benedizione

الأب إسطفانوس دانيال جرجس

خادم مذبح الله بالجلاوية – ساقلتة

 

يطلعنا الأب روفائيل ميخائيل الزيات طوخي، الكاهن القبطي الكاثوليكي، في «كتاب الثلثة قداسات أي الذي للقدِّيس باسيليوس والذي للقدِّيس غريغوريوس والذي للقدِّيس كيرلس مع صلوات أخرى مقدسة»، باللغتين القبطية والعربية، والذي طبعه في رومية سنة 1736، ص172و173: «وبعد نهاية ذلك وغسل الأواني كما شرح، يصب الكاهن في يديه ويرش منه قليل على المائدة ثم يمسح وجهه بيديه ويلتفت إلى إخوته الكهنة فوق وأسفل ويشاركهم بيديه وكل من شاركه يمسح بيديه على وجهه. هم أيضًا يعملوا كذلك ثم يضع يده علي رؤوس الشعب يباركهم ويعطيهم التسريح ويختم ذلك بقراءة البركة: سادتي الآباء الراسمون خطيتي هم الذين يقولون البركة الثالوث المقدس الاب والابن والروح القدس بارك شعبنا المحب للمسيح…». وعلى حسب الترتيب الطقسي للأنبا غبريال الخامس(1409-1427)، مطبوعات المركز الفرنسيسكاني للدراسات المسيحية الشرقية، القاهرة، 1962، ص200: «…ويصب ماء في يديه ويرش منه قليل على المائدة. ثم يمسح وجهه بيديه. ويلتفت إلى اخوته الكهنة. فوق وأسفل. ويشاركهم بيديه وكلمن شاركه. يمسح هو بيديه على وجهه. هم ايضًا يعملوا كذلك. تم يضع يده على رؤوس الشعب ويباركهم. ويعطيهم التسريح…» وهناك تقليد في الأديرة الرهبانية يصب الشماس ماء في يديّ الكاهن فينفخ فيه وهو يقول الثلاث رشومات، وإذ وجد كهنة آخرون ينفخون أيضًا في الماء ويقولون الرشم الثاني. وهذه النفخة تذكرنا بنفخة المسيح للتلاميذ «قالَ هذا ونَفَخَ فيهم وقالَ لَهم: خُذوا الرُّوحَ القُدُس» (يو20: 22) ثم يقف الكاهن على المذبح ويصرف ملاك الذبيحة بأن يرش قليلاً من الماء على المذبح ثم يرش الباقي إلى أعلى وهو يقول: يا ملاك هذه الصعيدة الطائر إلى العلو بهذه التسبحة أذكرنا قدام الرب ليغفر لنا خطايانا. بعد رش الماء وصرف الذبيحة يبدأ الكاهن بإعطاء التسريح فيضع يده المبللة بالماء على كرسي الكأس أولاً ثم لحيته ثانيًا، ثم كل لحي الآباء الكهنة الموجودين في الكنيسة، أما الشمامسة فيضع على رأس يده على رأس كل واحد منهم بالتسريح والبركة. أما تسريح الشعب له ثلاثة طرق هم:

  1. إن كان الشعب قليلاً يتقدم المؤمنون فيضع الكاهن يده اليمني التي لمست الأسرار المقدسة على جباههم علي كل واحد وعلى رأس كل واحدة وهذا يشير إلى عمل الكاهن الأعظم قبل صعوده «ورَفَعَ يَدَيهِ فبارَكَهم. وبَينَما هو يُبارِكُهم اِنفَصَلَ عَنهم ورُفِعَ إِلى السَّماءِ» (لو24: 50و51) وختام القداس – يشير إلى صعود يسوع المسيح فكما أنه بصعوده انتهت حياته الأرضية بالجسد كما أن قد انتهي من عمل الفداء كذلك بانتهاء القداس تنتهي الكنيسة وكما باركهم يسوع المسيح بيديه كذلك يباركهم الكاهن.
  2. إن كان الشعب كثيرًا فيعطيه التسريح بواسطة رش الماء عليه بنظام حتى لا تحدث شوشرة في الكنيسة ودون أن يترك الناس مقاعدهم ويتجمعون أمام الهيكل في شبه مظاهرة لأجل نقطة الماء.
  3. توزيع لقمة البركة. (وسوف نجهز بحثًا موثقًا من الأقدم في الثلاث الطرق التسريح بوضع اليد أم برش الماء أم بلقمة البركة في نهاية القداس القبطي وهذا يدل على التطور في القداس القبطي).

