البابا يتكلم ثانية عن أقباط مصر في خطابه للدبلوماسيين

 

خطاب قداسة البابا لأصحاب السعادة أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى الكرسي الرسولي لتقديم أطيب التمنيات للعام الجديد 11 يناير 2010.

 

التقى قداسة البابا بأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد لدي الكرسي الرسولي (الفاتيكان) لتقديم التمنيات للعام الجديد 2010 كما جرت العادة كل عام. وعدد الدول التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الكرسي الرسولي هو 178 دولة. تعرض قداسة البابا لكثير من الموضوعات الهامة والخاصة بالتغيرات البيئية والأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، ومشكلة الهجرة وويلات الجوع والفقر والكوارث البيئة. كما تكلم قداسته عن ثقافة النسبية المتفشية خاصة في أوروبا والتي تسعى لتقدم الأديان على أنها منافس وأحيانا تصل لاحتقار الأديان والكنائس، وخاصة الكاثوليكية، متجاهلة الدور المحوري للإيمان وللكنيسة في النهضة بالإنسان وبالمجتمع.

وفي هذا الصدد قال قداسته: "للأسف، في بعض البلدان، وخاصة الغربية، ينتشر بين السياسيين والمثقفين، وكذلك في وسائل الإعلام، الشعور بعدم تقدير وأحيانا بعدائية، تصل لحد الاحتقار، تجاه الدين، وخاصة الدين المسيحي. فمن الواضح أن (ثقافة) "النسبية"، أضحت سمة أساسية من سمات الديمقراطية، إلا إننا لا يمكن أن نتصور "العلمانية" كاستبعاد، أو، بعبارة أدق، كرفض للأهمية الاجتماعية للدين. مثل هذا النهج، قد خلق المواجهة والانقسام، ويسيء إلى السلام ويزعج الإيكولوجيا البشرية لأنه يصل للرفض التلقائية لكل مواقف مختلف، مما يقود لطريق مسدود. ولذلك فهناك حاجة عاجلة لتعريف "العلمانية الإيجابية"، والتي تقوم على أساس تأكيد أهمية البعد والروحي، وعلى تشجع التعاون الصحيح والقائم على روح المسؤولية المشتركة. من هذا المنظور، أعتقد أن أوروبا، والتي، مع بدية سريان معاهدة لشبونة، ستفتح مرحلة جديدة في عملية الاندماج، (وهنا نؤكد) أن الكرسي الرسولي سوف يواصل متابعة (تنفيذ المعاهدة) باحترام واهتمام شديد…. وأنا أصلي حتى أنه في بناء مستقبلها، تصل أوروبا لتأكيد جذور هويته المسيحية الخاصة… لتشكيل وجدان كل جيل، والترويج للتوافق في الآراء الأخلاقية الأساسية التي هي مفيدة لمن يدعو هذه القارة \’منزلي".

ودعا البابا لإقامة "دولة إسرائيلية" له الحق في الأمن والأمان وكذلك "دولة فلسطينية" تتمتع بالسيادة والاعتراف الدولي، ليحيا الشعبين في سلام وينبذا العنف وثقافة الكراهية. ودعا لجعل مدينة أورشليم، المدينة المقدسة والمتألمة، مدينة للسلام ونموذجا للتعايش السلمي بين الأديان والشعوب.

كما تعرض البابا لموضوع مسيحي الشرق الأوسط في العراق والأراضي المقدسة ولبنان ومصر، والذين يتعرضون لأعمال عنف وتعصب وتضيق للحريات الدينية خطير، يجب مواجهتا بصرامة ووضوح، لاسيما وأنها تدفع بهم لهجرة أوطانهم، وقال قداسته: "إن أعمال العنف الخطيرة التي ذكرتها للتو، جنبا إلى جنب مع ويلات الفقر والجوع، فضلا عن الكوارث الطبيعية وتدمير البيئة، تساعد على تضخيم أعداد أولئك الذين يغادرون وطنهم. فيما يخص الهجرة، أود أن أحث السلطات المدنية، والمهتمين في مختلف المجالات على العمل لتحقيق العدالة والتضامن والمستقبل. على وجه الخصوص أود أن أذكر هنا أن المسيحيين في الشرق الأوسط، والذين يتعرضون لتضيق بطرق مختلفة، حتى في ممارسة حريتهم الدينية، مما يدفعهم لمغادرتهم ارض آبائهم، حيث تأسست الكنيسة في العصور الأولى (للمسيحية). فقد دعوتُ في خريف هذا العام لعقد الجمعية الخاصة بسينودس الأساقفة حول الشرق الأوسط"، لدعمهم وإشعارهم بقربة إخوانهم في الإيمان"، لمناقشة قضياهم وأوضاعهم والعنف والمضيقات التي يتعرضون له.

