريخ الأديان، كانت الأعياد تحمل دومًا طابعًا كونيًا وشموليًا. فهي تحاول أن تجيب على مسألة الموت عبر خلق تواصل مع قوة الكون الحيوية والشاملة… قيامة المسيح تسمح للإنسان أن يفرح حقًا. كل التاريخ حتى المسيح لم يكن إلا بحثًا غير مثمر عن السعادة. لهذا السبب، الليتورجية المسيحية – الافخارستيا – هي، في جوهرها، عيد القيامة، السر الفصحي (Mysterium Paschae). فهي تحمل في باطنها سر الصليب، الذي هو الشرط السابق للقيامة… لهذا السبب تحافظ الكنيسة بأمانة على طابع الذبيحة في القداس الإلهي؛ وهي تقوم بذلك مخافة أن نفشل في وعي عظمة ما يحدث ونضيع بالتالي، في الوقت عينه، العمق الحقيقي لكياننا البشري والعمق الحقيقي لقوة الله المحرِّرة. إن الحرية التي نحن بصددها في العيد المسيحي – عيد الافخارستيا – هي تحرير العالم وذواتنا من الموت. هذا العيد وحده يستطيع أن يحررنا، ويمكننا من قبول الحقيقة، ومن محبة بعضنا البعض بالحق.

 

الخامس عشر من أغسطس

الانتقال

حيث هناك ملء النعمة، هناك ملء الخلاص. وحيث لا تتواجد النعمة في حالة الانشقاق بين "البار والخاطئ سوية" (simul Justus et peccator)، بل في حالة الـ "نَعَم" الصافية، لا يعود هناك مكان للموت الذي هو سجّان الخطيئة. بالطبع، هذا الأمر يطرح السؤال: ما معنى انتقال الجسد والروح إلى المجد السماوي؟ ما معنى "اللاموت"؟ الإنسان ليس غير مائت بقوته الذاتية، بل فقط بفضل آخر وفيه، بطريقة مبدئية، تجريبية، ومجتزئة، عبر الأبناء، وعبر الشهرة، وأخيرًا وبشكل حقيقي، فقط عبر الآخر بالكلية – أي الله – وفيه. نحن قابلون للموت بسبب السلطان الذاتي الذي نستلبه عندما نقرر أن نبقى في داخل ذواتنا، وهذا الأمر ينكشف في ما بعد كخداع للذات… مع ذلك، حيث تنعدم بالكلية النزعة إلى السلطان الذاتي، وحيث هناك عدم تملك الذات الكلي لمن لا يعتمد على ذاته (بل على النعمة)، فالموت يزول، حتى ولو استمرت النهاية الجسدية للحياة. في المقابل، يلج الكائن البشري بكليته في الخلاص، لأنه بكليته، ودون انتقاص، يقف أبديًا أمام ذكر الله الواهب الحياة والذي يحفظه كذاته في حياته الشخصية.

 

السادس عشر من أغسطس

الليتورجية، العبادة والحرية

مات المسيح مصليًا… على الصليب، إذًا، رفع عاليًا نَعمه للآب، ممجدًا الآب على الصليب، وكان موته بهذا الشكل الأمر الذي أدى، عبر منطق داخلي، إلى القيامة. هذا  يعني أن العبادة هي النطاق الذي نكتشف فيه الفرح، ونَعَم الحياة المحرر والمنتصر. الصليب هو عبادة، هو "تمجيد"؛ القيامة هي حاضرة فيه. الاحتفال بعيد القيامة هو الولوج في العبادة. إذا كان بامكاننا أن نَصِف المعنى المحوري لليتورجية المسيحية كـ "عيد القيامة"، فـ "العبادة" هي نواة التنشئة عليها. في العبادة، ننتصر على الموت ويضحي الحب ممكنًا. العبادة هي الحق… الليتورجية هي ضمانة تشهد بأن هناك أمر هام يحدث هنا هو أكبر مما تستطيع القيام به أية جماعة أو مجموعة منفردة. هي تعبّر عن هبة الفرح، هبة المشاركة في الدراما الكونية لقيامة المسيح، التي انطلاقًا منها تقوم الليتورجية أو تضمحل… في الليتورجية، نتلقى جميعنا الحرية اللازمة لنجعل خاصتنا، وبطريقتنا الخاصة، السر الذي يتوجه إلينا.