أما الطريقة الثانية طريقة مستحدثة في الكنيسة واضطروا الآباء الكهنة استعمالها بسبب زيادة عدد المصلين داخل الكنيسة، وعندما تنسكب نقاط الماء على وجوه ورؤوس الحضور بيديه يمسح وجهه ويديه.

وربما التسريح الأول هو أن يضع الكاهن يده على رأس كل واحد أو واحدة هي الطريقة القديمة ومنها يتعرف الراعي ويتفقد لرعيته ويعرف منها الذين حضروا القداس والذين لم يحضروا، ويسأل الراعي عن سبب غياب من تخلف عن القداس.

وكانت هناك عادة قديمة يُعمل بها على مدار السنة الطقسية كلها ألا وهي أن مكونات تطييب جسد يسوع المسيح الذي تم تطييبه في جمعة الصلبوت من أسبوع البسخة المقدسة، توضع بجوار كرسي الكأس الذي فوق المذبح، ويضع الكاهن جزء من هذا التطيب فوق يديه ويصب بالماء عليها كاستمرارية لذبيحة الصليب المحيية.

وهنا نتساءل لماذا ينتهي القداس القبطي برش الماء؟ ولماذا يقف الكاهن عن يمين المذبح وجهه نحو الشرق؟ ولماذا يرفع الماء إلى فوق؟…