كما أكد قداسة البابا حق المسيحيين في الاعتراف بحريتهم الدينية واحترام إيمانهم وحياتهم من العنف الذي يتعرضون له: "تضررت بشدة في الأشهر الأخيرة من جراء أعمال العنف الموجة بشكل مباشر على الأقلية المسيحية في باكستان. ولهذا أطلب القيام بكل ما يلزم لكي لا تتكرر هذه الهجمات، ولكي يشعر المسيحيون بالاندماج الكامل في حياة بلدهم".

تعرض قداسة البابا مباشرة للعنف الموجه ضد أقباط مصر قائلا: "أما فيما يتعلق بالعنف ضد المسيحيين، فلا يمكنني عدم التعرض أيضا لهذا الهجوم المؤسف الذي حدث للتو ضد الكنيسة القبطية المصرية في هذه الأيام، في الوقت الذي احتفلت فيه بعيد الميلاد…. سيداتي وسادتي، بعد هذه اللمحة الموجزة… تتبادر إلى ذهني كلمات الرسول ق. بولس عندما قال: "إن الخليقة كلها تأن وتتوجع" و"نحن أيضا نصرخ في معاناتنا الخاصة" (روم 8 ، 22-23). نعم، هناك الكثير من المعاناة الإنسانية بسبب أنانية الإنسان الذي يخطئ في كثير من المجالات… الكنيسة تقول إن الإجابة على طوق البشرية للخلاص، هي في المسيح "بكر كل خليقة، والذي به خلق الله كل شيء ما في السماء وما على الأرض" (كولوسي 1 ، 15-16)… أحث جميع الناس من ذوي النوايا الطيبة على العمل بثقة وسخاء لكرامة وحرية الإنسان. اسمحوا لنور ولطاقة يسوع أن تساعدنا على احترام البيئة البشرية… حتى نتمكن من توطيد السلام، الآن وللأجيال القادمة. سنة جديدة سعيدة للجميع!".

وبهذه الكلمات أختتم قداسة البابا كلمته للبعثة الدبلوماسية والتي من خلالها توجه إلى كل البلدان والشعوب التي يمثلونها متمنيا عاما سعيدا على الجميع ومصليا من أجل كل آلام وأفراح البشرية ومتعرضا بشجاعة ووضوح لأغلب الموضوعات التي تمس حرية الكائن البشري وكرامة لأن "لا كرامة بلا حرية"، كما قال قداسته، وكذلك الموضوعات التي تمس العلاقة بين الإنسان وأخوه الإنسان.

وفي هذا الصدد لا يمكن تناسي ما قاله يوم الأحد الماضي في ساحة القديس بطرس حيث أدان البابا مقتل ستة أقباط في مصر، مؤكداً أن العنف ضد المسيحيين في بعض الدول يثير استنكار الكثيرين. وقال البابا إن "العنف حيال المسيحيين في بعض الدول يثير استنكار الكثيرين، ولاسيما أنه ظهر خلال أقدس الأعياد المسيحية، أي عيد الميلاد لدى الطوائف الشرقية". وأضاف "لا يمكن أن يكون هناك عنف باسم الرب. لا يمكن الاعتقاد بتمجيده من خلال الاعتداء على كرامة القريبين منا وحريتهم. وعلى المؤسسات السياسية والدينية أن تتحمّل مسؤولياتها".

قام بالترجمة والتعليق الأب د. يوأنس لحظي جيد

موقع كنيسة الإسكندرية الكاثوليكي