 

السابع عشر من أغسطس

بهجة الانتقال

عيد الانتقال هو يوم فرح. لقد انتصر الله. انتصر الحب. حاز على الحياة. لقد برهن الحب أنه أقوى من الموت، وأن الله يملك السلطان الحق وأن سلطانه هو الصلاح والحب. لقد انتقلت مريم نفسًا وجسدًا إلى السماء: هناك مكان لدى الله حتى للجسد. لم تعد السماوات نطاقًا مجهولاً بالنسبة لنا. لدينا أمٌ في السماوات. السماوات مشرعة، وللسماوات قلب… فقط إذا ما كان الله عظيمًا تكون البشرية عظيمة. وبواسطة مريم، يجب أن نبدأ فنعي أن الأمر كذلك. لا يجب أن نتغرب عن الله، بل أن نجعله حاضرًا؛ يجب أن نكون أكيدين أنه عظيم في حياتنا. وبهذا الشكل سنتأله نحن أيضًا؛ وعندها سيضحي تألق كرامة الألوهة خاصتنا. لنطبق هذا الأمر على حياتنا… بما أن مريم هي مع الله وفي الله، فهي قريبة من كل منا. بينما كانت تعيش على الأرض، كان بامكانها أن تكون قريبة من قلة من الأشخاص فقط. أما الآن وهي في الله، الذي هو قريب منا، بل هو "في داخلنا"، فمريم تشترك في قرب الله هذا. بما أنها في الله ومع الله، فهي قريبة من كل منا، تعرف قلوبنا، يمكنها أن تسمع صلواتنا، يمكنها أن تساعدنا بحنانها الأمومي؛ فهي وُهبت لنا، كما قال الرب، كـ "أم" نستطيع اللجوء إليها في كل حين. مريم تصغي لنا دومًا، وهي قريبة منا أبدًا، وبما أنها أم الابن، فهي تشترك في سلطان الابن وفي صلاحه. يمكننا أن نوكل حياتنا بأسرها إلى هذه الأم، التي ليست بعيدة من أحد على الإطلاق.

الثامن عشر من أغسطس

كيف يستجيب الله الصلاة؟

لماذا الله صامت لا يحرك ساكنًا؟ لماذا يتوارى؟ لماذا يحدث عكس ما أردت تمامًا؟ هذه المسافة بين ما وعد به يسوع وبين ما نختبر في حياتنا يجعلك تفكر، كل مرة – وهو أمر له التأثير عينه في كل الأجيال، في كل شخص، وحتى فيّ أنا. على كل منا أن يجهد لكي يجد جوابًا يرضيه، لكي يتوصل في نهاية المطاف إلى فهم السبب الذي لأجله خاطبه الله بهذا الشكل بالتحديد. يقول أغسطينوس وغيره من المسيحيين العظام أن الله يهبنا ما هو أفضل لنا – حتى عندما لا نعي ذلك للوهلة الأولى. غالبًا ما نفكر أن ما هو الأفضل لنا هو عكس ما يفعله لنا الله تمامًا. يجب أن نتعلم أن نتقبل هذه المسيرة التي هي صعبة بالنسبة لنا، انطلاقًا من خبرتنا ومن ألمنا، وينبغي أن ننظر إليها كالسبيل الذي يبغي الله أن يقودنا فيه. إن سبيل الله هو غالبًا سبيل يشكلنا ويعيد صياغتنا بشكل كبير، إنه سبيل نتحول فيه حقًا ويتم تقويمنا. من هذا المنظور يجب أن نقرّ بأن "اسألوا تعطوا"، بكل تأكيد لا يعني أنني أستطيع أن أستدعي الله كخادم متعدد المواهب يستطيع أن يجعل حياتي سهلة في كل مرة أبغي شيئًا. أو كمن يزيل كل الأحزان والتساؤلات. على العكس، يعني أن الله يسمعني بكل تأكيد، وما يقدمه لي، بشكل يعرفه هو وحده، هو ما يناسبني.