في الحقيقة المصادر القديمة للطقس القبطي قليلة جدًا بهذا الشأن، ولكن إذا تصفحنا الكتاب المقدس نجد في سفر حزقيال النبيّ: «ورَجَعَ بي إِلى مَدخَلِ البَيت، فإذا بِمِياهٍ تَخرُجُ مِن تَحتِ البَيتِ نَحوَ الشَّرْق، لأَنَّ وَجهَ البَيتِ نَحوَ الشَّرق، والمِياهَ تَنزِل مِن تَحتُ مِن جانِبِ البَيتِ الأَيمَنِ عن جَنوبِ المَذبَح. وخَرَجَ بي مِن طَريقِ بابِ الشَّمال، ودارَ بي في الطَّريقِ الخارِجِيِّ إِلى البابِ الخارِجِيِّ المُتَّجِهِ نَحوَ الشَّرْق، فإِذا بِالمِياهِ تَجْري مِنَ الجانِب الأَيمَن. ولَمَّا خَرَجَ الرَّجُلُ نَحوَ الشَّرْق، كانَ بِيَدِه حَبْل، فقاسَ أَلفَ ذِراعٍ وعَبَرَ بيَ المِياه، فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الكَعبَين. ثُمَّ قاسَ ألفًا وعَبَرَ بيَ المِياه، فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الرّكبَتَين. ثُمَّ قاسَ أَلفًا وعَبَرَ بي، فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الوَسَط. ثُمَّ قاسَ أَلفًا فإِذا بِنَهرٍ لم أَقدِرْ على عُبورِه، لأَنَّ المِياهَ صارَت طاغِيَة، وكانَت مِياهَ سِباحَةٍ ونَهرًا لا يُعبَر فقالَ لي: «أَرَأَيتَ يا ابنَ الإنْسان؟». وذَهَبَ بي ورَجَعَ إِلى شاطِئ النَّهر. ولَمَّا رَجَعتُ، إِذا على شاطِئ النَّهرِ أَشْجاٌر كَثيرةٌ جِدًّا مِن هُنا ومِن هُناك. فقال لي: «إِنَّ هذه المِياهَ تَخرُجُ نَحوَ المِنطَقَةِ الشَّرقِيَّة، وتَنزِلُ إِلى العَرَبَة وتتَجِهُ إِلى البَحْر. وحين تَنصَبُّ المِياهُ في البَحرِ تُصبِحُ مِياهُه طَيِّبَة. وكُلّ نَفْسٍ حيَةٍ تَدِبُّ حَيثُ يَبلُغُ مَجْرى النَّهرِ تَحْيا، ويَكونُ السَّمَكُ كَثيرًا جِدًّا، لأَنَّ هذه المِياهَ تَبلُغ إِلى هُناكَ وتُصبحُ طَيِّبَة، فكُلُّ ما يَبلُغ إِلَيه النَّهرُ يَحْيا. ويَقِفُ على الشَّاطِئ الصَّيَّادون مِن عَينَ جَدْيَ إِلى عَينَ عَجَلائيم، فيَكونُ مَنشرًا لِلشِّباك، ويَكون سَمَكُه على أَصْنافِه كسَمَكِ البَحرِ العَظيم كَثيرًا جدًّا. أَمَّا مُستَنقَعاتُه وبِرَكُه فلا تصبح طَيِّبَة،َ بل تُحفَظُ للملْح. وعلى النَّهرِ على شاطِئِه أن هُنا ومِن هُناكَ يَنبُتُ كُلُّ شجَرٍ يُؤكَل، ولا يَذبُلُ وَرَقُه ولا يَنقَطِع ثَمَرُه، بل كُلَّ شَهرٍ يُؤتى بَواكير، لأَنَّ مِياهَه تَخرُج مِنَ المَقدِس، فيَكونُ ثَمَرُه لِلطَّعامِ ووَرَقه لِلعِلاج»»(47: 1-11) وهذا ما يفعله الكاهن لنص نبوة حزقيال النبيّ الذي يقول: «ورَجَعَ بي إِلى مَدخَلِ البَيت، فإذا بِمِياهٍ تَخرُجُ مِن تَحتِ البَيتِ نَحوَ الشَّرْق، لأَنَّ وَجهَ البَيتِ نَحوَ الشَّرق، والمِياهَ تَنزِل مِن تَحتُ مِن جانِبِ البَيتِ الأَيمَنِ عن جَنوبِ المَذبَح»(47: 1و2) وأيضًا في سفر الرؤيا: «وأَرانِيَ المَلاكُ نَهرَ ماءِ الحَياةِ بَرَّاقًا كالبِلَّور، يَنبَثِقُ مِن عَرشِ اللهِ والحَمَل. وفي وَسَطِ السَّاحَةِ وبَينَ شُعبَتَيِ النَّهرِ شَجَرَةُ حَياةٍ تُثمِرُ اثنَتَي عَشرَةَ مَرَّة، في كُلِّ شَهرٍ تُعْطي ثَمَرَها، ووَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفاءِ الأمَم»(رؤ21: 1و2).

إذا رش الماء في نهاية القداس القبطي هو تحقيق وعيش نص حزقيال المذكور علاوة على نص الرؤيا المذكور. فنحن المشتركين في سر الإفخارستيا صرنا أعضاء لحمه وعظامه، وهيكلا لله بالتناول المقدس ولذلك ينبع فينا نهر الماء الحي الخارج من المسيح حسب قوله: «وفي آخِرِ يَومٍ مِنَ العيد، وهُو أَعظَمُ أَيَّامِه، وقَفَ يسوع ورفَعَ صَوتَه قال: «إِن عَطِشَ أَحَدٌ فليُقبِلْ إِلَيَّ ومَن آمنَ بي فَلْيَشَربْ كما ورَدَ في الكِتاب: ستَجْري مِن جَوفِه أَنهارٌ مِنَ الماءِ الحَيّ»»(7: 37و38)، «وأَمَّا الَّذي يَشرَبُ مِنَ الماءِ الَّذي أُعطيهِ أَنا إِيَّاه فلَن يَعطَشَ أَبداً بلِ الماءُ الَّذي أُعطِيهِ إِيَّاهُ يصيرُ فيه عَينَ ماءٍ يَتفَجَّرُ حَياةً أَبَديَّة»(يو4: 14) وهذا هو معني رش الماء بعد تناولنا من جسد ودم عمانوئيل لقد اتحدنا به «مَن أَكل جَسَدي وشرِبَ دَمي فلَه الحَياةُ الأَبدِيَّة وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير. لأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ وَدمي شَرابٌ حَقّ مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثَبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه»(يو6: 54-56) وأصبحنا نعيش الحياة الجديدة من جنب المسيح الماء والدم والروح «لكِنَّ واحِداً مِنَ الجُنودِ طَعَنه بِحَربَةٍ في جَنبِه، فخرَجَ لِوَقتِه دَمٌ وماء»(يو19: 34) و «مَنِ الَّذي غَلَبَ العالَم إِن لم يَكُنْ ذاكَ الَّذي آمَنَ بِأَنَّ يسوعَ هوَ ابنُ الله؟ هذا الَّذي جاءَ بِسَبيلِ الماءِ والدَّم يسوعُ المسيح. لا بِسَبيلِ الماءِ وَحْدَه بل بِسَبيلِ الماءِ والدَّم. والرُّوحُ يَشهَد لأَنَّ الرُّوحَ هو الحقّ. والَّذينَ يَشهَدونَ ثلاثة: الرُّوحُ والماءُ والدَّم وهؤُلاءِ الثَّلاثةُ مُتَّفِقون إِذا كُنَّا نَقبَلُ شَهادةَ النَّاس فشَهادةُ اللهِ أَعظَم وشَهادةُ اللهِ هي أَنَّه شَهِدَ لابنِه»(1يو5: 5-9). وبرش الماء على الشعب بهذا الطقس يتأكد لديه أن الإفخارستيا التي تناولها تقوده حتمًا ليعاين نهر ماء الحياة الخارج من عرش الله. وإن كان برمز يراه الآن بالإيمان، فبعد قليل بالعيان. وهكذا تصير الكنيسة كلها وكأنها سابحة في نهر ماء الحياة، بعد أن شبعت من خبز الحياة، وارتوت بدم المسيح حياتنا.

وأما رمز الماء في الكتاب المقدّس: نلاحظ أن الماء يشكل السند لكل خليقة. كل شيء يولد فيها، وكل شيء يعود إليها. إنها قابلة كل بذار الحياة. وفي نظر الإنسان يرمز الماء إلى إمكانية الحياة كما يرمز إلى تقهقر هذه الإمكانية. يمكننا القول إن العالم المادي يغرق كله في هذا الرمز، وهكذا يكون موضوع الطوفان موضوعًا طبيعيّا. فانغمار الكون بالماء يلغي التاريخ ويعيد كل شيء إلى نوع من مادة أولى لا شكل لها. أما الخروج من الماء فيدل على انطلاقة جديدة للكون بعد أن تنقي خلال عبوره بالماء. ولكن، لا نضخم أهمية الماء الذي يبقي خصبه ملتبسًا خارج الله والمسيح. تحدّث ترتليانوس عن رمز الماء قبل المسيح، فقال للوثنيين: «مياهكم فارغة» فالخالق يعطي الحياة قوة الخلق وهو يمارس عليها سيادته(مز104: 10-18). ولكننا سننطلق من النظرة إلى مجيء المسيح لنفهم الاستعدادات البطيئة التي رفعت الرمز من العالم الطبيعي إلى مستوي مخطط الله. فالخلق والطوفان والبحر الأحمر والأردن تشير إلى أحداث من تاريخ الخلاص تدل على طابع الماء المحي والمدمر، على خليقة الله الذي يجعل منها أداة نعمته.

وحين تتحدد الأحداث الجوهرية في العهد القديم، يكشف رمز الماء كل عمقه ولا سيما في أسفار المزامير والأنبياء: المياه تنقي وتطهّر. هذا ما فعلت بنعمان السريانيّ(2 مل5: 13). وقد قال المرتّل: «نَقِّني بِالزُّوفى فأَطهُر إِغسِلْني فأَفوقَ الثَّلجَ بَياضًا»(مز51: 9). وتحدث زكريا النبيّ(13: 1) عن «في ذلك اليَوم، يَكون يَنبوعٌ مَفْتوحٌ لِبَيتِ داوُدّ ولِسُكَّانِ أُورَشَليم، لِلخَطيئَةِ والرِّجْس». إن هذه المياه تتضمن قوة حياة وترمز إلى خصب خلاصي ننتظره يوم تجري الينابيع في الصحراء وتتفجّر العيون فتروي صهيون. قال الرب: « فإِنِّي أُفيضُ المِياهَ على العَطْشان والسُّيولَ على اليَبَس. أُفيضُ روحي على ذُرِّيَّتِكَ وبَرَكَتي على سُلالَتِكَ، فيَنبُتونَ كما بَينَ العُشْب كالصَّفْصافِ على مَجاري المِياه»(أش44: 3و4) ويدعو أشعيا المؤمنين: «وتستَقونَ المِياهَ مِن يَنابيعَ الخَلاصِ مُبتَهِجين»(أش12: 3). ويقول: «أَيُّها العِطاشُ جَميعًا هَلُمُّوا إِلى المِياه والَّذينَ لا فِضَّةَ لَهم هَلُمُّوا آشتَروا وكُلوا هَلُمُّوا آشتَروا بِغيرِ فِضَّةٍ ولا ثَمَن خَمْراً ولَبَناً حَليباً»(أش55: 1). ويعدهم بالبركة: «ويَهْديكَ الرَّبُّ في كُلِّ حين ويُشبِعُ نَفْسَكَ في الأَرضِ القاحِلَة ويُقَوِّي عِظامَكَ فتَكونُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وكيَنْبوعِ مِياهٍ لا تَنضُب»(أش58: 11). هذه الحياة تخرج من تحت بيت الله وتتوجه نحو الشرق(حز47: 1). وهي تجري صيفًا وشتاء ولا تنضب(زك14: 8). وهكذا نصل إلى قول في تاريخ الخلاص وهو أن الماء يرمز إلى العطية السُميا، إلى فيض الروح في نهاية الأزمنة(أش32: 15). وهذا التدبير المقبل الذي يصوّره حزقيا النبيّ سيُتم تطهير الخطايا ويحوّل القلوب فيجعل من البشر شعبًا جديدًا: «وأَرُشُّ عليكم ماء طاهِرًا، فتَطهُرونَ مِن كُلِّ نَجاسَتِكم، وأُطَهِّرُكم مِن جَميعِ قَذاراتِكم. وأُعْطيكم قَلبًا جَديدًا وأَجعَلُ في أَحْشائِكم روحًا. جَديدًا وأَنزِعُ مِن لَحمِكم قَلبَ الحَجَر، وأُعْطيكم قَلبًا مِن لَحْم، وأَجعَلُ روحي في أَحْشائِكم وأَجعَلُكمِ تَسيرونَ على فَرائِضي وتَحفَظونَ أَحْكامي وتَعمَلون بِها. وتَسكُنونَ في الأَرضِ الَّتي أَعطَيتُها ِلآبائِكم. وتَكونونَ لي شَعبًا وأَكونُ لَكم إِلهًا. وأُخَلِّصُكم مِن كُلِّ نَجاسَتِكم، وأَدْعو الحِنطَةَ وأُكَثِّرُها، ولا أُلقي علَيكمُ الجوع»(حز36: 25-29). وهكذا نري منذ الآن ، دور المياه في التدبير المسيحاني. فبحسب يوحنا(7: 37و38)، المسيح هو الذي يعطي ماء الروح، يعطي ماء تصير في الذي يتقبلها «يصيرُ فيه عَينَ ماءٍ يَتفَجَّرُ حَياةً أَبَديَّة»(يو4: 14). هذه هي نهاية مسيرة الماء في الكتاب المقدس.

وقد استنبط التقليد الكنسي القبطي من رش الماء في نهاية القداس القبطي الآتي:

  1. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء بالغطسات الثلاثة لمعموديته، وتحقيق للثلاث غطسات لنبوة حزقيال النبيّ:

أ-«فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الكَعبَين»(47: 3)، ب-«فوَصَلَتِ المِياهُ إِلى الرّكبَتَين»(47: 4)، جـ-«لم أَقدِرْ على عُبورِه، لأَنَّ المِياهَ صارَت طاغِيَة، وكانَت مِياهَ سِباحَةٍ ونَهرًا لا يُعبَر»(47: 5).

  1. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء يمنح الحياة لكل الكائنات الحية(حز47: 6-8).
  2. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء بالمياه النابعة من الهيكل تعطي الشفاء لكل الحضور.
  3. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء بالبركات السمائية لوعوده الصادقة: «إِنِّي سأُعْطي العَطْشانَ مِن يَنْبوعِ ماءِ الحَياةِ مَجَّانًا»(رؤ21: 6)، «يَقولُ الرُّوحُ والعَروس: «تَعالَ!» مَن سَمِعَ فليَقُلْ: «تَعالَ!» ومَن كانَ عَطْشانَ فلْيَأتِ، ومَن شاءَ فلْيَستَقِ ماءَ الحَياةِ مَجَّانًا»(رؤ22: 17) وهذه دعوة عامة لكل من يريد أن يأتي ويشرب من مياه الحياة مجانا. لكي تكون حياتنا شركة مع الله تكون بالروح وبالعطش إليه. فنقترب إليه بالصلاة والسلوك في حياتنا.
  4. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء بالعناية الإلهية: «اِفتَقَدتَ الأرضَ وسَقَيتَها وبِالغِنى غَمَرتَها نَهرُ اللهِ اْمتَلأ مِياهًا وللنَّاسِ تُعِدُّ الحِنطَة. فكذلِكَ أَعدَدتَ الأَرْض»(مز65: 10)، «هُناكَ نَهرٌ فُروعُه تُفرِحُ مَدينةَ الله أَقدَسَ مَساكِنِ العَليّ»(مز46: 5). تفيض نعمة الله ويتعهدها دائما بعنايته الإلهية ولا سيما الأرض التي يقطنها شعبه، فهي أرض مملوءة بالبركات. غنية بالخيرات. ونهر الله هو الإنجيل المقدس، المملوء من المواعيد الروحية، وأيضًا نعمة الروح القدس الموزعة على المؤمنين وجعل غذاءهم الخبز الحي النازل من السماء الذي هو جسد ودم المسيح الأقدسين.
  5. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء بمياه الراحة: «مِياهَ الرَّاحةِ يورِدُ في ويُنعِشُ نَفْسي» (مز23: 2) لينال القطيع قسطا وافرا من الطعام يقتاده الراعي إلى مجري مائي أو ينبوع يفيض مياه عذبة ليشرب الكل ويرتوا منها ويتقوي كيانهم وينتعشون ولا يستطيع القطيع أن يذهب من تلقاء نفسه بل يورده الراعي.
  6. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء أن مولده من الماء والروح: «ما مِن أَحَدٍ يُمكِنَه أَن يَدخُلَ مَلَكوتَ الله إِلاَّ إِذا وُلِدَ مِنَ الماءِ والرُّوح»(يو3: 5). وبيّن لنا كيف تعود إلى الإنسان الخاطئ صحة الروح وشفاء النفس. ذاك هو رمز شفاء المخلع(يو5: 1-8) واستعادة الأعمى البصر: « اِذهَبْ إِلى سِلوامَ فَاغتَسِل. فذَهَبتُ فَاغتَسَلَتُ فَأَبصَرتُ»(يو9: 11)
  7. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء أن يسوع المسيح هو ينبوع الماء الحيّ: «شَعْبي صَنَعَ شَرَّين: تَرَكوني أَنا يَنْبوعَ المِياهِ الحَيَّة وحَفَروا لِأَنفُسِهم آباراً آباراً مُشَقَّقَةً لا تُمسِكُ الماء»(إر2: 13)، «يا رَجاءَ إِسْرائيلَ، يارَبّ إِنَّ جَميعَ الَّذينَ يَترُكونَكَ يَخزَون والَّذينَ يَنصَرِفونَ عنكَ يُكتَبونَ في التُّراب لِأَنَّهم تَرَكوا يَنْبوعَ المِياهِ الحَيَّة تَرَكوا الرَّبّ»(إر17: 13). في الحقيقة كم من أناس يذهبون إلى الكنيسة تاركين ينبوع الماء الحيّ أو أغوتهم ملذات وهموم العالم فرش الماء في نهاية القداس يذكرهم بينبوع الماء الحي.
  8. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء بكلمة الله التي سمعها في القداس لا ترجع فارغة: «أَيُّها العِطاشُ جَميعاً هَلُمُّوا إِلى المِياه […]لِأَنَّه كما يَنزِلُ المَطَرُ والثَّلجُ مِنَ السَّماء ولا يَرجِعُ إِلى هُناك دونَ أَن يُروِيَ الأَرض ويَجعَلَها تُنتِجُ وتُنبِت لِتُؤتِيَ الزَّارعَ زَرعاً والآكِلَ طَعاماً. فكذلك تَكونُ كَلِمَتي الَّتي تَخرُجُ مِن فمي: لا تَرجِعُ إِلَيَّ فارِغة بل تُتِمُّ ما شِئتُ وتَنجَحُ فيما أَرسَلْتُها لَه»(إش55: 1و10و11) إذا عطش الإنسان فتصبح لديه أشواق روحية لله وكلمة الله كالمطر في ثلاث أمور: أ-إنها من فوق، ب- إنها تجعل في الناس الأثمار الروحية، جـ-إنها فعّالة فإن المطر لا يرجع إلى السماء بعد ما يروي الأرض وكلمة الله لا ترجع فارغة ولكنها تأتي بأثمار روحية كما قال: «ووَقَعَتِ الحَبَّاتُ الأُخْرى على الأَرضِ الطَّيِّبَة، فارتَفَعَت ونَمَت وأَثمَرَت، بَعضُها ثلاثين، وبَعضُها سِتِّين، وبَعضُها مِائة»(مر4: 8).
  1. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء بثلاثة أبعاد وهي: البعد الأول بالكوني فلا وجود للحياة دون ماء، ولهذا السبب ربط الإنسان البدائي الماء بمبدأ الحياة، ورأي فيه العنصر الأولي: «ورُوحُ اللهِ يُرِفُّ على وَجهِ المِياه»(تك1: 2)، ولكن، إذا كان الماء يعكس العالم ويرمز إليه، بصفته كونا وحياة، فهو أيضًا رمزًا للدمار والموت. إنه العمق الغامض الذي يقتل ويمحق، ومسكن القوات الشيطانية المظلم، وصورة كل ما هو غير عقلاني وغير مضبوط في العالم. هو مبدأ الحياة، لأنه قوة تعطي الحياة، ومبدأ الموت لأنه قوة تدمر: هكذا كان الحدس في الماء بالنظار الديني للإنسان، وهو حدس ملتبس في الأساس. أما البعد الثالث فهو يكمن في أن الماء مبدأ تطهير ونظافة، أي مبدأ تجدّد وتجديد، لأنه يغسل ويزيل الأوساخ ويعيد للأرض نقاوتها الأصلية. هذا الرمز الديني الأساسيّ، وهو رمز متجذّر في صفات الماء الطبيعية والبديهية، ونجده بوضوح في الكتاب المقدس، أي في قصة الخلق والسقوط والخلاص كلها(تك1و3). فالماء موجود في البدء، وفي أول إصحاح من سفر التكوين الذي يمثل الخليقة كلها، والكون الذي يفرح به الخالق، لأنه انعكاس لله وإشادة بمجده. والماء موجود أيضًا في قصة الطوفان(تك7) وفي قصة إبادة فرعون وعرباته تحت أمواج البحر الأحمر(خر14)، ولكنه يرمز هنا إلى الغضب والدينونة والموت. أما في معمودية يوحنا، ونزول المسيح إلى نهر الأردن، ووصيته الأخيرة للتلاميذ: «فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس»(مت28: 19)، فإن الماء هو وسيلة للتطهر والتوبة والغفران. وهكذا فإن سائر الأبعاد الأساسية للإيمان المسيحي وفحواه كلها: أي الخلق والسقوط والفداء، الحياة والموت ثم القيامة والحياة الأبدية، تتوحد وتتماسك في هذا الرمز الواحد بسبب حاجتها الداخلية المتبادلة، ومن حدتها الداخلية.
    1. أن كل مؤمن يشترك في الذبيحة الإلهية يذكره رش الماء بالسمك الذي لا يقدر أن يعيش خارج الماء، هكذا المؤمن المسيحي يحيا كالسمك في نهر ماء الحياة بقوة الروح القدس. ورمز السمكة في التقليد الكنسي وأول من استخدم السمكة كرمز من رموز المسيحية هو إكليمنس السكندري، وهي ترمز للمسيح من جهة اسمه لأن الكلمات اليونانية للسمكة هي (ΙΧΘΥΣ إيخثوس) وكل حرف من حروفها هو بداية لاسم المسيح
  • إي Ι الحرف الأول أي Ιησους= إيسوس ومعناها (يسوع).
  • خ = Χ الحرف الثاني وهو المسيح Χριστος = (خريستوس) ومعناها (المسيح).
  • ث = Θ الحرف الثالث وهو “الله= Θεου (ثيئوس) ومعناها(الله).
  • و = Υ الحرف الرابع وهو ابن Υιος= (أوثيئوس) ومعناها (الابن).
  • س Σ =الحرف الأخير ويعني المخلصΣωτηρ =سوتير(المخلص).

وهذا التفسير يذكرنا بختام المزمور ألـــــ150 في القداس القبطي وهي: «يا يسوع المسيح بن الله اسمعنا وارحمنا»(إيسوس بي خرستوس إبشيري إم إفنوتي سوتيم إيه رون أووه ناي نان)، وأيضًا يختم بعد قانون الختام بقول الكاهن «خين بي خرستوس» يجاوبه الشعب: «آمين إس إيه شوبي» والمعني الحرفي لهذه النصوص اليونانية هل المسيح هو إيمانكم؟ يجاوبه الشعب: نعم، المسيح هو إيماننا. هكذا كل من يتناول عليه أن يبقي دائمًا في نهر ماء الحياة، لأن الخروج من الكنيسة معناه الموت الروحي. ويكتب القديس إكليمنس الإسكندري: «أن المسيحيين كانوا يرسمون صورة سمكة أو حمامة على الخواتم إشارة إلى مياه المعمودية التي كسبوا بها الحياة كما يكسب السمك الحياة بالماء».

 

الأب إسطفانوس دانيال جرجس

خادم مذبح الله بالجلاوية – ساقلتة